Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ ((عُصْبَةٌ)) خبر ((إنَّ). ويجوز نصبُها على الحال، ويكون الخبر: ﴿لِكُلِّ امْرِيٍ مِنْهُم مَّا أَكْتَبَ مِنَ الْإِثْمِّ﴾(١). وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشةَ رضوانٌ الله عليها، وهو خبر صحيحٌ مشهور، أغنى اشتهارُه عن ذكره، وسيأتي مختصراً. وأخرجه البخاريُّ تعليقاً، وحديثه أتم؛ قال: وقال [أبو] أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة(٢). وأخرجه أيضاً عن محمد بن كثير، عن أخيه سليمان من حديث مسروق، عن أمِّ رُومان أمِّ عائشةَ أنها قالت: لمَّا رُميت عائشةُ خرَّتْ مَغْشًّا عليها(٣). وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال: حدثني مسروق بن الأجدع قال: حدثتني أمُّ رُومان - وهي أمُّ عائشة - قالت: بينا أنا قاعدةٌ أنا وعائشةُ، إذ وَلَجتِ امرأةٌ من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل(٤)، فقالت أمُّ رومان: وما ذاكٍ؟ قالت: ابني فيمن حدَّث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا. قالت عائشة: سمع رسولُ الله ﴾؟ قالت: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم. فخرَّت مغشيًّا عليها، فما أفاقت إلَّا وعليها حُمَّى بنافض(٥)، فطرحتُ عليها ثيابها فعّيتُها، فجاء النبيُّ ◌َ﴾ فقال: ((ما شأنُ هذه؟)). قلت: يا رسول الله، أخذتها الحُمَّى بنافض. قال: ((فلعلَّ في حديثٍ تُحُدِّثَ به)). قالت: نعم. فقعدت عائشة فقالت: والله لئن حلفتُ لا تُصدِّقوني، ولئن قلت لا تَعْذِروني(٦)، مَثَلي ومَثلُكُم كيعقوبَ وبَنِيه، واللهُ المستعان على ما (١) إعراب القرآن للنحاس ١٣٠/٣. (٢) صحيح البخاري (٤٧٥٧)، ووصله أحمد (٢٤٣١٧)، ومسلم (٢٧٧٠): (٥٨). وما سيأتي بين حاصرتين من هذه المصادر. (٣) صحيح البخاري (٤٧٥١)، وهو من طريق سليمان بن كثير، عن حصين، عن أبي وائل، عن مسروق، به . (٤) بعدها في (م): بفلان. (٥) أي: بِرِعْدة شديدة، كأنها نفضتها، أي: حركتها. النهاية (نفض). (٦) في (خ) و(د): لا تصدقونني ... لا تعذرونني. ١٦٢ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ تصفون. قالت: فانصرف ولم يقل شيئاً، فأنزل الله عُذْرَها. قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك(١). قال أبو عبد الله الحميدي(٢): كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول: الإرسال في هذا الحديث أبْيَن، واستدلَّ على ذلك بأن أمَّ رُومان تُوفِّيت في حياة رسول الله#، ومسروقٌ لم يشاهد النبيَّ # بلا خلاف(٣). وللبخاريّ(٤) من حديث عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مُلَيكة(٥) أن عائشةً كانت تقرأ: ((إذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)) (٦) وتقول: الوَلْق: الكذب. قال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم بذلك من غيرها؛ لأنه نزل فيها. قال البخاريُّ: وقال النعمان (٧) بن راشد عن الزهري: وكان حديث الإفك في غَزْوَة المُرَيْسِيعِ(٨). قال ابن إسحاق: وذلك سنةً ستٍّ(٩). وقال موسى بن عقبة: (١) صحيح البخاري (٤١٤٣)، وأخرجه أحمد أيضاً (٢٧٠٧٠). (٢) في الجمع بين الصحيحين ٣٠٨/٤ . (٣) ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح ٤٣٨/٧ أن الخطيب البغدادي هو القائل بالإرسال في هذا الحديث معتمداً بذلك على قول الواقدي: إن أمَّ رُومان ماتت في حياة النبي#. قال الحافظ ابن حجر: ولا تُتعقب الأسانيد الصحيحة بما يأتي عن الواقدي، ثم ذكر الحافظ رحمه الله أخباراً وأقوالاً تؤكد خطأ قول الواقدي وأن وفاة أمّ رُومان تأخرت عن وفاة النبي ﴾، وأن مسروقاً سمع من أمِّ رُومان، وحديث البخاري رحمه الله على الاتصال، وليس ثمة انقطاع بين مسروق وأمّ رُومان كما ذكر الخطيب البغدادي ومن تبعه على ذلك. (٤) برقم (٤١٤٤). (٥) في (م) و(خ) و(د) و(ز): عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، وهو خطأ، وفي (ظ): عبد الله بن أبي مليكة، (نُسب فيها إلى جدّه)، والمثبت من صحيح البخاري وكتب التراجم. (٦) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب ١٠٤/٢ . (٧) في (م) والنسخ الخطية: معمر، والمثبت من صحيح البخاري قبل حديث (٤١٣٨)، والجمع بين الصحیحین ٣٠٨/٤ والكلام منه. (٨) صحيح البخاري قبل حديث (٤١٣٨)، وقول الزهري وصله الجَوْزَقي - كما في فتح الباري ٤٣٠/٧ -، والبيهقي في الدلائل من طريق حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، ومعمر عن الزهري، عن عائشة رضي الله عنها اهـ وينظر تغليق التعليق ١٢٣/٤. (٩) صحيح البخاري، وابن هشام في السيرة النبوية ٢/ ٢٩٧ . ١٦٣ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ سنة أربع(١). وأخرج البخاريُّ من حديث مَعْمَر عن الزُّهريِّ قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: أَبَلَغك أن عليًّا كان فيمن قَذَف؟ قال: قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك - أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن وأبو بكر بنُ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - أن عائشة قالت لهما: كان عليُّ مُسَلَّمَاً في شأنها(٢). وأخرجه أبو بكر الإسماعيليُّ في كتابه ((المخرج على الصحيح)) من وجه آخرَ من حديث مَعْمَر عن الزهري، وفيه: قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال: الذي تولَّى كِبْرَه منهم عليُّ بن أبي طالب؟ فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيِّب وعُروةٌ وعلقمةُ وعبيدُ الله بنُ عبد الله بن عتبةَ كلَّهم يقول: سمعت عائشة تقول: والذي تولَّى كِبْرَه: عبدُ الله بن أُبَيِّ(٣). وأخرج البخاري أيضاً من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَءُ مِنْهُمْ﴾ عبدُ الله بن أُبَيِّ(٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿بَلْإِفْكِ﴾ الإفك: الكذب، والعصبةُ ثلاثةُ رجال، قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: من الثلاثة إلى العشرة(٥). ابن عيينة: أربعون رجلاً(٦). مجاهد: (١) صحيح البخاري قبل حديث (٤١٣٨)، قال ابن حجر في فتح الباري ٧/ ٤٣٠ : كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس، فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم، وأبو سعيد النيسابوري، والبيهقي في الدلائل [٤٥/١] وغيرهم: سنة خمس ... اهـ وينظر تغليق التعليق ١٢٣/٤ . (٢) صحيح البخاري (٤١٤٢)، وقوله: كان علي مسلَّماً في شأنها، أي: سالماً لم يُبْدِ بشيء من أمرها، ويروى بكسر اللام، أي: مسلِّماً للأمر، والفتح أشبه، أي: أنه لم يقل فيها سوءاً. النهاية (سلم). (٣) نقله المصنف عن الإسماعيلي بواسطة أبي عبد الله الحميدي في الجمع بين الصحيحين ١٢٤/٤-١٢٥ . (٤) صحيح البخاري (٤٧٤٩)، وأخرجه - أيضاً - أحمد (٢٥٦٢٣)، ومسلم (٢٧٧٠): (٥٦) مطولاً. (٥) أخرج قولي ابن عباس الطبري ٣١٦/١٨ . (٦) ذكر هذا القول المرتضى الزبيدي في تاج العروس (عصب) ولم ينسبه. ١٦٤ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ مِن عَشَرة إلى خمسةَ عشَر(١). وأصلُها في اللغة وكلام العرب: الجماعةُ الذين يَتَعصَّب بعضهم لبعض(٢). والخيرُ حقيقتُه ما زاد نفعُه على ضَرِّه. والشرُّ ما زاد ضَرُّه على نفعه. وإنَّ خيراً لا شرَّ فيه هو الجنة. وشرًّا لا خيرَ فيه هو جهنم. فأمَّا البلاءُ النازلُ على الأولياء فهو خير؛ لأن ضرره من الألم قليلٌ في الدنيا، وخيرَه هو الثواب الكثير في الآخرة (٣). فتبَّه الله تعالى عائشةً وأهلها وصَفْوان، إذ الخطاب لهم في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ غَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لرُجحان النفع والخير على جانب الشَّر. الثالثة: لمَّا خرج رسول الله ﴿ بعائشةَ معه في غَزْوة بني المُصْطَلِقِ - وهي غزوة المُرَيْسِيع - وقَفَل ودنا من المدينة، آذَن ليلةً بالرَّحيل، قامت حين آذَنوا بالرَّحيل، فمشت حتى جاوزت الجيش، فلمَّا فرغت من شأنها، أقبلت إلى الرَّحْل، فلمستْ صدرها، فإذا عِقدٌ من جَزْعِ ظَفَارِ (٤) قد انقطع، فرجعتْ فالتمستْه، فحبسها ابتغاؤه، فوجدته وانصرفتْ فلم تجد أحداً، وكانت شابَّة قليلةَ اللَّحم، فرفع الرجال هَوْدَجها ولم يشعروا بزوالها منه، فلمَّا لم تجد أحداً، اضطجعت في مكانها رجاءً أن تُفتقَد فيُرجع إليها، فنامت في الموضع، ولم يُوقظها إلا قولُ صَفْوانَ بنِ المُعَظَّل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وذلك أنه كان تَخَلَّف وراء الجيش لحِفْظ الساقة(٥). وقيل: إنها استيقظت لاسترجاعه، ونزل عن ناقته، وتنحّی عنها حتى ركبت (١) تفسير مجاهد ٤٨٩/٢، وأخرجه الطبري ٣١٦/١٨. (٢) ينظر مفردات ألفاظ القرآن (عصب). (٣) في (م) و(خ) و(د) و(ز): الأخرى، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤١/٣ - ١٣٤٢ والكلام منه. (٤) الجَزْع بالفتح: الخَرَز اليماني، الواحدة جَزْعة. النهاية (جزع). وظَفَّار مدينة باليمن في موضعين، إحداهما قرب صنعاء، وهي التي ينسب إليها الجَزْع الظَّفاري وبها كان مسكن ملوك حمير. معجم البلدان ٦٠/٤ . (٥) هي مؤخَّر الجيش. ١٦٥ سورة النور: الآيات ١١ -٢٢ عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيشَ في نَحْر الظَّهِيرة، فوقع أهل الإفك في مقالتهم، وكان الذي يُجتمَع إليه فيه ويَسْتَوْشِيهِ (١) ويُشْعلُه(٢) عبدُ الله بنُ أُبَيِّ ابنِ سَلُول المنافق، وهو الذي رأى صفوان آخذاً بزمام ناقة عائشة، فقال: والله ما نجتْ منه ولا نجا منها(٣)، وقال: امرأةُ نبيِّكم باتت مع رجل. وكان مِن قالته حسان بن ثابت، ومِسْطِحُ بن أُثَاثة، وحَمْنَةُ بنت جَحْش. هذا اختصار الحديث، وهو بكماله وإتقانه في البخاريِّ ومسلم، وهو في مسلم أكمل (٤). ولمَّا بلغ صَفْوانَ قولُ حسان في الإفك، جاء فضربه بالسيف ضربةً على رأسه، وقال: تَلَقَّ ذُبابَ السيف عني فإنني غلامٌ إذا هُوجِيتُ ليس بشاعرٍ فأخذ جماعةٌ صفوان(٥) ولَبَّبُوه(٦) وجاؤوا به إلى رسول الله ﴾، فأهدر رسول الله # جُرْحَ حسان، واستوهبه إيَّاهُ(٧). وهذا يدلُّ على أن حسان ممن تَوَلَّى الكِبْر، على ما يأتي، والله أعلم. وكان صفوان هذا صاحبَ ساقة رسول الله:8# في غزواته لشجاعته، وكان من خيار الصحابة. وقيل: كان حَصُوراً لا يأتي النساء. ذكره ابن إسحاق من طريق (١) أي: يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يُفشيه ويشيعه ويحركه. صحيح مسلم بشرح النووي ١١٦/١٧ . (٢) في (د) و(ظ): ويستوشيه ويشغله، وفي (ظ): وينشره ويشيعه، والمثبت من (خ) و(م). (٣) في (ز) و(ظ): وما نجا منها. (٤) صحيح البخاري (٤١٤١)، وصحيح مسلم (٢٧٧٠): (٥٦)، وهو في مسند أحمد أيضاً (٢٥٦٢٣). (٥) في (م) و(خ) و(د) و(ز): حسان، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٦٩/٤ والكلام منه. (٦) أي جمعوا ثيابه عند نحره، ثم جرُّوه. ينظر