Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة الفرقان: الآيات ٢٥ - ٢٩
وحدَه (١). ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا﴾ أي: لِما يَنالهم من الأهوال ويَلحقُهم من
الخِزي(٢) والهوان، وهو على المؤمنين أخفُّ من صلاةٍ مكتوبة(٣)؛ على ما تقدَّم في
الحديث. وهذه الآية دالَّةٌ عليه؛ لأنه إذا كان على الكافرين عسيراً؛ فهو على المؤمنين
يسير. يقال: عَسِر يَعْسَر، وعَسُر يَعسُر (٤).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ
سَبِيلًا (٧) يَوْبِلَ لَيْتَنِى لَمْ أَقَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٨) لَّقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ
جَمَلِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ الماضي: عَضِضت. وحكى
الكِسائيُّ: عَضَضت بفتح الضَّادِ الأُولى.
وجاء التوقيف عن أهل التفسير، منهم ابنُ عباس وسعيد بن المسيب أنَّ الظالم
ها هنا يراد به عقبة بنُ أبي مُعَيط، وأنَّ خليلَه أمية بنُ خلف؛ فعقبةُ قتله عليّ بن أبي
طالب ﴾(٥)؛ وذلك أنه كان في الأُسارى يومَ بدر، فأمر النبيُّ :# بقتله، فقال: أَأُقتل
دونَهم ؟ فقال: نعم، بكفرك وعتوِّك. فقال: مَن للصِّبْية؟ فقال: النار. فقام عليٍّ ﴾
فقتله(٦). وأميةُ قتله النبيُّ ﴾(٧)، فكان هذا من دلائل نبؤَّةِ النبيِّ ◌َ﴾؛ لأنه خبّر عنهما
بهذا، فقُتلا على الكفر. ولم يسمَّيا في الآية؛ لأنه أبلغ في الفائدة، ليُعلَمَ أنَّ هذا
(١) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٤٣٩/١٧ .
(٢) في (د): الحزن.
(٣) الكلام بنحوه في الوسيط ٣٣٩/٣.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٥٨/٣، وينظر تفسير أبي الليث ٤٥٨/٣ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٥٨/٣، وقد سلف الكلام على قتل عقبة ٢٣/١٠ و٧٦ و٢٩٣/١١.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٩٤) و(٩٧٢٨).
(٧) في مغازي الواقدي ١/ ١٥١ أن الذي قتل أميةَ خبيبُ بنُ يساف وبلالٌ، وبمعناه في سيرة ابن هشام
٦٣٢/١. وفي السيرة أيضاً. ٢/ ٨٤ أن النبي # قتل أبيَّ بن خلف؛ طعنه في عنقه يوم أحد طعنةٌ، تدحرج
منها عن فرسه، ومات منها بسرِف وهم قافلون به إلى مكة.

٤٠٢
سورة الفرقان: الآيات ٢٧ - ٢٩
سبيلُ كلِّ ظالمٍ قَبِلَ(١) مِن غيره في معصية الله عزَّ وجلَّ.
قال ابن عباس وقتادةٌ وغيرهما: وكان عقبة قد همَّ بالإسلام، فمنعه منه أُبيُّ بن
خلف وكانا خِذْنَين، وأنَّ النبي ◌َ﴾ قتلهما جميعاً، قُتل عقبةُ يومَ بدرٍ صبراً، وأبيُّ بن
خلف في المبارزة يومَ أُحد (٢)؛ ذكره القشيريُّ والثعلبيّ، والأول ذكره النخَّاس.
وقال السُّهيلي(٣): ((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ)) هوعقبة بنُ أبي مُعَيط، وكان
صديقاً لأمية بنِ خلفِ الجُمَحيّ - ويروى لأُبي بن خلف أخي أمية - وكان قد صنع
وليمةً، فدعا إليها قريشاً، ودعا رسولَ الله ﴾، فأبى أنْ يأتيَه إلاَّ أنْ يُسلِم. وكَرِهِ
عقبةُ أن يتأخّرَ عن طعامه مِن أشراف قريشٍ أحدٌ، فأسلم ونطق بالشهادتين(٤)، فأتاه
رسولُ اللـه ﴿، وأكل من طعامه، فعاتبه خليلُه أمية بنُ خلف - أو أبيُّ بن خلف - وكان
غائباً. فقال عقبة: رأيتُ عظيماً ألَّ يَحضُرَ طعامي رجلٌ من أشراف قريش. فقال له
خلیله: لا أرضی حتی ترجع وتبصُقَ في وجهه وتطأً عنقه(٥) وتقول کیت و کیت. ففعل
عدو الله ما أمره به خليلُه؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾(٦).
قال الضخَّاك (٧): لمَّا بصق عقبةُ في وجه رسولِ الله ﴾، رجع بصاقُه في وجهه
وشوى وجهَه وشفتيه، حتى أثَّر في وجهه، وأحرق خذَّيه، فلم يزل أثرُ ذلك في وجهه
(١) في (د) و(ظ): قتل، وهي غير منقوطة في (ز)، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في إعراب القرآن
للنحاس ١٥٨/٣، والكلام منه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٧٣١) عن مقسم مولى ابن عباس مطولاً، ومن طريقه أخرجه الطبري ١٧/ ٤٤٠ ،
وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٣٤٧-٣٤٨ .
(٣) في التعريف والإعلام ص ١٢٣.
(٤) قوله: ونطق بالشهادتين، ليس في التعريف والإعلام.
(٥) قوله: وتطأ عنقه ، ليس في التعريف والإعلام.
(٦) كذا أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٤٠١) من طريق ابن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس
رضي الله عنهما. وهذا إسناد ضعيف جداً، والصحيح ما أخرجه عبد الرزاق (٩٧٣١)، ومن طريقه
الطبري ١٧/ ٤٤٠ - ٤٤١ أن الله لم يسلطه على ذلك.
(٧) ذكر قوله بنحوه الواحدي في أسباب النزول ص٣٤٨، والبغوي في تفسيره ٣٦٧/٣.

