Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة النور: الآية ٣٥ قال ابن الأنباري(١): ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ وقفٌ حسن، ثم تبتدىء: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ فِهَا مِصْبَامٌ﴾ على معنى محمد ﴾. وقال أُبَيّ بن كعب وابن جبير أيضاً والضحاك: هو عائدٌ على المؤمنين. وفي قراءة أُبَيّ: ((مَثَل نور المؤمنين)). وروي أنَّ في قراءته: ((مثل نور المؤمن)). وروي أنَّ فيها: ((مثل نور من آمن به))(٢). وقال الحسن: هو عائدٌ على القرآن والإيمان. قال مكِّيّ: وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله: ((والأرض)). قال ابن عطية(٣): وهذه الأقوال فيها عودُ الضمير على من لم يجرِ له ذكر، وفيها مقابلةُ جزءٍ من المثال بجزء من الممثَّل، فعلى من قال: الممثّل به محمدٌ 8# - وهو قول كَعْب الحَبر - فرسولُ اللـه # هو المشكاة أو صدره، والمصباحُ هو النبوّة وما يتصل بها من عمله وهداه، والزجاجةُ قلبه، والشجرةُ المباركة هي الوحي، والملائكة رسلُ الله إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحُجج والبراهين والآيات التي تضمّنها الوَحْي. ومن قال: الممثّل به المؤمن - وهو قول أُبَيّ - فالمشكاةُ صدرُه، والمصباحُ الإيمان والعلم، والزجاجةُ قلبه، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمّنها، قال أُبَيّ: فهو على أحسن الحال يمشي في الناس، كالرجل الحيّ يمشي في قبور الأموات. ومن قال: إنَّ الممثّل به هو القرآن والإيمان؛ فتقدير الكلام: مثل نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة، أي: كهذه الجملة. وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين؛ لأنَّ المشكاةَ ليست تقابلُ الإيمانَ(٤). وقالت طائفة: الضمير في ((نوره)) عائدٌ على الله تعالى. وهذا قول ابن عباس فيما (١) في الوقف والابتداء ٢/ ٧٩٧ . (٢) المحرر الوجيز ١٨٣/٤، والقراءتان الأخيرتان أخرجهما الطبري في تفسيره ٢٩٨/١٧. (٣) في المحرر الوجيز ١٨٣/٤ وما قبله منه. (٤) المحرر الوجيز ١٨٣/٤-١٨٤ . ٢٦٢ سورة النور: الآية ٣٥ ذكر الثعلبيّ والماوَرْدِيّ(١) والمهدوِيّ، وقد تقدم معناه. ولا يوقف على هذا القول على ((الأرض)). قال المهدوِيّ: الهاء لله عزَّ وجلَّ، والتقدير: الله هادي أهلِ السموات والأرض، مَثَل هداه في قلوب المؤمنين كمِشْکاةٍ. وروي ذلك عن ابن عباس (٢). وكذلك قال زيد بن أسلم والحسن: إنَّ الهاء لله عزَّ وجلَّ. وكان أُبَيّ وابن مسعود يقرآنها: ((مثلُ نُوره في قلب المؤمن كمشكاة))(٣). قال محمد بن علي الترمذي: فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا، وقد وافقهما في التأويل أنَّ ذلك نوره في قلب المؤمن، وتصديقه في آية أخرى يقول: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِِّ﴾ [الزمر: ٢٢]. واعتلَّ الأوّلون بأن قالوا: لا يجوز أن يَكون الهاء لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لا حدّ لنوره. وأمال الكسائيُّ - فيما روى عنه أبو عمر الدُّورِيّ - الألفَ من ((مشكاة)) وكسرَ الكاف التي قبلها (٤). وقرأ نصر بن عاصم: ((زَجاجة)) بفتح الزاي، و((الزَّجاجة)) كذلك، وهي لغة(٥). وقرأ [نافع وابن كثير و] ابن عامر، وحفصٌ عن عاصم: ((ذُرِّيٌّ)) بضم الدال وشدّ الياء(٦)، ولهذه القراءة وجهان: إمّا أن ينسبَ الكوكب إلى الدُّرِّ؛ لبياضه وصفائه، وإمّا أن يكونَ أصلُه دُرِّيء - مهموز-، فُعِّيل من الدَّرء، وهو الدفع، وخُفّفت الهمزة(٧). (١) في النكت والعيون ١٠٢/٤ . (٢) قول ابن عباس في زاد المسير ٤٠/٦. (٣) أورد هذه القراءة عنهما الواحدي في الوسيط ٣/ ٣٢٠، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٠/٦. (٤) السبعة ص ٤٥٥، والتيسير ص ٥٠ ، والمحرر الوجيز ١٨٤/٤. (٥) المحرر الوجيز ١٨٤/٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص١٠٢، والمحتسب ١٠٩/٢. (٦) المحرر الوجيز ١٨٤/٤، وينظر السبعة ص٤٥٦، والتيسير ص ١٦٢، وما بين حاصرتين مستدرك منهما. (٧) المحرر الوجيز ١٨٤/٤ . ٢٦٣ سورة النور: الآية ٣٥ ويقال للنجوم العظام التي لا تُعرف أسماؤُها: الدَّراريّ، بغير همز؛ فلعلّهم خفّفوا الهمزةَ، والأصل من الذَّرء الذي هو الدفع(١). وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: ((دُرِّيءٌ)) بالهمز والمدّ، وهو فُعِّيل من الدَّرء؛ بمعنى أنَّها يدفع بعضها بعضاً. وقرأ الكسائي وأبو عمرو: ((دِرِّيءٌ)) بكسر الدال والهمز من الدَّرء والدفع(٢)، مثل السِّكّير والفِسِّيق. قال سيبويه: أي: يدفع بعض ضوئه بعضاً من لمعانه. قال النحاس(٣): وضعّف أبو عبيد قراءةً أبي عمرو والكسائي تضعيفاً شديداً؛ لأنَّه تأوّلها من دَرأْتُ، أي: دفعتُ، أي: كوكب يجري من الأفق إلى الأفق، وإذا كان التأويلُ على ما تأوله، لم يكن في الكلام فائدة، ولا كان لهذا الكوكب مزيةٌ على أكثر الكواكب، ألا ترى أنه لا يقال: جاءني إنسانٌ من بني آدم؟ ولا ينبغي أن يُتأوّلَ لمثل أبي عمرو والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أنَّ معناهما في ذلك: كوكبٌ مندفع بالنور؛ كما يقال: اندراً الحريقُ، أي: اندفع. وهذا تأويل صحيحٌ لهذه القراءة. وحكى سعيد بن مَسْعدة أنه يقال: دَرأَ الكوكبُ بضوئه: إذا امتذَّ ضوءُه وعلا. وقال الجوهري: في (الصّحاح))(٤): ودرأ علينا فلان يدرأُ دُروءاً، أي: طَلَع مفاجأة. ومنه: ((كوكب دِرّيء))، على فِعِّيل، مثل: سِكِير وخِمِّير؛ لشدّة توقّده وتلألئه، وقد دَرأَ الكوكبُ دروءاً. قال أبو عمرو بن العلاء: سألتُ رجلاً من سعد بن بكرٍ من أهل ذات عِرِقْ، فقلت: هذا الكوكبُ الضخمُ؛ ما تُسمُّونه؟ قال: الدِّرّيء، وكان من أفصح الناس. (١) تفسير الطبري ٣٠٨/١٧، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٢٥٢ . (٢) المحرر الوجيز ١٨٤/٤، وينظر السبعة ص٤٥٦، والتيسير ص ١٦٢ . (٣) في إعراب القرآن ٣/ ١٣٧. (٤) الصحاح (درأ). ٢٦٤ سورة النور: الآية ٣٥ قال النحاس(١): فأما قراءةُ حمزةَ، فأهل اللغة جميعاً قالوا: هي لحنٌ لا تجوز؛ لأنَّه ليس في كلام العرب اسمٌ على فُعِّيل، وقد اعترض أبو عبيد في هذا، فاحتجّ لحمزة، فقال: ليس هو فُعِّيل، وإنَّما هو فُغُول، مثل سُبُّوح، أُبدل من الواو ياء، كما قالوا : ◌ُتيّ. قال أبو جعفر النحاس(٢): وهذا الاعتراضُ والاحتجاجُ من أعظم الغلط وأشدّه؛ لأنَّ هذا لا يجوز البتة، ولو جاز ما قال، لقيل في سُبّوح: سُبّيح، وهذا لا يقوله أحدٌ، وليس عُتَيّ من هذا، والفرق بينهما واضحٌ بَيّن؛ لأنَّه ليس يخلو عُتِيّ من إحدى جهتين: إما أن يكون جمعَ عاتٍ، فيكون البدلُ فيه لازماً؛ لأنَّ الجمع باب تغييرٍ ، والواو لا تكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فلما كان قبل هذه ساكنٌ، وقبل الساكن ضمةٌ، والساكن ليس بحاجز حصِين، أُبدل من الضمة كسرةٌ، فقلبت الواو ياءً، وإن كان مُتِيّ واحداً كان بالواو أوْلى، وجاز قلبها لأنَّها طرف، والواو في فُعول ليست طرفاً؛ فلا يجوز قلبها. قال الجوهري(٣): قال أبو عبيد: إن ضَممتَ الدالَ قُلتَ: دُرِّيّ، يكون منسوباً إلى الدُّرِّ، على فُعْلِيٍّ، ولم تهمزه، لأنَّه ليس في كلام العرب فُعّيل، ومن هَمَزه من القُرَّاء، فإنَّما أراد فُقُول(٤)، مثل سُبُّوح، فاستُثقل، فردَّ بعضُه إلى الكسر. وحكى الأخفش(٥) عن بعضهم: ((دَرِّيء» من درأتُه، وهَمَزها وجعلها على فَعِّيل مفتوحةً الأوّل. قال: وذلك من تَلَأَلُه. قال الثعلبيّ: وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رَجاء: ((دَرّيء)) بفتح الدال مهموزاً(٦). (١) في إعراب القرآن ١٣٧/٣. (٢) في إعراب القرآن ١٣٧/٣-١٣٨. (٣) في الصحاح (درأ). (٤) في (م) فعولاً. (٥) في معاني القرآن له ٦٤١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الصحاح (درأ) والكلام منه. (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٣٦/٣ دون أن ينسبه للثعلبي، والقراءتان في القراءات الشاذة ص ١٠٢، والمحتسب ١١٠/٢ . ٢٦٥ سورة النور: الآية ٣٥ قال أبو حاتم: هذا خطأ؛ لأنَّه ليس في الكلام فَعِّيل، فإن صحّ عنهما، فهما حُجَّة. ﴿يُوقَدُ﴾ قرأ شيبة، ونافع، وأيوب، وسلام، وابن عامر وأهل الشام، وحفص: (يُوقَدُ)) بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال(١). وقرأ الحسن، والسُّلَمِيّ، وأبو جعفر، وأبو عمرو بن العلاء البصري: ((تَوَقَّدَ)) مفتوحةَ الحروف كلِّها مشدّدةَ القاف(٢)، واختارها أبو حاتم وأبو عبيد. قال النحاس(٣): وهاتان القراءتان متقاربتان؛ لأنَّهما جميعاً للمصباح، وهو أشبه بهذا الوصف؛ لأنَّه الذي ينير ويُضيء، وإنَّما الزجاجة وعاء له. و((تَوَقَّدَ)) فعلٌ ماضٍ من تَوَقّد يتوقّد، ويُوقد فعل مستقبل من أُوقِد يُوقَد. وقرأ نصر بنُ عاصم: ((تَوَقَّدُ)) والأصل على قراءته: تتوقدُ، حذف إحدى التاءين؛ لأنَّ الأخرى تدل عليها. وقرأ الكوفيون: ((تُوقَد)) بالتاء، يعنون الزجاجةَ. فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة(٤). ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنٍَّ لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ﴾ تقدم القول فيه. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورِّ﴾ على تأنيث النارِ، وزعم أبو عبيد، أنَّه لا يعرف إلا هذه القراءة. وحكى أبو حاتم: أنَّ السُّدِّيَّ روى عن أبي مالك، عن ابن عباس، أنَّه قرأ: ((ولَوْ لم يَمْسَسْه نار)) بالياء(٥). قال محمد بن يزيد: التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي، وكذا سبيل المؤنث عنده. قال ابن عمر: المشكاة جَوْف محمد﴿، والزجاجة قلبُه، والمصباح النورُ الذي (١) قراءة شيبة في إعراب القرآن للنحاس ١٣٨/٣، وقراءة نافع وابن عامر وحفص في السبعة ص٤٥٦ والتيسير ص ١٦٢ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٣٨/٣، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٣٢/٢، وقراءة أبي عمرو في السبعة ٤٥٥-٤٥٦ وهي قراءة ابن كثير أيضاً. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٠٢ أن قراءة الحسن والسلمي برفع الدال والتشديد (تَوقَّدُ)، وينظر المحرر الوجيز ١٨٤/٤ . (٣) في إعراب القرآن ١٣٨/٣. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٣٨/٣، وينظر السبعة ص٤٥٦، والتيسير ص١٦٢ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٣٨/٣، وما بعده منه، وقراءة ابن عباس في القراءات الشاذة ص١٠٢ . ٢٦٦ سورة النور: الآية ٣٥ جعله الله تعالى في قلبه، يوقد من شجرة مباركة، أي: أنّ أصلَه من إبراهيم، وهو شجرته، فأوقد الله تعالى في قلب محمد # النور، كما جعله في قلب إبراهيم عليه السلام(١). وقال محمد بن كعب: المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد صلوات الله عليهم أجمعين، سمّاه الله تعالى مصباحاً كما سماه سراجاً(٢)، فقال: ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، يوقد من شجرة مباركة، وهي آدم عليه السلام، بُورك في نسله وكَثُر منه الأنبياء والأولياء . وقيل: هي إبراهيم عليه السلام، سمّاه الله تعالى مباركاً؛ لأنَّ أكثر الأنبياء كانوا من صُلْبِه ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةِ﴾ أي: لم يكن يهودِيًّا ولا نصرانيًّا، وإنَّما كان حَنِيفاً مسلماً. وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ اليهودَ تصلِّي قِبَل المغرب، والنصارى تصلِّي قِبَل المشرق. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ﴾ أي: يكاد محاسنُ محمد ﴿ تظهرُ للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه . ﴿قُورُ عَلَى نُورِّ﴾ نَبِيٍّ من نَسْل نبيّ(٣). قال الضخَّاك: شبَّه عبدَ المطلب بالمِشكاة، وعبدَ الله بالزُّجاجة، والنبيَّ ﴾ بالمصباح(٤) كان في قلبهما، فورث النبوّةَ من إبراهيم ﴿مِن شَجَرَةِ﴾ أي: شجرة التُّقَى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان، شجرة أصلُها نبوّة، وفرعها مُروءة، وأغصانها تنزيل، وورقها تأويلٌ، وخَدَمُها جبريل وميكائيل. قال القاضي أبو بكر بن العربي(٥): ومن غريب الأمر أنَّ بعضَ الفقهاء قال: إنَّ (١) تفسير البغوي ٣٤٧/٣، وأخرج قول ابن عمر بنحوه ابن عدي في الكامل ٢٥٥٦/٧، وفي إسناده الوازع بن نافع العقيلي، قال ابن معين: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس حديثه بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه عن شيوخه بالأسانيد التي يرويها غير محفوظة. (٢) تفسير البغوي ٣/ ٣٤٧ . (٣) زاد المسير ٦/ ٤٤. (٤) المرجع السابق. (٥) في أحكام القرآن ١٣٧٦/٣ -١٣٧٧ . ٢٦٧ سورة النور: الآية ٣٥ هذا مَثَل ضربه اللهُ تعالى لإبراهيم، ومحمدٍ، ولعبد المطلب وابنه عبدِ الله؛ فالمشكاة هي الكوّة بلغة الحبشة، فشبّه عبدَ المطلب بالمشكاة فيها القِنديل وهو الزُّجاجة، وشبَّه عبدَ الله بالقِنديل، وهو الزجاجة؛ ومحمد كالمصباح، يعني من أصلابهما، وكأنه كوكب دُرِّيٌّ، وهو المشتَرِي ﴿يُقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ يعني إرْثَ النبوّة من إبراهيم عليه السلام، وهو الشجرة المباركة، يعني حَنِيفِيّة ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِّيَّةٍ﴾: لا يهودية ولا نصرانية ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يقول: يكاد إبراهيمُ يتكلم بالوحي من قبل أن يوحَى إليه ﴿نُورٌّ عَلَى نُورٍ﴾ إبراهيم ثم محمد ﴾. قال القاضي: وهذا كلُّه عدول عن الظاهر، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه. قلت: وكذلك في جميع الأقوال؛ لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأوّل، وأنَّ هذا مَثَل ضَرَبه الله تعالى لنوره، ولا يمكن أن يضربَ لنوره المعظّم مثلاً تنبيهاً لخلقه إلا ببعض خلقه؛ لأنَّ الخلقَ لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم، ولولا ذلك ما عَرف اللهَ إلّا اللهُ وحدَه. قاله ابن العربي(١). قال ابن عباس: هذا مَثَلُ نورِ الله وهُداه في قلب المؤمن، كما يكادُ الزيتُ الصافي يضيء قبل أن تمسَّه النار، فإن مسّته النار زاد ضوءه، كذلك قلب المؤمن، يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيَه العلم، فإذا جاءه العلمُ، زاده هُدّى على هدّى ونوراً على نور، كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة: ﴿هَذَا رَبِ﴾ [الأنعام: ٧٧ -٧٨]، من قبل أن يخبره أحدٌ أنَّ له رَبًّا؛ فلما أخبره اللهُ أنه ربُّه زاد هُدّى (٢)، فـ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] ومن قال: إنَّ هذا مَثَل للقرآن في قلب المؤمن، قال: كما أنَّ هذا المصباحَ يُستضاء به ولا ينقص؛ فكذلك القرآن يُهتدَى به ولا ينقص، فالمصباح القرآن، والزجاجة قلبُ المؤمن، والمِشْكاة لسانُه وفمُه(٣)، والشجرةُ المباركةُ شجرةُ الوحي (١) في أحكام القرآن ١٣٧٦/٣. (٢) معاني القرآن للنحاس ٥٣٥/٤، وتفسير البغوي ٣٤٧/٣. (٣) في (م) و(د): وفهمه. ٢٦٨ سورة النور: الآيات ٣٥ - ٣٨ ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ تكاد حجج القرآن تتّضِح ولو لم يقرأ. ﴿ثُورُ عَلَى نُورِّ﴾ يعني أنَّ القرآنَ نورٌ من الله تعالى لخلقه، مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نوراً على نور. ثم أخبر أنَّ هذا النورَ المذكورَ عزيز، وأنه لا يناله إلا من أراد اللهُ هداه، فقال: يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَثَلَ لِلنَّاسُِ﴾ أي: يبين الأشباه(١) تقريباً إلى الأفهام(٢) ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: بالمَهدِي والضّال. وروي عن ابن عباس أنَّ اليهود قالوا: يا محمد، كيف يَخْلُص نور الله تعالى من دون السماء؟ فضَرَب الله تعالى ذلك مثلاً لنوره(٣). قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ ﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ٧ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) قوله تعالى: ﴿فِي ◌ُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَيْعُ لَهُ فِهَا بِلْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكَوْ﴾ فيه تسع عشرة مسألة : الأولى: قوله تعالى: ﴿فِي بُوتٍ أَذِنَ اُللَّهُ أَن تُرفَعَ﴾ الباء في (بیوت)) تضم وتكسر، وقد تقدّم(٤). واختلف في الفاء من قوله ((في))، فقيل: هي متعلقةٌ بـ ﴿مِصْبَاحٌ﴾. وقيل: بـ ﴿يُسَيِّحُ لَهُ﴾؛ فعلى هذا التأويل يوقف على ﴿عَلِيمٌ﴾(٥). (١) في (د): الأشياء . (٢) تفسير البغوي ٣٧٤/٣ . (٣) النكت والعيون ١٠٦/٤ . (٤) ٢٣٦/٣ . (٥) المحرر الوجيز ١٨٥/٤ . ٢٦٩ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ قال ابن الأنباري(١): سمعتُ أبا العباس يقول: هو حالٌ للمصباح والزجاجة والکوکب، كأنه قال: وهي في بيوت. وقال الترمذيُّ الحكيمُ محمد بن علي: ﴿فِ بُوتٍ﴾ منفصل، كأنه يقول: الله في بيوت أذن اللهُ أن تُرفع؛ وبذلك جاءت الأخبار، أنَّه ((مَنْ جلس في المسجد فإنما (٢) يجالس ربَّه))(٣). وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى عن ((التوراة)): أنَّ المؤمنَ إذا مشى إلى المسجد، قال الله تبارك اسمه: عبدي زارني وعليَّ قِراه، ولن أرضی له قِرىّ دون الجنة (٤). قال ابن الأنباري(٥): إن جعلت ((في)) متعلقة بـ ((يُسبِّح)) أو رافعة للرّجال، حَسُنَ الوقفُ على قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال الرُّمَّاني: هي متعلقة بـ (يوقد))، وعليه فلا يوقف على ((عليم))(٦). فإن قيل: فما الوجهُ إذا كان البيوتُ متعلقة بـ ((يوقد)) في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت، ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد. قيل: هذا من الخطاب المتلوّن الذي يُفتح بالتوحيد ويُختم بالجمع، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا ◌َلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ [الطلاق: ١] ونحوه. وقيل: رجع إلى كلِّ واحد من البيوت(٧). (١) في الوقف والابتداء ٢/ ٧٩٧ . (٢) في (م): فإنّه، والمثبت من (د) و(ظ) وهو الموافق لما في مصادر التخريج. (٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤١٦) من طريق الزهري عن خاله عبد الله مؤذن، عن سعيد بن المسيب قوله. وعبد الله مؤذن. أورده البخاري في التاريخ الكبير ٢٠٢/٥ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. (٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج البزار (١٩١٨) (زوائد)، وأبو يعلى (٤١٤٠)، وابن عدي في الكامل ٢٤٠٩/٦، من حديث أنس بن مالك ، مرفوعاً، بلفظ: ((ما من عبدٍ مسلم أتى أخاً له يزوره في الله إلا ناداه منادٍ من السماء: أن طبت وطابت لك الجنة، وإلا قال الله في ملكوت عرشه: عبدي زارني وعليَّ قراه، فلم أرضَ له بقرى دون الجنة)). وفي إسناده ميمون بن سياه ضعيف فيما ذكر ابن معين، ونقله عنه ابن عدي في الكامل ٢٤٠٨/٦ . (٥) في الوقف والابتداء ٢/ ٧٩٧-٧٩٨، وينظر كلام المصنف في المسألة الثالثة عشرة. (٦) المحرر الوجيز ١٨٥/٤. (٧) زاد المسير ٤٦/٦. ٢٧٠ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ ثُورًا﴾ [نوح: ١٦]. وإنَّما هو في واحدة منها. واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة أقوال: الأول: أنَّها المساجدُ المخصوصةُ لله تعالى بالعبادة، وأنَّها تضيء لأهل السماء كما تضيء النجومُ لأهل الأرض. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن(١). الثاني: هي بيوت بيت المقدس، عن الحسن أيضاً. الثالث: بيوت النبيِّ #، عن مجاهد أيضاً. الرابع: هي البيوت كلُّها، قاله عكرمة(٢)، وقوله: ((يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ والآصال)) يقوّي أنَّها المساجد. وقول خامس: أنَّها المساجدُ الأربعةُ التي لم يبنها إلا نبيّ : الكعبة، وبيت أرِيحًا، ومسجد المدينة، ومسجد قُبَاء، قاله ابن بريدة(٣). وقد تقدّم ذلك في ((براءة))(٤). قلت: الأظهر القول الأوّل؛ لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله ﴿ قال: ((مَنْ أحبَّ الله عزَّ وجلَّ فليحبَّني، ومن أحبّني فلْيُحِبَّ أصحابي، ومن أحبَّ أصحابي فليُحِبَّ القرآن، ومن أحبَّ القرآن فلْيُحِبَّ المساجد؛ فإنَّها أفنيةُ الله وأبنيته(٥)، أذن الله في رفعها وبارك فيها، ميمونةٌ ميمون أهلُها، محفوظةٌ محفوظٌ أهلُها، هم في صلاتهم والله عزَّ وجلَّ في حوائجهم، هم في مساجدهم والله من ورائهم)) (٦). (١) مجمع البيان ٥٠/١٨، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣١٦/١٧-٣١٧ عن جماعة. (٢) المحرر الوجيز ١٨٥/٤، وأخرج الطبري في تفسيره ٣١٧/١٧ قول عكرمة. (٣) التمهيد ٢٦٨/١٣ . (٤) ٣٨٠/١٠. (٥) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: أبنيته، دون واو. (٦) أخرجه ابن حبان في المجروحين ٣/ ١٥٥ من طريق أبي معمر - لعله: عباد بن عبد الصمد - عن أنس ابن مالك مرفوعاً. وأبو معمر قال ابن حبان: أبو معمر يروي عن أنس بن مالك ما لم يحدث به أنس قط، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل الإنباء عن أمره. وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢٣٤٨/٦ من طريق موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، = ٢٧١ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ الثانية: قوله تعالى: ﴿أَذِّنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. ((أَذِن)) معناه: أَمرَ وقضى. وحقيقة الإذن: العلم والتمكين دون حظر، فإن اقترن بذلك أمرٌ وإنفاذ، كان أقوى(١). و ((تُرفع)) قيل: معناه تُبْنَى وتُعْلى، قاله مجاهد(٢) وعكرمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِعُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾(٣) [البقرة: ١٢٧]، وقال :﴿: ((من بنى مسجداً من ماله، بنى اللهُ له بيتاً في الجنة))(٤). وفي هذا المعنى أحاديث كثيرةٌ تحضُّ على بنيان المساجد(٥). وقال الحسن البصري وغيره: معنى ﴿تُرْفَعَ﴾: تعظّم، ويرفع شأنها(٦)، وتطهر من الأنجاس والأقذار، ففي الحديث: ((إنَّ المسجد لَينْزَوِي من النجاسة كما ينزوي الجلدُ من النار))(٧). وروى ابن ماجه في «سننه»(٨) عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال رسولُ الله ﴾: = عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعاً. قال ابن عدي: موسى بن عبد الرحمن منكر الحديث، ثم قال: لا أعلم له أحاديث غير ما ذكرته، وقد يقبل بابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وهذه الأحاديث بواطيل. (١) المحرر الوجيز ١٨٥/٤-١٨٦. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣١٨/١٧. (٣) المحرر الوجيز ١٨٦/٤ . (٤) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (٧٣٧) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن علي ﴾. قال في مصباح الزجاجة ١٥٩/١: هذا إسناد ضعيف الوليد مدلس، وابن لهيعة ضعيف. قلنا: وللحدیث شواهد يصح بها كما سيرد . (٥) منها حديث عثمان ﴾ عند أحمد (٥٠٦)، والبخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣): (٢٥)، وحديث جابر، عند ابن ماجه (٧٣٨)، وعن ابن عباس عند أحمد (٢١٥٧). (٦) المحرر الوجيز ١٨٦/٤. (٧) أخرجه عبد الرزاق (١٦٩١)، وابن أبي شيبة ٣٦٦/٢ عن أبي هريرة موقوفاً. والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ١٣٧٨/٣ . قال في النهاية (زوی): ينزوي، أي: ينضم وينقبض، وقيل: أراد أهل المسجد وهم الملائكة. (٨) سنن ابن ماجه (٧٥٧). من طريق محمد بن صالح المدني، عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري ﴾. قال في مصباح الزجاجة ١٦٣/١ : هذا إسناد ضعيف مسلم [ابن أبي مريم] هو ابن يسار، لم يسمع من أبي سعید، ومحمد فیه لین. ٢٧٢ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ ((مَنْ أخرِجَ أذىّ من المسجدِ، بنى اللهُ له بيتاً في الجنة)). وروى عن عائشةَ قالت: أَمَرنا رسولُ الله ﴿ أن تُتَّخَذَ (١) المساجدُ في الدُّور، وأن تُطهّر وتُطَيَّب(٢). الثالثة: إذا قلنا: إنَّ المرادَ بنيانُها، فهل تُزِيَّن وتُنْقش؟ اختلف في ذلك: فكرهه قومٌ وأباحه آخرون. فروى حماد بن سلمةَ، عن أيوب، عن أبي قِلَابة عن أنس، وقتادة عن أنس، أنَّ رسول اللـه ﴾، قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يتباهى الناسُ في المساجد)». أخرجه أبو: داود(٣). وفي البخاري: وقال أنس (٤): ((يتباهَوْن بها ثُمَّ لا يَعْمُرونها إلا قليلاً)). وقال ابن عباس(٥): لَتَزَخْرِفُتّها كما زَخْرفتِ اليهود والنصارى. وروى الترمِذيُّ الحكيم أبو عبد الله في ((نوادر الأصول))(٦) من حديث أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﴾: ((إذا زخرفتُم مساجدَكم وحلَّيتُم مصاحفَكم، فالذَّبار علیکم)). احتجّ من أباح ذلك بأنَّ فيه تعظيم المساجد، والله تعالى أَمَر بتعظيمها في قوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ يعني: تُعظّم. وروي عن عثمان أنَّه بنى مسجدَ النبيِّ ﴾ (١) في (م): نتخذ، وفي سنن ابن ماجه: أمر، بدل: أمرنا. (٢) سنن ابن ماجه (٧٥٩)، وأخرجه أحمد (٢٦٣٨٦)، وأبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤). قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢٥٨/١ : أخرجه الترمذي وابن ماجه، وأخرجه الترمذي مرسلاً وقال: وهذا أصح من الحديث الأول. (٣) سنن أبي داود (٤٤٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٣٧٩)، والنسائي ٣٢/٢، وابن ماجه (٧٣٩). من طريق أبي قلابة عن أنس (٤) علقه البخاري عنه قبل حديث (٤٤٦)، ووصله أبو يعلى (٢٨١٧)، وابن خزيمة في صحيحه (١٣٢١)، وابن حجر في التغليق ٢٣٦/٢ . وإسناده حسن. (٥) علقه البخاري عنه قبل حدیث (٤٤٦)، ووصله أبو داود (٤٤٨). (٦) ص٣٣٤ . وسلف ١/ ٥٤ . ٢٧٣ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ بالسَّاج وحسّنه(١). قال أبو حنيفة: لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب(٢). وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه نقش مسجد النبيِّ﴾ وبالغ في عمارته وتزيينه، وذلك في زمن ولايته قبل خلافته، ولم ینکر علیه أحد ذلك. وذكر أنَّ الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشقَ وفي تزيينه مثل خَراج الشام ثلاث مرات. وروي أنَّ سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجدَ بيت المقدس وبالغ في