Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سورة النور: الآية ٦٣
من المُلاوَذَة، وهو (١) أن تَستتر بشيءٍ مخافةً من يراك؛ فكان المنافقون يتسلَّلون عن
صلاة الجمعة(٢). ((لِوَاذَاً)) مصدر في موضع الحال، أي: متلاوِذين(٣)، أي: يَلوذ
بعضُهم ببعضٍ، يَنضمُّ إليه استاراً من رسولِ اللهِ ﴾؛ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل
من يوم الجمعة وحضور الخطبة؛ حكاه النقاش، وقد مضى القول فيه. وقيل: كانوا
يتسلَّلون في الجهاد رجوعاً عنه؛ يَلُوذُ بعضهم ببعض. وقال الحسن: لِواذاً: فراراً من
الجهاد؛ ومنه قولُ حسان (٤):
وقريشٌ تجول منكم(٥) لِوَاذَاً
لم تحافظ وخَفّ منها الحُلُوم
وصحَّت(٦) واوها لتحركها في لاوَذ، يقال: لاوَذ يلاوِذ ملاوذةً ولِواذاً، وَلَاذَ
يَلُوذ [لِوذاً] ولِياذاً؛ انقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها إتباعاً لِلَاذ في الاعتلال؛ فإذا
كان مصدرَ فاعَل لم يُعَلَّ؛ لأن فاعَل لا يجوز أن يُعَلَّ(٧).
قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِهِ﴾ بهذه الآية احتجَّ الفقهاءُ على أنَّ
الأمرَ على الوجوب(٨). ووجهها: أنَّ الله تبارك وتعالى قد حذَّر من مخالفةِ أمرهِ،
وتؤَّعدَ بالعقاب عليها بقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فتحرُم
مخالفته، فيجب امتثالُ أمرِهِ. والفتنةُ هاهنا: القتلُ، قاله ابن عباس. وعن(٩) عطاء:
الزلزالُ والأهوال. جعفر بن محمد: سلطانٌ جائر يُسلَّط عليهم. وقيل: الطبعُ على
(١) في (م): هي والكلام بنحوه في زاد المسير ٦٨/٦-٦٩، ومجمع البيان ١٨/ ٨٠ .
(٢) النكت والعيون ١٢٨/٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٤٩/٣.
(٤) النكت والعيون ١٢٨/٤-١٢٩، والبيت في ديوانه ص ٤٣٥، وهو أيضاً في السيرة النبوية ٢١٧/٣.
(٥) في الديوان والسيرة النبوية: منَّا.
(٦) في (ظ): وفتحت.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٥٠ وما بين حاصرتين منه.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٠٠ .
(٩) لفظ: وعن، من (ظ) والكشاف ٧٩/٣، وذكر قول ابن عباس، وعطاء، وجعفر أيضاً الرازيُّ ٢٤/ ٤٢.

٣٦٢
سورة النور: الآيتان ٦٣ - ٦٤
القلوب بشؤم مخالفةِ الرسول.
والضمير في ((أَمْرِهِ)) قيل هو عائدٌ إلى أمر اللهِ تعالى؛ قاله يحيى بن سلام. وقيل:
إلى أمر رسوله عليه الصلاة والسلام؛ قاله قتادة(١).
ومعنى ((يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي: يُعرضون عن أمره (٢).
وقال أبو عبيدة والأخفش: ((عن)) في هذا الموضع زائدة(٣). وقال الخليل
وسيبويه: ليست بزائدة، والمعنى: يُخالفون بعد أمره؛ كما قال:
.. لم تَنْتَطِق عن تَفَضُّلٍ(٤)
ومنه قوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّدٌِّ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: بَعْدَ أمر ربه.
و((أن)) في موضع نصب بـ ((يَخْذر))، ولا يجوز عند أكثر النحویین حَذِر زيداً، وهو
في ((أن)) جائز؛ لأن حروف الخفض تُحذَف معها (٥).
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ
وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّثُهُم بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ خَلْقاً وملكاً ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ
(١) النكت والعيون ١٢٩/٤.
(٢) في (د) و(ظ): يعرضون عنه. والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ١٢٩/٤ .
(٣) قول أبي عبيدة في مجاز القرآن٦٩/٢، وقول الأخفش في النكت والعيون ١٢٩/٤ ، وزاد الميسر
٩٩/٦.
(٤) قطعة من بيت لامرئ القيس في ديوانه ص١٧ ، وتمامه:
نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل.
وتضحي فتیت المسك فوق فراشها
ووردت أيضاً في دیوان كثير عزة ص٢٨٥ ، قال:
جَبَانُ السُّرى لم تنتطق عن تفضل
أخاضت إليَّ الليلَ خَوْدٌ غريرةٌ
وقوله: لم تنتطق أي: لم تشدَّ عليها نطاقاً بعد تفضل، والتفضل: لبْس ثوب واحد. كذا في شرح ديوان
امرئ القيس.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٥٠/٣

٣٦٣
سورة النور: الآية ٦٤
عَلَيْهِ﴾ فهو يُجازيكم به. و(يعلم)) هنا بمعنى عَلِمَ. ﴿وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾؛ بعد ما كان
في خطابٍ رجعَ في خبر؛ وهذا يقال له: خطاب التلوين. ﴿فَيُلِبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي:
يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها . ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ من أعمالهم
وأحوالهم(١).
ختمت السورة بما تضمنت من التفسير، والحمد لله على التيسير.
٠٠٠
(١) الكلام بنحوه في تفسير أبي الليث السمر قندي ٤٥١/٢، والكشاف ٣/ ٨٠ .

بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَمِ
سورة الفرقان
مكيَّةٌ كلها في قول الجمهور(١). وقال ابنُ عباس وقتادة: إلا ثلاث آياتٍ منها
نزلت بالمدينة، وهي: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اَللَّهُ
غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(٢) [الآية: ٦٨ -٧٠] وقال الضحَّاك: هي مدنيةٌ، وفيها آيات مكية؛ قوله:
﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا مَاخَرَ﴾ الآيات(٣).
ومقصودُ هذه السورة ذِكرُ موضع عِظم (٤) القرآن، وذِكْرُ مطاعنِ الكفّار في النبؤَّة،
والردُّ على مقالاتهم(٥)، فمن جملتها قولُهم: إنَّ القرآن افتراه محمدٌ ، وإنه ليس من
عند اللهِ (٦).
قوله تعالى: ﴿تَّبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴿ الَّذِى
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِكٌ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ
شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيْرً ﴾ وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةُ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَفُونَ وَلَا
يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا خَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا ﴾﴾.
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ((تَبَارَكَ)) اختلف في معناه؛ فقال الفرَّاءُ: هو
(١) المحرر الوجيز ١٩٩/٤.
(٢) النكت والعيون ١٣٠/٤، وزاد المسير ٧١/٦ .
(٣) المحرر الوجيز ١٩٩/٤.
(٤) في النسخ: عظيم . والمثبت من (م).
(٥) بعدها في (م) وجهالاتهم .
(٦) ينظر المحرر الوجيز ١٩٩/٤ .

٣٦٥
سورة الفرقان: الآيات ١ -٣
في العربية و((تقدَّس)) واحدٌ، وهما للعظَمة. وقال الزجاج: ((تَبَارَكَ)): تَفَاعَلَ من البركة.
قال: ومعنى البَوَكَة: الكَثْرَةُ من كلِّ ذي خيرٍ. وقيل: ((تَبَارَكَ)): تعالى. وقيل: تعالى
عطاؤه، أي: زاد وكثُر، وقيل: المعنى دام وثبَت إنعامُه. قال النحاس(١): وهذا
أولاها في اللغة والاشتقاق؛ من بَرك الشيءُ: إذا ثبت، ومنه: بَرك الجملُ والطيرُ
على الماء، أي: دام وثبت. فأما القولُ الأَوَّل فمخلَّط؛ لأن التقديس إنما هو من
الطهارة، وليس من ذا في شيءٍ. قال الثعلبيُّ: ويقال: تبارك اللهُ، ولا يقال له(٢):
متبارَك ولا مبارَك؛ لأنه ينتهي في أسمائه وصفاته إلى حيث ورَد التوقيفُ . وقال
الطّرِمَّاح:
تباركتَ لامُعطي لشيءٍ منعتَه وليس لِما أعطيتَ يا ربِّ مانعُ(٣)
وقال آخر :
تَبَارَكْتَ ما تَقْدِرْ يقعْ ولك الشكرُ(٤)
قلت: قد ذكر بعضُ العلماء في أسمائه الحسنى: ((المبارك))، وذكرناه أيضاً في
كتابنا(٥). فإن كان وقع اتفاقٌ على أنه لا يقال، فيسلَّم للإجماع ، وإن كان وقع فيه
: اختلاف؛ فكثيرٌ من الأسماء اختلف في عدِّه؛ كالذَّهر وغيرِهِ. وقد نبَّهنا على ذلك
هنالك، والحمدُ للهِ.
و ((الفرقان)): القرآن. وقيل: إنه اسمٌ لكلِّ مُنزَّل، كما قال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى
وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
وفي تسميته فرقاناً وجهان:
عبارة
(١) في إعراب القرآن ١٥١/٣، وما قبله منه، وينظر قول الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٢٦٢، وقولُ
الزجاج في معاني القرآن له ٤ / ٥٧ .
(٢) لفظة: له من النسخ الخطية.
(٣) لم تقف عليه.
(٤) عجز بيت لأبي صخر الهذلي، وصدره: ولا عائداً ذاك الزمان الذي مضى. وسلف ٢٧١/١٤ .
(٥). لم تقف عليه في المطبوع من كتاب الأسنى للمصنف، ومعلومٌ أن أسماءه سبحانه وصفاته توقيفية كما
. ذكره التعلي وغيره من العلماء.

٣٦٦
سورة الفرقان: الآيات ١ - ٣
أحدهما: لأنه فرَق بين الحقِّ والباطل ، والمؤمنِ والكافر .
الثاني: لأن فيه بيانَ ما شرع من حلالٍ وحرام؛ حكاه النقاش(١). ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾
يريد محمَّداً #. ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ اسم ((يَكُونَ)) فيها مضمر يعود على ((عَبْدِهِ))
وهو أوْلى لأنه أقرب إليه. ويجوز أن يكون يعود على ((الفرقان)).
وقرأ عبدُ الله بن الزبير: ((عَلَى عِبَادِهِ))(٢). ويقال: أنذر: إذا خوَّف؛ وقد تقدَّم في
أول ((البقرة)»(٣). والنذير: المحذّر من الهلاك. الجوهريُّ(٤): والنذير: المنذِرُ،
والنذير: الإنذارُ.
والمراد بـ ((العالَمِين)) هنا الإنس والحِنُّ، لأن النبيَّ ﴾ قد كان رسولاً إليهما،
ونذيراً لهما، وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن غيره عامَّ الرسالة إلا نوحٌ؛ فإنه عمَّ برسالته
جميعَ الإنس بعد الطوفان ؛ لأنه بدأ به الخَلقَ (٥).
قوله تعالى: ﴿الَّذِى لَكُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ عظّمَ تعالى نفْسَه. ﴿وَلَمْ يَنَّخِذْ
وَلَدًا﴾ نزَّه سبحانه وتعالى نفسه عمَّا قاله المشركون من أن الملائكة أولادُ اللهِ؛ يعني
بنات الله سبحانه وتعالى، وعما قالت اليهودُ: عُزَيْرٌ ابن الله؛ جلَّ اللهُ تعالى، وعما
قالت النصارى: المسيح ابن الله؛ تعالى اللهُ عن ذلك. ﴿وَلَمْ يَكُ لَّهُ شَرِيكُ فِ الْمُلْكِ﴾
كما قال عبدةُ الأوثان(٦). ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ لا كما قال المجوس والثَّنَوِيَّة(٧): إن
الشيطان أو الظُّلْمةَ يخلقُ بعضَ الأشياء. ولا كما يقول من قال: للمخلوق قدرةٌ
الإيجاد . فالآية ردٌّ على هؤلاء(٨). ﴿فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرً﴾ أي: قدَّر كلَّ شيءٍ مما خلَق
(١) النكت والعيون ١٣١/٤ .
(٢) القراءات الشاذة ص١٠٣، والمحتسب ١١٧/٢ .
(٣) ٢٨١/١.
(٤) في الصحاح (نذر).
(٥) النكت والعيون ١٣١/٤ .
(٦) ينظر تفسير الطبري ٣٩٦/١٧، والوسيط ٣٣٢/٣.
(٧) الثَّنَوية: فرقة زعمت أن النور والظلمة أزليان قديمان ، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام
... اهـ. الملل والنحل ٢٤٤/١ .
(٨) ينظر تفسير الرازي ٤٦/٤، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ص٢٦١ .