٤٠٣
سورة الفرقان: الآيات ٢٧ - ٢٩
حتى قُتل. وعضُّه يديه فِعلُ النادمِ الحزين لأجل طاعته خليلَه.
﴿يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَنَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَيِيلًا﴾ في الدنيا، يعني طريقاً إلى الجنة.
﴿يَوَيِلَ﴾: دعاءٌ بالويل والثُّور على محالفة(١) الكافرِ ومتابعته.
﴿لَيِْ لَمْ أَفَّخِذْ قُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني أمية، وكنى عنه ولم يصرِّح باسمه، لئلا يكون
هذا الوعدُ مخصوصاً به ولا مقصوراً، بل يتناول جميعَ من فعل مثلَ فعلِهما(٢). وقال
مجاهدٌ وأبو رجاء: الظالم عامٌّ في كل ظالم، وفلان: الشَّيطان(٣). واحتُجَّ لصاحب
هذا القول بأنَّ بعده: ((وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا)).
وقرأ الحسن: ((يَا وَيْلَتي))(٤). وقد مضى في ((هود)) بيانُه(٥). والخليل: الصاحبُ
والصديق. وقد مضى في ((النساء)) بيانه(٦).
﴿لَقَدْ أَضَلَِّ عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي: يقول هذا النادم: لقد أضلَّني مَن اتخذتُه في
الدنيا خليلاً عن القرآن والإيمانِ به. وقيل: ((عَنِ الذِّكْرِ)) أي: عن الرسول. ﴿وَكَانَ
الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ قيل: هذا من قول اللهِ لا من قول الظالم. وتمامُ الكلام على
هذا عند قولهِ: (بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي)). والخذل: الترك من الإعانة(٧)، ومنه خِذْلانُ إبليسَ
للمشركين لمَّا ظهر لهم في صورة سراقة بنِ مالك، فلمَّا رأى الملائكة تبرًأ منهم (٨).
وكلُّ مَن صدَّ عن سبيل الله وأُطيع في معصية اللهِ فهو شيطانٌ للإنسان، ((خَذُولًا)) عند
(١) في (د) و(ز) و(ظ): مخالَّة.
(٢) التعريف والإعلام ص١٢٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٦/٤، وأخرج منه قوله: ((فلان: الشيطان))؛ الطبري ٤٤٢/١٧ عن مجاهد ، وابن
أبي حاتم ٢٦٨٦/٨ (١٥١٠٩) و(١٥١١٠) عن مجاهد وأبي رجاء .
(٤) القراءات الشاذة ص ١٠٤ .
(٥) ١٦٨/١١.
(٦) ١٥٥/٧-١٥٦.
(٧) في (د) و(ظ): الإغاثة.
(٨) سلف ١٠ / ٤٢.
:

٤٠٤
سورة الفرقان: الآيات ٢٧ - ٢٩
نزول العذابِ والبلاء. ولقد أَحسنَ مَن قال:
فإنْ لم تجدْ عنه مَحِيصاً فدارِهِ
تَجَنَّب قرِينَ السُّوءِ واصرِمْ حبالَهُ
تَثَلْ منه صَفْوَ الُدِّ ما لم تمارِهِ
وأَحببْ حبيبَ الصدقِ واحذر مِراءهُ
إذا اشتعلت نيرانُه في عِذارهِ (١)
وفي الشيب ما يَنهى الحليمَ عن الصِّبا
آخر:
خيرُ الصحابة مَن يكون عفيفا
إِصحّبْ خیارَ الناس حیثُ لَقِیتھم
فوجدتَ منها فِضَّةً وزيوفا(٢)
والناسُ مِثْلُ دراهمٍ ميَّزتَها
وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبيِّ # قال: ((إنَّما مَثَلُ الجليسِ الصالح
والجليسِ السُّوء كحامل المِسْك ونافخ الكِيْر. فحامل المسك إمَّا أنْ يُحذِيَك وإما أن
تبتاعَ منه، وإما أنْ تجد ريحاً طيِّبة، ونافخ الكير إما أن يُحرِقَ ثيابَك، وإما أن تجد
ريحاً خبيثة)) لفظُ مسلم(٣). وأخرجه أبو داود من حديثٍ أنس(٤).
وذكر أبو بكر البزَّارُ عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله؛ أيُّ جلسائنا خير؟
قال: ((مَن ذَكَّركم بالله رؤيتُه، وزاد في علمكم مَنْطِقه، وذكَّرَكُم بالآخرة عملُه))(٥).
وقال مالك بنُ دِينار: إنك إن تنقل الأحجارَ مع الأبرار خيرٌ لك من أنْ تأكِلَ
الخبيصَ مع الفجَّار(٦) .. وأنشد:
(١) البيت الأول في غرر الخصائص الواضحة ص ٤٦٧، والبيتان الأولان في فيض القدير ٤/٣ دون نسبة.
٠۵
(٢) روضة العقلاء لابن حبان ص ١٠٢ .
(٣) صحيح البخاري (٥٥٣٤) وصحيح مسلم (٢٦٢٨). وهو في مسند أحمد (١٩٦٢٤). وقوله: ونافخ الكير،
الكير: مِنْفَخ الحداد من زِقٌ أو جلد غليظ ذو حافات. الصحاح (كير). وقوله: يحذيك، أي :« يعطيك.
إكمال المعلم ١٠٨/٨ .
(٤) سنن أبي داود (٢٨٢٩).
(٥) لم نقف عليه عند البزار، وهو عند أبي يعلى (٢٤٣٧)، وابن عدي في الكامل ٢٣٢٤/٦، والبيهقي في
الشعب (٩٤٤٦) و(٩٤٤٧). قال الهيثمي في المجمع ٢٢٦/١٠: فيه مبارك بن حسان ، وقد وثق ،
وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٦) أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء ص ١٠٠ .

٤٠٥
سورة الفرقان: الآيتان ٣٠ - ٣١
وصاحب شرار الناس يوماً فتندما
وصاحبْ خيارَ الناسِ تَنْجُ مُسَلَّماً
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اُلرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا
٢٠
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ﴾ يريد محمداً ﴾، يشكوهم إلى الله تعالى(١).
﴿إِنَّ قَوْمِى أَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ أي: قالوا فيه غيرَ الحقِّ مِن أنه سحرٌ وشعر؛
عن مجاهدٍ والنَّخَعيّ(٢). وقيل: معنى ((مَهْجُوراً)) أي: متروكاً (٣)؛ فعزَّاه اللهُ تبارك
وتعالى وسلَّاه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: كما جعلنا لك يا
محمد عدوًّا من مشرکي قومِك ۔ وهو أبو جهل في قول ابنِ عباس - فكذلك جعلنا
لكل نبيٍّ عدوًّا من مشركي قومه(٤)، فاصبر لأمري كما صبروا، فإني هادِيك
وناصرُك(٥) على كل من ناوأك.
وقد قيل: إنَّ قول الرسول: ((يَا رَبِّ)) إنما يقوله يومَ القيامة، أي: هجروا القرآنَ
وهجروني وكذَّبوني(٦). وقال أنس: قال النبيُّ﴾: ((من تعلَّم القرآن(٧) وعلَّق
مصحفاً(٨) لم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يومَ القيامة متعلّقاً به يقول: يا ربَّ العالمين!
إِنَّ عبدَك هذا اتَّخذني مهجوراً، فاقضٍ بيني وبينه)). ذكره الثعلبي(٩).
(١) الوسيط للواحدي ٣٣٩/٣.
(٢) تفسير البغوي ٣٦٨/٣، وأخرجه عنهما الطبري ٤٤٣/١٧.
(٣) أخرجه الطبري ١٧ / ٤٤٤ عن ابن زيد .
(٤) الوسيط للواحدي ٣٣٩/٣، وقول ابن عباس أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٧٠/٥ .
(٥) تفسير البغوي ٣٦٨/٣ .
(٦) ينظر زاد المسير ٨٧/٦.
(٧) في (د) و(ز) و(ظ) زيادة: وعلمه.
(٨) في (م): مصحقه.
(٩) أخرجه الثعلبي من طريق أبي هدية إبراهيم بن هدية عن أنس، وأبو هدية كذاب. الفتح السماوي
٨٨١/٢.