تزينه. الرابعة: ومما تُصان عنه المساجد وتُنزَّه عنه الروائحُ الكريهة، والأقوال السيئةُ، وغيرُ ذلك على ما نبيّنه؛ وذلك من تعظيمها. وقد صحَّ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ﴾ قال في غَزْوةٍ (٣): ((من أكلَ من هذه الشجرةِ - يعني الثُّومَ - فلا يأتِيَنَّ المساجدَ))(٤). وفي حديث جابر بن عبد الله، عن النبيّ ﴾، قال: ((مَنْ أَكلَ من هذه البقلةِ الثُّوم - وقال مرة: من أكل البصل والثومَ والكُرَّاث - فلا يقربنَّ مسجدنا؛ فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم))(٥). وقال عمر بن الخطاب ﴾ في خطبته: ثم إنَّكم أيُّها الناسُ تأكلون شجرتين، ولا أُراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثٌّوم، لقد رأيتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ إذا وَجدَ ريحَهما من (١) أخرجه البخاري (٤٤٦)، وأحمد (٦١٣٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والساج: نوع من الخشب معروف ، يؤتى به من الهند. فتح الباري ١/ ٥٤٠ . (٢) ينظر تبيين الحقائق للزيلعي ١٦٨/١. (٣) في (م) و(د): غزوة تبوك، والمثبت من (ظ)، فإنه لم يرد في مصادر التخريج ذكر غزوة تبوك، وجاء في بعضها: غزوة خيبر، وينظر فتح الباري ٣٣٨/٢ . (٤) أخرجه البخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١) (واللفظ له)، وأحمد (٤٧١٥) من حديث ابن عمر مرفوعاً، وعند الشيخين: في غزوة خيبر. ولم تذكر عند أحمد. (٥) أخرجه أحمد (١٥١٥٩)، ومسلم (٥٦٤). ٢٧٤ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ رجلٍ في المسجد، أمَرَ به فأُخرِجَ إلى البقيع، فمن أَكَلهما فَلْيُمِنْهُما طبخاً. خرَجه مسلم في ((صحيحه))(١). قال العلماء: وإذا كانت العلَّةُ في إخراجه من المسجد أنه يُتأذَّى به، ففي القياس: أنَّ كلَّ مَنْ تأذَّى به جيرانُه في المسجد، بأن يكون ذَرِب(٢) اللِّسان سفيِهاً عليهم، أو كان ذا رائحةٍ قبيحةٍ لا تَرِيمه(٣) لسوء صناعته، أو عاهة مؤذيةٍ؛ كالجُذَام وشبهه، وكل ما يتأذَّى به الناس، كان لهم إخراجُهُ، ما كانت العلةُ موجودةً فيه حتى تزولَ (٤). وكذلك يجتنبُ مجتمعَ الناسِ حيث كان لصلاةٍ أو غيرها - كمجالس العلم والولائم، وما أشبهها - مَن أَكلَ الثُّومَ وما في معناه، مما له رائحة كريهة تؤذي الناسَ، ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث، وأخبر أنَّ ذلك مما يتأذى به(٥). قال أبو عمر بن عبد البر(٦): وقد شاهدت شيخَنا أبا عمر أحمدَ بنَ عبد الملك بن هاشم(٧) رحمه الله، أفتى في رجلٍ شَكاهُ جيرانُه واتفقوا عليه أنه يُؤذيهم في المسجد بلسانه ويده، فشُووِرَ فيه، فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعادِه عنه، وألا يُشاهِد معهم الصلاةَ؛ إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه، فذاكرتُه يوماً أَمْرَه، وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك، وراجعته فيه القولَ، فاستدلَّ بحديث الثُّوم، وقال: هو عندي أكثر أذّى من آكل الثوم، وصاحبه يُمنع من شهودِ الجماعة في المسجد. (١) صحيح مسلم (٥٦٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (٨٩). (٢) ذرب: ذرب لسانه إذا كان حادَّ اللسان، لا يبالي ما قال. اللسان (ذرب). (٣) لا تريمه: لا تبرحه. اللسان (ريم)، ووقع في (ظ) بدلها: لازمة. (٤) التمهيد ٦/ ٤٢٣ . (٥) المفهم ١٦٦/٢. (٦) في التمهيد ٦/ ٤٢٣ . (٧) في النسخ: هشام، والمثبت من التمهيد ومصادر ترجمته، وهو أبو عمر المعروف بابن المَكْوِيِّ، المتوفى سنة (٤٠١هـ). السير ٢٠٦/١٧ . ٢٧٥ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ قلت: وفي الآثار المرسلة: ((أنَّ الرجلَ ليكذبُ الكِذْبَة، فيتباعد عنه المَلَك من نَتَنِ رِيحٍ))(١). فعلى هذا يُخرجُ من عُرف منه الكذب والتقوُّل بالباطل، فإنَّ ذلك يؤذي. الخامسة: أكثر العلماء على أنَّ المساجد كلَّها سواء(٢)؛ لحديث ابن عمر(٣). وقال بعضهم: إنَّما خَرَج النهيُ على مسجد رسولِ الله ﴾ من أجل جبريل عليه السلام ونزوله فيه، ولقوله في حديث جابر: ((فلا يقربَنَّ مسجدنا))(٤). والأوّل أصح؛ لأنه ذكر الصفةَ في الحكم، وهي المسجدية، وذِكْرُ الصفةِ في الحكم تعليل. وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس قال: قال رسولُ اللـه#: ((يأتي اللهُ يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنّها نجائبُ بيض، قوائمها من العنبر، وأعناقُها من الزعفران، ورؤوسُها من المسك، وأزِمّتُها من الزبرجد الأخضر، وقُوّامها والمؤذنون فيها يقودونها، وأئمتها يسوقونها، وعمَّارها متعلقون بها، فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف، فيقول أهلُ الموقف: هؤلاء ملائكةٌ مقرّبون وأنبياء مرسلون، فینادی: ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء، ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمدٍ ﴿)(٥). وفي التنزيل ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨]. وهذا عام في كلِّ مسجد. (١) أخرجه الترمذي (١٩٧٢) وابن حبان في المجروحين ١٣٧/٢ من طريق عبد الرحيم بن هارون، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً. قال الترمذي: هذا حديث حسن جيد غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، تفرَّد به عبد الرحيم بن هارون .