٣٦٧
سورة الفرقان: الآيات ١ - ٦
بحكمته على ما أراد، لا عن سَهوٍ (١) وغَفْلة، بل جَرَت المقاديرُ على ما خلق اللهُ إلى
يوم القيامة وبعد القيامة، فهو الخالق المقدِّر؛ فإياه فاعبدوه.
قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةٌ﴾ ذكر ما صنَع المشركون على جهة
التعجيبٍ(٢) في اتخاذهم الآلهة، مع ما أظهر من الدلالة على وحدانيته وقدرته . ﴿لَا
يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ يعني الآلهة. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لمَّا اعتقَد الكفار (٣) فيها أنها تضرُّ وتنفع،
عَبَّر عنها كما يعبِّر عما يَعقل. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا دفع ضرِّ
وجلب نفع، فحذف المضاف.
وقيل: لا يقدرون أن يضروا أنفسَهم أو ينفعوها بشيءٍ، ولا لمن يعبدهم، لأنها
جمادات. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا﴾ أي: لا يُميتون أحداً، ولا يُحيونه(٤).
والنُّشور: الإحياءُ بعد الموت؛ أنشَر اللهُ الموتى فنشروا. وقد تقدَّم(٥). وقال
الأعشى (٦):
حتى يقولَ الناسُ مما رَأَوْا يا عجباً للميِّتِ النَّاشِرِ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ
وَآخَرُونٌَ فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا (١) وَقَالُواْ أَسَطِيُ اَلْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَ
عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ أَلِرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ
كَانَ غَفُورًا رَّحِيًّا (٥)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مشركي قريش. وقال ابنُ عباس: القائل
(١) في (د) و(ف) شهوة، وفي (م) سهوة، والمثبت من (ز) و(ظ).
(٢) في (د) و(ظ): التعجب ، وفي (ز): النعت .
(٣) في (م): المشركون .
(٤) ينظر زاد المسير ٦/ ٧٢ .
(٥) ٢٥٢/٩-٢٥٣.
(٦) ديوانه ص١٩١ .

٣٦٨
سورة الفرقان: الآيات ٤ - ٦
منهم ذلك النضرُ بن الحارث ؛ وكذا كلُّ ما كان في القرآن فيه ذكر الأساطير(١) . قال
محمد بن إسحاق: وكان مؤذياً للنبيِّ ﴾(٢). ﴿إِنْ هَذَا﴾ يعني القرآن. ﴿إِلَّ إِفْكُ
أَفْتَرَهُ﴾ أي: كَذِبٌ اخْتَلَقه. ﴿وَأَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌ﴾ يعني اليهود؛ قاله مجاهد(٣).
وقال ابن عباس: المراد بقوله: ((قَوْمٌ آخَرُونَ)): أبو فُكَيْهة مولى بني الحضرمي،
وعدَّاس، وجبر، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب(٤). وقد مضى في ((النحل)).
ذِكْرُهم (٥) ﴿فَقَدْ جَُّو ظُلْمًا﴾ أي: بظلم. وقيل: المعنى: فقد أَتوا ظلْمٌ ﴿وَزُورًا. وَقَالُواْ.
أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الزجاج (٦): واحد الأساطير أُسطورة؛ مثل: أُحدوثة
وأحاديث.
وقال غيره: أساطير جمع أسطار ؛ مثل أقوال وأقاويل(٧). ﴿آكْتَتَبَهَا﴾ يعني
محمداً. ﴿فَعِىَ تُعَلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُلقى عليه وتقرأ. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ حتى تُحفظَ (٨).
و((تملى)) أصله: تُملَل، فأبدلت اللام الأخيرة ياء [هرباً] من التضعيف(٩): كقولهم:
تقَضَّی البازي(١٠)؛ وشبهه.
(١) النكت والعيون ١٣٢/٤، والمحرر الوجيز ٢٠٠/٤
(٢) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ٣٠٠/١ مطولاً، وأخرجه الطبري في التفسير. ٤٣٩٩/١٧ ٤٠٠ عن ابن.
عباس، من رواية ابن إسحاق.
(٣) النكت والعيون ١٣٢/٤، والمحرر الوجيز ٢٠٠/٤، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٤٤٧ ، وأخرجه
الطبري ٢٩٨/١٧ ، وابن أبي حاتم ٨/ ٣٦٦٣ (١٤٩٧٢).
(٤) المحرر الوجيز ٢٠٠/٤ ، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧٢/٦-٧٣ عن قتادة،
(٥) ٤٢٨/١٢ .
(٦) في معاني القرآن ٥٨/٤ .
(٧) البيان لابن الأنباري ٢/ ٢٠٢ .
(٨) زاد المسير ٦/ ٧٣ .
(٩) ينظر سر صناعة الإعراب ٧٥٨/٢ وما بین حاصرتین منه ...
(١٠) قال الزبيدي في تاج العروس (قض): الأصل: تقضض، فلما اجتمعت ثلاث ضادات؛ قلبت إحداهنَّ
ياء، كما قالوا: تمطى، وأصله: تمطط، أي: تمدد، وكذلك: تظنى من الظن.