٤٠٦
سورة الفرقان: الآيات ٣٠ - ٣٣
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ نصب على الحال، أو التمييز، أي: يهديك
وينصرك، فلا تبالٍ بمَن عاداك(١). وقال ابن عباس: عدوُّ النبيِّ# أبو جهلٍ لعنه الله.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةُ وَحِدَةً كَذَلِكَ
لُِثَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَرَتَّلَْهُ تَرْنِيلًا (٨) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّ ◌ِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ
تَفْسِيرًا
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ ﴾ اختلف في قائل
ذلك على قولين: أحدهما: أنهم كفَّارُ قريش، قاله ابنُ عباس. والثاني: أنهمُ اليهودُ
حين رأوا نزولَ القرآن مفرَّقاً قالوا: هلَّا أُنزل عليه جملةٌ واحدة، كما أنزلت التوراةُ
على موسى (٢)، والإنجيلُ على عيسى، والزَّبور على داود. فقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾
أي: فعلنا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ﴾ نقوِّي به قلبَك فتعيه وتحمله(٣)، لأن الكتب المتقدِّمةَ
أُنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، والقرآن أُنزل على نبيِّ أُمِّيّ؛ ولأنَّ مِن القرآن
الناسخ والمنسوخ؛ ومنه ما هو جوابٌ لمن سأل عن أمور، ففرَّقناه ليكون أوعى
للنبيِّ*، وأيسرَ على العامل به؛ فكان كلَّما نزل وحيّ جديد زاده قوَّةً قلب(٤).
قلت(٥) : فإن قيل: هلَّا أُنزل القرآنُ دُفعةً واحدة وحَفِظه إذا كان ذلك في قدرته ؟
قيل: في قدرة الله أنْ يعلِّمَه الكتابةَ(٦) والقرآنَ في لحظة واحدة، ولكنه لم يفعل،
ولا معترِضَ عليه في حكمه، وقد بيَّنًا وجهَ الحكمة في ذلك.
وقد قيل: إنَّ قوله: ((كَذَلِكَ)) مِن كلام المشركين، أي: لولا نُزِّل عليه القرآنُ
(١) الوجيز للواحدي ٢/ ٩٧ (على هامش مراح لبيد).
(٢) النكت والعيون ١٤٣/٤-١٤٤، وينظر تفسير البغوي ٣٦٨/٣.
(٣) في (د) و(ز): وتحتمله، وفي تفسير البغوي ٣٦٨/٣ (والكلام منه): وتحفظه .
(٤) الوجيز ٢/ ٩٧ (على هامش مراح بن لبيد).
(٥) ليست في (د) و(ز) و(ظ).
(٦) في (د) و(م) : الكتاب.

٤٠٧
سورة الفرقان: الآيتان ٣٢ - ٣٣
جملةً واحدة كذلك، أي: كالتوراة والإنجيل، فَيتِمُّ الوقف على ((كَذَلِكَ))، ثم يبتدئ:
(لِتُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)) على معنى: أنزلناه عليك متفرِّقاً لنثبت به فؤادَك(١). ويجوز أنْ يكونَ
الوقفُ على قوله: ((جُمْلَةٌ وَاحِدةً))، ثم يبتدئ: ((كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ))(٢) على معنى:
أنزلناه عليك كذلك متفرِّقاً لنثبت به فؤادك.
قال ابنُ الأنباري: والوجهُ الأوَّل أجودُ وأحسن، والقول الثاني قد جاء به
التفسير؛ حدَّثنا محمد بنُ عثمان الشيبي قال: حدَّثنا منجاب قال: حدَّثنا بِشْر بن
عُمَارة، عن أبي رَوْق، عن الضخَّاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى
لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] قال: أُنزل القرآنُ جملةً واحدة من عند اللهِ عزَّ وجلَّ في اللوح
المحفوظ إلى السَّفَرة الكِرام الكاتبين في السماء، فنجَّمه السفرةُ الكِرام على جبريلَ
عشرين ليلة، ونجَّمهُ جبريل عليه السلام على محمد # عشرين سنة. قال: فهو قولهُ:
﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِع النُّجُومِ﴾ يعني نجومَ القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ إِنَّهُ
لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٧]. قال: فلمَّا لم ينزل على النبيِّ # جملةً واحدة، قال
الذين كفروا: لولا نُزِّل عليه القرآنُ جملةً واحدة؛ فقال اللهُ تبارك وتعالى: ﴿كَذَلِكَ
لِّقَبْتَ بِهِ فُؤَادَفٌ﴾ يا محمد(٣).
(وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)) يقول: ورسَّلناه ترسيلاً؛ يقول: شيئاً بعد شيءٍ(٤).
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا مِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَغْسِيرًا﴾ يقول: لو أنزلنا عليك القرآنَ
جملةً واحدة ثم سألوك، لم يكن عندك ما تُجيبُ به، ولكنْ نُمسك عليك، فإذا سألوك
أجبت.
(١) قوله: على معنى، إلى هذا الموضع، ليس في (٥) و(م).
(٢) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٧٩/٢٤ . وسيأتي القول فيه من كلام النحاس.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠ (١٥١٣٠) من هذا الطريق مختصراً جداً. وأخرجه مطولاً من طريق آخر
بنحوه (١٥١٢٧).
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤/ ١٤٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما .

٤٠٨
سورة الفرقان: الآيات ٣٢ - ٣٤
قال النحاس(١): وكان ذلك من علامات النبوّة؛ لأنهم لا يسألون عن شيء إلَّا
أُجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلَّا من نبيّ، فكان ذلك تثبيتاً لفؤاده وأفئدتهم، ويدلُّ على
هذا: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَغْسِيرًا﴾. ولو نَزَلَ جملةً بما فيه من
الفرائض لَثَقُل عليهم، وعَلِم اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّ الصَّلاحَ في إنزاله متفرِّقاً، لأنهم يُنْبَّهون
به مرةً بعد مرة، ولو نزل جملة واحدة لزال معنى التنبيه. وفيه ناسخٌ ومنسوخ، فكانوا
يُتعبَّدون بالشيء إلى وقتٍ بعينه قد علم اللهُ عزَّ وجلَّ فيه الصلاح، ثم ينزل النسخُ بعد
ذلك؛ فمحالٌ أن ينزلَ جملة واحدة : اِفعلوا كذا ولا تفعلوا كذا(٢). قال النحاس:
والأَولى أن يكون التمامُ ((جُمْلَةً وَاحِدَةً)) لأنه إذا وُقف على ((كَذَلِكَ)) صار المعنى:
کالتوراة والإنجيل والزبور؛ ولم يتقدّم لها ذِكْر.
قال الضخَّاك: ((وأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)» أي: تفصيلاً(٣). والمعنى: أحسن مِن مَثَلهم
تفصيلاً؛ فحذف لِعِلم السامع.
وقيل: كان المشركون يستمدُّون من أهل الكتاب، وكان قد غلب على أهل
الكتاب التحريف والتبديل، فكان ما يأتي به النبيُّ # أحسنَ تفسيراً ممَّا عندهم؛
لأنهم كانوا يَخلِطون الحقَّ بالباطل، والحقُّ المَخْض أحسن من حقِّ مختلطِ بباطل،
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢].
وقيل: ((لاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ)) كقولهم في صفة عيسى: إنه خُلقَ من غير أب ((إِلاَّ
جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ) أي: بما فيه نقضُ حُجَّتِهم كآدم إذ خُلِقٍ من غير أبٍ وأمّ.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرِّ مَكَانًا
﴾
(٣٤)
وَأَضَلُّ سَبِيلًا
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ تقدَّم في ((سبحان))(٤).
(١) في إعراب القرآن للنحاس ١٥٩/٣ - ١٦٠.
(٢) قوله كذا من (ظ).
(٣) أخرجه الطبري ١٧ / ٤٤٨ .
(٤) ١٧٨/١٣ - ١٧٩.

٤٠٩
سورة الفرقان: الآيات ٣٤ - ٣٦
﴿أُوْلَكَ شَرِّ مَكَانَا﴾ لأنهم في جهنم. وقال مقاتل: قال الكفّار لأصحاب محمد﴾.
هو شرُّ الخلق؛ فنزلت الآية. ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: دينًا وطريقًا(١). ونظمُ الآية: ولا
يأتونك بَمَثل إلَّا جئناك بالحقّ، وأنت منصورٌ عليهم بالحُجج الواضحة، وهم
محشورون على وجوههم.
٣٥
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرًا
فَقُلْنَا أَذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا (﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ يريد التوراة. ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَرُونَ
وَزِيْرًا﴾ تقدَّم في ((طه))(٢). ﴿فَقُلْنَا أَذْهَبَا﴾ الخطابُ لهما. وقيل(٣): إنما أُمر موسى ﴾
بالذَّهاب وحدَه في المعنى. وهذا بمنزلة قولهِ: ﴿فَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وقوله:
﴿يَخْيُ مِنْهُمَا اُلُلُقُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من أحدهما.
قال النحاس(٤): وهذا مما لا ينبغي أن يُجترأَّ به على كتاب الله تعالى، وقد
قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْتَى. قَالَ رَبَّناً إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآَ
أَوْ أَنْ يَطْغَى. قَالَ لَا تَّخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَرَ. فَأَنِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾
[طه: ٤٤- ٤٧]. ونظيرُ هذا: ﴿وَمِن دُوِنِمَا جَنَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]، وقد قال جلَّ ثناؤه:
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِثَايَتِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٥] قال القشيريّ: وقولُه في موضع
آخرَ: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ لَغَى﴾ [طه: ٢٤] لا ينافي هذا؛ لأنهما إذا كانا مأمورَين،
فكلُّ واحدٍ مأمور. ويجوز أن يقال: أُمر موسى أوَّلاً، ثم لمَّا قال: ((وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا
مِنْ أَهْلِي))، قال: ((اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ))(٥).
(١) الوسيط للواحدي ٣/ ٣٤٠.
(٢) ١٤ / ٥٣ .
(٣) قائله الفراء في معاني القرآن ٢٦٨/٢ .
(٤) في إعراب القرآن ١٦٠/٣، وكلام الفراء منه.
(٥) سلف الكلام ١٤/ ٦٣ .

٤١٠
سورة الفرقان: الآيات ٣٥ - ٣٧
﴿إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا﴾ يريد فرعون وهامانَ والقِبْط. ﴿فَدَفَّرْنَهُمْ﴾ في
الكلام إضمار، أي: فكذّبوهما ﴿فَدَقَّرْنَهُمْ تَدْمِيرً﴾ أي: أهلكناهم إهلاكاً(١).
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوجِ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْتَهُمْ وَحَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ◌َايَةً
وَأَعْتَدْنَا لِلِّمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوعٍ﴾ في نصب ((قوم)) أربعةُ أقوال:
العطف على الهاء والميم في ((دَمَّرْنَاهُمْ)).
الثاني : بمعنی: اذکر.
الثالث: بإضمار فعلٍ يفسِّره ما بعدَه، والتقدير: وأغرقنا قومَ نوحٍ أغرقناهم.
الرابع: أنه منصوب بـ«أَغْرَقْنَاهُمْ)) قاله الفرَّاءِ(٢). وردَّه النحاس(٣)، قال: لأنَّ
((أغرقنا)) ليس مما يتعدَّى إلى مفعولين فيعملَ في المضمَر وفي ((قَوْمَ نُوحٍ)).
﴿لَمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ﴾ ذَكَر الجِنْسَ والمرادُ نوحٌ وحده؛ لأنه لم يكن في ذلك
الوقتِ رسولٌ إليهم إلَّا نوحٌ وحده، فنوحٌ إنما بُعث بلا إله إلا الله، وبالإيمان بما
يُنزل الله، فلمَّا كذَّبوه، كان في ذلك تكذيبٌ لكل من بُعث بعده بهذه الكلمة (٤).
وقيل: إنَّ مَن كَذَّب رسولاً فقد كذَّب جميعَ الرسل؛ لأنهم لا يفرّق بينهم في الإيمان،
ولأنه ما من نبيٍّ إلَّ يُصدِّق سائرَ أنبياء اللهِ تعالى، فَمن كذَّب منهم نبيًّا، فقد كذَّب كلَّ
مَن صدَّقه من النبيِين.
﴿أَغْرَقْنَهُمْ﴾ أي: بالظُوفان، على ما تقدَّم في ((هود))(٥). ﴿وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ
(١) تفسير البغوي ٣٦٩/٣.
(٢) في معانيه ٢٦٨/٢ .
(٣) في إعراب القرآن ١٦١/٣. وما قبله منه.
(٤) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤/ ٦٧ -٦٨ .
(٥) ١١٨/١١ فما بعد.