اهـ وقال ابن حبان: روى عبد العزيز عن نافع عن ابن عمر نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها إلا على سبيل الاعتبار . (٢) التمهيد ٦/ ٤١٤ . (٣) سلف في المسألة الرابعة. (٤) سلف في المسألة الرابعة. (٥) لم نقف عليه. ٢٧٦ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ وقال النبيُّ ﴾: ((إذا رأيتم الرجلَ يعتاد المسجدَ، فاشهدوا له بالإيمان؛ إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَبِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. وقد تقدم(١). السادسة: وتصان المساجدُ أيضاً عن البيع والشراء وجميع الاشتغال؛ لقوله * للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر: ((لا وَجَدْتَ؛ إنَّما بُنيت المساجدُ لِمَا بُنيت له)). أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بُريدة، عن أبيه، أنَّ النبي :﴿ لما صلَّى قام رجل، فقال: مَنْ دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبيُّ ◌َ﴾: ((لا وَجدتَ؛ إنَّما بُنيت المساجدُ لمَا بُنيت له))(٢). وهذا يدل على أنَّ الأصلَ ألا يُعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن(٣). وكذا جاء مفسراً من حديث أنس، قال: بينما نحن في المسجد مع رسولٍ الله﴾، إذ جاء أعرابيٍّ فقام يبول في المسجد، فقال أصحابُ رسول اللـهل﴾: مَهْ مَهْ، فقال النبيّ :﴿: ((لا تُزْرِمُوه، دَعُوه)). فتركوه حتى بَالَ، ثم إنَّ رسول اللـه لِ﴾ دعاه فقال له: ((إنَّ هذه المساجدَ لا تَصلُح لشيءٍ من هذا البول ولا القَذَر،؛ إنَّما هي لذكرِ الله والصلاةِ وقراءة القرآن)) - أو كما قال رسولُ اللـه ◌ُ ﴾ - قال: ((فأمر رجلاً من القوم؛ فجاء بدَلْوِ من ماء، فشَنَّه عليه)). خرّجه مسلم(٤). ومما يدلُّ على هذا من الكتاب قوله الحق: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وقوله ◌َ﴾ لمعاوية بن الحكم السُّلَمِيّ: ((إنَّ هذه المساجدَ لا يَصلُح فيها شيّ من كلام الناس؛ إنَّما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن - أو كما قال رسولُ اللـه : # - الحديث بطوله (١) مسند أحمد (١١٦٥١)، وسنن الترمذي (٢٦١٧)، وسلف ١٣٤/١٠. (٢) صحيح مسلم (٥٦٩)، وهو في مسند أحمد (٢٣٠٥١). (٣) المفهم ٢/ ١٧٥ . (٤) في صحيحه (٢٨٥) وهو في مسند أحمد (١٢٩٨٤)، وأخرجه البخاري (٢١٩) مختصراً. قوله: لا تزرموه: أي: لا تقطعوا عليه بولَّه، فشنَّه: أي صبَّها. النهاية (زرم)، واللسان (شنن). ٢٧٧ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ خرَّجه مسلم في «صحيحه))(١)، وحسبك! وسمع عمرُ بن الخطاب ﴾ صوتَ رجلٍ في المسجد، فقال: ما هذا الصوتُ! أتدري أين أنتَ؟!(٢) وكان خَلَفُ بن أيوب(٣) جالساً في مسجده، فأتاه غلامُه يسألُهُ عن شيءٍ، فقام وخَرَج من المسجد وأَجابه، فقيل له في ذلك، فقال: ما تكلمتُ في المسجد بكلام الدنيا منذُ كذا وكذا، فكرهت أن أتكلّم اليوم. السابعة: روى الترمذِيُّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللـه ﴿: ((أنَّه نهى عن تَناشُد الأشعارِ في المسجد، وعن البيع والشراءِ فيه، وأن يتحلَّق الناسُ يومَ الجمعة قبل الصلاة)). قال: وفي الباب عن بُريدة وجابر وأنس، حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن. قال محمد بن إسماعيل: رأيت أحمد (٤) وإسحاق وذكّر غيرَهما يحتجُّون بحديث عمرو بن شعيب. وقد كره قومٌ من أهل العلم البيعَ والشراءَ في المسجد، وبه يقول أحمد وإسحاق(٥). وروي أنَّ عيسى ابن مريم عليهما السلام أتى على قوم يتبايعونَ في المسجد، فجعل رداءَه مخراقاً، ثم جعل يسعى عليهم ضَرْباً، ويقول: يا أبناء الأفاعي، اتخذتُم مساجدَ الله أسواقاً! هذا سوق (٦) الآخرة(٧). (١) (٥٣٧)، وهو في مسند أحمد (٢٣٧٦٢) .. وفيهما: (الصلاة) بدل: (المساجد). (٢) سلف ٣٧٩/٢ . (٣) العامري أبو سعيد البلخي، فقيه أهل الرأي، توفي سنة ٢١٥ هـ. تقريب التهذيب. (٤) في النسخ الخطية: محمداً، والمثبت من سنن الترمذي، والكلام منه، ومحمد بن إسماعيل: هو البخاري. (٥) سنن الترمذي (٣٢٢)، وأخرج الحديث أيضاً النسائي في المجتبى ٤٨/٢، وفي الكبرى (٧٩٥- ٧٩٦)، وابن ماجه (٧٤٩). (٦) في (ظ) هذه أسواق . (٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٨٣ من طريق الحكم بن سنان أبي عون، عن مالك بن دينار، قال : = ٢٧٨ سورة النور: الآيات ٢٦ - ٣٨ قلت: وقد كره بعض أصحابنا تعليمَ الصبيان في المساجد، ورأى أنَّه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان بغير أجرةٍ لمنعَ أيضاً من وجهٍ آخر، وهو أنَّ الصبيان لا يتحرَّزون عن الأقذار والوَسَخ، فيؤدّي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أَمَرَ ﴿ بتنظيفها وتطييبها(١)، فقال: ((جَنّبُوا مساجدَكم صبيانكم ومجانينكم، وسلَّ سيوفِكم، وإقامةَ حدودِكم، ورفعَ أصواتكم وخصوماتِكم، وأَجمروها في الجُمَع، واجعلوا على أبوابها المطاهرَ)). في إسناده العلاء بن كثير الدمشقي مولى بني أمية، وهو ضعيف عندهم، ذكره أبو أحمد بن عديّ الجرجاني الحافظ (٢). وذكر أبو أحمد أيضاً(٣) من حديث عليّ بن أبي طالب ، قال: صلّيتُ العصرَ مع عثمان أميرِ المؤمنين، فرأى خياطاً في