Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة النور: الآية ٤٠
﴿فِي بَجْرٍ لُّبِيّ﴾ قيل: هو منسوب إلى اللُّجَّة، وهو الذي لا يُدْرَكُ قَعْرِه. واللُّجَّةُ
مُعظم الماء، والجمع لُجَج. والتَجَّ البحر: إذا تلاطمت أمواجه، ومنه ما رُوي عن
النبيِّ # أنه قال: ((مَن رَكب البحر إذا التَجَّ، فقد بَرِئت منه الذمة))(١). والتجَّ الأمر: إذا
عَظُم واختلط. وقولُه تعالى: ﴿حَسِبَتْهُ لُبِجَّةٌ﴾ [النمل: ٤٤]، أي: مالَه عمق. ولَجَّجَتِ
السفينة، أي: خاضت اللُّجَّة، بضمِّ اللام.
فأمَّا اللَّجَّةُ - بفتح اللام - فأصوات الناس، تقول: سمعت لَجَّةَ الناس، أي:
أصواتَهم وضجَّتَهم(٢). قال أبو النَّجْم:
في لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلاَناً عن فُلٍ (٣)
والتَجَّت الأصوات، أي: اختلطت وعَظُمت.
﴿يَغْشَنُهُ مَوْجٌ﴾ أي: يعلو ذلك البحرَ اللُّجِّيَّ مَوْج (٤). ﴿مِّن فَوْقِهِ، مَوْجٌ﴾ أي: من
فوق الموج موجٌّ، ومن فوق هذا الموجِ الثاني سحابٌ، فيجتمع خوفُ الموج وخوفُ
الرِّيح(٥) وخوفُ السَّحاب.
وقيل: المعنى يغشاه موجٌّ من بعده موج، فيكون المعنى: المَوْجُ يَتْبع بعضُه بعضاً
حتى كأنَّ بعضَه فوق بعض، وهو أَخْوفُ ما يكون إذا توالى مَوْجُه وَتقارَب، ومن فوق
هذا الموجِ سحاب. وهو أعظمُ للخوف من وجهين: أحدهما: أنه قد غَطَّى النجوم
(١) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ١/ ٢٧٥، وأحمد (٢٠٧٤٨)، والبخاري في التاريخ الكبير
٤٢٦/٣ والحديث ضعيف لاضطراب إسناده. وينظر الكلام عليه مفصلاً في مسند أحمد. وجاء عند
أحمد : ... عند ارتجاجه فمات. وعند البخاري: حين يرتج فهلك. قال أبو عبيد: وأكثر ظني أنه: التج.
(٢) في (د) و (م): وصخبهم، والمثبت من (ظ) و (ف)، وهو الموافق لما في الصحاح (لجج)، والكلام
منه.
(٣) ديوان أبي النجم العجلي ص١٩٩، قوله: فُل، أي: فلان.
(٤) الوسيط ٣٢٢/٣، وزاد المسير ٦/ ٥٠.
(٥) في (ظ): البحر.

٣٠٢
سورة النور: الآية ٤٠
التي يُهتدَى بها. الثاني: الريح التي تنشأ مع السحاب، والمطر الذي يَنْزل منه (١).
﴿ُظْلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ قرأ ابن مُحَيْصِن والبَزِّيُّ عن ابن كثير: ﴿سحابُ ظلماتٍ﴾
بالإضافة والخفض. قُنْبُل: ﴿سَابٌ﴾ منوَّناً، ﴿ظُلُمَتٍ﴾ بالجرِّ والتنوين. الباقون بالرفع
والتنوين(٢). قال المهدويُّ: مَن قرأ: ﴿مِن فَوقِهِ سحابُ ظلماتٍ﴾ بالإضافة، فلأن
السَّحاب يرتفع وقت هذه الظلمات، فأُضيف إليها، كما يقال: سحابُ رحمةٍ، إذا
ارتفع في وقت المطر. ومَن قرأ: ﴿سحابٌ ظلماتٍ﴾ جَرَّ ((ظلماتٍ)) على التأكيد
لـ ((ظلماتٍ)) الأولى أو البدلِ منها. و((سحابٌ)) ابتداء و ((من فوقه)) الخبر. ومَن قرأ:
((سحابٌ ظلماتٌ)) فظلمات خبرُ ابتداء محذوف، التقدير: هي ظلماتٌ، أو: هذه
ظلمات.
قال ابن الأنباريٌّ(٣): ﴿مِّنْ فَوْقِهِ، مَوْجٌ﴾ غيرُ تام؛ لأن قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ﴾
صلةٌ للمَوْج، والوقف على قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ، سَحَابٌ﴾ حَسَن، ثم تبتدئ: ﴿ظُلُمَتٌ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ على معنى: هي ظلماتٌ بعضُها فوق بعض. ورُويَ عن أهل مكَّةَ أنهم
قرؤوا: ((ظُلُماتٍ)) على معنى: أو كظُلُماتٍ ظُلُماتٍ(٤) بعضها فوق بعض، فعلى هذا
المذهب لا يَحسُن الوقف على السحاب.
ثم قيل: المرادُ بهذه الظُّلمات: ظلمةُ السَّحاب، وظلمةُ الموج، وظلمةُ اللَّيل،
وظلمةُ البحر(٥)، فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئاً ولا كَوْكباً. وقيل: المرادُ
بالظّلمات الشَّدائد، أي: شدائدُ بعضُها فوق بعض(٦). وقيل: أراد بالظُّلماتِ أعمالَ
(١) النكت والعيون ١١٠/٤.
(٢) السبعة ص٤٥٧ ، والتيسير ص١٦٢ .
(٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٧٩٩/٢ -٨٠٠ .
(٤) قوله: ظلمات، ليس في (د).
(٥) تفسير أبي الليث ٤٤٣/٢، والنكت والعيون ١١١/٤ ولم يذكرا ظلمة الموج، وتفسير البغوي ٣/ ٣٥٠ ،
والوسيط ٣٢٢/٣، ولم يذكرا ظلمة الليل.
(٦) النكت والعيون ٤/ ١١١.