القاموس (لبب). (٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١٤/٢٣ (١٥١) مطولاً، والحاكم في المستدرك ٥١٩/٣ عن عائشة رضي الله عنها بنحوه. وجاء عند الطبراني والحاكم: تلق ذباب السيف مني ... بدل : ... عني. وينظر السيرة النبوية لابن هشام ٣٠٤/٢ - ٣٠٥ . ١٦٦ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ عائشة(١). وقيل: كان له ابنان، يدلُّ على ذلك حديثُه المرويُّ مع امرأته، وقولُ النبيِّ # في ابنيه: ((لهما أَشْبِهُ به من الغراب بالغراب))(٢). وقولُه في الحديث: والله مَا كَشَفْتُ كَتَف أنثى قطُ(٣)، یرید بزنّی. وقُتِل شهيداً ﴾ في غزوة أرمِينِيَة سنة تسعَ عَشْرة في زمان عمر، وقيل: ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية. الرابعة: قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَمْرٍِ مِنْهُمْ مَا أَكْتَبَ مِنَ الْإِثْرِّ﴾ يعني: ممن تَكلَّم بالإفك. ولم يُسَمَّ من أهل الإفك إلا حسانُ ومِسْطَحُ وحَمْنُ وعبدُ الله، وجُهِل الغیر، قاله عروة بن الزبير، وقد سأله عن ذلك عبدُ الملك بن مروان، وقال: ألا إنهم كانوا ◌ُضْبة، كما قال الله تعالى(٤). وفي مصحف حَقْصة: ((عُضْبة أربعة))(٥). الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِ تَوَلَّى كِبْرَمُ مِنْهُمْ﴾ وقرأْ حُميد الأعرج(٦) ويعقوب: (كُبْرَه)) بضم الكاف(٧). قال الفراء: وهو وجه جيِّدٌ؛ لأن العرب تقول: فلان تولَّى (١) السيرة النبوية ٣٠٦/٢، ونقله المصنف بواسطة المحرر الوجيز ١٦٩/٤، وما قبله منه ص١٦٨ . (٢) المحرر الوجيز ١٦٩/٤ وما سيأتي منه، ولم نقف على الحديث. وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤٦٢/٨ وقال: لم أقف على مستند القرطبي في ذلك. اهـ وذكر ابن حجر ما يفيد أن المقول فيه ذلك غير صفوان . وقد وقع هذا اللفظ عند البخاري (٥٨٢٥) في حق عبد الرحمن بن الزَّبير القرظي وابنيه . (٣) هو قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (٢٤٣٧١)، والبخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠): (٥٧) و(٥٨) من حديث عائشة. والكتف هو الثوب هنا، وأصله الساتر، وهو كناية عن الجماع. أقسم أنه ما جامع امرأة قط، وكأنه لم يكن له أرب في النساء، والله تعالى أعلم. المفهم ٣٧٨/٧. (٤) المحرر الوجيز ١٦٩/٤، وأخرجه الطبري ١٧/ ١٩٠ بنحوه وورد قول عروة أيضاً في حديث عائشة المذكور آنفاً. (٥) لم نقف على هذه القراءة. (٦) في (د) و(ظ): حميد والأعرج، والمثبت من (خ) و(ز) و(م) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ١٣٠/٣ والكلام منه، وحميد هو ابن قيس الأعرج. (٧) قراءة حميد في القراءات الشاذة ص١٠١، والمحتسب ١٠٣/٢ - ١٠٤، وقراءة يعقوب - وهو من العشرة - في النشر ٣٣١/٢. ١٦٧ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ عُظْم كذا وكذا، أي: أَكْبَره(١). رُويَ عن عائشةَ أنه حسَّان، وأنها قالت حين عَميَّ: لعلَّ العذابَ العظيم الذي أوعده الله به ذهابُ بصره. رواه عنها مسروق(٢). ورُويَ عنها أنه: عبدُ الله بن أبيٍّ، وهو الصحيح. وقاله ابن عباس(٣). وحكى أبو عمر بن عبد البر(٤) أن عائشةَ برَّأت حسان من الفِرْية، وقالت: إنه لم يقل شيئاً. وقد أنكر حسان أن يكون قال شيئاً من ذلك في قوله: وتُصبح غَرْثَى من لُحُومِ الغَوافِلِ (٥) حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ برِيبَةٍ نَبِيِّ الهُدَى والمَكْرُمَات الفواضلِ حَلِيلةُ خيرِ الناسِ دِيناً ومَنْصِباً كرامِ المساعي مَجْدُها(٧) غيرُ زائلٍ عَقِيلةُ حَيٍّ (٦) من لُؤَيِّ بن غالبٍ وطهَّرها من كلِّ شَيْن وباطلٍ(٨) مُهَذَّبةٌ قد طَيَّب الله خِيمَها (١) معاني القرآن للفراء ٢٤٧/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٣٠/٣ وجاء عندهما: أكثره، بدل: أكبره، قال النحاس: والذي جاء به لا حجة فيه؛ لأنه قد يكون الشيء بمعنى الشيء والحركة فيها مختلفة. (٢) هو بنحوه عند البخاري (٤١٤٦) و(٤٧٥٥)، ومسلم (٢٤٨٨). (٣) سلف قول عائشة في آخر المسألة الأولى، وأما قول ابن عباس فقد أخرجه الطبري ١٧/ ١٩٠، والطبراني ١٣٧/٢٣ (١٨١). (٤) في الاستيعاب بهامش الإصابة ٢٤/٣ - ٢٥، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي العباس في المفهم ٦/ ٤٢٢. (٥) الحصان: هنا العفيفة. والرَّزَان: الملازمة موضعها التي لا تتصرف كثيراً. ما تُزَنُّ، أي: ما تُتَّهم. وغَرْثى، أي: جائعة. والغوافل جمع غافلة، ومعنى هذا الكلام أنها كافّة عن أعراض الناس. الإملاء المختصر في شرح غريب السير ٤٣/٣ - ٤٤ وما سيأتي من شرح الغريب منه. (٦) جاء في الاستيعاب بهامش الإصابة ١٣/ ٩٠: عقيلة أصل، والعقيلة: الكريمة. (٧) جاء في الاستيعاب، والسيرة النبوية ٣٠٦/٢: مجدهم، بدل: مجدها. والمساعي جمع مَسْعاة: وهو ما يُسعى فيه من طلب المجد والمكارم. (٨) جاء في الاستيعاب: بغي بدل قوله: شين، وفي ديوان حسان ص٣٨١ والسيرة النبوية والمعجم الكبير ١١٦/٢٣: سوء. وقوله: مهذَّبة، أي: صافية مخلّصة. والخِيمُ: الطَّع والأصل. ١٦٨ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ فلا رفعَتْ سَوْطي إليَّ أناملي فإن كان ما بُلِّغْتِ عنِّيَ قلتُه(١). لآل رسول الله زَيْنِ المحافلِ فكيف ووُدِّي ما حَبِيتُ ونُصْرتي تقاصَرُ عنها سَوْرةُ المتطاولِ(٢) له رُتَبٌّ عالٍ على الناس فضلُها وقد رُويَ أنه لمَّا أنشدها: حَصانٌ رَزانٌ، قالت له: [لكنَّك] لستَ كذلك، تريد أنك وقعت في الغوافل(٣). وهذا تَعارُض، ويمكن الجمع بأن يقال: إن حساناً لم يقل ذلك نصًا وتصريحاً، ويكون عرَّض بذلك وأَوْمأ إليه، فنُسِب ذلك إليه، والله أعلم (٤). وقد اختلف الناس فيه، هل خاض في الإفك أم لا؟ وهل جُلِد الحدَّ أم لا؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان(٥)، وهي المسألة: السادسة: فروى محمد بنُ إسحاق(٦) وغيرُه أن النبيَّ ﴾ جَلَد في الإفك رجلين وامرأة: مِسْطَحاً وحسَّان وحَمْنَة. وذكره الترمذي(٧). وذكر القُشَيريُّ عن ابن عباس قال: جلد رسول الله ﴿ ابنَ أَبَيِّ ثمانين جلدة، وله في الآخرة عذابُ النار(٨). قال القُشَيْري: والذي ثبت في الأخبار أنه ضرب ابنَ أُبَيِّ وضرب حسان وحَمْنة، وأمَّا مِسْطح، فلم يثبت عنه قذفٌ صريح، ولكنه كان يسمع (١) في (م): أني، بدل: عني وجاء هذا الشطر في الاستيعاب بلفظ: فإن كان ما قد قيل عنديَ قلته. وفي الديوان والسيرة النبوية: فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم. (٢) قوله: السَّورة - بفتح السين - الوَتْبة، ويضم السين: المنزلة، والبيت الأول سلف ١٩٨/٦، وذكرت هذه الأبيات كلُّها في ديوان حسان ص ٣٨٠ - ٣٨١، والسيرة النبوية ٣٠٦/٢ وليس فيه البيت الثاني، والاستيعاب بهامش الإصابة ٩٠/١٣ دون البيت الثاني والأخير. وأخرجها كلَّها الطبراني في الكبير ١١٦/٢٣ (١٥١) في حديث طويل عن عائشة رضي الله عنها. (٣) المحرر الوجيز ١٦٩/٤ وما بين حاصرتين منه، ومن صحيح البخاري (٤١٤٦)، ومسلم (٢٤٨٨). (٤) المفهم ٦/ ٤٢٢ . (٥) المفهم ٦/ ٤٢٢ . (٦) كما في السيرة النبوية ٣٠٢/٢، ونقله المصنف بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ١٣٤٢/٣. (٧) في سننه (٣١٨١) من حديث عائشة رضي الله عنها، ولم يُسمَّ فيه الرجلان والمرأة. (٨) أخرجه الحاكم في الإكليل كما في فتح الباري ٤٧٩/٨ . ١٦٩ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ ويُشيع من غير تصريح(١). قال الماورديُّ(٢) وغيرُه: اختلفوا هل حَدَّ النبيُّ :﴿ أصحابَ الإفك، على قولين: أحدُهما: أنه لم يَحُدَّ أحداً من أصحاب الإفك؛ لأن الحدود إنما تُقام بإقرار أو بيِّنة، ولم يتعبَّده الله أن يُقيمها بإخباره عنها، كما لم يتعبَّده بقتل المنافقين، وقد أخبره بكفرهم. قلت: وهذا فاسدٌ مخالفٌ لنصِّ القرآن، فإن الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلَّذِينَ يَزَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ﴾ أي: على صِدْق قولهم ﴿فَأَجْلِّدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً﴾. والقول الثاني: أن النبيَّ :﴿ حدَّ أهل الإفك: عبد الله بنَ أُبَيِّ، ومِسْطِحَ بن أُثَائة، وحسَّانَ بن ثابت، وحَمْنَةَ بنت جحش، وفي ذلك قال شاعر من المسلمين: وحَمْنَةُ إذ قالوا هجيراً(٣) ومِسْطَحُ لقد ذاق حسَّانُ الذي كان أهله كما خاض في إفكٍ من القول يُفْصِح وإِبنُ سَلُولٍ ذاق في الحَدِّ خِزْیةً وسخطةَ ذي العرش الكريم فأُبْرِحوا(٥) تعاطَوْا برجم(٤) الغيب زَوْجَ نبيِّهم مخازِيَ تبقى عُمِّمُوها وفُضِّحوا وآذَوْا رسولَ الله فيها فَجُلِّلُوا شآبيبُ قَظْرٍ من ذُرَى المُزْن تَسْفَحُ(٧) وصُبَّتْ(٦) عليهم مُخْصَداتٌ كأنها (١) لم نقف على هذا الخبر. (٢) في النكت والعيون ٨١/٤ - ٨٢. ولفظة: وغيره، ليست في (د) و(ظ) و(ف). (٣) قوله: هجيراً: الهَجِير الهُجْر هنا وهو القول الفاحش القبيح. الإملاء المختصر ٤٤/٣ - ٤٥، وما سيأتي من شرح الغريب منه. (٤) قوله: برجم، الرجم الظَّن هنا. (٥) قوله: فأُبْرِحوا، من البَرْح، وهو المشقّة والشِّدة. وجاء في السيرة النبوية ٣٠٧/٢، وتاريخ المدينة ٣٤٧/١، والمعجم الكبير ١١٧/٢٣: فأُتْرِحوا، بالتاء، أي: أُخْزِنوا من الثَّرَح وهو الحُزْن. (٦) في (م) و(د): فَصُبَّ، وفي (خ) و(ز) والنكت والعيون: فَصُبَّت، والمثبت من (ظ) والسيرة النبوية وتاريخ المدينة. (٧) قوله: محصدات: يعني سياطاً محكمة الفَتْل شديداتٍ. والشآبيب: جمع شُؤْبوب، وهي الدُّفْعة من = ١٧٠ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ قلت: المشهورُ من الأخبار، والمعروف عند العلماء، أن الذي حُدَّ: حسانُ ومِسْطحٌ وحَمْنةُ، ولم يُسمع بحدٍّ لعبد الله بن أُبَيّ. روى أبو داود عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: لمَّا نزل عُذْري، قام النبيُّ :﴿ فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلمّا نزل من المنبر، أمر بالرجلين والمرأة فضُرِبوا حذَّهم(١). وسمَّاهم: حسَّان بن ثابت، ومِسْطح ابن أُثاثة، وحَمْنة بنت جحش(٢). وفي كتاب الطحاوي: ((ثمانين ثمانين)). قال علماؤنا: وإنما لم يُحدَّ عبدُ الله بنُ أَبَيِّ، لأن الله تعالى قد أعدَّ له في الآخرة عذاباً عظيماً، فلو حُدَّ في الدنيا، لكان ذلك نَقْصاً من عذابه في الآخرة، وتخفيفاً عنه، مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشةَ رضي الله عنها، وبِكَذِب كلِّ مَن رماها، فقد حصلت فائدةُ الحدِّ، إذ مقصودُه إظهارُ كَذِب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِلُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾. وإنما حُدَّ هؤلاء المسلمون؛ ليُكَفَّر عنهم إثمُ ما صَدَر عنهم من القذف، حتى لا يبقى عليهم تَبِعةٌ من ذلك في الآخرة، وقد قال: ﴿ في الحدود: ((إنها كفارةٌ لمن أقيمت عليه))(٣)، كما في حديث عُبَادةَ بنِ الصامت. ويحتمل أن يُقال: إنما ترك