ناحية المسجد، فأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه يكنس المسجدَ، ويغلِقِ الأبوابَ، ويرشُّ أحياناً. فقال عثمان: إني سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((جنِّبوا صُنَّاعكم من مساجدكم)). هذا حديث غیرُ محفوظ، في إسناده محمد بن مجيب الثقفي، وهو ذاهب الحديث. قلت: ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقهُ لَيِّناً فهو صحيح معنىٌ، يدلُّ على صحته ما ذكرناه قبل. = دخل عيسى ابن مريم مسجد بيت المقدس وهم يتبايعون ... ، فذكره دون قوله ((هذا سوق الآخرة)). والحكم بن سنان ضعيف. والمخراق: ثوب يُلَف ويضرب به الصبيانُ بعضهم بعضاً. النهاية (خرق). (١) المفهم ٢/ ١٧٥ . (٢) في الكامل ١٨٦١/٥ من حديث العلاء بن كثير، عن مكحول، عن واثلة وأبي الدرداء وأبي أمامة مرفوعاً. وقال ابن عدي: للعلاء بن كثير عن مكحول عن الصحابة، عن النبي # نسخ كلها غير محفوظة، وهو منكر الحديث. وأخرجه ابن ماجه (٧٥٠) من طريق الحارث بن نبهان، عن عتبة بن يقظان، عن أبي سعيد، عن مكحول، عن واثلة مرفوعاً، قال في مصباح الزجاجة ١٦٢/١: أبو سعيد هو محمد بن سعيد، قال النسائي: كذاب، والحارث بن نبهان ضعيف. وأخرجه الطبراني في الكبير ١٧٣/٢٠ من طريق يحيى بن العلاء، عن مكحول، عن معاذ مرفوعاً. قال البيهقي في السنن ١٠٣/١٠ : ليس بصحيح. (٣) في الكامل له ٢٢٦٦/٦، ونقله المصنف عنه بواسطة الأحكام الوسطى لأبي محمد عبد الحق ٢٩٦/١ - ٢٩٧ . ٢٧٩ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ قال الترمِذيّ(١): وقد رُويّ عن بعض أهل العلم من التابعين رُخْصةٌ في البيع والشراء في المسجد، وقد رُويَ عن النبيّ :﴿ في غير حديثٍ رخصةٌ في إنشاد الشعر في المسجد(٢). قلت: أما تناشدُ الأشعار في المسجد(٣) فاختلف في ذلك، فمن مانع مطلقاً، ومن مجيز مطلقاً. والأَوْلى التفصيل، وهو أن يُنظر إلى الشعر، فإن كان مما يقتضي الثناءَ على الله عزَّ وجلَّ، أو على رسوله ﴾، أو الذبَّ عنهما كما كان شعر حسان، أو يتضمن الحضَّ على الخير والوعظ، والزهد في الدنيا والتقّل منها، فهو حسن في المساجد وغيرها(٤)، كقول القائل: وذريني لستُ أبغي غير ربِّي أحدا طوِّفي يا نفسُ كي أقصدَ فرداً صمدا فما إنْ تجدي من دونه مُلتحدا(٥) فهو أُنْسي وجليسي ودعي الناس وما لم يكن كذلك لم يجز؛ لأنَّ الشعرَ في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزيين(٦) بالباطل، ولو سلم من ذلك، فأقل ما فيه اللّغْوُ والهَذَر(٧)، والمساجد مُنزَّهةٌ عن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٨) . وقد يجوز إنشاده في المسجد، كقول القائل: (١) في سننه ٢/ ١٤٢-١٤٤. (٢) منها ما أخرجه البخاري (٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥)، من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) عبارة: في المسجد. لم ترد في (م) و(د): أثبتناها من (ظ) ومن المفهم والكلام منه. (٤) المفهم ٤١٨/٦ . (٥) كذا في النسخ ولم نقف عليه. (٦) في (م) و(د): التزين، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المفهم. (٧) أي: الهذيان. الصحاح (هذر). (٨) المفهم ٤١٨/٦ . ٢٨٠ سورة النور: الآيات ٣٦ - ٣٨ تَعَلَّى النّدَى في متنه وتَحدّرا(١) كفَحْلِ العَدَابِ الفَرْدِ يضربُه النَّدَی وقول الآخر: رَعَيناه وإن كانوا غِضابَا(٢) إذا سقَطَ السماءُ بأرضٍ قومٍ فهذا النوع - وإن لم يكن فيه حَمْدٌ ولا ثناءٌ - يجوز؛ لأنَّه خالٍ عن الفواحش والكذب. وسيأتي ذكر الأشعار الجائزة وغيرِها بما فيه كفاية في ((الشعراء)) إن شاء الله تعالى(٣). وقد روى الدَّار قطنِيُّ من حديث هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذُكرَ الشِّعرُ عند رسول الله :﴿، فقال: ((هو كلامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ، وقبيحُه قبيحٌ)) (٤). وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وابن عباس عن النبيّ﴾. ذكره في ((السنن))(٥). قلت: وأصحاب الشافعيّ يأثرون هذا الكلام عن الشافعيّ وأنه لم يتكلم به غيره، وكأنهم لم يقفوا على الأحاديث في ذلك. والله أعلم. الثامنة: وأما رفعُ الصوت؛ فإن كان مما يقتضي مصلحةً للرَّافع صوته، دُعي عليه بنقيض قصده(٦)؛ لحديث بريدة المتقدّم(٧)، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: (١) البيت لابن أحمر الباهلي كما في أدب الكاتب ص٩٦، وتهذيب اللغة ٢٣٩/٢، والصحاح (عدب) وروايتهم: كثور العداب، بدل: كفحل العداب. والعداب: ما استرق من الرمل. الصحاح (عدب)، وقال ابن قتيبة: والعرب تسمي النبت ندى؛ لأنه بالمطر يكون. (٢) البيت لمعوّد الحكماء، معاوية بن مالك، كما في المفضليات ص٣٥٩ وروايته: إذا نزل السحاب، بدل: إذا سقط السماء. والبيت ورد أيضاً في أدب الكاتب ص٩٧، والأمالي ١/ ١٨١، وشرح ديوان الحماسة ١٤٣٢/٣. قال ابن قتيبة: يقولون للمطر: سماء؛ لأنه من السماء ينزل. (٣) عند تفسير الآية (٢٢٤) منها. (٤) سنن الدارقطني (٤٣٠٦) وفي إسناده عبد العظيم بن حبيب بن رغبان، قال الدارقطني: ليس بثقة كما في ((الميزان)) وتابعه عبد الرحمن بن ثابت عند أبي يعلى (٤٧٦٠)، والبيهقي ٢٣٩/١٠. (٥) برقم (٤٣٠٨)، (٤٣٠٩)، (٤٣١٠). (٦) المفهم ٢/ ١٧٤ . (٧) في المسألة السادسة.