٣٠٣
سورة النور: الآية ٤٠
الكافر، وبالبحرِ اللَّجِّيِّ قلبَه، وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبَه من الجهل والشكِّ
والخَيْرة، وبالسحاب الرَّيْنَ والخَتْمَ والطَّع على قلبه(١). رُوِيَّ معناه عن ابن عباس(٢)
وغيره، أي: لا يُبصر بقلبه نورَ الإيمان، كما أن صاحب الظُّلمات في البحر إذا أخرج
یده لم یکد يراها.
وقال أُبَيُّ بن كعب: الكافرُ يتقلَّب في خمسٍ من الظُّلمات: كلامُهُ ظُلمة، وعملُه
ظلمة، ومدخلُه ظلمة، ومخرجُهُ ظلمة، ومصيرُه يوم القيامة إلى الظّلمات في النار
وبئس المصير(٣).
﴿إِذَا أَخْرَجَ بَلَهُ﴾ يعني الناظر. ﴿لَمْ يَكَدْ بَرَهَا﴾ أي: من شدّة الظُّلمات. قال
الزَّجَّاج وأبو عبيدة: المعنى لم يَرَها ولم يَكَد(٤)، وهو معنى قول الحسن(٥). ومعنى
(لم يَكَذْ)): لم يطمع أن يراها(٦).
وقال الفَرَّاء: ((كاد)» صلةٌ، أي: لم يرها(٧)، كما تقول: ما كدت أعرفه.
وقال المبرِّد: يعني: لم يرها إلا من بعد الجَهْد، كما تقول: ما كدت أراك من
الظلمة، وقد رآه بعد يأس وشدَّة(٨).
وقيل: معناه: قَرُب من الرؤية ولم يَرَ، كما يقال: كاد العروس يكون أميراً، وكاد
النَّعَام يطير(٩)، وكاد المنتعِل يكون راكباً.
(١) تفسير البغوي ٣/ ٣٥٠.
(٢) أخرجه الطبري ٣٣٠/١٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٣١/١٧، وابن أبي حاتم ٢٦١٤/٨ (١٤٦٨٨)، والحاكم ٤٠٠/٢.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٤٨/٤، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٤/ ٥٤٢.
(٥) النكت والعيون ١١١/٤، والوسيط ٣٢٣/٣.
(٦) النكت والعيون ٤/ ١١١ .
(٧) معاني القرآن للفراء ٢٥٥/٢، ونقله عنه المصنف بواسطة البغوي في تفسيره ٣/ ٣٥٠ .
(٨) كذا ذكر المصنف والبغوي في تفسيره ٣/ ٣٥٠، وابن الجوزي في زاد المسير ٥٠/٦ عن المبرد،
والذي في المقتضب ٧٥/٣ ، والكامل ١/ ٢٥٢ قوله: لم يرها ولم يكد، أي: لم يدن من رؤيتها.
(٩) ينظر تفسير البغوي ٣/ ٣٥٠ .

٣٠٤
سورة النور: الآية ٤٠
النحاس(١): وأصحُ الأقوال في هذا أن المعنى: لم يقارب رؤيتها، فإذا لم
يقارب رؤيتها فلم يَرَها (٢) رؤية بعيدة ولا قريبة.
﴿وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يهتدي به، أظلمتْ عليه الأمور. وقال ابن عباس: أي:
مَن لم یجعل الله له دِیناً، فما له من دین، ومَن لم يجعل الله له نوراً يمشي به يوم
القيامة، لم يهتدِ إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾(٣)
[الحديد: ٢٨]. وقال الزجاج(٤): ذلك في الدنيا، والمعنى: مَن لم يهده الله لم يهتد.
وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في عتبةَ بنِ ربيعة، كان يلتمس الدِّين في
الجاهلية، ولَبِسَ المُسُوح، ثم كفر في الإسلام(٥). الماوَرْديُّ(٦): في شيبةً بن ربيعة،
وكان يترهَّب في الجاهلية، ويلبسُ الصُّوف، ويطلب الدِّين، فكفر في الإسلام.
قلت: وكلَاهُمَا مات كافراً، فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرُهما.
وقد قيل: نزلت في عبيد الله(٧) بن جَخْش، وكان أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة
ثم تنصَّر بعد إسلامه. وذكر الثَّعلبيُّ: وقال أنس: قال النبيُّ﴾: ((إن الله تعالى خلقني
من نور، وخلق أبا بكرٍ من نوري، وخلق عمرَ وعائشةَ من نور أبي بكر، وخلق
المؤمنين من أمتي من نور عمر، وخلق المؤمناتِ من أمتي من نور عائشة، فمن لم
يحبَّني ويحبَّ أبا بكر وعمرَ وعائشةَ، فما له من نور))، فنزلت: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا
فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾(٨).
(١) في معاني القرآن ٤/ ٥٤٢ .
(٢) في (ظ): فإذاً فلم يرها ... ، بدل: فإذا لم يقارب رؤيتها فلم يرها ...
(٣) أورده الواحدي في الوسيط ٣٢٣/٣، والبغوي في تفسيره ٣/ ٣٥٠ مختصراً.
(٤) في معاني القرآن ٤٨/٤ .
(٥) تفسير البغوي ٣/ ٣٥٠، والمُسُوح جمع مسح وهو كساء غليظ من شعر. معجم متن اللغة (مسح).
(٦) في النكت والعيون ٤/ ١١٠ .
(٧) في النسخ: عبد الله، وهو خطأ، وينظر الإصابة ٢٦٠/١٢ .
(٨) أورده الديلمي في الفردوس (٦٤٠) عن ابن عباس بنحوه مختصراً. والذهبي في الميزان ١٦٦/١ عن =

٣٠٥
سورة النور: الآيتان ٤١ - ٤٢
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ صَفَّتٍ كُلُّ
قَدْ عَلِمَ صَلَهُ وَتَسْبِحَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى
٤١
اللَّهِ الْمَصِيرُ
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ صَغَّتٍ﴾ لمَّا ذكر
وضوح الآيات، زاد في الحجَّة والبيِّنات، وبيَّن أن مصنوعاتِه تدلُّ بتغييرها على أنَّ
لها صانعاً قادراً على الكمال، فله بِعْئةُ الرُّسل، وقد بعثهم وأيَّدهم بالمعجزات،
وأخبروا بالجنة والنار. والخطاب في ﴿أَمْ تَرَ﴾ للنبيِّ ﴾، ومعناه: ألم تعلم،
والمرادُ الكُلُّ.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَّتِ﴾ من الملائكة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من الجنِّ والإنس.
﴿وَالطَّيْرُ صَفَّةٍ﴾ قال مجاهد وغيره: الصلاةُ للإنسان، والتسبيحُ لِمَا سواه من
الخلق(١). وقال سفيان: للطّير صلاةٌ ليس فيها ركوع ولا سجود. وقيل: إنَّ ضَرْبها
بأجنحتها صلاةٌ، وإنَّ أصواتها تسبيح. حكاه النقَّاش(٢). وقيل: التسبيح ها هنا ما يُرى
في المخلوق من أَثَر الصَّنعة. ومعنى ﴿صَفَّتٍ﴾: مصطفَّاتِ الأجنحةِ في الهواء.
وقراءة (٣) الجماعة: ﴿وَالطَّيْرُ﴾ بالرفع عطفاً على ((مَنْ)). وقال الزجاج(٤): ويجوز
((والطيرَ)) بمعنى: مع الطّير. قال النحاس(٥): وسمعته يخبر: قمتُ وزيداً، بمعنى: مع
زيد. قال: وهو أجودُ من الرفع. قال: فإن قلت: قمت أنا وزيدٌ، كان الأجود الرفع،
= أبي هريرة بنحوه مختصراً. قال الذهبي: قال أبو نعيم: هذا باطل مخالف كتاب الله.
(١) تفسير مجاهد ٤٤٣/٢، وأخرجه الطبري ٣٣٣/١٧، والنحاس في معاني القرآن ٥٤٣/٤، وابن أبي
حاتم ٢٦١٦/٨ (١٤٧٠٢).
(٢) النكت والعيون ٤/ ١١٢.
(٣) في (م): وقرأ.
(٤) في معاني القرآن ٤٨/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٤١/٣ وما قبله منه.
(٥) في إعراب القرآن ١٤١/٣ .

