Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ في الزَّبور أو في بعض الصُّحُف سمَّاها اللهُ تعالى بهذا الاسم، وعرَفَها به الأنبياءُ قبل سليمانَ أو بعضُهم. وخُصَّتْ بالتسمية لنطقها وإيمانِها، فهذا وجه. ومعنى قولنا : بإيمانها أنها قالت للنمل: ﴿لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُدُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ التفاتةُ مؤمن. أي: مِنْ عدل سليمانَ وفضلِه وفضلٍ جنوده لا يحطمون نملةً فما فوقها إلا بألا يشعروا. وقد قيل: إن تبسُّمَ سليمانَ سرورٌ بهذه الكلمة منها؛ ولذلك أكَّدَ التُّسمَ بقوله: ﴿ضَاحِكًا﴾ إذ قد يكون التبسُمُ من غيرِ ضحكٍ ولا رضا، ألا تراهم يقولون: تبسَّمَ تبسُّمَ الغضبان، وتبسَّمَ تبسُّمَ المستهزئين. وتبسُّمُ الضحكِ إنَّما هو عن سرور، ولا يُسَرُّ نبيٍّ بأمر دنيا، وإنما سُرَّ بما كان من أمر الآخرة والدِّين. وقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ إشارةٌ إلى الدِّين والعدل والرأفة. ونظيرُ قولِ الثَّملةِ في جندٍ سليمانَ: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قولُ اللهِ تعالى في جند محمدٍ ﴾: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم مَّعَزَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥] التفاتاً إلى أنهم لا يقصدون هَذْرَ مؤمن. إلّا أنَّ المُثني على جندٍ سليمانَ هي النملة بإذن الله تعالى، والمُثني على جندٍ محمدٍ﴾ هو اللهُ عزَّ وجلَّ بنفسِه؛ لِما لجنودِ محمدٍ﴾ من الفضل على جندٍ غيرِه من الأنبياء، كما لمحمدٍ * فضلٌ على جميع النبيِّين صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وقرأ شهر بن حَوْشب: ((مَسْكَنَكُمْ)) بسكون السين على الإفراد. وفي مصحف أُبيِّ: ((مَسَاكِنَكُنَّ لا يَخْطِمَنْكُمْ))(١). وقرأ سليمان الشَّيمي: ((مَسَاكِنَكُنَّ(٢) لَا يَخْطِمَنْكُنَّ)) ذكره النَّخَّاس(٣). أي: لا يكسِرُنَّكم بوَظْئِهم عليكم وهم لا يعلمون بكم (٤). قال المهدوي: وأفهمَ اللهُ تعالى النملةَ هذا لتكون معجزةً لسليمان. وقال وهب: (١) المحرر الوجيز ٢٥٤/٤، وقراءة شهر في الشاذة ص١٠٨ ، وذكرها ابن الجوزي في زاد المسير ١٦١/٦ عن أبي بن كعب وأبي المتوكل وعاصم الجحدري. (٢) في النسخ: مساكنكم. والمثبت من معاني القرآن للنحاس. (٣) في معاني القرآن ١٢١/٥ . (٤) تفسير الطبري ٢٨/١٨ . ١٢٢ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ أمر اللهُ تعالى الريحَ ألَّا يتكلم أحد بشيء إلا طرحته في سمع سليمان؛ بسبب أن الشياطين أرادت كيده. وقد قيل: إن هذا الوادي كان ببلاد اليمن وأنها كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد. قاله الكلبيّ. وقال نَوْف الشامي وشَقيق بن سَلَمة: كان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم (١). وقال بُرَيْدَة الأسلمي: كهيئة النعاج(٢). قال محمد بن علي التِّرمذي: فإن كان على هذه الخلقة فلها صوت، وإنما افتقد صوت النمل لصغر خلقها، وإلا فالأصوات في الطيور والبهائم كائنة، وذلك منطقهم، وفي تلك المناطق معاني التسبيح وغير ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنِ شَىْءٍ إِلَا يُسَيْحُ إِحْدِهِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. قلت: وقوله ((لَا يَخْطِمَنَّكُمْ)) يدلُّ على صحة قول الكلبي؛ إذ لو كانت لهيئة الذئاب والنعاج لما حطمت بالوطء؛ والله أعلم. وقال: ((ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)) فجاءً على خطاب الآدميِّين؛ لأنَّ النملَ هاهنا أُجْريَ مجرى الآدميِّين حين نطَقَ كما ينطِقُ الآدميُّون. قال أبو إسحاق الثعلبي: ورأيتُ في بعض الكتب أنَّ سليمانَ قال لها: لِمَ حذَّرتِ الثَّملَ؟ أخِفْتِ ظلمي؟ أما علِمْتِ أني نبيٌّ عدل؟ فَلِمَ قلتِ: ﴿ يَخْطِمَتَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَحُهُ﴾؟ فقالتِ النَّملةُ: أما سمعتَ قولي: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ مع أني لم أُرِدْ حَظْمَ النفوس، وإنَّما أردتُ حَظْمَ القلوبِ خشيةَ أن يتمنَِّنَّ مثلَ ما أُعطيتَ، أو يُفتتنَ بالدنيا، ويشتغِلَنَّ بالنظر إلى مُلكِكَ عن التسبيح والذِّكر. فقال لها سليمان: عِظيني. فقالتٍ الثَّملة: أما علمتَ لِمَ سُمِّي أبوكَ داود؟ قال: لا. قالت: لأنه داوى جراحةً فؤاده؛ هل علمتَ لِمَ سُمِّيتَ سليمان؟ قال: لا. قالت: لأنك سليمُ الناحية على ما أوتيتَه بسلامةِ صدرك، وحُقَّ(٣) لكَ أن تلحق بأبيك داود(٤). ثم قالت: أتدري لِمَ سخّرَ اللهُ (١) أخرجه الطبري ٢٨/١٨ عن نوف. (٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٦/ ١٦١ من غير نسبة. (٣) في النسخ: وإن. والمثبت من عرائس المجالس. (٤) كلمة داود من عرائس المجالس. ١٢٣ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ لكَ الريح؟ قال: لا. قالت: أخبركَ أنَّ الدُّنيا كلَّها ريح. ﴿فَبَتَّمَ ضَاحِكًا مِن قَوْلِهَا﴾ مُتعجّباً(١). ثم مضت مُسرعةً إلى قومها، فقالت: هل عندكم من شيءٍ نُهديه إلى نبيِّ الله؟ قالوا: وما قَدْرُ ما نُهدي له؟ واللهِ ما عندنا إلَّا نَبقةٌ واحدة! قالت: حسنة، ايتوني بها. فأتَوها بها، فحملَتْها بفيها، فانطلقَتْ تجرُّها، فأمر اللهُ الرِّيحَ فحملَتْها، وأقبلت تشُقُّ الإنس والجِنَّ والعلماء والأنبياءُ على البساط، حتى وقعت بين يديه، ثم وضعتْ تلك النَّقةَ من فيها في كفِّه، وأنشأت تقول: وإن كان عنه ذا غنّى فهو قابِلُهْ ألم تَرنا نُهدِي إلى اللهِ مَالَهُ لَقْصَّرَ عنه البحرُ يوماً وساحِلُهْ ولو كان يُهدَى للجليلِ بقَدْرِهِ فيَرضى به عنَّا ويشكرُ فاعِلُهْ ولكنَّنا نُهدي إلى مَنْ نُحِبُّهُ وإلَّا فما في مُلْكِنا ما يُشاكِلُهْ وما ذاكَ إلا من كريمٍ فِعالُهُ فقال لها: باركَ اللهُ فيكم. فهم بتلك الدعوة أشكرُ خلْقِ الله وأكثرُ خلْقِ الله. وقال ابن عباس: نهى النبيُّ # عن قتلٍ أربعٍ من الدواب: الهدهد، والصُّرَد، والثَّملة، والنحلة. خرَّجه أبو داود(٢)، وصحَّحه أبو محمد عبد الحق(٣). ورُويّ من حديث أبي هريرة، وقد مضى في ((الأعراف)) (٤). فالنملة أثنتْ على سليمانَ وأخبرت بأحسنَ ما تقدِرُ عليه بأنهم لا يشعرون إنْ حطموكم، ولا يفعلون ذلك عن عمدٍ منهم، فنفَتْ عنهم الجور؛ ولذلك نهى عن قتلِها، وعن قتل الهدهد؛ لأنَّه كان دليلَ سليمانَ على الماء ورسولَه إلى بلقيس. وقال عكرمة: إنما صرف اللهُ شرَّ سليمان عن الهدهد؛ لأنه كان بارًا بوالديه. والصُّرَد يقال له: الصوَّام. ورُويَ عن أبي هريرة قال: أوَّلُ من صامَ الصُّرَد، ولمَّا (١) كلام الثعلبي من أوله إلى هذا الموضع من عرائس المجالس ص٢٩٩، وما بعده لم نجده فيه. (٢) في سننه (٥٢٦٧). (٣) في الأحكام الوسطى ٢٤٩/٤، والأحكام الصغرى ٨٤٨/٢ . (٤) ٩/ ٣١٣ . ١٢٤ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ خرج إبراهيم عليه السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت كانت السَّكِينةُ معه والصُّرد، فكان الصُّرد دليلَه على الموضع، والسَّكِينةُ مقدارَه، فلمَّا صار إلى البقعة وقعت السَّكِينةُ على موضع البيت ونادت وقالت: ابْنِ يا إبراهيم على مقدار ظِلِّي(١). وقد تقدَّم في ((الأعراف)) (٢) سببُ النهي عن قتل الضفدع، وفي ((النحل))(٣) النهيُ عن قتل النحل. والحمد لله. الثانية: قرأ الحسن: ((لا يَحَطِّمَنَّكُمْ))، وعنه أيضاً: ((لا يَحِطَّمَنَّكُمْ))، وعنه أيضاً وعن أبي رجاء: ((لا يُحَطِّمَنَّكُمْ)) (٤) والحَظْمُ: الكسر(٥). حطَمتُه حَظماً أي: كسَرْتُه وتَحظّم، والتَّحطيمُ: التكسير(٦). ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يجوز أن يكون حالاً من سليمانَ وجنودِهِ، والعاملُ في الحال (يَحْطِمَنَّكُمْ)). أو حالاً من النَّملة، والعامل ((قَالَتْ))، أي: قالت ذلكَ في حال غفلةٍ الجنود، كقولك: قمتُ والناسُ غافلون. أو حالاً من النمل أيضاً، والعامل ((قَالَتْ)) على أنَّ المعنى: والنَّملُ لا يشعرون أنَّ سليمانَ يفهَمُ مقالَتها. وفيه بُعْدٌ، وسيأتي. الثالثة: روى مسلمٌ من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﴾ ((أنَّ نملةً قرصَتْ نبيًّا من الأنبياء فأمر بقريةِ النَّملِ فَأُحرِقَتْ، فأوحى الله تعالى إليه: أفي أنْ قرصَتْكَ نملةٌ أهلكتَ أمةً من الأمم تُسبِّحُ؟!(٧)) وفي طريقٍ آخر: ((فهَلَّا نملةً واحدةً)(٨). قال (١) نوادر الأصول ص ١٣٢. (٢) ٣١٣/٩. (٣) ٣٦٥/١٢. (٤) هذه القراءات الثلاث كلها شاذة، والأولى في المحتسب ١٣٧/٢، والشاذة ص١٠٨ . والثانية في المحتسب ١٣٧/٢، والمحرر الوجيز ٢٥٤/٤، وزاد ابن الجوزي في زاد المسير ١٦٢/٦ نسبتها إلى أبي المتوكل وأبي مجلز. والقراءة الثالثة في الشاذة ص١٠٨ عن الحسن وحده، وفي المحرر الوجيز ٤/ ٢٥٤ عن الحسن وأبي رجاء. (٥) تفسير البغوي ٤١١/٣، وزاد المسير ٦/ ١٦٢. (٦) الصحاح (حطم). (٧) صحيح مسلم (٢٢٤١): (١٤٨). وأخرجه أحمد (٩٢٢٩)، والبخاري (٣٠١٩). (٨) صحيح مسلم (٢٢٤١): (١٤٩) و(١٥٠). وأخرجه أحمد (٨١٣٠)، والبخاري (٣٣١٩). ١٢٥ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ علماؤنا: يقال: إنَّ هذا النبيَّ هو موسى عليه السلام، وإنه قال: يا ربِّ، تُعذّبُ أهلَ قريةٍ بمعاصيهم وفيهم الطائع. فكأنَّه أحبَّ أن يُريَهُ ذلك من عنده، فسلَّط عليه الحرَّ حتى التجأ إلى شجرةٍ مُستَرْوِحاً إلى ظِلُها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلمَّا وجدَ لذَّةَ النَّومِ لدَغَتْه الثَّملةُ فأضجَرتْه، فدلكهُنَّ بقدمِه فأهلكهُنَّ، وأحرق تلك الشجرةَ التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك آيةً: لمَّا لدَغَتْكَ نملةٌ فكيفَ أصبتَ الباقين بعقوبتها؟! يريد أن يُنبِّهه أنَّ العقوبةَ من الله تعالى تعُمُّ فتصيرُ رحمةً على المطيع وطهارةً وبركةً، وشرًّا ونقمةً على العاصي. وعلى هذا فليس في الحديث ما يدلُّ على كراهةٍ ولا حَظْرٍ في قتل النمل؛ فإنَّ مَنْ آذاك حَلَّ لك دفعه عن نفسك، ولا أحدَ مِنْ خَلْقِه أعظَمُ حرمةً من المؤمن، وقد أُبِيحَ لك دَفْعُه عنكَ بقتلٍ وضربٍ على المقدار، فكيف بالهوامِّ والدوابِّ التي قد سُخِّرَتْ لكَ وسُلِّظْتَ عليها، فإذا آذاك أُبِيحَ لك قَتْلُه. ورُويَ عن إبراهيم: ما آذاك من النمل فاقتُلْه. وقولُه: ((ألا نملةً واحدة)» دليلٌ على أنَّ الذي يُؤذي يُؤْذَى ويُقتَلُ، وكلَّما كان القتلُ لنفعِ أو دفعٍ ضررٍ فلا بأس به عند العلماء. وأطلق له نملةً ولم يَخُصَّ تلكَ النملةَ التي لدغت من غيرِها؛ لأنَّه ليس المرادُ القصاصَ؛ لأنَّه لو أرادَه لَقالَ: ألا نملتَكَ التي لدغَتْكَ؟ ولكن قال: ألا نملةً مكانَ نملةٍ؟ فَعَمَّ البريءَ والجاني بذلك؛ ليعلم أنَّه أرادَ أن يُنبِّهه لمسألته ربَّه في عذاب أهل قريةٍ وفيهم المطيع والعاصي. وقد قيل: إنَّ هذا النبيَّ كانت العقوبةُ للحيوانِ بالتحريقِ جائزةٌ في شرعه؛ فلذلك إنَّما عاتبَهُ اللهُ تعالى في إحراق الكثيرِ من الثَّملِ لا في أصل الإحراق. ألا ترى قولَه: «فهلَّا نملةً واحدةً)) أي: هلَّا حرقْتَ نملةً واحدة. وهذا بخلافِ شرعِنا، فإنَّ النبيَّ :﴿ قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: ((لا يُعذِّبُ بالنَّارِ إلا الله))(١). وكذلك أيضاً كان قتلُ النملِ مُباحاً في شريعة ذلك النبيِّ؛ فإنَّ اللهَ لم يُعْتِبْه على أصلٍ قتلِ النَّمل. وأمَّا شرعُنا فقد جاء من حديث ابن عباس وأبي هريرة النهيُّ عن ذلك. وقد كرِهَ مالكٌ قتلَ النَّملِ إلَّا أن يضُرَّ ولا يقدِرَ على دفعِه إلَّ بالقتل. وقد (١) أخرجه أحمد (٨٠٦٨)، والبخاري (٣٠١٦) من حديث أبي هريرة ﴾. ١٢٦ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ قيل: إنَّ هذا النبيَّ إنَّما عاتبَه اللهُ حيثُ انتقمَ لنفسِه بإهلاك جَمْع آذاهُ واحدٌ [منه(١)]، وكان الأَوْلى الصبرُ والصَّفْحُ، لكن وقع للنبيّ أنَّ هذا النوعَ مُؤذٍ لبني آدم، وحرمةُ بني آدَمَ أعظمُ من حُرمةٍ غيرهٍ من الحيوان غيرِ الناطق، فلو انفردَ له هذا النَّظرُ ولم ينضمَّ إليه التشَفِّي الطبيعي(٢) لم يُعاتَب. والله أعلم. لكن لمَّا انضافَ إليه التشَفِّي الذي دلَّ علیه سیاقُ الحدیثِ ◌ُوتِبَ علیه. الرابعة: قوله: ((أفي أن قرصَتْكَ نملةٌ أهلكتَ أمةً من الأمم تُسبِّحُ)) مقتضى هذا أنَّه تسبيحٌ بمقالٍ ونُظْقٍ، كما أخبر اللهُ عن النَّملِ أنَّ لها منطقاً، وفَهِمَه سليمانُ عليه السلام - وهذا معجزةٌ له - وتبسَّمَ من قولِها. وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً أنَّ للَّملِ نُطقاً وقولاً، لكن لا يسمَعُه كلُّ أحد، بل مَنْ شاء الله تعالى مِمَّن خرقَ له العادةَ من نبيٍّ أو وليٍّ. ولا يُنكّرُ(٣) هذا مِنْ حيثُ أنَّا لا نسمع ذلك؛ فإنَّه لا يلزَمُ مِنْ عَدَمِ الإدراكِ عَدَمُ المُدرَكِ في نفسه. ثم إنَّ الإنسانَ يجِدُ في نفسِه قولاً وكلاماً ولا يُسمَعُ منه إلَّا إذا نطَقَ بلسانِهِ. وقد خرقَ اللهُ العادةَ لنبيِّنا محمدٍ ﴿ فأسمعَه كلامَ النَّفْسِ من قومٍ تحدَّثوا مع أنفسهم وأخبرهم بما في نفوسهم، كما قد نقلَ منه الكثيرَ أئِمَّتُنا (٤) في كتب معجزاتٍ النبيِّ﴾، وكذلك قد(٥) وقع لكثيرٍ ممَّنْ أكرمه اللهُ تعالى من الأولياء مثلُ ذلِكَ في غير ما قضية. وإِيَّاه عنى النبيُّ # بقوله: ((إنَّ في أمتي مُحدَّثين وإنَّ عمرَ منهم))(٦). وقد مضى هذا المعنى في تسبيح(٧) الجمادِ في ((سبحان))(٨) وأنَّه تسبيحُ لسانٍ ومقالٍ لا (١) ما بين حاصرتين من المفهم. (٢) في (م): الطبعي. (٣) في (م): ننكر. (٤) قبلها في (د) و(ز) و(م): من. (٥) كلمة ((قد)) من (ظ) والمفهم. (٦) أخرجه أحمد (٢٤٢٨٥)، ومسلم (٢٣٩٨) بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها. ومن قوله: وقد قيل: إن هذا النبي كانت العقوبة ... إلى هذا الموضع من المفهم ٥٤٢/٥ - ٥٤٣ . (٧) كلمة (تسبيح)) من (م). (٨) ٩٢/١٣. ١٢٧ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ تسبيح دلالة حال. والحمد لله. الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَنَتَّمَ ضَاحِكًا مِن قَوْلِهَا﴾ وقرأ ابن السَّمَيفَع: ((ضحكاً)) بغير ألف(١)، وهو منصوبٌ على المصدر بفعلٍ محذوفٍ يدلُّ عليه تبسَّمَ، كأنَّه قال: ضَحِكَ ضحكاً، هذا مذهب سيبويه. وهو عند غير سيبويه منصوب بنفس (تَبَسَّمَ))؛ لأنَّه في معنى ضحك. ومن قرأ: ((ضَاحِكاً)) فهو منصوبٌ على الحال من الضمير في (َبَسَّمَ))(٢). والمعنى: تبسَّم مقدارَ الضَّحِك؛ لأنَّ الضَّحِكَ يستغرِقُ التبسُّمَ، والتبسُمُ دون الضَّحك، وهو أوَّله. يقال: بَسَمَ (بالفتح) يَبْسِمُ بَسْمَاً فهو باسمٌ وابتسمَ وتبسَّم، والمَبْسِمُ: الثَّغْرُ، مثل المجلس من جلَسَ يجلِسُ، ورجلٌ مِبسامٌ وبسَّامٌ كثيرٌ التبسُّمِ (٣)، فالتبسُّم ابتداءُ الضَّحِك، والضَّحِكُ عبارةٌ عن الابتداء والانتهاء، إلَّ أنَّ الضَّحِكَ يقتضي مزيداً على التبسُّم، فإذا زاد ولم يضبِطِ الإنسانُ نفسَه قيل: قَهْقَهَ. والتبسُم ضَحِكُ الأنبياء عليهم السلام في غالب أمرهم(٤). وفي الصحيح عن جابر بن سَمُرة وقيل له: أكنتَ تُجالِسُ النبيَّ ﴾؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقومُ من مُصلاَّه الذي يصلِّي فيه الصبحَ - أو الغداةَ - حتى تطلعَ الشَّمسُ، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدَّثون ويأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسَّمُ(٥). وفيه عن سعد قال: كان رجلٌ من المشركين قد أحرق المسلمين(٦)، فقال له النبيُّ﴾: ((ارم فِداكَ أبي وأمِّي)) قال: فنزعتُ له بسهم ليس فيه نَصْلٌ فأصبتُ جنبه، فسقط فانكشفَتْ عورَتُه، فضحِكَ رسولُ الله﴾ حتى نظرتُ إلى نواجذِه(٧). فكان عليه الصلاة والسلام في أكثر (١) المحتسب ١٣٩/٢، وهي قراءة شاذة. (٢) من بداية المسألة إلى هذا الموضع من المحرر الوجيز ٤/ ٢٥٤ بنحوه. (٣) الصحاح (بسم) ببعضه. (٤) المحرر الوجيز ٢٥٤/٤ . (٥) صحيح مسلم (٦٧٠) و(٢٣٢٢). وأخرجه أحمد (٢٠٨٤٤). (٦) أي: أثخن فيهم، وعمل فيهم ما تفعله النار. وقد يكون معناه: أغاظهم. إكمال المعلم ٤٢٣/٧ . (٧) صحيح مسلم (٢٤١٢). ١٢٨ سورة النمل: الآيتان ١٨ - ١٩ أحواله يتبسم، وكان أيضاً يضحك في أحوالٍ أُخَرَ ضِكاً أعلى من التبسُم وأقلَّ من الاستغراق الذي تبدو فيه اللَّهَوات، وكان في النادر عند إفراطِ تعجُّبِه رُبما ضحِكَ حتى بدَتْ نواجِذُه. وقد كرِهَ العلماءُ منه الكثرة، كما قال لقمان لابنه: يا بنيَّ، إياكَ وكثرةَ الضَّحكِ فإنَّه يُميتُ القلبَ. وقد رُويَ مرفوعاً من حديث أبي ذرٍّ وغيره(١). وضَحِكُ النَّبِيِّ # حتى بدَتْ نواجِذُه حين رمى سعدٌ(٢) الرجلَ فأصابه، إنما كان سروراً بإصابته لا بانكشافِ عورَتِه؛ فإنَّه المُنَزَّهُ عن ذلك ◌ِ﴾. السادسة: لا اختلافَ عند العلماء أنَّ الحيواناتِ كلّها لها أفهامٌ وعقول. وقد قال الشافعيُّ: الحمامُ أعقَلُ الطير (٣). قال ابن عطية (٤): والنَّملُ حيوانٌ فَطِنٌ قويٌّ شمَّامٌ جِدًّا، يدَّخِرُ ويتَّخِذُ القِرى، ويشقُّ الحبَّ بقطعتين لئلاًّ ينبُتَ، ويشقُّ الكُزْبُرَةَ بأربع قطع؛ لأنَّها تَنبتُ إذا قُسِمتْ شِقَّتين، ويأكل في عامه نصفَ ما جمع ويستبقي سائِرَه عُدَّة. قال ابن العربي(٥): وهذه غوامض(٦) العلوم عندنا، وقد أدركَتْها النَّملُ بِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ لها؛ قال الأستاذ أبو المظفَّر شاهنور الإسفرايني: ولا يَبعُدُ أن تُدرِكَ البهائمُ حدوثَ العالَم، وحدوثَ المخلوقات، ووحدانيةَ الإله، ولكنَّنا لا نفهَمُ عنها ولا تفهَمُ عنَّا، أمَّا أنَّا نطلبُها وهي تفِرُ مِنَّا فبِحُكمِ الجنسية. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّىَّ أَنْعَمْتَ عَلَنَّ وَعَلَى وَإِذَكَّ﴾ فـ((أن)) مصدرية. و((أَوزِغْني)) أي: ألهِمْني ذلك. وأصلُه من وزَعَ، فكأنَّه قال: كُفَّني عما يُسخِطَ(٧). (١) أخرجه أحمد (٨٠٩٥) من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) في (م): سعداً. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٣٧/٣. (٤) في المحرر الوجيز ٢٥٣/٤ . (٥) في أحكام القرآن ١٤٣٧/٣ . (٦) في النسخ: خواص، والمثبت من أحكام القرآن. (٧) معاني القرآن للزجاج ١١٢/٤-١١٣ بنحوه. ١٢٩ سورة النمل: الآيات ١٩ - ٢٨ وقال محمد بن إسحاق: يزعُمُ أهلُ الكتاب أنَّ أَمَّ سليمانَ هي امرأة أوريا التي امتحنَ اللهُ بها داود، أو أنَّه بعد موت زوجها تزوَّجها داودُ فولَدَتْ له سلیمانَ علیه السلام. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في سورة ((صّ))(١) إن شاء الله تعالى. ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِينَ﴾ أي: مع عبادك. عن ابن زيد(٢). وقيل: المعنى: في جملة عبادك الصالحين(٣). قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ اَلَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَّ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَجَنَّهُ، أَوْ لَيَأْنِيَنِى بِسُلْطَنِ مُبِينٍ ﴾ فَمَكَثَ ® إِنّى غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَكٍَ بِّرْ يَقِينٍ وَجَدَثُّ أَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَهْ وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ ( وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ وَلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٥) اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿ قَالَ سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكَذِبِينَ ٧ أَذْهَب بِّكِتَنِ هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ فيه ثمانية عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ اَلَّيْرَ﴾ ذكر شيئاً آخَر مما جرى له في مسيرهِ الذي كان فيه من النَّمل ما تقدَّم. والتفقُّدُ: تطلُّبُ ما غاب عنكَ من شيءٍ. والطير: اسمٌ جامعٌ، والواحد طائر، والمرادُ بالطّيرِ هنا جِنسُ الطَّرِ وجماعتُها. وكانت تصحبُه في سفره وتُظِلُّهُ بأجنحتها(٤). واختلفَ الناسُ في معنى تفقُّدِه للطّير، فقالت فرقةٌ: ذلك (١) عند تفسير الآية (٢١) منها. (٢) مجمع البيان ٢٠٨/١٩ . وأخرجه الطبري ٢٩/١٨ . (٣) الوسيط ٣/ ٣٧٣ . (٤) الوسيط ٣٧٣/٣، وزاد المسير ١٦٣/٦. ١٣٠ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ بحسبٍ ما تقتضيه العنايةُ بأمور الملك، والتَّهمُّم بكل جزءٍ منها، وهذا ظاهر الآية. وقالت فرقةٌ: بل تفقَّدَ الطيرَ لأنَّ الشمسَ دخلتْ من موضع الهُدهُدِ حين غاب، فكان ذلك سببَ تفقُّدِ الطير؛ ليتبيَّنَ من أين دخلتِ الشمس. وقال عبد الله بن سَلَام: إنَّما طلبَ الهُدْهُدَ لأنه احتاجَ إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض؛ لأنّه كان نزل في مفازةٍ عُدِمَ فيها الماء، وأنَّ الهُدهُدَ كان يرى باطِنَ الأرضِ وظاهِرَها؛ فكان يُخبرُ سليمانَ بموضع الماء، ثم كانتِ الجِنُّ تُخرِجُه في ساعةٍ يسيرة، تَسلَخُ عنه وجهَ الأرض كما تُسلَخُ الشاة. قاله ابن عباس فيما روى عن ابن سَلَام(١). قال أبو مِجْلَز: قال ابن عباس لعبد الله بن سَلام: أُريدُ أنْ أسألكَ عن ثلاثِ مسائل. قال: أتسألُني وأنتَ تقرأ القرآن؟ قال: نعم. ثلاث مرات. قال: لِمَ تَفَقَّدَ سليمانُ الهدهدَ دون سائرٍ الطير؟ قال: احتاج إلى الماء ولم يعرِفْ عُمقَه - أو قال: مسافته - وكان الهدهدُ يعرِفُ ذلك دونَ سائرِ الطير فتفقَّدَهُ(٢). وقال في كتاب النَّقَّاش: كان الهُدهُد مهندساً. ورُويَ أنَّ نافع بن الأزرق سمعَ ابنَ عباسٍ يذكر شأنَ الهُدهُدِ فقال له: قِفْ یا وقَّاف، كيف يرى الهُدهُدُ باطِنَ الأرض وهو لا يرى الفَخَّ حين يقع؟! فقال له ابن عباس: إذا جاء القَدُر عَمِيَ البصر(٣). وقال مجاهد: قيل لابن عباس: كيف تفقَّدَ الهُدْهُدَ من الطير؟ فقال: نزل منزلاً ولم يَدْرِ ما بُعْدُ الماء، وكان الهُدهُدُ مهتدياً إليه، فأراد أن يسأله. قال مجاهد: فقلت: كيفَ يهتدي والصبيُّ يضَعُ له الحِبَالةَ فيصيدُه؟! فقال: إذا جاء القَدَرُ عَمِيَ البصر(٤). قال ابن العربي(٥): ولا يقدِرُ على هذا الجواب إلَّ عالمُ القرآن. (١) المحرر الوجيز ٢٥٥/٤ . (٢) معاني القرآن للنحاس ١٢٢/٥-١٢٣، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥٦٦/١١-٥٦٧ ، وأخرجه بنحوه الطبري ٣٠/١٨. (٣) المحرر الوجيز ٢٥٥/٤ . وأثر ابن عباس أخرجه الطبري ٣٠/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٢١٣). (٤) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٢١١). (٥) في أحكام القرآن ١٤٤٣/٣ . ١٣١ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ قلت: هذا الجوابُ قد قاله الهُدْهُدُ لسليمانَ كما تقدَّم. وأنشدوا : وكانَ ذا عقلٍ ورأيٍ ونَظَرْ إذا أرادَ اللهُ أمراً بامرئٍ يأتي بِهِ مكروهُ أسبابِ القَدَرْ وحيلةٍ يعَملُها في دَفْعِ ما وسَلَّهُ من ذهنِهِ سلَّ الشّعَرْ غَظَّى عليه سمعَهُ وعقلَهُ ردَّ عليه عقلّهُ لِيعتبِرْ حتى إذا أنقَذَ فیه حُكمَهُ قال الكلبي: لم يكن في مسيره إلَّا هُدْهٌ واحد. والله أعلم. الثانية: في هذه الآية دليلٌ على تفقّدِ الإمام أحوالَ رعيَّتهِ، والمحافظة عليهم. فانظر إلى الهدهد مع صِغَرِه كيف لم يَخْفَ على سليمانَ حالُه، فكيف بعظام المُلْك. ويرحَمُ اللهُ عمرَ فإنه كان على سيرته؛ قال: لو أنَّ سخلةً على شاطئ الفرات أخذَها الذئبُ لَيُسألُ عنها عمر (١). فما ظنُّك بوالٍ تذهَبُ على يديه البلدان، وتضيع الرَّعيةُ ويضيع الرُّعيان(٢). وفي الصحيح عن عبد الله بن عباس أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خرجَ إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغُ (٣) لقيَه أمراءُ الأجناد: أبو عبيدة وأصحابُه، فأخبروه أنَّ الوباءَ قد وقع بالشام. الحديث(٤). قال علماؤنا: كان هذا الخروجُ من عمر بعد ما فتحَ بيتَ المقدس سنة سبعَ عِشْرَةَ على ما ذكره خليفة بن خياط، وكان يتفقَّدُ أحوالَ رعِيَّته وأحوالَ أمرائِه بنفسه(٥). فقد دلَّ القرآنُ والسُّنَّةُ وبيَّنا ما يجب على الإمام مِنْ تفقّدٍ أحوالِ رعِيَّته، ومباشرةِ ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك وإن طال. ورحِمَ اللهُ ابنَ المبارك حیث یقول : (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٣٧/٦، والبيهقي في الشعب (٧٤١٥) عن الأوزاعي قال: بلغني أن عمر ابن الخطاب قال ... فذكره بنحوه. إسناده فيه انقطاع. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٤٢ . (٣) سَرْغ: قرية بوادي تبوك. وقيل: هي آخر عمل الحجاز الأول. وقيل: مدينة بالشام. إكمال المعلم ١٣٦/٦. (٤) صحيح البخاري (٥٧٢٩)، وصحيح مسلم (٢٢١٩) (٩٨). وأخرجه أحمد (١٦٨٣). (٥) المفهم ٦١٥/٥ . ١٣٢ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ وهل أفسدَ الدينَ إلَّا الملوكُ وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها(١) الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَالِىَ لَّ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ﴾ أي: ما لِلهُدهُدِ لا أراه، فهو من القَلْبِ الذي لا يُعرَفُ معناه، وهو كقولك: ما لي أراكَ كئيباً؟ أي: ما لَكَ؟ والهُدهدُ: طيرٌ معروف(٢)، وهَذْهَدَتُه صوتُه. قال ابن عطية(٣): إنَّما مقصِدُ الكلام: الهُدهدُ غابَ لكنَّه أخذَ اللازمَ عن مَغيِه وهو أن لَّا يراه، فاستفهمَ على جهة التوقيفِ على اللازمِ، وهذا ضَرْبٌ من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله: ﴿مَا لِىّ﴾ نابَ مَنابَ الألفِ التي تحتاجُها أَمْ. وقيل: إنما قال: ﴿مَاِىَ لَآَ أَرَ اٌلْهُدْهُدَ﴾؛ لأنَّه اعتبرَ حالَ نفسِه، إذْ عَلِمَ أنَّه أُوتِيَ المُلكَ العظيم، وسُخِّرَ له الخلق، فقد لزِمَه حقُّ الشكر بإقامة الطاعة وإدامةِ العمل(٤)، فلما فقَد نِعمةَ الهُدْهُدِ توقَّعَ أن يكون قَصَّرَ في حقِّ الشكر، فلأجله سُلِبَها فجعل يتفقَّد نفسه، فقال: ﴿مَا لِىّ﴾. قال ابن العربي(٥): وهذا يفعله شيوخُ الصوفية إذا فقدوا ما لهم(٦)، تفقَّدوا أعمالَهم، هذا في الآداب، فكيف بنا اليوم ونحن نُقصِّر في الفرائض؟! وقرأ ابنُ كثير وابن مُحَيصِن وعاصم والكسائي وهشام وأيوب: ((مَا لِيَ)) بفتح الياء، وكذلك في (يس)) [الآية: ٢٢]: ﴿وَمَا لِ لَّاَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ﴾. وأسكنها حمزة ويعقوب. وقرأ الباقون المدنيون وأبو عمرو بفتح التي في ((يس))، وإسكان هذه(٧). قال أبو عمرو: لأن هذه التي في ((النمل)) استفهام، والأخرى انتفاء. واختار أبو حاتم (١) سلف ١٠/ ١٧٧ . (٢) تفسير البغوي ٣/ ٤١٢، وزاد المسير ١٦٣/٦. (٣) في المحرر الوجيز ٢٥٥/٤ . (٤) في (د) و(ز): العدل، وفي (ظ) و(م): العدل. والمثبت من المحرر الوجيز. (٥) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٤٢ . (٦) في أحكام القرآن: آمالهم. (٧) السبعة ص٤٧٩، والتيسير ص٦٨، والنشر ١٧٤/٢ - ١٧٥ . ١٣٣ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ وأبو عبيد الإسكان ((فقالَ مَا ليْ)). وقال أبو جعفر النَّحاس(١): زعمَ قومٌ أنَّهم أرادوا أن يُفرِّقوا بين ما كان مبتدأً، وبين ما كان معطوفاً على ما قبله، وهذا ليس بشيء، وإنَّما هي ياءُ النَّفْس، من العربِ من يفتَحُها ومنهم من يُسكِنُها، فقرؤوا باللغتين، واللغة الفصيحة في ياء النَّفْس أن تكون مفتوحةً؛ لأنَّها اسمٌ وهي على حرفٍ واحد، وكان الاختيار ألا تُسكنَ فَيُجْحَفَ بالاسم(٢). ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْفَآِينَ﴾ بمعنى: أَبَلْ(٣). الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحْنَّهُ﴾ دليلٌ على أنَّ الحدَّ على قَدْرِ الذَّنْبِ لا على قَدْرِ الجسد، أما إنه يُرفَقُ بالمحدود في الزمان والصفة(٤). رُويَ عن ابن عباس ومجاهد وابن جُريج أنَّ تعذيبَه للطير كان بأن ينتُفَ ریشَه. قال ابن ◌ُريج: ريشه أجمع. وقال يزيد بن رومان: جناحاه. فعلَ سليمان هذا بالهدهدِ إغلاظاً على العاصين، وعقاباً على إخلالهِ بنَوْبته ورتبته(٥). وكأنَّ اللهَ أباحَ له ذلك، كما أباحَ ذبح البهائم والطير للأكلِ وغيره من المنافع(٦). والله أعلم. وفي ((نوادر الأصول)) قال: حدَّثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الإيادي، قال: حدَّثنا عون بن عُمارة، عن الحسين الجُعْفيِّ، عن الزُّبير بن الخِرِّيت، عن عكرمة، قال: إنَّما صرفَ اللهُ شرَّ سليمانَ عن الهدهدِ لأنَّه كان بارًّا بوالديه. وسيأتي. وقيل: تعذيبُه أن يُجعَلَ مع أضدادهِ. وعن بعضهم: أضيَقُ السجونِ معاشرةٌ الأضداد. وقيل: لَأُلزِمَنَّه خِدمةَ أقرانِه. وقيل: إيداعُه القفص(٧). وقيل: بأن يجعلَه (١) في إعراب القرآن ٣/ ٢٠٢ . (٢) في (م): الاسم. (٣) في (د) و(م): بل. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٤٣/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٢٥٥/٤ . والقول الأول أخرجه الطبري ١٨/ ٣٣، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٢٢٤) عن ابن عباس ﴾. وقول يزيد بن رومان أخرجه الطبري ٣٤/١٨، وابن أبي حاتم (١٦٢٢٩). (٦) الكشاف ٣/ ١٤٣ . (٧) الكشاف ١٤٣/٣، وتفسير الرزاي ١٨٩/٢٤، وذكر ابن الجوزي في زاد المسير ١٦٤/٦ القول الأخير عن الثعلبي. ١٣٤ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ للشمس بعد نتفِه (١). وقيل: بتبعيده عن خدمتي، والملوك يؤدِّبون بالهجرانِ الجسدَ بتفريقِ إِلْفِهِ (٢). وهو مؤكّدٌ بالنون الثقيلة، وهي لازمة هي أو الخفيفة. قال أبو حاتم: ولو قُرتَتْ: (لَأُعَذِّبَنْهُ عَذَاباً شديداً أَوْ لَأَذْبَحَنْهُ)) جاز (٣). ﴿أَوْ لَيَأْتِيَِّى بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بحجةٍ بيِّنة(٤). وليست اللامُ في ((لَيَأْتِيَنِّي)) لامَ القسم؛ لأنَّه لا يُقسِمُ سليمانُ على فعل الهدهد، ولكن لمَّا جاء في أثر قوله: ((لَأُعَذِّبَنَّهُ)) وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه. وقرأ ابن كثير وحدَه (لَيَأْتَّني)) بنونين(٥). الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيّرَ بَعِيدٍ﴾ أي الهدهد(٦). والجمهور من القُرَّاء على ضمِّ الكاف، وقرأ عاصم وحدَه بفتحها(٧). ومعناه في القراءتين أقام(٨). قال سيبويه: مَكّث يمكُث مُكُوثاً كما قالوا: قعد يقعد قعوداً. قال: ومَكُث مثل ظَرُف(٩). قال غيره: والفتحُ أحسنُ؛ لقوله تعالى: ﴿مَّكِئِينَ﴾ [الكهف: ٣] إذ هو من مَكَث؛ يقال: مَكَثَ يَمكُثُ فهو ماكثٌ، ومَكُثَ يمكُث مثل عَظُمَ يعظُمُ فهو مكِيثٌ؛ مثل عظيم. ومَكُث يَمكُثُ فهو ماکثٌ، مثل حَمُضَ يَحمُضُ فهو حامِض. والضمير في ((مَكّثَ)) يَحْتَمِلُ أن يكون لسليمان(١٠)، والمعنى: بقي سليمانُ بعد (١) معاني القرآن للنحاس ١٢٤/٥، وزاد المسير ١٦٤/٦ عن عبد الله بن شداد. (٢) ذكر هذا المعنى البغوي ٤١٢/٣، والزمخشري في الكشاف ١٤٣/٣. (٣) إعراب القرآن ٣/ ٢٠٢ . (٤) معاني القرآن للنحاس ١٢٤/٥. (٥) السبعة ص٤٧٩ ، والتيسير ص١٦٧ . (٦) النكت والعيون ٤/ ٢٠٢. (٧) السبعة ص ٤٨٠، والتيسير ص ١٦٧ . (٨) المحرر الوجيز ٢٥٥/٤ . (٩) إعراب القرآن ٢٠٣/٣ . (١٠) المحرر الوجيز ٢٥٥/٤ . ١٣٥ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ التفقّدِ والوعيدِ غيرَ طويلٍ، أي: غيرَ وقتٍ طويل(١). ويَحْتَمِلُ أن يكون للهدهد(٢) وهو الأكثر. فجاء: ﴿فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُمِطْ بِهِ﴾ وهي: السادسة: أي: علمتُ ما لم تعلَمْه من الأمر(٣)، فكان في هذا ردٌّ على مَنْ قال: إنَّ الأنبياءَ تعلَمُ الغيب. وحكى الفرَّاء ((أَحَظُ)) يُدغِمُ الثَّاءَ في الطَّاء. وحكى ((أَحَثُّ)) بقلب الطاء تاءً وتُدَغَمُ (٤). السابعة: قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بٍِّ يَقِينٍ﴾ أعلَمَ سليمانَ ما لم يكُنْ يعلّمُه، ودفعَ عن نفسِه ما توعَّدَه من العذاب والذبح. وقرأ الجمهور: ((سبٍ» بالصَّرف، وابن كثير وأبو عمرو: ((سَبَأَ)) بفتح الهمزة وتَرْكِ الصَّرف(٥)، فالأوَّلُ على أنَّه اسمُ رجلٍ نُسِبَ إليه قوم، وعليه قول الشاعر: الواردونَ وتَيْمٌ في ذُرًا سبٍ قد عَضَّ أعناقَهُمْ جِلْدُ الجواميسِ(٦) وأنكر الزَّجَّاجُ أن يكونَ اسمَ رجلٍ، وقال: ((سبأ)»: اسمُ مدينةٍ تُعرَفُ بمأربٍ باليمن، بينها وبين صنعاء مسيرةُ ثلاثة أيام. قلتُ: وقع في عیون المعاني للغزنوي: ثلاثة أميال. قتادة والسدي: بعث إليه اثنا عشر نبيًّا (٧). وأنشدَ للنابغة الجَعْدي(٨). من سَبّأَ الحاضِرِينَ مَأرِبَ إِذْ يَبْنُونَ من دونِ سَيْلِهِ العَرِمَا قال: فمن لم يصرِفْ قال: إنَّه اسمُ مدينة، ومن صَرَفَ وهو الأكثر فلأنَّه اسمُ (١) مجمع البيان ٢١٣/١٩ . (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٢٥٥ . (٣) المصدر السابق. (٤) إعراب القرآن ٢٠٣/٣، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢٨٩/٢ . (٥) السبعة ص ٤٨٠، والتيسير ص ١٦٧ . (٦) المحرر الوجيز ٢٥٥/٤، والبيت قائله جرير، وسلف ١٢/ ٣٣٤ (٧) من قوله: وقع في ... إلى هنا من (م). (٨) في ديوانه ص١٣٤، ويُنسب البيت أيضاً إلى امرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٩٠. ١٣٦ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ البلد، فيكون مُذَكَّراً سُمِّي به مُذَكَّر(١). وقيل: اسم امرأة سُمِّيتْ بها المدينة(٢). والصحيح أنَّ اسمُ رجل(٣)، كذلك في كتاب الترمذي من حديث فَرْوةَ بنِ مُسَيْكٍ المرادي عن النبيِّ#، وسيأتي إن شاء الله تعالى(٤). قال ابن عطية: وخَفيَ هذا الحديث على الزَّجَّاجِ فخبط عشواء(٥). وزعمَ الفرَّاءُ أنَّ الرُّؤاسيَّ سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبا فقال: ما أدري ما هو. قال النَّحَّاس: وتأوَّلَ الفرَّاءُ على أبي عمرو أنَّه منعه من الصرف لأنَّه مجهول، وأنَّه إذا لم يعرفِ الشيء لم ينصرف. وقال النَّخَّاس: وأبو عمرو أجَلُّ من أن يقول مثلَ هذا، وليس في حكاية الرُّؤاسي عنه دليلٌ أنَّه إنَّما منعَه من الصَّرفِ لأنَّه لم يعرِفْه، وإنَّما قال: لا أعرِفُه، ولو سُئِلَ نَخويٌّ عن اسمٍ فقال: لا أعرِفُه، لم يكن في هذا دليلٌ على أنه يمنعُه من الصرف، بلِ الحقُّ على غير هذا، والواجب إذا لم يعرِفْه أن يصرِفَه؛ لأنَّ أصلَ الأسماء الصَّرفُ، وإنَّما يُمنعُ الشيءُ من الصَّرفِ لِعلَّةِ داخلٍ عليه، فالأصل ثابتٌ بيقينٍ فلا يزولُ بما لا يُعرَفُ. وذكر كلاماً كثيراً عن النُّحاةِ وقال في آخره: والقولُ في ((سبإ)» ما جاء التوقيفُ فيه أنَّه في الأصلِ اسمُ رجل، فإن صرَفْتَه فلأنَّه قد صار اسماً للحيِّ، وإن لم تصرِفْه جعلْتَه اسماً للقبيلة مثل ثمود، إلّا أنَّ الاختيارَ عند سيبويه الصرفُ، وحُجَّته في ذلك قاطعةٌ؛ لأنَّ هذا الاسمَ لمَّا كان يقع له التَّذكيرُ والتأنيثُ كان التذكيرُ أولى؛ لأنَّه الأصلُ والأخَفُّ(٦). الثامنة: وفي الآية دليلٌ على أنَّ الصغيرَ يقول للكبيرِ والمتعلِّمَ للعالم: عندي ما ليسَ عندك، إذا تحقَّق ذلك وتيَقَّنه(٧). هذا عمر بن الخطاب مع جلالتِه - ﴾ - وعلمِه (١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١١٤ . (٢) النكت والعيون ٢٠٣/٤ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١١٤ . (٤) عند تفسير الآية (١٥) من سورة سبأ، والحديث في سنن الترمذي (٣٢٤٢). (٥) المحرر الوجيز ٢٥٦/٤ . (٦) إعراب القرآن ٢٠٣/٣-٢٠٤ . (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٤٤ . ١٣٧ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ لم يكن عنده علمٌ بالاستئذان. وكان عِلْمُ التيمم عند عمَّارٍ وغيره، وغابَ عن عمر وابن مسعود حتى قالا: لا يتيمَّم الجُنب. وكان حكم الإذنِ في أن تنفِرَ الحائضُ عند ابن عباس، ولم يعلَمْه عمرُ ولا زيدُ بن ثابت. وكان غَسْلُ رأسِ المُحرِمِ معلوماً عند ابن عباس وخَفيَ عن المِسْوَر بن مَخْرَمة. ومثلُه كثيرٌ فلا يُطوَّلُ به. التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِّ وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ لمَّا قال الهدهد: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَلٍ بِنٍََّ يَقِينٍ﴾ قال سليمان: وما ذلِكَ الخبر؟ قال: ﴿إِّ وَجَدتُّ أَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ يعني بلقيس بنت شراحيل تملِكُ أهل سبأ(١). ويُقال: كيفَ خَفِيَ على سليمان مكانَها وكانت المسافةُ بين مَحظّهِ وبين بلدها قريبة، وهي من مسيرة ثلاثٍ بين صنعاء ومأرب؟ والجواب: أنَّ الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى على يعقوبَ مكان يوسف(٢). ويُروى أنَّ أحدَ أبوَيها كان من الجنّ(٣). قال ابن العربي(٤): وهذا أمرٌ تُنكِرِه المُلْحِدة، ويقولون: الجِنُّ لا يأكلون ولا يَلِدون، كذَبوا لعنهم الله أجمعين، ذلك صحيحٌ، ونكاحُهُم جائزٌ عقلاً، فإن صَحَّ نقلاً فَبِها ونِعْمَتْ. قلتُ: خرَّج أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود أنَّه قال: قَدِمَ وفدٌ من الجِنِّ على رسول الله ﴾، فقالوا: يا محمد، انْهَ أُمَّتكَ أن يستنجوا بعَظُمِ أو رَوْئةٍ أو حُمَمَةٍ(٥)، فإنَّ الله تعالى جاعِلٌ لنا فيها رزقاً (٦). ((وفي صحيح مسلم): فقال ((لكم كلُّ عَظْمِ ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه يقع في أيديكم أوفَرَ ما يكونُ لحماً، وكلُّ بَعْرةٍ عَلَفٌ (١) المصدر السابق، والنكت والعيون ٤/ ٢٠٣ . (٢) الكشاف ١٤٤/٣ . (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٢٤٩) عن قتادة، وذكر الماوردي في النكت والعيون ٢٠٣/٤ أن أمها جنيَّة، واسمها فارعة، وأنها بنت أربعين ملكاً. (٤) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٤٤ . (٥) في النسخ: جمجمة، والمثبت من سنن أبي داود. والحُمَمُ: الفحم وما أُحرِقَ من الخشب والعظام ونحوهما. معالم السنن ٢٧/١ . (٦) سنن أبي داود (٣٩). ١٣٨ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ لِدوابُكم)) فقال رسول اللـه ﴾: ((فلا تستَنْجوا بهما، فإنَّهما طعامُ إخوانكم الجن))(١) وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال: فقلتُ: ما بالُ العَظْم والرَّوثةِ؟ فقال: ((هما من طعام الجنِّ، وإِنَّه أتاني وفدُ جِنِّ نَصِيبين - ونِعْمَ الجِنُّ - فسألوني الزَّادَ، فدعوتُ اللهَ تعالى ألَّا يمرُّوا بعظم ولا رَوْئةٍ إلَّا وجدوا عليها طعامً))(٢). وهذا كلُّه نَصَّ في أنهم يَطعمون، وأما نكاحهم فقد تقدَّمتِ الإشارةُ إليه في ((سبحان)) عند قوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الآية: ٦٤]. وروى وُهَيب بن جَرير بن حازم، عن الخليل بن أحمد، عن عثمان بن حاضر قال: كانت أمُّ بلقيس من الجِنِّ يُقال لها بلقمة(٣) بنت شيصان(٤). وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ إن شاء الله تعالى. العاشرة: روى البخاريُّ من حديث أبي بَكْرة(٥) أنَّ النبيَّ ﴾ لمَّا بَلَغَه أنَّ أهلَ فارس قد ملَّكوا بنتَ كسرى قال: ((لن يُفلِحَ قومٌ وَلَّوا أمرهم امرأة)»(٦) قال القاضي أبو بكر بن العربي(٧): هذا نصٌّ في أنَّ المرأةَ لا تكون خليفةً، ولا خِلافَ فيه، ونُقِلَ عن محمد بن جرير الطبري أنَّه يُجَوِّزُ أن تكون المرأةُ قاضيةً، ولم يصِحَّ ذلك عنه، ولعلَّه نُقِلَ عنه كما نُقِلَ عن أبي حنيفة أنها إنَّما تقضي فيما تشهدُ فيه وليس بأن تكون قاضيةً على الإطلاق، ولا بأن يُكتَبَ لها مسطورٌ (٨) بأنَّ فلانةَ مُقدَّمةٌ على الحُكم، وإنَّما سبيلُ ذلك التحكيمُ(٩) والاستنابةُ في القضية الواحدة، وهذا هو الظَنُّ بأبي حنيفة (١) صحيح مسلم (٤٥٠). وأخرجه أحمد (٤١٤٩). (٢) صحيح البخاري (٣٨٦٠). (٣) في (د): تلعمة، وفي (م): بلعمة. والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في الدر المنثور. (٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١٠٥/٥ إلى الحكيم الترمذي وابن مردويه. (٥) تحرف في النسخ إلى: ابن عباس. والتصويب من صحيح البخاري. (٦) صحيح البخاري (٤٤٢٥)، وسلف ٢/ ٤٢ . (٧) في أحكام القرآن ١٤٤٥/٣-١٤٤٦ . (٨) في أحكام القرآن: منشور. (٩) في (ظ) وأحكام القرآن: ذلك كسبيل التحكيم. ١٣٩ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ وابن جرير. وقد رُويَ عن عمر أنه قدَّم امرأةً على حِسبة السوق، ولم يصِحَّ فلا تلتفتوا إليه، فإنَّما هو من دسائس(١) المبتدعة في الأحاديث. وقد تناظرَ في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع أبي الفرج بن طَرَار شيخ الشافعية، فقال أبو الفرج: الدليلُ على أنَّ المرأة يجوزُ أن تحكُمَ أنَّ الغرضَ من الأحكام تنفيذُ القاضي لها، وسماعُ البَيِّئَةِ عليها، والفصلُ بين الخصوم فيها، وذلك ممكنٌ من المرأة كإمكانه من الرجل. فاعترض عليه القاضي أبو بكر، ونقضَ كلامه بالإمامة الکبری؛ فإنَّ الغرضَ منه حِفْظُ الُّغور، وتدبيرُ الأمور، وحمايةُ البَيْضة، وقبضُ الخَراج ورَدُّه على مستحِقِّه، وذلك لا يتأتَّى من المرأة كتأتِّيه من الرجل. قال ابن العربي: وليس كلامُ الشيخين في هذه المسألة بشيء؛ فإنَّ المرأةَ لا يتأتَى منها أن تبرُزَ إلى المجلس، ولا تُخالِطَ الرجال، ولا تفاوضَهم مفاوضةَ النَّظير للنظير؛ لأنَّها إن كانت فتاةً حَرُمَ النَّظرُ إليها وكلامُها، وإن كانت بَرْزَةً(٢) لم يجمَعْها والرجالَ مجلسٌ واحدٌ تزدحِمُ فيه معهم، وتكون مناظرةً لهم، ولن يُفْلِحَ قَظُ مَنْ تصوَّرَ هذا ولا منِ اعتقدَه. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأُوِيَّتْ مِن كُلِّ شَهْرٍ﴾ مبالغة، أي: ممَّا تحتاجُه المملكة(٣). وقيل: المعنى: أُوتيت من كلِّ شيءٍ في زمانها شيئاً فُحذِفَ المفعول؛ لأنَّ الکلام دلَّ علیه. ﴿وَلَا عَرْشَّ عَظِيمٌ﴾ أي: سرير (٤)، ووصفه بالعِظَم في الهيئة ورُتبةِ السلطان(٥). قيل: كان من ذهبٍ تجلس عليه(٦). وقيل: العرش هنا: المُلك(٧)، والأوَّل أَصحُّ؛ (١) في (د) و(ز) و(ظ): وساوس. والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٢) أي: إذا كانت كهلةٌ لا تحتجب احتجاب الشوابِّ، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدثهم. اللسان (برز). (٣) المحرر الوجيز ٢٥٦/٤ . (٤) النكت والعيون ٢٠٤/٤ عن قتادة. (٥) المحرر الوجيز ٢٥٦/٤ . (٦) زاد المسير ٦/ ١٦٥ عن قتادة. (٧) النكت والعيون ٢٠٤/٤ عن ابن بحر، ومجمع البيان ٢١٤/١٩ عن أبي مسلم. ١٤٠ سورة النمل: الآيات ٢٠ - ٢٨ لقوله تعالى: ﴿أُُّكُمْ يأتِفِي پعرضها﴾. الزمخشري: فإن قلت: کیفَ سوَّی الهُدهدُ بین عرشٍ بِلْقيس وعرشِ الله في الوصف بالعظيم؟ قلتَ: بين الوصفين بَوْنٌ عظيم؛ لأنَّ وَصْفَ عرشِها بالعظيم تعظيمٌ له بالإضافة إلى عروش أبناء جِنْسِها من الملوك، ووَضْفَ عرشِ الله بالعظيم تعظيمٌ له بالنسبة إلى ما خلق من السماوات والأرض (١). قال ابن عباس: كان طولُ عرشِها ثمانينَ ذراعاً، وعرضُه أربعينَ ذراعاً، وارتفاعُه في السماء ثلاثينَ ذراعاً، مُكلَّلٌ بالدُّرِّ والياقوتِ الأحمر، والزَّبْرجَدِ الأخضر(٢). قتادة: وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مستَّراً بالديباج والحرير، عليه سبعة مغاليق(٣). مقاتل: كان ثمانينَ ذراعاً، في ثمانينَ ذراعاً (٤)، وارتفاعُه من الأرض ثمانونَ ذراعاً، وهو مُكلَّلٌ بالجواهر(٥). ابن إسحاق: وكان يخدِمُها النساء، وكان معها لخدمتها ستُّ مئة امرأة (٦). قال ابن عطية(٧): واللازمُ من الآية أنَّها امرأةٌ مُلْكَتْ على مدائن اليمن، ذاتُ مُلكِ عظيم، وسريرٍ عظيم، وكانت كافرةً من قومٍ كُفَّار. الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اَللَّهِ﴾ قيل: كانت هذه الأمَّةُ ممَّن يعبد الشمس؛ لأنَّهم كانوا زنادقةً فيما يُروى. وقيل: كانوا مجوساً يعبدون الأنوار. ورُويَ عن نافع أنَّ الوقْفَ على ((عرش)»(٨). قال المَهْدَوي: فعظيمٌ على هذا متعلَّقٌ بما بعده، وكان ينبغي على هذا أن يكون: عظيمٌ أن وَجْدتُها، (١) هذا كلام الرازي في تفسيره ١٩٠/٢٤، وأما كلام الزمخشري فهو في الكشاف ٣/ ١٤٤ بغير هذا السياق. (٢) تفسير البغوي ٣/ ٤١٥، ومجمع البيان ٢١٤/١٩ . (٣) النكت والعيون ٤/ ٢٠٤ . (٤) قوله: ((في ثمانين ذراعاً) من (م). (٥) تفسير البغوي ٤١٥/٣ . (٦) النكت والعيون ٤/ ٢٠٤ . (٧) في المحرر الوجيز ٢٥٦/٤ . (٨) المصدر السابق. :