٣٦٩
سورة الفرقان: الآيات ٤ - ٨
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ اٌلِزَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ أي: قل يا محمد:
أَنزَل هذا القرآنَ الذي يعلم السرَّ ، فهو عالِمُ الغيبِ ، فلا يحتاج إلى مُعلِّم .
وذكر ((السرَّ)) دون الجهر ؛ لأنه مَن علم السِّر فهو في الجهر أعلم. ولو كان
القرآن مأخوذاً من أهل الكتاب وغيرهم لَمَا زاد عليها، وقد جاء بِفُنون تخرج عنها،
فليس مأخوذاً منها. وأيضاً: ولو كان مأخوذاً من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضاً
كما تمكَّنَ محمدٌ ﴾؛ فهلَّا عارضوه؟! فبطَلَ اعتراضُهم من كلِّ وجهٍ (١). ﴿إِنَّهُ كَانَ
غَفُورًا رَحِيًا﴾ يريد غفوراً لأوليائه رحيماً بهم(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلاً
أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُونُ لَهُ
جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَاً وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا (٨)).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِ فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ((وَقَالُوا))؛ ذكَر شيئاً آخرَ من مطاعنهم. والضمير في ((قَالُوا))
لقريش؛ وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله # مجلس مشهور، وقد تقدَّم في
((سبحان))(٣). ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره، مضمَّنه: أنَّ سادتهم عتبةً بن ربيعة
وغيره اجتمعوا معه فقالوا: يا محمد، إن كنتَ تحبُّ الرياسةَ وَلَّيناك علينا، وإن كنتَ
تحب المالَ جمعنا لك من أموالنا. فلمَّا أَبَى رسولُ الله ﴾ عن ذلك رجَعوا في باب
الاحتجاج معه، فقالوا: ما بالُك وأنت رسولُ الله تأكلُ الطعامَ، وتقِفُ بالأسواق(٤)!
(١) ينظر تفسير الرازي ٢٤/ ٥١.
(٢) الوسيط ٣٣٤/٣.
(٣) ١٧٢/٢٣ وما بعدها.
(٤) في (ظ) في الأسواق، والكلام في المحرر الوجيز ٤/ ٢٠٠-٢٠١، وعنه نقل المصنف كلام ابن
إسحاق، وهو بنحوه في السيرة النبوية ٢٩٣/١ - ٢٩٤.

٣٧٠
سورة الفرقان: الآيتان ٧ - ٨
فعيَّروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسولُ ملكاً، وعيَّروه بالمشي في
الأسواق حين رأوا الأكاسرةَ والقياصرةَ والملوك الجبابرةَ يَتَرفَّعون عن الأسواق،
وكان عليه الصلاة والسلام يخالطهم في أسواقهم ، ويَأمرُهم ويَنْهاهم ؛ فقالوا: هذا
يَطلب أن يتملَّك علينا، فماله يخالف سيرةَ الملوك؟ فأجابهم اللهُ بقوله، وأنزل على
نبيه: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِىِ الْأَسْوَاقِ﴾
[الفرقان: ٢٠] فلا تَغْتَمَّ ولا تَحزن، فإنها شَكاة ظاهرٌ عنك عارُها(١).
الثانية: دخولُ الأسواق مباحٌ للتجارة وطلبٍ المعاش. وكان عليه الصلاة
والسلام يَدخلها لحاجته؛ ولتذكرة الخلق بأمر اللهِ ودعوته، ويَعرِض نفْسَه فيها على
القبائل، لعلَّ اللهَ أن يرجع بهم إلى الحقِّ(٢). وفي البخاري(٣) في صفته عليه الصلاة
والسلام: ((ليس بفظً ولا غليظ ولا سخَّاب في الأسواق)) وقد تقدَّم في ((الأعراف))(٤).
وذِكر السوق مذكور في غير ما حديثٍ، ذكره أهلُ الصحيح . وتجارة الصحابة
فيها معروفة، وخاصةً المهاجرين؛ كما قال أبو هريرة: وإنَّ إخواننا من المهاجرين
كان يَشغلُهم الصَّفْقِ بالأسواق ؛ خرَّجه البخاري(٥). وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان
في هذه السورة إن شاء الله (٦).
(١) في قوله: ((شكاة ظاهر عنك عارها)) تضمين لبيت أبي ذؤيب الهُذلي
وعيَّرها الواشون أني أُحبُّها
وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارُها
وسلف في تفسير الآية (٢٢) من سورة الكهف.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٠٢/٣، والكلام بنحوه في السيرة النبوية ٣٠٩/١.
(٣) برقم (٢١٢٥) وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٤) ٩ /٣٥٤.
(٥) برقم (١١٨) وهو عند أحمد (٧٢٧٥)، ومسلم (٢٤٩٢).
وقوله: الصَّفْقُ: قال السندي: كناية عن البيع والشراء، أي: أنهم كانوا أصحاب تجارات ، وكان
الأنصار أصحاب زرعات وبساتين .
(٦) عند تفسير الآية (٢٠).

٣٧١
سورة الفرقان: الآيات ٧ - ١٠
قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلَّا. ﴿فَيَكُنَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ جوابُ
الاستفهام. ﴿أَوْ يُلْفَى﴾ في موضع رفع؛ والمعنى: أوْ هَلَّا يُلقى ﴿إِلَيْهِ كَتَزُ﴾
﴿أَوْ﴾ُ هلَّا ﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَأَ﴾(١) ((يَأْكُلُ)) بالياء قرَأ المدنيون وأبو عمرو
وعاصمٌ. وقرَأ سائر الكوفيين بالنون(٢)، والقراءتان حَسنتان تؤديان عن معنى، وإن
كانت القراءة بالياء أَبين؛ لأنه قد تقدَّم ذِكْرُ النبيِّ :﴿ وحدَه، فَأَنْ يعودَ الضميرُ عليه
أبين؛ ذكره النحاس(٣). ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ تقدَّم في
(سبحان))(٤) والقائلُ عبدُ الله بن الزِّبَعْرى فيما ذكره الماورديُّ(٥).
قوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنِ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
١٠
وَجْعَل لَّكَ قُصُورًا
قوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: ضرَبوا لك هذه الأمثالَ
ليتوصلوا إلى تَكذيبك، ﴿فَضَلُوا﴾ عن سبيل الحقِّ وعن بلوغ ما أرادوا. ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
سَبِيلًا﴾ إلى تصحيح ما قالوه فيك.
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنَّتٍ﴾ شرطٌ ومجازاة،
ولم يُدغم ((جَعَلَ لَكَ)) لأن الكلمتين منفصلتان ، ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين(٦).
﴿وَجْعَل لَّكَ﴾ في موضع جزْم عطفاً على موضع ((جعل)). ويجوز أن يكون في موضع
رفع مقطوعاً من الأول. وكذلك قَرَأ أهلُ الشام . ويروى عن عاصم أيضاً: ((وَيَجْعلُ
لَكَ)» بالرفع، أي: وسيَجعلُ لك في الآخرة قصوراً(٧).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٥٢.
(٢) قرأ حمزة والكسائي بالنون، والباقون من السبعة بالياء. السبعة ص٤٦٢، والتيسير ص١٦٣.
(٣) في إعراب القرآن ٣/ ١٥٢- ١٥٣.
(٤) ١٣ / ٩٧ .
(٥) في النكت والعيون ٤/ ١٣٤.
(٦) وهو هنا من الإدغام الكبير لأبي عمرو من رواية السوسي.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٥٣/٣، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية شعبة: ويجعلُ، =