٣٠٦
سورة النور: الآيتان ٤١ - ٤٢
ويجوز النصب.
﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ يجوز أن يكون المعنى: كلٌّ قد علم اللهُ صلاته
وتسبيحه(١)، أي: عَلِم صلاة المصلِّي وتسبيحَ المسبِّح. ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ﴾ أي: لا يخفى عليه طاعتُهم ولا تسبيحُهم(٢). ومن هذه الجهة يجوز نصب
((كلّ)) عند البصريين والكوفيين(٣) بإضمار فعل يفسِّره ما بعده. وقيل: المعنى: قد عَلِم
كلٌّ مُصَلِّ ومسبِّح صلاةَ نفسه وتسبيحَه الذي كُلِّفه(٤).
وقرأ بعض الناس: ((كلٌّ قد عُلِم صلاتُه وتسبيحُه)) غير مسمَّى الفاعل(٥). وذكر
بعض النَحويين أن بعضهم قرأ: ((كلٌّ قد عَلَّم صلاته وتسبيحه))، فيجوز أن يكون
تقديره: كلٌّ قد علّمه الله صلاته وتسبيحه. ويجوز أن يكون المعنى: كلٌّ قد علَّم غيرَه
صلاته وتسبيحَه، أي: صلاةً نفسه، فيكون التعليم الذي هو الإفهام، والمراد
الخصوص؛ لأن من الناس مَن لم يُعَلِّم.
ويجوز أن يكون المعنى: كلٌّ قد استدلَّ منه المستدِلُّ، فعبَّر عن الاستدلال
بالتعليم. قاله المهدويُّ.
والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكُرِّر تأكيداً، كقوله: ﴿يَعْلَمُ أَلِزَّ وَأَخْفَى﴾ (٦)
[طه: ٧]. والصلاةُ قد تسمَّى تسبيحاً. قاله القُشَيْريُّ.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ تقدَّم في غير موضع(٧).
(١) المصدر السابق.
(٢) الوسيط ٣٢٣/٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٤١/٣.
(٤) تفسير الطبري ٣٣٤/١٧، وتفسير البغوي ٣٥٠/٣، وزاد المسير ٥٢/٦.
(٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠٢ لقتادة.
(٦) في (د) و(م): يعلم السِّرَّ والنجوى.
(٧) ٣١١/٢، و٣٨٩/٧.

٣٠٧
سورة النور: الآيتان ٤٣ - ٤٤
قوله تعالى: ﴿أَلَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجَعَلُهُ زَكَمَا فَتَرَى
اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، وَيُنَزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرَكَرٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ
وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَدُ سَنَا بَرْقِ، يَذْهَبُ بِلْأَبْصَرِ (٣) يُقَلِّبُ اللّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ
إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةُ لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَرَ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا﴾ ذكر من حُجَجه شيئاً آخر، أي: ألم تَرَ
بِعَيْنَيْ قلبِك أن الله (١) يُزْجي سَحَاباً، أي: يسوقه(٢) إلى حيث يشاء. والرِّيح تُزْجي
السَّحاب، والبقرة تُزْجي ولدها، أي: تسوقه. ومنه زجا الخَراجُ يزجو زَجاءً - ممدوداً -
إذا تيسَّرت جِبايته(٣). وقال النابغة:
إني أتيتك من أهلي ومن وطني
أُزجي حُشاشة نفسٍ ما بها رَمَقُ(٤)
وقال أيضاً :
أُسْرَتْ عليه من الجوزاء سارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمالُ عليه جامِدَ البَرَدِ(٥)
ثُمَّ يُؤَُّ بَيْنَهُ﴾ أي: يجمعه عند انتشائه؛ ليقوَى ويَتَّصلَ ويَكْثُف(٦). والأصلُ في
التأليف الهمزُ، تقول: تألَّف. وقُرِئ: ((يُؤَلِّف)) بالواو تخفيفاً (٧). والسُّحاب واحدٌ في
اللَّفظ، ولكن معناه جمعٌ، ولهذا قال: ﴿وَيُنِشِئُ السَّحَابَ﴾ [الرعد: ١٢].
و((بين)) لا يقع إلا لاثنين فصاعداً، فكيف جاز ((بينه))؟ فالجواب أنَّ ((بينه)) هنا
(١) قوله: أن الله، من (ظ).
(٢) في النسخ: يسوق، والمثبت من النكت والعيون ٤/ ١١٢ .
(٣) الصحاح (زجا).
(٤) أورده الماوردي في النكت والعيون ١١٢/٤ ولم نقف عليه في ديوان النابغة. والحُشاشة: بقية الرُّوح
في المريض والجريح. والرَّمَق: بقية الحياة. القاموس. (حشش) و(رمق).
(٥) ديوان النابغة الذبياني ص٣١، وفيه: سَرَت، بدل: أَسَرتْ، وسلف ١٨٢/١١.
(٦) النكت والعيون ١١٢/٤ .
(٧) نسبها ابن مجاهد في السبعة ص ٤٥٧ لنافع من رواية ورش عنه.