٤١١
سورة الفرقان: الآية ٣٨
◌َايَةٌ﴾ أي: علامةً ظاهرةً على قدرتنا. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلََّلِمِينَ﴾ أي: للمشركين مِنْ قومٍ
نوحٍ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: في الآخرة. وقيل: أي: هذه سبيلي في كل ظالم.
قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً (
قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ كلُّه معطوفٌ على
(قَوْمَ نُوحٍ)) إذا كان ((قَوْمَ نُوحٍ)) منصوباً على العطف، أو بمعنى : اذكر. ويجوز أن
يكون كلُّه منصوباً على أنه معطوفٌ على المضمَر في ((دَمَّرْنَاهُمْ))، أو على المضمر في
(جَعَلْنَاهُمْ))، وهو اختيارُ النَّاس(١)؛ لأنه أقرب إليه. ويجوز أن يكونَ منصوباً
بإضمار فعل، أي: اذكر عاداً الذين كذَّبوا هوداً؛ فأهلكهم الله بالريح العقيم، وثَمودَ
كذَّبوا صالحاً؛ فأُهلكوا بالرَّجفة.
﴿وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ والرَّسُّ في كلام العربِ: البئرُ التي تكون غيرَ مَظْويةٍ(٢)،
والجمعُ: رِسَاس. قال:
تَنْابِلةٌ يحفِرون الرِّسَاسَا(٣)
يعني آبارَ المعادن(٤).
قال ابن عباس: سألت كعباً عن أصحاب الرَّسّ، قال: صاحب ((يس)) الذي
قال: ﴿يَقَوْمِ أَنَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] قتله قومُه ورَسُّوه في بئر لهم يقال لها:
الرَّسّ، طرحوه فيها، وكذا قال مقاتل. السُّدِّيّ: هم أصحاب قصةٍ ((يس)) أهلُ
أنطاكية، والرَّسُّ بئرٌ بأنطاكية؛ قتلوا فيها حبيباً النجَّار مؤمنَ آل ((يس))، فتُسبوا إليها(٥).
(١) في إعراب القرآن ١٦١/٣ . وما قبله منه.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٩٢/٣ ، والرازي في تفسيره ٨٢/٢٤ عن أبي عبيدة. وفي أكثر كتب
اللغة أن الرس: البئر المطوية . قال في الصحاح: هو من الأضداد . وسيأتي .
(٣) عجز بيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص٨٢ . وصدره: سبقتُ إلى فَرَطٍ ناهلِ . والفرط: الماء
المتقدم لغيره من الأمواه، وتنابلة: جمع تِثْبال وتِثْبالة، وهو القصير. القاموس (فرط) (نبل).
(٤) تفسير غريب القرآن ص ٣١٣ .
(٥) الكلام بنحوه في الوسيط ٣/ ٣٤٠، وينظر المحرر الوجيز ٢١٠/٤.

٤١٢
سورة الفرقان: الآية ٣٨
وقال عليٍّ ﴾(١): هم قومٌ كانوا يعبدون شجرة صَنَوبر، فدعا عليهم نبيُّهم؛ وكان
مِن ولد يهوذا، فيبست الشجرة، فقتلوه ورَسُّوه في بئر، فأظلَّتهم سحابةٌ سوداء
فأحرقتهم.
وقال ابن عباس: هم قومٌ بأذربيجان(٢)؛ قتلوا أنبياء(٣)، فجفَّت أشجارُهم
وزروعهم، فماتوا جوعاً وعطشاً.
وقال وهب بنُ منِّه: كانوا أهلَ بئرٍ يقعدون عليها وأصحابَ مواشي، وكانوا
يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيباً، فكذَّبوه وآذَوه، وتمادَوا على كفرهم
وطغيانهم، فبينما هم حول البئر في منازلهم، انهارت بهم وبديارهم؛ فخسف اللهُ
بهم، فهلکوا جميعاً (٤).
وقال قتادة: أصحاب الرَّسِّ وأصحابُ الأيكة أُمَّتان أرسل الله إليهما شعيباً
فكذَّبوه، فعذَّبهما اللهُ بعذابين. قال قتادة: والرّسُّ قريةٌ بفَلْج اليمامة(٥).
وقال عكرمة: هم قومٌ رَسُوا نبيَّهم في بئر حيًّا(٦). دليلُه ما روى محمد بن كعب
القُرظيُّ عمَّن حدَّثه: أنَّ النبيَّ # قال: ((أوَّلُ الناس يدخل الجنةَ يوم القيامة عبدٌ
أسود، وذلك أنَّ الله تعالى بعث نبيًّا إلى قومه، فلم يؤمن به إلا ذلك الأسود، فحفر
أهل القرية بئراً وألقَوا فيها نبيَّهم حيًّا، وأطبقوا عليه حجراً ضخماً، وكان العبد
الأسودُ يحتطب على ظهره ويبيعه، ويأتيه بطعامه وشرابه، فيعينه اللهُ على رفع تلك
الصخرةِ حتى يُدْلِیَه إلیه، فبينما هو یحتطب إذ نام، فضرب اللهُ على أُذنه سبع سنين
(١) ذكر قوله ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١١/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٩٠/٦.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٦٩٥/٨ (١٥١٧٣).
(٣) في (د) و (ز): نبياً. وينظر عرائس المجالس ص١٥٢ .
(٤) الوسيط ٣٤١/٣، وزاد المسير ٩٠/٦.
(٥) المحرر الوجيز ٢١٠/٤ . وقول قتادة الثاني أخرجه الطبري١٧/ ٤٥٢ .
(٦) أخرجه الطبري ١٧/ ٤٥٢ دون قوله: حياً .