٣٧٢
سورة الفرقان: الآيتان ٩ - ١٠
قال مجاهد: كانت قريشٌ ترى البيتَ من حجارة يسمى(١) قصراً كائناً ما كان(٢).
والقصر في اللغة: الحبس، وسمي القصر قصراً لأن مَن فيه مقصورٌ عن أن
يُوصَل إليه(٣).
وقيل: العرب تسمي بيوتَ الطين القَصْرَ، وما يُتخذ من الصوف والشَّعَر
البيت (٤)؛ حكاه القُشَيريُّ.
وروى سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خَيْئَمة قال: قيل للنبيّ ﴾: إن شئتَ
أن نُعطيَك خزائنَ الدنيا ومفاتيحها، ولم يُعْطَ ذلك مَن قبلك ولا يعطاه أحدٌ بعدك،
وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئاً؛ وإن شئتَ جمعنا لك ذلك في الآخرة؛ فقال:
((يجمع(٥) ذلك لي في الآخرة). فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ
خَيْرً مِن ذَلِكَ جَنٍَّ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ وَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾(٦).
ويروى أن هذه الآيةَ أنزلها رضوان خازنُ الجِنان إلى النبيِّ #، وفي الخبر: إن
رضوان لمَّا نَزَل سلَّم على النبيِّ ﴾، ثم قال: يا محمد! ربُّ العِزَّة يُقرئك السلامَ،
وهذا سَفَطَ(٧) - فإذا سَفَطَ(٨) مِن نور (٩) يتلألأ - يقول لك ربُّك: هذه مفاتیحُ خزائنٍ
الدنيا، مع أنه لا ينقص مالَك في الآخرة مثلَ جناح بعوضة؛ فنظر النبيُّ# إلى جبريلَ
كالمستشير له، فضرب جبريل بيده الأرض؛ يُشير (١٠) أن تَواضع، فقال: ((يا
= بالرفع، والباقون بالجزم. السبعة ص ٤٦٢ . والتيسير ص١٦٣ .
(١) لفظة يسمى من (ظ).
(٢) تفسير مجاهد ٤٤٨/٢، وأخرجه الطبري في تفسيره ٤٠٧/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٦٦/٨ (١٤٩٩٦).
(٣) الكلام بنحوه في تهذيب اللغة ٣٥٩/٨.
(٤) فبكر هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠١/٤ .
(٥) في (ظ) تجمع.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٠٩/١١، وابن أبي حاتم ٢٦٦٦/٨ (١٤٩٩١)، وهو مرسل. وأخرجه الطبري
في تفسيره ٤٠٨/١٧ عن حبيب قال: قيل للنبي *..
(٧) في النسخ الخطية: سوط. والمثبت من (م)، والسَّفَط وعاء، كالقُفَّة. القاموس (سَفط).
(٨) في (د) و(ز) سوط، وفي (ظ) و(ف) بسوط، والمثبت من (م).
(٩) في (د) لؤلؤ.
(١٠) بعدها في (ظ): إلى.

٣٧٣
سورة الفرقان: الآيات ٩ - ١٤
رضوان، لا حاجة لي فيها، الفقرُ أحبُّ إليَّ وأن أكون عبداً صابراً شكوراً)). فقال
رضوان: أَصبتَ! أصاب(١) اللهُ لك. وذكر الحديث(٢).
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِلشَّاعَةِ سَعِيرًا ١ إذَا رَأَتْهُم
مِن فَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (١٣) وَإِذَا أُلّقُواْ مِنْهَا مَكَنَا ضَِّّقًا مُقَرَّبِنَ دَعَوْاْ
﴾.
هُنَالِكَ ثُبُورًا (٣) لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ﴾ يريد يومَ القيامة. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ
سَعِيرًا﴾ يريد جهنم تتلّى عليهم. ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن ◌َكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: من مسيرة خمس
مئة عام(٣). ﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ قيل: المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوتَ
التغيُّظ عليهم. وقيل: المعنى: إذا رأتهم خزَّانُها سمعوا لهم (٤) تغيظاً وزفيراً حرصاً
على عذابهم(٥). والأول أصحُّ؛ لِما روي مرفوعاً أنَّ رسولَ اللـه # قال: ((مَن كذَب
عليَّ متعمِّداً فليتبوأ بَيْنَ عيني جهنمَ مقعداً)) قيل: يا رسول الله! ولها عينان؟ قال:
((أما سمعتم اللهَ عزَّ وجلَّ يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن فَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾))(٦).
يخرج عُنُقٌ من النار له عينان تبصران ، ولسانٌ يَنْطق فيقول: وُكِّلت بكلِّ مَن جَعَلَ مع
(١) لفظة أصاب من (ز) وأسباب النزول. وجاءت العبارة في (ز): أصاب اللهُ بك.
(٢) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٣٤٥ -٣٤٦ عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس
رضي الله عنهما، وهذا إسناد ضعيف جداً.
(٣) تفسير أبي الليث ٢/ ٤٥٥ .
(٤) في النسخ الخطية: لها، والمثبت من (م).
(٥) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ٢٤/ ٥٦ .
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٠٩/١٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٧ (١٤٩٩٩) عن خالد بن دريك ، عن
رجل من أصحاب محمد ﴾ ... وخالد بن دُريك؛ قال الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقة يرسل.
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٣١/٨-١٣٢ (٧٥٩٩) من حديث أبي أمامة. قال الهيثمي في
المجمع ١٤٨/١: رواه الطبراني في الكبير وفيه الأحوص بن حكيم، ضعفه النسائي وغيره، ووثقه
العجلي ويحيي بن سعيد القطان في رواية، ورواه عن الأحوص محمدُ بن الفضل بن عطية، وهو
ضعيف.
وقوله : ((مَنْ كذب عليَّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار)) صحيح متواتر، وسلف ١/ ٥٧.