٣٠٨
سورة النور: الآيتان ٤٣ - ٤٤
لجماعة السحاب، كما تقول: الشَّجر قد جلستُ بينه(١)، لأنه جمعٌ، وذكَّر الكناية
على اللَّفظ. قال معناه الفراء(٢).
وجواب آخر: وهو أن يكون السَّحاب واحداً، فجاز أن يقال: بينه؛ لأنه مشتمل
على قِطَع كثيرة، كما قال:
بين الدَّخُولِ فَحوْمَلٍ (٣)
. .
فأوقع ((بين)) على الدَّخول، وهو واحد لاشتماله على مواضع (٤). وكما تقول:
مازلت أدور بين الكوفة؛ لأن الكوفة أماكنُ كثيرةٌ. قاله الزجاج(٥) وغيره. وزعم
الأضمعيُّ أن هذا لا يجوز، وکان یروي:
...... بين الدَّخُول وحَوْمَلٍ(٦)
ثُمَّ يَجْعَلُمُ رُكَامًا﴾ أي: مجتمِعاً، يَرْكَب بعضُه بعضاً، كقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوّا
كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرُّومٌ﴾ [الطور: ٤٤]. والرَّكْمُ: جمعُ الشيء، يقال منه:
رَكَم الشيءَ يَرْكُمُه رَكْماً: إذا جمعه وألقى بعضه على بعض. وارْتكمَ الشيءُ وتراكمَ:
إذا اجتمع. والرُّكْمةُ: الطِّينُ المجموع. والرُّكَامُ: الرَّمل المتراكم. وكذلك السَّحابُ
وما أشبهه. ومُرْتَكُمُ الطريق - بفتح الكاف - جادَّتُهُ(٧).
﴿فَتَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَِهِ،﴾ في ((الوَدْق)) قولان: أحدهما: أنه البرق. قاله أبو
الأشهب العقيلي، ومنه قول الشاعر :
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٤١/٣.
(٢) في معاني القرآن ٢٥٦/٢ .
(٣) قطعة من بيت لا مرئ القيس، وقد أورده بهذه الرواية أبو زيد القرشي في جمهرة أشعار العرب ١/ ١٧٠،
والبغدادي ٢٢٤/٣، وسلف الشطر الأول ٣٦٤/١٠.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٤١/٣.
(٥) في معاني القرآن ٤٩/٤ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٤٢/٣، والبيت بهذه الرواية في ديوان امرئ القيس ص٨ برواية الأصمعي.
(٧) الصحاح (ركم).

٣٠٩
سورة النور: الآيتان ٤٣ - ٤٤
خروجَ الوَذْق من خلَلِ السَّحابِ(٢)
أَثَرِنَ(١) عَجاجةً وخرجنَ منها
الثاني: أنه المطر. قاله الجمهور. ومنه قول الشاعر:
فلا مُزْنةٌ ودَقَتْ وذْقَها ولا أرضَ أبْقَلَ إِبقالها(٣)
وقال امرؤ القيس :
وسَكْبٌ وَتَوْكَافٌ وَتَنْهَمِلانِ(٤)
فدمعُهما وَذْقٌ وسَخّ ودِیمَةٌ
يقال: وَدَقت السَّحابة فهي وادقة. ووَدَق المطر يَدِق وَدْقاً، أي: قَطَر. ووَدَقْتُ
إليه: دنوتُ منه. وفي المَثَل: وَدَق العَيْرُ(٥) إلى الماء، أي: دنا منه. يُضرب لمن خضع
للشيء لحرصه عليه. والموضع مَوْدِق. ووَدَقْتُ [به] وَدْقاً: استأنستُ به. ويقال لذات
الحافر إذا أرادت الفحل: ودَقَتْ تَدِق وَدْقاً، وأوْدَقَتْ واستودَقَتْ. وأتانٌ وَدُوق،
وفرسٌ وَدُوق، ووَدِيقٌ أيضاً، وبها وِداق. والوَدِيقة: شدَّة الحَرّ.
وخِلالٌ جمع خَلَل، مثلُ الجبل والجبال، وهي فُرَجُه ومخارجُ القَطْر منه.
وقد تقدَّم في ((البقرة))(٦) أن كعباً قال: إن السَّحاب غِرْبالُ المطر، لولا السَّحابُ
حين ينزل الماء من السماء، لأفسد ما يقع عليه من الأرض.
(١) في (د): أبرن، وفي (م): أثرنا، والمثبت من (ظ) و(ف) وهو الموافق لما في النكت والعيون ٤/ ١١٣
والكلام منه.
(٢) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٦٨/٢ لزيد الخيل، وجاء الشطر الأول فيه: ضَرَبنَ بغَمرة فخرجن منها.
(٣) النكت والعيون ١١٣/٤، والبيت لعامر بن جوين الطائي، وقد سلف ٢٥١/٩ .
(٤) ديوان امرئ القيس ص٨٨ ، وفيه: سكب، بدل: ودق، ورشٌّ، بدل: وسكب. قال شارح الديوان:
معنى قوله: فدمعهما سكب: شبه توالي دموعه بضروب الأمطار. والسخُّ: الصبُّ الشديد، والسَّكّب
نحوه. والدِّيمة: مطر دائم في ليل. والتَّوكاف: القليل من المطر.
(٥) في (د) و (ظ) و (ف): البعير، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في الصحاح (ودق) والكلام وما
سيأتي بين حاصرتين منه والعَيْر: الحمار. والمثل في جمهرة الأمثال ٣٣٥/٢، ومجمع الأمثال
٣٦٢/٢، والمستقصى ٣٧٤/٢.
(٦) ٥٠٤/٢ .