٤١٣
سورة الفرقان: الآية ٣٨
نائماً، ثم هبَّ من نومه فتمطّى واتَّكأ على شِقِّه الآخرَ، فضرب الله على أذنه سبع
سنين، ثم هبَّ، فاحتمل حُزمةَ الحطب فباعها، وأتى بطعامه وشرابه إلى البئر، فلم
يجده، وكان قومُه قد أراهم اللهُ تعالى آيةً، فاستخرَجوه وآمنوا به وصدَّقوه، ومات
ذلك النبيّ)). قال النبيُّ﴾: ((إنَّ ذلك العبدَ الأسود لأوَّلُ مَن يدخل الجنة))(١). ذكر هذا
الخبَر المهدويُّ والثعلبيّ، واللفظُ للثعلبي، وقال: هؤلاء آمنوا بنبيِّهم فلا يجوز أن
يكونوا أصحابَ الرَّسّ؛ لأن الله تعالى أخبر عن أصحاب الرسِّ أنه دمرهم، إلّا أنْ
یدمَّروا بأحداثٍ أحدثوها بعد نبِّهم.
وقال الكلبي: أصحاب الرَّسِّ قومٌ أَرسل اللهُ إليهم نبيًّا فأكلوه. وهم أوَّلُ من عمل
نساؤهم السَّحق(٢)؛ ذكره الماوردي.
وقيل: هم أصحابُ الأُخدود الذين حفروا الأخاديد وحرَّقوا فيها المؤمنين(٣)،
وسيأتي(٤).
وقيل: هم بقايا من قوم ثمود، وأنَّ الرَّسَّ البئرُ المذكورة في ((الحج)) في قوله:
﴿وَيَثْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾(٥) [الآية: ٤٥] على ما تقدَّم (٦).
وفي الصحاح: والرَّسُّ اسمُ بئرٍكانت لبقيّة من ثمود.
وقال جعفر بنُ محمد عن أبيه: أصحابُ الرَّسُّ قومٌ كانوا يستحسنون لنسائهم
(١) أخرجه الطبري ٤٥٤/١٧-٤٥٥. وكلام الثعلبي الآتي فيه. قال ابن كثير في تفسيره ١١٢/٦: فيه غرابة
ونكارة ، ولعل فيه إدراجاً، والله أعلم.
(٢) في (ز)، والنكت والعيون ١٤٦/٤، وزاد المسير ٩٠/٦: السحر، والمثبت من (د) و(ظ) و(م)،
وينظر عرائس المجالس ص١٥١ فما بعد، فقد ذكر قصة أصحاب الرس نقلاً عن الكلبي وغيره، ولم
يعرّج على ذكر السحر. والله أعلم .
(٣) تفسير البغوي ٣٦٩/٣ .
(٤) عند تفسير قوله تعالى ﴿قُلَ أَنْحَبُّ الْأُنْدُورِ﴾ [البروج: ٤].
(٥) تفسير البغوي ٣٦٩/٣، وأخرجه الطبري ٤٥٢/١٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما مختصراً.
(٦) ١٤ / ٤١٧ .

٤١٤
سورة الفرقان: الآية ٣٨
السَّحق، وكان نساؤهم كلُّهم سخَّاقات(١). وروي من حديث أنس أنَّ رسول الله ﴾
قال: ((إنَّ مِن أشراط الساعةِ أنْ يكتفيَ الرجالُ بالرجال والنساءُ بالنساء، وذلك
الشَّحْقِ))(٢).
وقيل: الرَّسُّ ماءٌ ونخل لبني أسد. وقيل: الثلجُ المتراكم في الجبال؛ ذكره
القُشَيري. وما ذكرناه أوَّلاً هو المعروف، وهو (٣) كلُّ حفر احتُفِر، كالقبر والمعدن
والبئر. قال أبو عبيدة: الرَّسُّ كلُّ رَكيّةٍ لم تُظْوَ؛ وجمعُها رِساس. قال الشاعر:
فيا ليتهم يَحفِرون الرِّساسا(٤)
وهم سائرون إلى أرضهم
والرَّسُ اسمُ وادٍ في قول زهير :
بَكّرْنَ بُكوراً واستَحَرْن بسُخْرةٍ فهنَّ لوادي الرَّسِّ كاليد للفم(٥)
ورسستُ رسَّاً: حفرتُ بئراً. ورُسَّ الميتُ، أي: قُبر. والرَّس: الإصلاح بين
الناس، والإفساد أيضاً، وقد رسست بينهم؛ فهو من الأضداد(٦).
وقد قيل في أصحاب الرَّسُ غيرُ ما ذكرنا ، ذكره الثعلبُّي وغيره.
﴿وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ أي: أُمماً لا يعلمهم إلَّ اللهُ بين قوم نوح وعادٍ وثمودَ
وأصحابِ الرَّسّ.
(١) ينظر مجمع البيان ١٠٧/١٩ .
(٢) أخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (١٠٩٠) وأخرجه البيهقي في الشعب (٥٤٦٧) - (٥٤٦٩) وضعف
إسناده ثم قال: غير أنه إذا ضم بعضه إلى بعض أخذ قوة ، والله أعلم .
وله شاهد من حديث ابن مسعود ﴾ أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٥٥٦) مطولاً. قال الهيثمي في
المجمع ٧/ ٣٢٣ : رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه سيف بن مسكين، وهو ضعيف.
(٣) في (ظ): وقيل هو ..
(٤) لم نقف عليه.
(٥) ديوان زهير ص١٠، وقوله: كاليد للفم، هو بمعنى المثل العربي: أقرب من يد إلى فم. ينظر
المستقصى للزمخشري ٢٧٩/١ .
(٦) الصحاح (رسس).

٤١٥
سورة الفرقان: الآيات ٣٨ - ٤٠
وعن الربيع بن خُثَيم اشتكى، فقيل له: ألَّا تتداوى، فإنَّ رسول الله :﴿ قد أمر به؟
قال: لقد هممت بذلك، ثم فكرتُ فيما بيني وبين نفسي، فإذا ((عاداً وثمودَ وأصحابَ
الرَّسِّ وقروناً بين ذلك كثيراً)) كانوا أكثرَ وأشدَّ حرصاً على جمع المال، فكان فيهم
أُطِبَّاء، فلا الناعتُ منهم بقي ولا المنعوت. فأبى أن يتداوى(١)، فما مكث إلَّ خمسةً
أیام حتى مات، رحمه الله.
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَنْبِيرًا
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ﴾ قال الزجَّاج: أي: وأنذرنا كلًّا ضربنا له
الأمثالَ(٢)، وبيَّنَّاً لهم الحجة، ولم نضرب لهم الأمثالَ الباطلةَ كما يفعلُه هؤلاء
الكَفَرة. وقيل: انتصب على تقدير: ذكّرنا كلَّا، ونحوه؛ لأن ضربَ الأمثال تذكيرٌ
ووعظ؛ ذكره المهدويّ. والمعنى واحد.
﴿وَكُلَا تَبَّرْنَ تَنْبِيرً﴾ أي: أهلكنا بالعذاب. وتَبَّرتُ الشيء كسرتُهُ(٣). وقال
المؤرَّج والأخفش: دمَّرناهم تدميراً. تُبدل التاءُ والباء من الدال والميم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوَّْ عَلَى الْقَرْبَةِ الَِّىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ أَفَلَمْ يَكُونُواْ
يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنَوْ عَلَى الْقَرْبَةِ﴾ يعني مشركي مَّة. والقرية قريةُ قومٍ لوط.
و﴿مَطَرَ السَّوْءُ﴾: الحجارة التي أُمطروا بها. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَاْ﴾ أي: في
أسفارهم ليعتبروا (٤). قال ابن عباس: كانت قريشٌ في تجارتها إلى الشام تَمرُّ بمدائن
قومٍ لوط، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَكُونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧]، وقال:
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ١٠٦ بنحوه.
(٢) معاني القرآن ٦٨/٤ .
(٣) المصدر السابق .
(٤) الكلام بنحوه في الوجيز ٩٨/٢ (على هامش مراح لبيد)، والوسيط للواحدي ٣٤١/٣ .