حَدَّ ابنٍ أُبَيِّ استئلافاً لقومه، واحتراماً لابنه، وإطفاءً الثائرة الفتنة المتوقّعة من ذلك، وقد كان ظَهَر مبادئُها من سعد بن عُبَادةً ومن قومه، = المطر. والذُّرى: الأعالي. والمُزْن: السحاب. وتسفح: أي: تسيل. وأورد هذه الأبيات الماوردي في النكت والعيون ٨١/٤ - ٨٢، وابن هشام في السيرة النبوية ٣٠٧/٢ ولم يذكر البيت الثاني، وابن شبَّة في تاريخ المدينة ٣٤٧/١. وأورد البيت الأول والثالث والخامس الطبراني في المعجم الكبير ١١٧/٢٣، وجاء عنده الشطر الأول من البيت الأول بلفظ: لقد كان عبد الله ما كان أهله. (١) سنن أبي داود (٤٤٧٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٠٦٦)، والترمذي (٣١٨١)، وابن ماجه (٢٥٦٧) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق. (٢) المفهم ٣٧٩/٧ والكلام إلى آخر المسألة منه، والحديث أخرجه أبو داود (٤٤٧٥) من طريق محمد بن إسحاق ... عن عمرة مرسلاً. (٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، لكن سلف ٧/ ٤٢ بنحوه، وفيه: تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا ... ومن أصاب شيئاً من ذلك، فعوقب به، فهو كفارة له. ١٧١ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ كما في صحيح مسلم(١). والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: ﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ هذا عتابٌ من الله سبحانه تعالى للمؤمنين في ظنّهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا. قال ابن زيد: ظنَّ المؤمنون أن المؤمن لا يَفْجُر بأمِّه(٢). قاله المَهْدَوِي. و((لولا)) بمعنى هَلَّا(٣). وقيل: المعنى: أنه كان ينبغي أن يَقيس فُضَلاءُ المؤمنين والمؤمنات الأمرَ على أنفسهم، فإن كان ذلك يَبْعد فيهم، فذلك في عائشةَ وصفوانَ أبعد(٤). ورُويَ أن هذا النظرَ السَّديد وقع من أبي أيوب الأنصاريِّ وامرأتِه، وذلك أنه دخل عليها فقالت له: يا أبا أيوب، أسمعتَ ما قيل؟ فقال: نعم، وذلك الكذبُ، أكنتِ أنت يا أمَّ أيوب تفعلين ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فعائشةُ واللهِ أفضلُ منك، قالت أمُّ أيوب: نعم(٥). فهذا الفعلُ ونحوُه هو الذي عاتب الله تعالى عليه المؤمنين إذ لم يفعله جمیعهم. الثامنة: قوله تعالى: ﴿يأَنفُسِهِمْ﴾ قال النحاس(٦): معنى ((بأنفسهم)): بإخوانهم. (١) برقم (٢٧٧٠): (٥٦) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: فقال رسول الله﴾: ((مَن يعذِرُني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي ... فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ... قالت: فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكن اجتهلته الجاهلية - فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله ... فثار الحيَّان الأوس والخزرج ... )) وأخرجه - أيضاً - أحمد (٢٤٣١٧)، والبخاري (٢٦٦١). (٢) تفسير الرازي ١٧٧/٢٣. (٣) النكت والعيون ٤/ ٨٠ . (٤) المحرر الوجيز ١٧٠/٤ وما سيأتي منه، وفيه: وإذا كان ذلك يبعد فيهم، فكانوا يقضون بأنه من صفوان وعائشة أبعد لفضلهما. (٥) أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية ٢/ ٣٠٢، وابن راهويه في مسنده (١٦٩٨)، والطبري ٢١٢/١٧. (٦) في إعراب القرآن ١٣٠/٣. ١٧٢ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ فأوجب الله على المسلمين إذا سمعوا رجلاً يقذف أحداً، ويذكُرُه بقبيح لا يعرفونه به، أن يُنكِروا عليه ويُكَذِّبوه. وتواعد (١) مَن ترك ذلك ومَن نقله. قلت: ولأجل هذا قال العلماء: إن الآية أصلٌ في أنَّ درجة الإيمان التي حازها الإنسان، ومنزلةَ الصَّلاح التي حلَّها المرء(٢)، ولُيسةَ العفاف التي يستتر بها المسلم، لا يُزيلها عنه خبرٌ محتمِلٌ وإن شاع، إذا كان أصله فاسداً أو مجهولاً. التاسعة: قوله تعالى: ﴿لَّوْلَا جَآَمُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءُ﴾ هذا توبيخٌ لأهل الإفك. و(لولا)) بمعنى هلًّا، أي: هلَّا جاؤوا بأربعة شهداءَ على ما زعموا من الافتراء. وهذا ردٌّ على الحكم الأوَّل، وإحالةٌ على الآية السابقة في آية القذف(٣). العاشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِلِتُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ أي: هم في حكم الله كاذبون. وقد يَعجِز الرجل عن إقامة البينة وهو صادقٌ في قذفه، ولكنه في حكم الشرع وظاهرِ الأمر كاذبٌ، لا في علم الله تعالى، وهو سبحانه إنما رتَّبَ الحدود على حكمه الذي شَرَعه في الدنيا، لا على مقتضى علمه الذي تَعلَّق بالإنسان على ما هو عليه، فإنما يُبنى على ذلك حكمُ الآخرة. قلت: ومما يقوِّي هذا المعنى ويَعْضُده ما خرَّجه البخاريُّ(٤) عن عمرَ بنِ الخطاب أنه قال: أيُّها الناسُ، إنَّ الوَحْيَ قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فَمَن أظهر لنا خيراً أمِنَّاه وقرَّبناه، وليس لنا من سريرته شيءٌ، اللهُ يحاسبه في سريرته، ومَن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه(٥) ولم نصدِّقه، وإنْ قال إنَّ سريرته (١) في (ز): ويواعد، وفي (ظ): وتوغَّد. والمثبت من باقي النسخ وإعراب النحاس. (٢) في (م): المؤمن، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٣/٣ والكلام منه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٣/٣، والمسألة الآتية منه. (٤) برقم (٢٦٤١)، وسلف ٣٨٣/٣ . (٥) في (م): نؤمنه. ١٧٣ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ حسنة. وأجمع العلماء أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن السرائرَ إلى الله عزَّ وجلَّ(١). الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ((فَضْلُ)) رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبرُ محذوفٌ لا تُظهِره العرب. وحُذِف جوابُ ((لولا))؛ لأنه قد ذُكر مثلُه بعدُ، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لمسَّكم - أي: بسبب ما قلتم في عائشةَ - عذابٌ عظيم في الدنيا والآخرة(٢). وهذا عتابٌ من الله تعالى بليغٌ، ولكنه برحمته سَتَر عليكم في الدنيا، ويرحمُ في الآخرة مَن أتاه تائباً. والإفاضة: الأخذُ في الحديث، وهو الذي وقع عليه العتاب(٣)، يُقال: أفاض القوم في الحديث، أي: أخذوا فيه. الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ قراءةُ محمدِ بنِ السَّمَيْفَع بضم التاء وسكون اللام وضمِّ القاف، من الإلقاء(٤)، وهذه قراءةٌ بيِّنة. وقرأ أُبَيُّ وابن مسعود: ((إذا تَتَلقَّونه)) من التََّقِّي، بتاءين(٥). وقرأ جمهور السبعة بحذف(٦) التاء الواحدة، وإظهارِ الذَّال دون إدغام، وهو (٧) أيضاً من التََّقِّي. وقرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ بإدغام الذَّال في التاء(٨). (١) التمهيد ١٠/ ١٥٧. (٢) حقُّ هذا الكلام أن يُذكر في تفسير الآية (١٠) قبل آية الإفك. وهو في إعراب القرآن للنحاس ١٢٩/٣، وينظر الوسيط ٣١١/٣، وتفسير الرازي ١٧٩/٢٣. (٣) المحرر الوجيز ١٧١/٤. (٤) المحتسب ١٠٤/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠٠ ولم ينسبها. (٥) المحرر الوجيز ١٧١/٤ ووقع في مطبوعه : ... (إذ تتلقونه)) بضم التاء، وهو خطأ. وذكر هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠٠ ونسبها لأُتِيٍّ فقط. ا (٦) في (م): بحرف. (٧) في (م): وهذا. (٨) وكذلك، قرأ ابن عامر في رواية هشام. السبعة ص ٤٥٣ - ٤٥٤، والتيسير ص٤٢. ١٧٤ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ وقرأ ابن كثير بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء(١)، وهذه قراءةٌ قَلِقة؛ لأنها تقتضي اجتماعَ ساكنين، وليست كالإدغام في قراءة مَن قرأ: ((فلا تناجَوْا))(٢) [المجادلة: ٩]، ﴿وَلَا تَنَابُواْ﴾(٣) [الحجرات: ١١] لأن دونه الألفَ الساكنةَ، وكونها حرفَ لين حَسُنت هنالك ما لا تحسن مع سكون الذَّال. وقرأ ابن يَعْمَر وعائشةُ رضي الله عنهما - وهم أعلمُ الناس بهذا الأمر -: ((إذ تَلِقُونه)) بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف(٤)، ومعنى هذه القراءة مِن قول العرب: وَلَق الرجلُ یَلِق وَلْقاً: إذا گذَبَ واستمر علیه، فجاؤوا بالمتعدِّي شاهداً على غير المتعلِّي. قال ابن عطية(٥): وعندي أنه أراد: إذ تَلِقُون فيه، فَحَذف حرفَ الجر، فاتصل الضمير. وقال الخليل وأبو عمرو: أصل الوَلْق: الإسراع، يقال: جاءت الإبل تَلِقٍ، أي: تُسرع(٦). قال: جاؤوا بأسراب من الشأم وَلِقْ لمّا رأوا جيشاً عليهم قد طَرَقْ جاءت به عَنْسٌ من الشامِ تَلِقْ(٧) إِنَّ الحُصَيْن زَلِقٌ وزُمَّلِقْ (١) التيسير ص٤٢ . (٢) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥٣ لابن محيصن، قال: ثم رجع. (٣) قرأ ابن كثير في رواية البزِّيّ وصلاً بتشديد التاء مع المدّ المشبع لالتقاء الساكنين . (٤) المحتسب ١٠٤/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٠٠ لعائشة فقط، وسلف ذكرها في المسألة الأولى . (٥) في المحرر الوجيز ١٧١/٤ وما قبله منه. (٦) العين للخليل ٢١٤/٥، والصحاح (ولق). (٧) البيت الثاني للشماخ بن ضرار الذبياني، وهو في ديوانه ص٤٥٢ - ٤٥٣، وفيه: إن الجليد، بدل: إن الحصين. وكذا جاء في معاني القرآن للفراء ٢٤٨/٢، وتفسير الطبري ٢١٦/١٧ ولم ينسباه. وجاء في الصحاح (ولق)، ولسان العرب (زلق) كرواية المصنف، قال ابن منظور: وصوابه: إن الجليد، وهو الجليد الكلابي. اهـ وقوله: عنس، العَنْس: الناقة الصلبة. لسان العرب (عنس). ولم نقف على الأول. ١٧٥ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ يقال: رجلٌ زَلِقٌ وزُمَلِقٍ، مثالُ: هُدَبِد(١)، وزُمَالِقِ وزُمَّلِقٍ - بتشديد الميم - وهو الذي يُنْزِل قبل أن يُجامع، قال الراجز: إنّ الحُصين زَلِق وزُمَّلِق(٢) والوَلْق أيضاً: أخفُّ الطّعن. وقد وَلَقه يَلِقه وَلْقاً. يقال: وَلَقه بالسيف وَلَقاتٍ، أي: ضربات(٣)، فهو مشترك. الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُمْ﴾ مبالغةٌ وإلزامٌ وتأكيد. والضمير في (تَحْسَبُونَهُ)) عائدٌ على الحديث، والخوضِ فيه، والإذاعةِ له (٤). و﴿مَيِّنَا﴾ أي: شيئاً يسيراً لا يَلْحقكم فيه إثم. ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ﴾ في الوزر ﴿عَظِيمٌ﴾. وهذا مِثلُ قوله عليه الصلاة والسلام في حديث القَبْرَين: ((إنهما لَيُعَذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير)»(٥) أي: بالنسبة إليكم. الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنْآَ أَنْ تَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ آلآینِ وَاللّهُ علیمُ حَكِيمُ﴾ عتابٌ لجميع المؤمنين، أي: كان ينبغي علیکم أن تُنكِروه، ولا يتعاطاه بعضُكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، وأن تُنَزِّهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيِّه عليه الصلاة والسلام، وأن تَحكُموا على هذه المقالة بأنها بُهتان. وحقيقةُ البُهتان: أن يُقال في الإنسان ما ليس فيه، والغِيبة: أن يُقال في الإنسان ما فيه (٦). وهذا المعنى قد جاء في صحيح الحديث عن النبيِّ ﴾(٧). (١) هو اللَّبن الخاثر جداً. القاموس (هدد). (٢) الصحاح (زلق). (٣) الصحاح (ولق) (٤) المحرر الوجيز ١٧١/٤ . (٥) ٨٩/١٣ - ٩٠. (٦) المحرر الوجيز ١٧١/٤ . (٧) أخرجه مسلم (٥٢٨٩)، وأحمد (٧١٤٦) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف ١٢٢/٧. ١٧٦ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة. و((أنْ)) مفعولٌ من أجله، بتقدير: كراهيةَ أنْ، ونحوه(١). الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ توقيفٌ وتأكيد(٢)، كما تقول: ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلاً. السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبْدًا﴾ يعني: في عائشة(٣)؛ لأن مثله لا يكون إلَّا نظيرَ القول في المقُول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبيِّ﴾؛ لِمَا في ذلك من إذاية رسول الله ﴿ في عِرْضه وأهله، وذلك كفرٌ من فاعله(٤). السابعة عشرة: قال هشام بن عمار: سمعت مالكاً يقول: مَن سَبَّ أبا بكر وعمرَ أُدِّب، ومَن سبَّ عائشة قُتِل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَعِظُّكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ- أَبَدًا إِن كُثُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾، فمن سَبَّ عائشة فقد خالف القرآن، ومَن خالف القرآن قُتِل(٥). قال ابن العربي(٦): قال أصحاب الشافعيِّ: مَن سبَّ عائشة رضي الله عنها أُدِّبَ كما في سائر المؤمنين، وليس قوله: ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ في عائشة [لأن ذلك] كفرٌ، وإنما هو كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يُؤْمِنُ مَن لا يَأْمنُ جارُه بوائقَه))(٧). ولو كان سلبُ الإيمان في سبِّ مَن سبَّ عائشةَ حقيقةً، لكان سلبُه في قوله: ((لا يزني (١) المحرر الوجيز ٤/ ١٧١ . (٢) في (م) و(د) و(ف): وتوكيد، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٧١/٤ والكلام منه. (٣) قبلها في (ظ): شأن. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٣/٣ - ١٣٤٤. (٥) المصدر السابق، وأخرج هذا الخبر ابن حزم في المحلى ١١/ ٤١٤ - ٤١٥ . (٦) في أحكام القرآن ٣/ ١٣٤٤ وما سیرد بین حاصرتين منه. (٧) أخرجه البخاري، وسلف ٣٠٤/٦ . ١٧٧ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ الزاني حين يزني وهو مؤمن)»(١) حقيقةً. قلنا: لئن كان كما زعمتم أنَّ (٢) أهل الإفك رَمَوْا عائشة المطهّرة بالفاحشة، فبرَّأها الله تعالى، فكان(٣) مَن سبَّها بما برَّأها الله منه مكذِّب لله، ومَن كذَّب الله فهو كافر، فهذا طريقُ قول مالك، وهي سبيلُ الآية(٤) لأهل البصائر. ولو أنَّ رجلاً سبَّ عائشة بغير(٥) ما برَّأها الله منه، لكان جزاؤه الأدب (٦). الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ أي: تفشو، يُقال: شاع الشيء شُيُوعاً وشَيْعاً وشَيَعاناً وشَيْعُوعة، أي: ظهر وتفرَّق. ﴿فِىِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: في المحصنين والمحصنات. والمرادُ بهذا اللفظِ العامِّ عائشةُ وصَفْوان رضي الله عنهما (٧). والفاحشة: الفعلُ القبيحُ المُفْرِطُ القُبحِ. وقيل: الفاحشةُ في هذه الآية: القولُ السَّيِّئ. ﴿لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنّا﴾ أي: الحدُّ. وفي الآخرة عذابُ النار، أي: للمنافقين، فهو مخصوص(٨). وقد بيَّنَا أن الحَدَّ للمؤمنين كفارة (٩). وقال الطبري: معناه: إن مات مُصِرًّا غيرَ تائب(١٠). (١) أخرجه أحمد (١٠٢١٦)، والبخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧): (١٠٠) من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) جاء في أحكام القرآن: ليس كما زعمتم، فإن. (٣) في (م): فكل. (٤) في أحكام القرآن: لائحة، بدل: الآية. (٥) في (ز) و(ظ) و(ف): بعين، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن والكلام منه. (٦) في النسخ: الكفر، والمثبت من أحكام القرآن. (٧) تفسير أبي الليث ٤٢٣/٢، وتفسير الرازي ١٨٣/٢٣. (٨) المحرر الوجيز ١٧١/٤، وتفسير البغوي ٣٣٣/٣. (٩) في آخر المسألة السادسة. (١٠) تفسير الطبري ٢٢١/١٧، والمحرر الوجيز ١٧٢/٤. ١٧٨ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمْ﴾ أي: يعلم مقدار عِظَم هذا الذنب والمجازاةٍ عليه، ويعلم كلَّ شيءٍ(١). ﴿وَأَنْتُرْ لَا تَقْلَمُونَ﴾ رُويَ من حديث أبي الدَّرْدَاءِ أن رسول اللـه ﴾ قال: ((أيُّما رجلٍ شَدَّ عَضُدَ امرئٍ من الناس في خصومة لا عِلم له بها، فهو في سَخَط الله حتى يَنزِع عنها. وأيُّما رجلٍ حال(٢) بشفاعته دون حدٍّ من حدود الله أن يُقام، فقد عاند الله حقًّا، وأقدم على سَخَطه، وعليه لعنةُ الله تتابع إلى يوم القيامة. وأيُّما رجلٍ أشاع على رجل مسلم كلمةً وهو منها بريءٌ، يَرى أن يَشينه بها في الدنيا، كان حقًّا على الله تعالى أن يرميَه بها في النار(٣)، ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اُلْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية. الموفيةُ عشرين: قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ﴾ يعني: مسالكَه ومذاهبه، المعنى: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليها الشيطان(٤). وواحدُ الخُطُوات خُطْوة، وهو ما بين القدمين. والخَطْوة - بالفتح - المصدر، يقال: خَطَوتُ خطوة، وجمعُها خَطَوات. وتخطَّى إلينا فلان(٥)، ومنه الحديث: أنه رأى رجلاً يَتخطّى رقابَ الناس يوم الجمعة(٦). وقرأ الجمهور: ((خُطُوات)) بضمِّ الطاء. وسكّنها عاصم(٧) والأعمش. وقرأ الجمهور: ((مَا زَكَى)) بتخفيف الكاف، أي: ما اهتدى ولا أَسلم، ولا عرف رُشْداً(٨). (١) إعراب القرآن للنحاس ١٣١/٣. (٢) في (م) و(ف): قال. (٣) قال المنذري في الترغيب والترهيب ١٤٢/٣: رواه الطبراني، ولا يحضرني الآن حال إسناده، وروى بعضه بإسناد جيد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠١ : فيه من لم أعرفه. (٤) ينظر مجاز القرآن ٦٥/٢، وتفسير الطبري ١٧/ ٢٢١. (٥) ينظر الصحاح (خطأ)، والمحرر الوجيز ١٧٢/٤، وتفسير الرازي ١٨٥/٢٣. (٦) أخرجه أحمد (١٧٦٩٧)، وأبو داود (١١١٨)، والنسائي ١٠٣/٣ من حديث عبد الله بن بُشْر ﴾. وأخرجه ابن ماجه (١١١٥) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٧) في رواية أبي بكر عنه، وهي - أيضاً - قراءة نافع وأبي عمرو، وابن كثير في رواية البزِّي، وحمزة. السبعة ص ١٧٣ - ١٧٤ ، والتيسير ص٧٨ . (٨) المحرر الوجيز ٤/ ١٧٢ . ١٧٩ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ وقيل: ((ما زَكَى)) أي: ما صلح(١)، يقال: زَكَا يزكُو زَكاءً، أي: صلح. وشدَّدها الحسن وأبو حَيْوة، أي: إن تزكيته لكم وتطهيرَه وهدايتَه إنما هي بفضله لا بأعمالكم (٢). وقال الكسائيُّ: ﴿يَتُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُوَتِ الشَّيْطَنْ﴾ معترِضٌ، وقولُه: ﴿مَا ذَكَ مِنكُ مِنْ أَحَدٍ أَبْدًا﴾ جوابٌ لقوله أولاً وثانياً: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآية. المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قُحافة ﴾ ومِسْطحٍ ابن أُثَاثة. وذلك أنه كان ابنَ بنت خالته، وكان من المهاجرين البَذْرِيِّين المساكين. وهو مِسْطِحُ بن أُثَاثةَ بنِ عَبَّاد بن المطلب بن عبد مناف. وقيل: اسمه عَوف، ومِسْطح لقب. وكان أبو بكر ﴾ يُنفق عليه لمسكنته وقرابته، فلمَّا وقع أمر الإفك وقال فيه مِسْطَحْ ما قال، حلف أبو بكر ألَّ ينفقَ عليه ولا ينفَعه بنافعة أبداً، فجاء مِسْطَحٌ فاعتذر وقال: إنما كنت أغشی مجلس(٣) حسان، فأسمع ولا أقول. فقال له أبو بكر: لقد ضحكت وشاركت فيما قيل. ومَرَّ على يمينه، فنزلت الآية. وقال الضحاك وابن عباس: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كلِّ مَن قال في الإفك، وقالوا: والله لا نصِل مَن تكلَّم في شأن عائشة، فنزلت الآية في جميعهم. والأول أصحُ، غيرَ أن الآية تتناول الأُمَّة إلى يوم القيامة بألا يَغْتاظَ ذو فضل وسَعة، فيحلفَ ألا ينفعَ من هذه صفتُه غابرَ الدهر(٤). روى الصَّحيح أن الله تبارك وتعالى لمَّا أنزل: ﴿إِنَّ الَِّينَ جَاءُو بِآلْإِفِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ (١) أورده الواحدي في الوسيط ٣١٢/٣، والبغوي في تفسيره ٣٣٣/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٣/٦ ونسبوه لمقاتل. (٢) المحرر الوجيز ١٧٢/٤، وقراءة الحسن وأبي حَيْوة في القراءات الشاذة ص١٠١ . (٣) في (م) و(ظ): مجالس، والمثبت من (د) و(ز) و(ف) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٧٢/٤ -١٧٣ والكلام منه. (٤) المحرر الوجيز ١٧٣/٤، وأخرج أثر الضحاك وابن عباس الطبري ٢٢٥/١٧ - ٢٢٦ بنحوه. ١٨٠ سورة النور: الآيات ١١ - ٢٢ العشر آيات، قال أبو بكر - وكان ينفق على مِسطح لقرابته وفَقره -: واللهِ لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمّْ﴾ - قال عبد الله بن المبارك: هذه أرْجَى آية في كتاب الله تعالى - فقال أبو بكر: والله إني لأحِبُّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي كان يُنفِق عليه وقال: لا أَنْزِعُها منه أبداً (١). الثانية والعشرون: في هذه الآية دليلٌ على أن القذف - وإن كان كبيراً - لا يُحِط الأعمال؛ لأن الله تعالی وصف مِسْطحاً بعد قوله بالهجرة والإيمان(٢)، وكذلك سائر الكبائر، ولا يُحِبِط الأعمالَ غيرُ الشرك(٣)، قال الله تعالى: ﴿لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. الثالثة والعشرون: مَن حلف على شيء لا يفعله، فرأى فعلَه أوْلَى منه، أتاه وكفّر عن يمينه، أو كفَّر عن يمينه وأتاه، كما تقدَّم في ((المائدة))(٤). ورأى الفقهاء أنَّ مَن حلف ألَّ يفعل سُنَّة من السُّنن، أو مندوباً وأبَّد ذلك، أنها جُرْحةٌ في شهادته. ذكره الباجي في ((المنتقى))(٥). الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ معناه: لا يحلف، وزنُها يَفْتَعِل، من الألِيَّة، وهي اليمين(٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآَبِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وقد تقدَّم في ((البقرة»(٧). وقالت فرقة: معناه: يُقَصِّر، مِن قولك: أَلَوْتُ في كذا: إذا (١) هو قطعة من حديث عائشة الطويل في قصة الإفك أخرجه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠): (٥٦)، وأحمد (٢٥٦٢٣) وليس عند البخاري وأحمد قول عبد الله بن المبارك. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٤٥/٣. (٣) بعدها في (م): بالله. (٤) ١٣٩/٨ . (٥) نقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧٣/٤. (٦) المحرر الوجيز ١٧٣/٤. (٧) ٤ / ٢١ .