٣١٠
سورة النور: الآيتان ٤٣ - ٤٤
وقرأ ابن عباس والضَّحاك وأبو العالية: مِن خَلَله، على التوحيد(١). وتقول: كنت
في خِلال القوم، أي: وسطهم.
﴿وَيُثَزِلُ مِنَ السَّمَِّ مِن ◌ِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَ﴾ قيل: خلق الله في السماء جبالاً من بَرد،
فهو يُنزِّل منها بَرَداً، وفيه إضمار، أي: يُنزِّل من جبال البَرَد بَرَداً، فالمفعول محذوف.
ونحو هذا قول الفرَّاء(٢)؛ لأن التقدير عنده: من جبالٍ بَرَدٍ، فالجبالُ عنده هي البَرَد.
و (بَرَدٍ)) في موضع خفض، ويجب أن يكون على قوله المعنى: من جبالٍ بردٍ فيها،
بتنوين ((جبال))(٣).
وقيل: إن الله تعالى خلق في السماء جبالاً فيها بَرَدٌ، فيكون التقدير: ويُنزِّل من
السماء من جبال فيها بَرَدٌ. و((من)) صِلة(٤). وقيل: المعنى: ويُنَزِّل من السماء قَدْرَ
جبال، أو مِثلَ جبال من بَرَد إلى الأرض، فـ ((من)) الأولى للغاية؛ لأن ابتداء الإنزال
من السماء، والثانية للتبعيض لأن البَرَد بعضُ الجبال، والثالثة لتبيين الجنس؛ لأن
جنس تلك الجبال من البَرَد.
وقال الأخفش: إنَّ ((مِن)) في الجبال و((بَرَد)) زائدةٌ في الموضعين، والجبالُ والْبَرَد
في موضع نصب، أي: يُنزِّل من السماء بَرَداً يكون كالجبال. والله أعلم.
﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَّهُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ﴾ فيكون إصابته نِقمة، وصرفُه نعمة. وقد
مضى في ((البقرة))، و((الرَّعد))(٥) أنَّ مَن قال حين يسمع الرَّعد: سبحان مَن يسبِّح
الرَّعد بحمده، والملائكة من خيفته، ثلاثاً، عُوفي ممَّا يكون في ذلك الرَّعد.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِيٍ﴾ أي: ضوءُ ذلك البرق الذي في السحاب ﴿يَذْهَبُ بِلْأَبْصَرِ﴾ من
(١) قراءة ابن عباس والضحاك في المحرر الوجيز ١٩٠/٤، وقراءة الثلاثة في زاد المسير ٥٢/٦.
(٢) في معاني القرآن له ٢٥٦/٢-٢٥٧ .
(٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١٤٢/٣.
(٤) مشكل إعراب القرآن ٥١٤/٢ .
(٥) ٣٢٩/١ و٣٨/١٢.

٣١١
سورة النور: الآيتان ٤٣ - ٤٤
شدَّة بَريقه وضوئه(١). قال الشَّمَّاخ:
ليُبْصِر ضوءَها إلَّ البَصِيرُ(٢)
وما كادت إذا رفعَتْ سَناهَا
وقال امرؤ القيس :
أهان السَّلبِطَ في الذُّبال المُفَتَّلِ(٣)
يُضيء سَناه أو مصابیخُ راهبٍ
فالسَّنَا - مقصور -: ضَوْءُ البرق. والسَّنَا أيضاً: نبتٌ يُتداوَى به. والسَّناء من
الرِّفعة، ممدود(٤). وكذلك قرأ طلحة بنُ مُصَرِّف: ((سناء)) بالمدِّ على المبالغة في شدَّة
الضوء والصَّفاء، فأطلق عليه اسم الشَّرف(٥). قال المبرِّد(٦): السَّنَا - مقصور - وهو
اللَّمع، فإذا كان من الشَّرف والحَسَب فهو ممدود، وأصلُهما واحد، وهو الالتماع.
وقرأ طلحة بنُ مُصَرِّف: ((سَنَاءُ بُرَقِه(٧))، قال احمد بن يحيى: وهو جمع بُرْقة.
قال النحاس (٨): الْبُرْقة المقدار من البَرْق، والبَرْقة المرَّة الواحدة.
وقرأ الجَحْدَريُّ وابن القَعْقاعِ: ﴿يُذْهِب بالأبصار﴾ بضمِّ الياء وكسر الهاء(٩)،
من الإذهاب، وتكون الباء في: ((بالأبصار)» صلةً زائدة. والباقون: ﴿يَذْهَبُ
بِلِأَبْصَرِ﴾ بفتح الياء والهاء، والباء للإلصاق. والبرْقُ(١٠) دليلٌ على تكاتُف السَّحاب،
(١) تفسير البغوي ٣٥١/٣ .
(٢) ديوان الشَّمَّاخ ص ١٥٢، وفيه: فما كادت ولو رفعوا، بدل: وما كادت إذا رفعت. ورواية المصنف في
النكت والعيون ٤/ ١١٣ .
(٣) ديوان امرئ القيس ص٢٤ . والسَّليط: الزيت. والذُّبال جمع الذُّبلة: الفتيلة. القاموس (سلط) و(ذبل).
قال شارح الديوان قوله: أهان السَّليط: أي كثَّر منه؛ لأنه كان كثيراً هنياً.
(٤) الصحاح (سنا).
(٥) المحتسب ١١٤/٢ .
(٦) في الكامل ٢٨٦/١، ١٠٤٣/٢، ١٤٤١/٣.
(٧) المحرر الوجيز ١٩٠/٤، وجاءت قراءته في القراءات الشاذة ص١٠٢: سنا بُرُقه؛ بضمتين.
(٨) في معاني القرآن ٥٤٥/٤ ، وقول أحمد بن يحيى منه.
(٩) قراءة الجحدري في القراءات الشاذة ص١٠٢، وقراءة ابن القعقاع في النشر ٣٣٢/٢.
(١٠) في (ظ): والبرد.

٣١٢
سورة النور: الآيات ٤٣ - ٤٦
ونذيرٌ(١) بقوّة المطر، ومحذّرٌ من نزول الصواعق(٢).
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارُّ﴾ قيل: تقليبُهما أن يأتيَ بأحدهما بعد الآخر. وقيل:
تقليبهما نقصُهما وزيادتهما. وقيل: هو تغيير النهار بظُلمة السَّحاب مرَّة وبضَوْء
الشمس أخرى، وكذا اللَّيلُ؛ مرَّة بظلمة السَّحاب ومرَّة بضوء القمر. قاله النقاش.
وقيل: تقليبهما باختلاف ما يُقدَّر فيهما من خير وشرٍّ، ونفع وضَرّ(٣).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في الذي ذكرناه من تقلُّب اللَّيل والنهار، وأحوال المطر،
والصيف والشتاء ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي: اعتباراً ﴿لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ أي: لأهل البصائر من
خَلْقي.
قوله تعالى: ﴿وَلَّهُ خَلَ كُلَّ دَآبَتٍِ مِّنِ مَّاءٍ فَمِنْهُم مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم ◌َنْ يَمْشِى
عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم ◌َن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعَّ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٤٦
◌َّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتٍ مُّبَيِّنَاتٍّ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
٤٥
قوله تعالى: ﴿وَللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِنْ مَّلَمْ﴾ قرأ يحيى بن وَثَّابِ والأعمشُ وحمزةٌ
والكسائيُّ: ﴿واللهُ خَالِقُ كلِّ﴾ بالإضافة. الباقون: ﴿خَلَقَ﴾ على الفعل (٤). قيل: إن
المعنيين في القراءتين صحيحان. أخبر الله عز وجل بخبرين، ولا ينبغي أن يقال في
هذا: أحد(٥) القراءتين أصحُ من الأخرى.
وقد قيل: إنَّ ((خلق)) لشيء مخصوص، وإنما يقال: خالق على العموم، كما قال
الله عز وجل: ﴿الْخَلِقُ اَلْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]. وفي الخصوص: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وكذا: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾
(١) في (د): برير، وفي (م): وبشير.
(٢) النكت والعيون ١١٤/٤ .
(٣) القولان الأخيران من النكت والعيون ٤/ ١١٤ .
(٤) السبعة ص ٤٥٧، والتيسير ص١٣٤، وقراءة ابن وثاب والأعمش في البحر المحيط ٦/ ٤٦٥.
(٥) في (م): إحدى.