٤١٦
سورة الفرقان: الآيات ٤٠ - ٤٢
﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]. وقد تقدَّم(١).
﴿بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُنَ نُشُورًا﴾ أي: لا يصدِّقون بالبعث. ويجوز أنْ يكون معنى
((يَرْجُونَ)): يخافون. ويجوز أن يكونَ على بابه، ويكون معناه: بل كانوا لايرجون
ثوابَ الآخرة(٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْلَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٤١
٤٢
حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
٠
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ جواب ((إِذَا)) ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ))؛ لأن
معناه: يتخذونك. وقيل: الجوابُ محذوف، وهو: قالوا، أو: يقولون: ((أَهَذَا
الَّذِي))(٣)؛ وقولُه: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَا هُزُواً)) كلامٌ معترِض. ونزلت في أبي جهل؛كان
يقول للنبي # مستهزئاً: ((أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ الله رَسُولًا))(٤). والعائد محذوف، أي:
بعثه الله(٥). ((رَسُولًا)) نصب على الحال، والتقدير: أهذا الذي بعثه الله مُرسَلًا.
((أَهَذَا)) رفعٌ بالابتداء، و((الذي)) خبره، ((رَسُولًا)) نصب على الحال، و(بَعَثَ)) في صلة
(الَّذي)»، واسمُ الله عزَّ وجلَّ رفع بـ ((بَعَثَ)). ويجوز أن يكون مصدراً؛ لأن معنى
(بَعَثَ)) أرسل، ويكون معنى (رَسُولًا)) رسالةً على هذا(٦). والألف للاستفهام، على
معنى التقريرِ والاحتقار.
﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ أي: قالوا: قد كاد أنْ يَصرِفَنا. ﴿عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَا أَنَ صَبْنَا
(١) ٢٣٧/١٢ .
(٢) وهذا الوجه هو الذي ارتضاه الزجاج في معاني القرآن ٦٩/٤، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٦٢/٣.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٦٢/٣.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٣٧٠ .
(٥) مجمع البيان ١١٠/١٩ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٦٢/٣.

٤١٧
سورة الفرقان: الآيات ٤١ - ٤٣
عَلَيْهَا﴾ أي: حبسنا أنفسَنا على عبادتها. قال الله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ
اَلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يريد: مَن أضلُّ دِيناً؛ أهم أم محمد؟ وقد رأوه في يوم بدر.
قوله تعالى: ﴿أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُمْ هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُنُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (
﴾
(٤٣)
قوله تعالى: ﴿أَرَبَيْتَ مَنِ أَخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَهُ﴾ عجَّب نبيَّهِ﴾ من إضمارهم على
الشِّرك وإصرارِهم عليه مع إقرارهم بأنه خالقُهم ورازقهم، ثم يعمدُ إلى حجر يعبده من
غير حجَّة. قال الكلبيُّ وغيره: كانت العرب إذا هَويَ الرجلُ منهم شيئاً؛ عبده مِن دون
الله، فإذا رأى أحسنَ منه؛ ترك الأوَّلَ وعَبَد الأحسن(١). فعلى هذا يعني: أرأيت من
اتخذ إلهه بهواه؛ فحذف الجارّ.
وقال ابن عباس: الهوى إلهٌ يعبد من دون الله(٢)، ثم تلا هذه الآية.
قال الشاعر:
قد اعتزلَ الدنيا بإحدى المناسكِ
لَعَمرُ أبيها لو تبدَّت لناسكٍ
ولَارْتَدَّ في الدنيا بأعمال فاتكِ(٣)
لَصلَّى لها قبل الصلاة لربِّه
وقيل: ((اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ)) أي: أطاع هواه. وعن الحسن: لايَهوى شيئاً إلا
اتَّبعه(٤)، والمعنى واحد.
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَحِيلًا﴾ أي: حفيظاً وكفيلاً حتى تردّه إلى الإيمان وتُخْرجَه
من هذا الفساد. أي: ليست الهدايةُ والضلالة موكولتَين إلى مشيئتك، وإنما عليك
التبليغ. وهذا ردٌّ على القَدَرية. ثم قيل: إنها منسوخةٌ بآية القتال(٥). وقيل: لم
تُنسخ(٦)؛ لأنَّ الآية تسليةٌ للنبيّ ﴾.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٦٩٩/٨ (١٥١٩٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) المحرر الوجيز ٢١٢/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٧٠٠/٨ (١٥٢٠٠) بنحوه.
(٣) لم نقف عليهما.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٧٠٠/٨، (١٥٢٠١).
(٥) قاله الكلبي كما في الوسيط للواحدي ٣٤١/٣ .
(٦) المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي ص ٤٢ .