٣٧٤
سورة الفرقان: الآيات ١١ - ١٤
اللهِ إلهاً آخرَ، فَلَهُو أبصرُ بهم من الطير بِحَبِّ السِّمْسِم فيلتقطه))(١).
وفي رواية: ((فيَخرج ◌ُنُقٌّ من النار فيلتقطُ الكفارَ لَقْطَ الطائرِ حبَّ السِّمْسِم)) ذكره
رَزِين في كتابه، وصححَّه ابنُ العربي في قبسه (٢)، وقال: أي: يَفْصِلهم (٣) عن الخلق
في المعرفة كما يَفصل الطائرُ حبَّ السِّمسِمِ من التربة.
وخرَّجَه الترمذيُّ من حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ ﴾: ((يَخرج ◌ُثُقٌ من
النار يومَ القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وُكِّلت
بثلاث: بكلِّ جَبَّار عنيد ، وبكلِّ مَن دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصوِّرين)).
وفي الباب عن أبي سعيدٍ. قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ غريب صحيحٌ(٤).
وقال الكلبيُّ: سمعوا لها تغيظاً كتغيظ بني آدم وصوتاً كصوت الحمار(٥).
وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير ، سمعوا لها زفيراً وعلموا لها تغيُّظاً.
وقال قطرب: التغيظ لا يُسمع ، ولكن يُرى ، والمعنى: رأوا لها تغيظاً،
وسمعوا لها زفيراً (٦)؛ كقول الشاعر:
ورأيت زوجَكِ في الوَغَى مُتقلِّدا سيفاً ورُمحا
أي: وحاملاً رمحاً (٧).
وقيل: ((سَمِعُوا لَهَا)) أي: فيها، أي: سمعوا فيها تغيُّظاً وزفيراً للمعذّبين ، كما
قال تعالى: ﴿لَمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] و((في)) واللام يتقاربان؛ تقول: أفعل
هذا في اللهِ وللهِ.
(١) أخرجه بنحوه الحارث بن أسامة (١١٢٢) (بغية الباحث) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مطولاً.
(٢) ١٠٩/١ - ١١٠.
(٣) في (ز) و(ف) و(م) تفصلهم، والمثبت من (ظ) والقبس.
(٤) سنن الترمذي (٢٥٧٤)، وحديثا أبي هريرة وأبي سعيد عند أحمد برقمي (٨٤٣٠) و(١١٣٥٤).
وقوله: ((عنُّق)) أي: طائفة منها. النهاية (عنّق).
(٥) هو في تفسير أبي الليث ٣/ ٤٥٥ دون نسبة، وجاءت العبارة في (ظ): تغيظاً وزفيراً كغيظ بني آدم ...
(٦) ذكره عنه الرازيُّ - بنحوه - في تفسيره ٥٦/٢٤ .
(٧) تفسير البغوي ٣٦٣/٣ والبيت قائله عبد الله بن الزبعرى. ديوانه ص٣٢، وسلف ٢٩١/١.

٣٧٥
سورة الفرقان: الآيات ١١ - ١٤
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّبِينَ﴾ قال قتادة: ذكر لنا أن عبدَ اللهِ
كان يقول: إن جهنَّمَ لتضيَّق على الكافر كتضييق الزُّج على الرمح؛ ذكره ابن المبارك
في رقائقه(١). وكذا قال ابن عباس ، ذكره الثعلبي والقُشَيريُّ عنه، وحكاه الماورديُّ
عن عبد الله بن عمرو (٢). ومعنى ((مُقَرَّنِين)): مكتَّفِينَ؛ قاله أبو صالح . وقيل: مصفَّدين
قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال . وقيل: قُرِنوا مع الشياطين، أي: قُرِن كلُّ
واحدٍ منهم إلى شيطانه؛ قاله يحيى بن سلام(٣). وقد مضى هذا في ((إبراهيم)) (٤) وقال
عمرو بن كلثوم :
وأُبْنَا بالملوكِ مُقَرَّنِينا
فآبُوا بالنِّهابِ وبالسَّبايَا
﴿رَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي: هلاكاً؛ قاله الضحاك. ابن عباس: ويُلاً(٥).
ورُويَ عن النبيِّ # أنه قال: أول مَن يقوله إبليس، وذلك أنه ((أولُ مَن يُكْسَى حُلَّةً
من النار، فتوضعُ على حَاجبيه، ويَسْحَبُها من خَلْفه، وذُرِّيَّتُه مِن خلفه، وهو يقول:
واثُبُوراه))(٦).
وانتصب على المصدر ، أي: ثَبَرنا ثبوراً؛ قاله الزجاج(٧). وقال غيره: هو
(١) في زوائد نعيم بن حماد ص٨٦ (٢٩٩)، وابن أبي حاتم ٢٦٦٨/٨ (١٥٠٠٦) وقال: لم يروه عنه إلا
ابن المبارك.
وقوله الزُّج: هو الحديدة في أسفل الرُّمح. القاموس (زجج).
(٢) النكت والعيون ١٣٤/٤، وفيه أيضاً قول أبي صالح الآتي. وأخرجه عنه ابنُ أبي حاتم ٢٦٦٨/٨
(١٥٠٠٧)، و ٢٦٦٩ (١٥٠٠٨).
(٣) النكت والعيون ١٣٤/٤، والكلام بنحوه في تفسير البغوي ٣٦٣/٣ .
(٤) ١٧٠/١٢-١٧١، وسلف ثمة بيت عمرو الآتي، وسلف البيت أيضاً ١٥٥/٢.
(٥) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره ٤١١/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٦٩/٨ (١٥٠١٣) عن ابن عباس
و(١٥٠١٤) عن الضحاك .
(٦) أخرجه الإمام أحمد (١٢٥٣٦) من حديث أنس بن مالك ، وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان،
وهو ضعيف، كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب قوله: واثبوراه قال السندي كما في حاشية
المسند: كأنه ينادي الهلاك، ويقول له: هذا أوانك فالحقني.
(٧) في معاني القرآن ٥٩/٤-٦٠، ونقله عنه النحاس في إعراب القرآن ١٥٣/٣، وابن الجوزي في زاد
المسير ٧٦/٦ .