٣١٣
سورة النور: الآيتان ٤٥ - ٤٦
[الأعراف: ١٨٩]. فكذا يجب أن يكون: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن ◌َّلَمْ﴾(١).
والذَّابَّة كلُّ ما دَبَّ على(٢) الأرض من الحيوان، يقال: دَبَّ يَدِبُّ فهو دابٌّ،
والهاء للمبالغة (٣). وقد تقدم في ((البقرة)) (٤).
﴿مِن ◌ٍَّ﴾ لم يدخل في هذا الجنُّ والملائكة؛ لأنَّا لم نشاهدهم(٥)، ولم يَثْبُت
أنهم خُلِقوا من ماء، بل في الصحيح: ((أن الملائكة خُلِقوا من نور، والجانَّ(٦) من
نار)). وقد تقدم(٧). وقال المفسِّرون: ﴿مِن ◌َّآءٍ﴾، أي: من نُطْفة (٨). قال النّقَّاش: أراد
أَمْنِيةَ الذكور. وقال جمهور النَّظَرة: أراد أن خلْقة كلِّ حيوَان فيها ماءٌ، كما خُلِقِ آدمُ
من الماء والطّين، وعلى هذا يتخرَّج قول النبيِّ # للشيخ الذي سأله في غَزاة بدر:
ممن أنتما؟ فقال رسول الله﴾: ((نحن من ماء)). الحديث(٩).
وقال قوم: لا يُستثنى الجنُّ والملائكة، بل كلُّ حيوان خُلِقٍ من الماء، وخُلِق
النار من الماء، وخُلِق الريح من الماء، إذ أوَّلُ ما خلق الله تعالى من العالم الماء،
ثم خلق منه كلَّ شيء.
قلت: ويدلُّ على صحة هذا قولُه تعالى: ﴿فَنْهُم مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ المشيُ على
البطن للحيَّات والحُوت، ونحوهِ من الدُّود وغيرهِ. وعلى الرِّجْلين للإنسان والطّير إذا
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٤٣/٣.
(٢) بعدها في (د) و(م): وجه.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٤٤/٣.
(٤) ٢ / ٤٩٧ .
(٥) الوسيط ٣٢٤/٣، وتفسير البغوي ٣٥١/٣.
(٦) في (م): والجن.
(٧) ٢٠٧/١٢ .
(٨) الوسيط ٣٢٤/٣، وتفسير البغوي ٣٥١/٣، وزاد المسير ٥٣/٦.
(٩) المحرر الوجيز ١٩٠/٤، والحديث أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية ٦١٦/١، ومن طريقه
الطبري في التاريخ ٤٣٥/٢ عن محمد بن يحيى بن حبَّان.

٣١٤
سورة النور: الآيتان ٤٥ - ٤٦
مشى. والأربع لسائر الحيوان. وفي مصحف أُبَيِّ: ((ومنهم مَن يمشي على أكثر))، فعمَّ
بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسَّرطان والخِشَاش(١)، ولكنه قرآن لم يُثْبِته إجماع، لكن
قال النَّقَّاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذِكْر ما يمشي على
أكثر؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتمادُه على أربع، وهي قِوامُ مشيه، وكثرةُ الأرجُل في
بعضه زيادةٌ في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في مَشْيه إلى جميعها. قال ابن
عطية(٢): والظاهر أن تلك الأرجلَ الكثيرةَ ليست باطلاً، بل هي محتاجٌ إليها في تنقُّل
الحيوان، وهي كلُّها تتحرك في تصرُّفه.
وقال بعضهم: ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثرَ من أربع، إذ لم
يقل: ليس منها ما يمشي على أكثرَ من أربع.
وقيل: فيه إضمار: ومنهم مَن يمشي على أكثرَ من أربع، كما وقع في مصحف
أُبَيِّ. والله أعلم.
و﴿ذَآبَّةٍ﴾ تشمل مَن يعقل وما لا يعقل، فغُلِّب مَن يعقل لمَّا اجتمع مع مَن لا
يعقل؛ لأنه المخاطَب والمتعبَّد(٣)، ولذلك قال: ﴿فَمِنْهُم﴾. وقال: ﴿مَّن يَنْشِى﴾
فأشار بالاختلاف إلى ثبوت الصانع، أي: لولا أن للجميع صانعاً مختاراً لَمَا
اختلفوا، بل كانوا من جنس واحد، وهو كقوله ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى
بَعْضٍ فِي الْأُكُلِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ [الرعد: ٤].
﴿يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَدَةٍ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ مما يريد خلقه ﴿
﴿لَقَدْ أَنَزَلْنَآ ءَايَتٍ مُّبَقِتَتٍّ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تقدم بيانه في غير
(٤)
موضع(٤).
(١) الخِشاش: هي حشرات الأرض. القاموس (خشش).
(٢) في المحرر الوجيز ٤/ ١٩٠-١٩١ وما قبله منه.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٤٤/٣.
(٤) ٢ /٤٣٣، ٤٨١/١٠ .