٤١٨
سورة الفرقان: الآيات ٤٤ - ٤٦
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَّحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّ كَالْأَنْعَمِّ
٤٤٦
بَلّ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ولم يقل: أنهم؛ لأن
منهم مَن قد عَلم أنه يؤمن. وذمَّهم جلَّ وعزَّ بهذا. ((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ))
سماعَ قَبول، أو يفكّرون فيما تقول فيعقلونه، أي: هم بمنزلة مَن لا يَعْقِل ولا يسمع.
وقيل: المعنى: أنهم لما لم ينتفعوا بما يسمعون؛ فكأنهم لم يسمعوا(١)؛ والمراد أهلُ
مكة(٢). وقيل: ((أَمْ)) بمعنى بل في مثل هذا الموضع(٣).
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَّ﴾ أي: في الأكل والشُّرب لا يفكّرون في الآخرة(٤). ﴿بَلّ مُمْ
أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ إذ لا حسابَ ولا عقاب على الأنعام. وقال مقاتل(٥): البهائم تَعرف
ربَّها، وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها التي تَعقِلها(٦)، وهؤلاء لا ينقادون ولا
يعرفون ربَّهم الذي خلقهم ورزقهم. وقيل: لأن البهائم إن لم تعقل صِحَّة التوحيد
والنبوَّةِ، لم تعتقد بطلانَ ذلك أيضاً (٧).
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا
٤٦
الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٨) ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِلَّ﴾ يجوز أن تكونَ هذه الرؤيةُ من رؤية
العين، ويجوز أن تكونَ من العلم(٨).
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٦٢/٣.
(٢) زاد المسير ٦/ ٩٢ .
(٣) الكشاف ٣/ ٩٣ .
(٤) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٦٢ .
(٥) ذكر قوله أبو الليث بنحوه .
(٦) في (ز) و (ظ): تعلفها .
(٧) ينظر تفسير الرازي ٢٤/ ٨٧ .
(٨) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٧٠ .

٤١٩
سورة الفرقان: الآيتان ٤٥ - ٤٦
قال الحسن وقتادة(١) وغيرهما: مدَّ الظلَّ من طلوع الفجرِ إلى طلوع الشمس.
وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. والأوَّلُ أصحّ؛ والدليلُ على ذلك أنه ليس
مِن ساعةٍ أطيبَ من تلك الساعة، فإنَّ فيها يجد المريضُ راحةً، والمسافرُ وكلُّ ذي
عِلَّة، وفيها تُردُّ نفوسُ الأمواتِ والأرواحُ منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوسُ الأحياء
فيها. وهذه الصفة مفقودةٌ بعد المغرب. وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار
إلى ساعة المصلِّين صلاة الفجر.
أبو عبيدة: الظلُّ بالغَداة والفيءُ بالعَشِيّ؛ لأنه يرجع بعد زوال الشمس؛ سُمِّيَ
فيئاً لأنه فاءً من المشرق إلى جانب المغرب(٢). قال الشاعر، وهو حميد بنُ ثور،
يصف سَرْحة، وکنی بها عن امرأة:
فلا الظُّلُّ مِن بَرْد الضُّحا تستطيعُه
ولا الفيءُ من برد العشيِّ تذوقُ(٣)
وقال ابن السّكِّيت: الظلُّ ما نسخته الشمس، والفيءُ ما نَسخ الشمس. وحكى أبو
عبيدة عن رؤبة قال: كلُّ ما كانت عليه الشمسُ فزالت عنه، فهو فيءٌ وِظِلّ، وما لم
تكن عليه الشمسُ فهو ظِلّ(٤).
﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَمُ سَاكِنًا﴾ أي: دائماً مستقِرًّا لا تنسخُه الشمس(٥). ابنُ عباس:
يريد إلى يوم القيامة(٦)، وقيل: المعنى: لو شاء لَمنعَ الشمسَ الطُّلوعَ.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: جعلنا الشمس بنسخها الظلَّ عند مجيئها دالَّةً
على أنَّ الظل شيءٌ ومعنًى؛ لأن الأشياء تُعرف بأضدادها؛ لولا الشمسُ ما عُرف
(١) أخرجه عنهما عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٠، وأخرجه الطبري ١٧/ ٤٦٠-٤٦١ عن ابن عباس وغيره.
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٣٧٠ .
(٣) الصحاح (فيأ)، والبيت في الديوان ص ٤٠، والسرحة: شجرة عظيمة طويلة. الصحاح (سرح).
(٤) الصحاح (فيأ).
(٥) تفسير غريب القرآن ص٣١٣.
(٦) أخرجه الطبري ١٧/ ٤٦٢ بنحوه .

٤٢٠
سورة الفرقان: الآيات ٤٥ - ٤٧
الظلّ، ولولا النورُ ما عُرفتِ الظلمة(١). فالدليل: فعيلٌ بمعنى الفاعل، وقيل: بمعنى
المفعول، كالقتيل والدَّهين والخَضيب. أي: دللنا الشمس على الظلِّ حتى ذهبت به،
أي: أَتبعناها إياه. فالشمس دليل، أي: حُجَّةٌ وبرهان، وهو الذي يَكشِف المشكلَ
ويوضحه. ولم يؤنث الدليل وهو صفةُ الشمس؛ لأنه في معنى الاسم؛ كما يقال:
الشمسُ برهان، والشمس حق.
﴿ثُمَّ قَبَضْتَهُ﴾ يريد ذلك الظلَّ الممدود(٢). ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيْرًا﴾ أي: يسيرًا(٣)
قبضُه علينا. وكلُّ أمرٍ ربِّنا عليه يسير. فالظلُّ مُكْتُه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى
طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظلُّ مقبوضًا، وخَلَفَه في هذا الجوّ شعاعٌ
الشمس، فأشرق على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس
هناك ظلّ، إنما ذلك بقيةُ نورِ النهار. وقال قوم: قَبَضه بغروب الشمس؛ لأنها ما لم
تَغْرُب؛ فالظلُّ فيه بقية، وإنما يَتِمُّ زوالُه بمجيء الليل ودخولِ الظُلمةِ عليه. وقيل: إنَّ
هذا القبضَ وقع بالشمس؛ لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئاً فشيئاً؛ قاله
أبو مالكٍ وإبراهيم التيمي. وقيل: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ)) أي: قبضنا ضياءَ الشمس بالفيء ((قَبْضاً
يَسِيرًا)». وقيل: ((يَسِيرًا)) أي: سريعًا (٤)، قاله الضحَّاك. قتادةُ(٥): خفيًّا؛ أي: إذا غابت
الشمس قُبض الظلُّ قبضاً خفيًّا؛ كلما قُبض جُزءٌ منه جُعل مكانَه جزءٌ من الظلمة،
ولیس یزول دفعة واحدة. فهذا معنى قولٍ قتادة؛ وهو قول مجاهد.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّثْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ
نُشُورًا
فيه أربع مسائل :
(١) تفسير البغوي ٣/ ٣٧٠ .
(٢) المصدر السابق.
(٣) في النكت والعيون ٤/ ١٤٧ عن أبي مالك بنحوه .
(٤) أخرجه الطبري ١٧ / ٤٦٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما .
(٥) في (د): قال الضحاك وقتادة. والأثر أخرجه الطبري ٤٦٥/١٧ عن مجاهد وابن جريج.