٣٧٦
سورة الفرقان: الآيات ١١ - ١٦
مفعول به.
قوله تعالى: ﴿لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَجِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ فإنَّ هلاككم أكثرُ من
أن تدعوا مرَّةً واحدة. وقال: ثبوراً؛ لأنه مصدر يقع للقليل والكثير، فلذلك لم
يجمع، وهو كقولك: ضربته ضرباً كثيراً، وقعد قعوداً طويلاً. ونَزلت الآياتُ في ابن
خَطَل وأصحابه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ كَانَتْ
لَهُمْ جَزَاءُ وَمَصِيرًا ﴿ لَّمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَلِينَ كَانَ عَى رَبِّكَ وَعْدًا
مَسْئُولًا (﴾﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرُّ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾
إن قيل: كيف قال: ((أَذَلِكَ خَيْرٌ)) ولا خيرَ في النار؟ فالجواب: أن سيبويه حكى
عن العرب: الشقاءُ أحبُّ إليك أم السعادة؟ وقد علم أن السعادةَ أحبُّ إليه.
وقيل: ليس هو من باب أفعل منك ، وإنما هو كقولك: عنده خير. قال
النحاس(١): وهذا قولٌ حسن ؛ كما قال:
فَشَرُّكُما لِخَيرِكُما الغِداءُ (٢)
قيل: إنما قال ذلك ؛ لأنَّ الجنةَ والنارَ قد دَخَلتا في باب المنازل(٣)؛ فقال ذلك
لتفاوت ما بين المنزلتين .
وقيل: هو مردودٌ على قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً مِّن ذَلِكَ﴾ الآية.
وقيل: هو مردودٌ على قوله: ﴿أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَتْرُّ أَوْ تَكُنُ لَهُ جَنَّةٌ بَأْكُلُ
(١) في إعراب القرآن ٣/ ١٥٤، وما قبله منه .
(٢) عجز بيت لحسان بن ثابت ، وصدره: أتهجوه ولست له بكفهٍ. وهو في ديوانه ص ٦٤، وسلف
٣٤٧/١ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٤ / ٦٠.

٣٧٧
سورة الفرقان: الآيات ١٥ - ١٩
مِنْهَا﴾. وقيل: إنما قال ذلك على معنى: عِلمكم واعتقادُكم أيها الكفار؛ وذلك
أنهم لمَّا كانوا يعملون عملَ أهلِ النار صاروا كأنهم يقولون: إن في النار خيراً.
قوله تعالى: ﴿لَّمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ أي: من النعيم. ﴿خَِينٌّ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا
مَّسْئُولًا﴾ قال الكلبيُّ: وَعَدَ اللهُ المؤمنين الجنةَ جزاءً على أعمالهم ، فسألوه ذلك
الوعدَ فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. وهو معنى قولِ ابن
(١)
عباس(١).
وقيل: إن الملائكةَ تسأل لهم الجنةَ؛ دليلهُ قولهُ تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ
الَّتِ وَعَدَتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨] الآية. وهذا قولُ محمد بن كعب القُرِّيّ(٢).
وقيل: معنى ((وَعْداً مَسْؤُولاً)) أي: واجباً وإن لم يكن يُسْأَل كالدَّين؛ حكي عن
العرب: لأُعطينَّك ألفاً. وقيل: ((وَعْداً مَسْؤُولاً)) يعني أنه واجبٌ لك فتسْألُهُ(٣). وقال
زيد بن أسلم: سألوا اللهَ الجنةَ في الدنيا، ورغِبوا إليه بالدعاء، فأجابهم في الآخرة
إلى ما سَألوا وأعطاهم ما طلبوا (٤). وهذا يرجع إلى القول الأول.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ
عِبَادِى هَؤُلَاءٍ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ﴾ قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَتْبَغِى لَنَّا أَنْ تَّتَّخِذَ
مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًا بُورً
فَقَدْ كَذَّبُوَكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَ نَصْرَأْ وَمَن يَظْلِمِ
﴾.
١٩
مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قرأ ابن مُحیصِن، وحمید، وابن كثير، وحفص،
(١) أخرجه الطبري ٤١٤/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦٧١/٨ (١٥٠٢١) عن ابن عباس بلفظ: فاسألوا الذي
وعدكم وتنَجَّزوه.
(٢) النكت والعيون ١٣٥/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٦٧١/٨ (١٥٠٢٢).
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٦٣/٢، وتفسير الطبري ٤١٤/١٧، وفيهما: ((لأعطينك ألفاً وعداً مسؤولاً،
بمعنی أنه واجب لك فتسأله».
(٤) النكت والعيون ١٣٥/٤.

٣٧٨
سورة الفرقان: الآيات ١٧ - ١٩
ويعقوب، وأبو عمرو في رواية الدُّوريِّ: ((يَحشرهم)) بالياء . واختاره أبو عبيد وأبو
حاتم؛ لقوله في أول الكلام: ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾، وفي آخره: ﴿مَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى
هَؤُلاءِ﴾. الباقون بالنون على التعظيم(١). ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الملائكة
والإنس والجن والمسيح وعُزير ؛ قاله مجاهد وابن جُريج . الضحاك وعكرمة:
الأصنام(٢). ﴿فَيَقُولُ﴾ قراءة العامة بالياء، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ ابنُ
عامر وأبو حيوة بالنون على التعظيم(٣).
﴿وَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمّ هُمْ ضَلُواْ السَّيِلَ﴾ وهذا استفهام توبيخ للكفار.
﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ﴾ أي: قال المعبُودون من دون اللهِ: سبحانَك، أي: تنزيهاً لك ﴿مَا
كَانَ يَتْبَغِى لَنَا أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.
فإن قيل: فإن كانت الأصنامُ التي تُعبد تُحشَرُ؛ فكيف تَنطق وهي جمادٌ؟ قيل له:
يُنطقها اللهُ تعالى يومَ القيامة كما يُنطق الأيدي والأرجل(٤). وقرَأ الحسنُ وأبو جعفر:
((أَنْ نُتَّخَذَ)) بضم النون وفتح الخاء على الفعل المجهول(٥). وقد تكلّم في هذه القراءة
النخويون؛ فقال أبو عمرو بنُ العلاء وعيسى بنُ عمر: لا يجوز ((نُتَّخَذ)).
وقال أبو عمرو: لو كانت ((نُتَّخَذ)) لحذفتَ ((مِن)) الثانية فقلتَ: ((أن نُتَّخَذ من
دونك أولياء)». كذلك(٦) قال أبو عبيدة: لا يجوز ((نُتَّخَذ)) لأنَّ الله تعالى ذَكَرَ ((مِن))
(١) قراءة ابن كثير وحفص - بالياء - في السبعة ص ٤٦٣، والتيسير ص١٦٣، وقراءة يعقوب في النشر
٣٣٣/٢، والقراءة المشهورة عن أبي عمرو البصري هي بالنون.
(٢) الوسيط ٣٣٦/٣، وتفسير البغوي ٣٦٣/٣-٣٦٤، وقول مجاهد في تفسيره ٤٨٤/٢، وأخرجه عنه
الطبري مع قول ابن جريح في تفسيره ٤١٥/١٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٣٦٧٢ (١٥٠٢٧) عن مجاهد.
دون قوله: والإِنس والجن.
(٣) السبعة ص ٤٦٣، والتيسير ص ١٦٣ .
(٤) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٢٠٤/٤ .
(٥) قراءة أبي جعفر في النشر ٣٣٣/٢، وذكرها الزجاج في معانيه ٤/ ٦٠، والنحاس في إعرابه ٣/ ١٥٤،
وأبو الليث السمر قندي ٤٥٥/٣، وابن عطية في المحرر ٢٠٤/٤ ، وقراءة الحسن في زاد المسير
٧٨/٦ .
(٦) في (ظ) وكذا .