٣١٥
سورة النور: الآيات ٤٧ - ٥٠
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِنْ بَعْدِ
(٤٧)
ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللّهِ وَيِالرَّسُولِ﴾ يعني المنافقين، يقولون بألسنتهم:
آمنًّا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص(١). ﴿وَأَعْنَاْ﴾ أي: ويقولون، وكَذَبوا.
﴿ثُمَّ يَتَوَّى فَرِقٌ مِنْهُم ◌ِنْ بَعْدٍ ذَلِكٌ وَمَّا أُوْلَئِكَ بِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوّاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ
وَإِن يَكُن لَُّ اَلْفَقُّ يَأْتُوَأْ إِلَيْهِ مُدْعِنِينَ ﴿ أَفِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَمِ آَرْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ
يَحِفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ﴾ قال الطبريُّ وغيرُه:
إن رجلاً من المنافقين اسمُه بِشرٌ كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومةٌ في أرضٍ،
فدعاه اليهوديُّ إلى التحاكم عند رسول الله ﴾، وكان المنافق مبطلاً، فأبى من ذلك
وقال: إن محمداً يَحيف علينا، فلنُحَكِّم كعب بن الأشرف، فنزلت الآية فيه (٢).
وقيل: نزلت في المغيرة بن وائل من بني أميَّةً، كان بينه وبين عليٍّ بن أبي طالب ﴾
خصومةٌ في ماء وأرض، فامتنع المغيرة أن يحاكم عليًّا إلى رسول الله ﴿، وقال: إنه
يُبْغِضني، فنزلت الآية. ذكره الماورديّ(٣).
﴿يَتْكُمْ﴾، ولم يقل: ليحكما؛ لأن المعنيَّ به الرسولُ ﴾، وإنما بدأ
وقال:
(١) ينظر تفسير البغوي ٣٥٢/٣.
(٢) أخرجه الطبري ١٩٣/٧-١٩٤ بنحوه عن مجاهد في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَّا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَسَاكَمُواْ إِلَى اَلَّاغُوتِ﴾ [الآية: ٦٠]. ونقله
المصنف عنه بواسطة أحكام القرآن لابن العربي ١٣٧٨/٣. وذكرت هذه القصة أيضاً في تفسير أبي
الليث ٢/ ٤٤٥، وأسباب النزول ص ٣٤٠، وتفسير البغوي ٣٥٢/٣، والمحرر الوجيز ١٩١/٤.
(٣) في النكت والعيون ١١٥/٤.

٣١٦
سورة النور: الآيات ٤٨ - ٥٠
بذكر الله إعظاماً لله واستفتاحَ كلام(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَُّ الْمَنُّ يَأَنُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي: طائعين منقادين؛
لعلمهم أنه عليه الصلاة والسلام يحكم بالحقّ. يقال: أذعن فلانٌ لحكم فلان يُذعِن
إذعاناً. وقال النّقَّاش: ﴿مُدْعِنِينَ﴾: خاضعين(٢). مجاهد: مُسرِعين(٣). الأخفش وابن
الأعرابي: مُقِرِّين(٤).
﴿أَفِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ﴾: شكٌّ ورَيْب. ﴿أَمِ آَرْتَابُواْ﴾: أم حَدَث لهم شكّ في نبؤَّته
وعدله(٥). ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ﴾ أي: يَجُورَ في الحكم والّلم. وأتى
بلفظ الاستفهام؛ لأنه أشدُّ في التوبيخ وأبلغُ في الذَّمّ، كقول جرير في المدح:
وأنْدَى العالمين بُطُونَ راحٍ(٦)
ألستم خيرَ من ركب المطایًا
﴿بَلْ أُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ أي: المعاندون الكافرون؛ لإعراضهم عن حكم الله
تعالى.
الثالثة: القضاء يكون للمسلمين إذا كان الحكم بين المُعَاهَد والمسلم، ولا حقَّ
لأهل الذِّمة فيه. وإذا كان بين ذِمِّيَّين فذلك إليهما. فإن جاءا قاضيَ الإسلام، فإن شاء
حكم، وإن شاء أعرض(٧)، كما تقدم في ((المائدة))(٨).
الرابعة: هذه الآيةُ دليلٌ على وجوب إجابة الدَّاعي إلى الحاكم؛ لأن الله سبحانه
(١) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٥٨/٢، وتفسير الطبري ٣٤٢/١٧ .
(٢) النكت والعيون ١١٥/٤ .
(٣) أخرجه عنه الطبري ١٧/ ٣٤٢ .
(٤) في (ظ) والنكت والعيون ١١٦/٤: مقرنين!، والمثبت من (د) و(ف) و(م) وتهذيب اللغة ٣٢٠/٢
وقول ابن الأعرابي فيه.
(٥) ينظر النكت والعيون ١١٧/٤ .
(٦) ديوان جرير ٨٩/١، وسلف ٣٤٩/٩، وسلف الشطر الأول ٣١٢/٤.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٧٨/٣ .
(٨) ٤٨٨/٧ .

٣١٧
سورة النور: الآيات ٤٨ - ٥١
ذمَّ مَن دُعي إلى رسوله لیحکم بینه وبین خصمه فلم يُجِب بأقبح الذمِّ، فقال :.
قُلُوبِهِم قَرَفُ﴾ الآية (١).
قال ابن خُوَيْزِ منداد: واجبٌ على كلِّ مَن دُعيَ إلى مجلس الحاكم (٢) أن يجيب،
ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم (٣) عداوةً بين المدَّعي والمدَّعى عليه.
وأسند الزهراويُّ عن الحسن بن أبي الحسن أن رسول اللـه # قال: ((مَن دعاه
خصمه إلى حاكم من حُكّام المسلمين، فلم يُجِب، فهو ظالم ولا حقَّ له)). ذكره
الماورديّ أيضاً(٤). قال ابن العربي(٥): وهذا حديثٌ باطل، فأمَّا قوله: ((فهو ظالم))،
فكلام صحيح، وأمَّا قوله: ((فلا حقَّ له))، فلا يصحُّ، ويحتمل أن يريد أنه على غير
الحقّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوّلَ اُلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُ أَنْ
يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.﴾ أي: إلى كتاب الله
وحكم رسوله . ﴿أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَعْنَا﴾ قال ابن عباس: أخبر بطاعة المهاجرين
والأنصار، وإن كان ذلك فيما يكرهون، أي: هذا قولُهم، وهؤلاء لو كانوا مؤمنين
لكانوا يقولون: سمعنا وأطعنا. فالقولُ نصب على خبر كان، واسمُها في قوله: ﴿أَنْ
يَقُولُوا﴾ نحو: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧].
وقيل: إنما قولُ المؤمنين، و((كان)) صلةٌ في الكلام، كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ
مَنْ كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٧٩/٣ وما بين حاصرتين منه.
(٢) في (ظ): الحكم.
(٣) لفظة: يعلم، هي من قول ابن خويز منداد السالف في سورة آل عمران ٧٨/٥ .
(٤) في النكت والعيون ١٩٦/٢، وسلف هذا الحديث وكلام ابن العربي الآتي ٧٨/٥.
(٥) في أحكام القرآن ١٣٧٩/٣.

٣١٨
سورة النور: الآيتان ٥١ - ٥٢
وقرأ ابن القَعْقَاعِ: ﴿لَيُحكّمَ بينهم﴾ غير مسمَّى الفاعل(١). عليّ بن أبي طالب:
((إنما كان قولُ)) بالرفع(٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَابِرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمر به وحكم. ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ
وَيَتَّقْهِ﴾ قرأ حفص: ((وَيَتَّقْه)) بإسكان القاف على نية الجزم، قال الشاعر:
ورِزْقُ اللهِ مُؤْتابٌ وغادي(٣)
ومَن يَتَّقْ فإنَّ الله معه
وكسرها الباقون، لأن جزمه بحذف آخره. وأسكن الهاءَ أبو عمرو وأبو بكر.
واختلس الكسرةَ يعقوبُ، وقالُون عن نافع، والمثنى (٤) عن أبي عمرو، وحفص.
وأشبع كسرةَ الهاء الباقون(٥).
﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ذَكر أسلمُ أن عمر بينما هو قائم في مسجد النبيِّ ﴾ وإذا
رجلٌ من دَهَاقين(٦) الروم قائمٌ على رأسه وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أن محمداً رسول الله. فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله. قال: هل
لهذا سبب! قال: نعم، إني قرأت التَّوراة والزَّبور والإنجيل وكثيراً من كتب الأنبياء،
فسمعت أسيراً يقرأ آية من القرآن جُمِع فيها كلُّ ما في الكتب المتقدِّمة، فعلمت أنه من
عند الله، فأسلمت. قال: ما هذه الآية؟ قال: قولُه تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في
الفرائض، ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في السنن، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما مضى من عمره، ﴿وَيَتَّقْهِ﴾
(١) النشر ٢٢٧/٢.
(٢) المحتسب ١١٥/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠٣ ونسبها للحسن.
(٣) أورده ابن جني في المحتسب ٣٦١/١، وفي الخصائص ٣٠٦/١، والبغدادي في شرح شواهد
الشافية ٢٢٩/٢ .
(٤) في (د) و(ف): المسيبي، وفي (م): البستي، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما وقع في فتح القدير
٤٦/٤ .. ولم نعرفه.
(٥) السبعة ص٤٥٧-٤٥٨، والتيسير ص ١٦٣، وقراءة يعقوب في النشر ٣٠٧/١.
(٦) الدَّهاقين، جمع: الدِّهقان وهو التاجر، فارسي معرَّب. اللسان (دهق).

٣١٩
سورة النور: الآيتان ٥٢ - ٥٣
فيما بقي من عمره، ﴿فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآِزُونَ﴾، والفائزُ مَن نجا من النار وأُدخِل الجنة.
فقال عمر: قال النبيُّ :﴿: ((أُوتِيتُ جوامعَ الكَلِم))(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِنْ أَمَرْتَهُمْ لَخْرُّ قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ
مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
٥٣
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِالَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ عاد إلى ذكر المنافقين، فإنه لمَّا بيَّن
کراهتھم لحكم النبيِّ # أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا
وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا، فنزلت هذه الآية(٢). أي: وأقسموا
بالله أنهم يَخْرجون معك في المستأنف ويطيعون. ﴿جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ أي: طاقةَ ما قَدَروا
أن يحلفوا. وقال مقاتل: مَن حلف بالله فقد أجهد في اليمين(٣). وقد مضى في
((الأنعام)) (٤) بيانُ هذا. و ((جَهْدَ)) منصوبٌ على مذهب المصدر تقديره: إقساماً بليغاً.
﴿قُل لَّا نُقْسِمُواْ﴾ وتمَّ الكلام(٥).
وَطَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ أي: طاعة معروفة (٦) أوْلَى بكم من أيمانكم، أو: ليكن منكم
طاعةٌ معروفةٍ (٧)، وقولٌ معروف بإخلاص القلب، ولا حاجةً إلى اليمين. وقال
مجاهد: المعنى: قد عُرِفتْ طاعتُكم، وهي الكذب والتكذيب(٨)، أي: المعروفُ
منکم الكذبُ دون الإخلاص.
(١) لم نقف عليه. وقوله منه: ((أوتيت جوامع الكلم)) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧٤٠٣)،
والبخاري (٢٩٧٧)، ومسلم (٥٢٣): (٥)، وسلف ٢٤٣/١٢.
(٢) ينظر الوسيط ٣٢٦/٢، وزاد المسير ٥٦/٦، وتفسير الرازي ٢٣/٢٤.
(٣) تفسير الرازي ٢٤/ ٢٣ .
(٤) ٨/ ٤٩٣ وما بعدها.
(٥) تفسير غريب القرآن ص٣٠٦، ومعاني القرآن للنحاس ٥٤٩/٤ .
(٦) قوله: أي طاعة معروفة، من (د) و(ظ).
(٧) ينظر تفسير غريب القرآن ص٣٠٦، ومعاني القرآن للنحاس ٥٤٩/٤، وذكر هذا القول الواحدي في
الوسيط ٣٢٦/٣، والبغوي في تفسيره ٣٥٣/٣ ونسباه لمقاتل بن حيان.
(٨) أخرجه الطبري ١٧/ ٣٤٤ .

٣٢٠
سورة النور: الآيات ٥٣ _ ٥٥
﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل(١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَيْهِ مَا حُلَ
وَيْكُ مَّا مُلْتُوَّ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ اُلْمُبِيثُ
٥٤
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ﴾ بإخلاص الطّاعة وترك النفاق. ﴿فَإِن
تَوَلَّوْا﴾ أي: فإن تتوَلَّوْا، فحذف إحدى التاءين(٢). ودلَّ على هذا أن بعده:
﴿وَيَِّكُمْ﴾، ولم يقل: وعليهم(٣). ﴿فَإِنَّمَا عَيْهِ مَا ◌ُلَ﴾ أي: من تبليغ الرسالة.
﴿وَعَلَيْكُمْ مَّا يُخِلْتُمْ﴾ أي: من الطاعة له(٤)، عن ابن عباس وغيره. ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ
تَهْتَدُواْ﴾ جعل الاهتداء مقروناً بطاعته. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ﴾ أي: التبليغ
﴿الْمُِّينِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُنَ بِ شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ
ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
٥٥)
نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. قاله مالك(٥). وقيل: إن سبب نزول(٦)
هذه الآية أن بعض أصحاب النبيِّ # شكا جَهْد مكافحة العدوِّ، وما كانوا فيه من
الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يضعون أسلحتهم، فنزلت الآية(٧).
(١) الوسيط ٣٢٦/٣.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٤٥/٣، وزاد المسير ٦ /٥٦.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٥٤٩/٤ .
(٤) ينظر النكت والعيون ١١٧/٤، والوسيط ٣٢٦/٣، وتفسير البغوي ٣٥٣/٣، وزاد المسير ٥٦/٦.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٨٠.
(٦) لفظة: نزول، من (ظ).
(٧) المحرر الوجيز ١٩٢/٤.