٣٧٩
سورة الفرقان: الآيات ١٧ - ١٩
مرَّتين، ولو كان كما قرَأ لقال: ((أن نُتخذ من دونك أولياء)).
وقيل: إن ((مِن)) الثانية صلة.
قال النحاس(١): ومثل أبي عمرو على جلالته ومحلِّه يُستَحْسَن [منه] ما قال؛ لأنه
جاء ببينةٍ.
وشرحُ ما قال أنه يقال: ما اتخذتُ رَجلاً وليًّا، فيجوز أن يقع هذا لواحد(٢)
بعينه؛ ثم يقال: ما اتخذت من رَجُلٍ وليًّا. فيكون نفياً عاماً، وقولك ((وليًّا)) تابعٌ لما
قبله، فلا يجوز أن يُدخل(٣) فيه ((مِن)) لأنه لا فائدةً في ذلك.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ﴾ أي: في الدنيا بالصحة والغنى وطول العمر بعد موت
الرسل صلوات الله عليهم. ﴿حَّ نَسُواْ النِكْرَ﴾ أي: تركوا ذكرك، فأَشرَكوا بك
بَطَرَاً وجهلاً، فعبدونا من غير أن نأمرهم (٤) بذلك.
وفي الذكر قولان:
أحدهما: القرآن المنزَّل على الرسل، تركوا العمل به، قاله ابن زید.
الثاني: الشكر على الإحسان إليهم والإنعام عليهم.
إنهم ﴿كانوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلكى؛ قاله ابن عباس. مأخوذٌ من البوار وهو
الهلاك(٥). وقال أبو الدرداء ﴾ وقد أَشَرف على أهل حمص: يا أهل حمص! هلمَّ(٦)
إلى أخٍ لكم ناصحٍ، فلمَّا اجتمعوا حوله قال: ما لَكم لا تَستحيون(٧)! تَبنون ما لا
(١) في إعراب القرآن ١٥٤/٣-١٥٥، وما قبله منه عدا كلام أبي عبيدة، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) في (م) للواحد، وفي (ظ) الواحد . والمثبت من (ز) وإعراب القرآن للنحاس.
(٣) في (م) تدخل .
(٤) في (م) و(د): أمرناهم.
(٥) النكت والعيون ١٣٦/٤ -١٣٧ .
(٦) في (ز) هلموا .
(٧) في (م) تستحون .

٣٨٠
سورة الفرقان: الآيات ١٧ - ١٩
تَسكنون، وتَجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تُدركون، إنَّ مَن كان قبلكم بَنَوْا
شديداً(١)، وجمعوا عبيداً، وأمَّلوا بعيداً، فأصبح جمعُهم بُوراً، وآمالهم (٢) غروراً،
ومساكنُهم قبورا(٣). فقوله: (بُورًا)) أي: هلكى.
وفي خبرٍ آخر: فأصبحت منازلهُم بوراً، أي: خالية لا شيءَ فيها.
وقال الحسن: ((بُورًا)): لا خيرَ فيهم. مأخوذٌ من بَوار الأرض، وهو تعطيلُها من
الزرع، فلا یکون فيها خير.
وقال شَهْرُ بن حَوْشَب: البَوار: الفَسَاد والكساد؛ مأخوذٌ من قولهم: بارَت
السلعة: إذا كسدت كسادَ الفاسد، ومنه الحديث: ((نعوذ بالله من بَوَارِ الأَيِّم))(٤). وهو
اسم مصدر كالزُّور؛ يستوي فيه الواحدُ والاثنان والجمعُ والمذكر والمؤنث(٥). قال
ابن الزِّبَغْرى(٦):
راتِقٌ ما فَتَقتُ إذ أنا بُورُ
يا رسولَ المليكِ إنَّ لساني
يٌّ ومَنْ مَالَ میلَه مَثْبُورُ
إذ أُباري الشيطانَ في سَنَن الغَـ
وقال بعضهم: الواحدُ: بائر، والجمع: بور(٧). كما يقال: عائذ وعُوذ، وهائد
(١) في (م) مشيدا . والمثبت من (د) و(ز) و(ظ) وتاريخ مدينة دمشق .
(٢) في (ظ): ومالهم، وكذلك في شعب الإيمان.
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ١٣١/٤٧، وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان
(١٠٧٣٩) و(١٠٧٤٠) وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٣٣/٤٧، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة
١/ ٦٣٥ أنه قال على درج مسجد دمشق: يا أهل دمشق ...
(٤) النكت والعيون ١٣٧/٤، والحديث قطعة من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣٢٣/١١
(١١٨٨٢)، والخطيب البغدادي في تاريخه ١٢/ ٤٥٠ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره
الهيثمي في المجمع ١٤٣/١٠ وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والصغير باختصار، وفيه عباد
ابن زكريا الصريمي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح .
(٥) تفسير البغوي ٣٦٤/٣ .
(٦) ديوانه ص٣٦ .
(٧) الوسيط ٣٣٧/٣ .