Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة الحج: الآية ٣٦
العاشرة: قولُه تعالى: ﴿ وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْثَرَّ﴾ قال مجاهدٌ وإبراهيم والطبريُّ:
قوله: ((وأطعِموا)) أمرُ إباحةٍ (١). و((القانع)): السائل. يقال: قَنَع الرجل يَقْنَع قنوعاً: إذا
سأل، بفتح النون في الماضي (٢)، وقَنِعِ يقنَع قناعةً فهو قَنِعٌ: إذا تعفّف واستغنى بُبُلْغته
ولم يسأل، مثل: حمِد يحمَد، قَناعةً وقَنَعاً وقَتَعاناً؛ قاله الخليل(٣). ومن الأوّل قول
الشمَّاخ :
مَفاقِرَه أعفُّ من القُنُوعِ(٤)
لَمَالُ المرءِ يُصلِحُه فيُغْني
وقال ابن السِّكِّيت(٥): مِن العرب مَن ذَكَر القُنوعَ بمعنى القناعة، وهي الرِّضا
والتعقُّفُ وتركُ المسألة. ورويَ عن أبي رجاءٍ أنه قرأ: ((وأطعِموا القَنِعَ)). ومعنى هذا
مخالفٌ للأوّل؛ يقال: قَنِعَ الرجل فهو قَيْعٌ: إذا رضي(٦).
وأمَّا المعترُّ فهو الذي يُطيف بك يطلب ما عندك، سائلاً كان أو ساكتاً. وقال
محمد بن كعب القُرَظِيُّ ومجاهدٌ وإبراهيم والكلبيُّ والحسن بن أبي الحسن: المعترُّ:
المتعرض من غیر سؤال(٧)، قال زهير:
على مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يعتريهمُ
وعند المُقِلِّينَ السماحةُ والبَذْلُ(٨)
(١) المحرر الوجيز ١٢٣/٤، وقول الطبري في تفسيره ٥٢٣/١٦، وفيه تخريج خبر مجاهد وإبراهيم.
(٢) بعدها في النسخ: وكسرها في المستقبل، والمثبت من المحرر الوجيز ١٢٣/٤ والكلام منه. وليس في
كتب اللغة ((يقنع)) بكسر النون. ينظر العين ١/ ١٧٠، وتهذيب اللغة ٢٥٩/١، ومقاييس اللغة ٣٣/٥،
والصحاح ومفردات الراغب واللسان (قنع).
(٣) المحرر الوجيز ١٢٣/٤، دون قوله: قناعة وقنعاً وقنعاناً، ولم ترد أيضاً هذه المصادر في كتاب العين
١/ ١٧٠، وذكرها الطبري في تفسيره ٥٦٩/١٦ .
(٤) ديوان الشمَّاخ ص٢٢١ . وقوله: مفاقر، أي: وجوه الفقر، يقال: سدَّ الله مفاقره، أي: أغناه، وسدَّ
وجوه فقره. الصحاح (فقر).
(٥) قوله في تهذيب اللغة ٢٥٩/١ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٤١٣/٤، والقراءة ذكرها أيضاً ابن جني في المحتسب ٨٢/٢ .
(٧) المحرر الوجيز ١٢٣/٤، وأخرج هذا القول عن مجاهد ومحمد بن كعب والحسن الطبريُّ ٥٦٣/١٦
و ٥٦٥ - ٥٦٦ . ووقع في النسخ: المعترض، بدل المتعرض، والمثبت من المصادر.
(٨) ديوان زهير ص١١٤ (بشرح ثعلب).

٤٠٢
سورة الحج: الآيتان ٣٦ - ٣٧
وقال مالك: أحسنُ ما سمعت: أنَّ القانع: الفقيرُ، والمعترّ: الزائر. وروي عن
الحسن أنه قرأ: ((والمعترِيَ))، ومعناه كمعنى المعترّ. يقال: اعترَّه واعتراه، وعرَّه
وعرَاه: إذا تعرَّض لمَا عنده أو طلبه؛ ذكره النحاس(١).
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُمُّهَا وَلَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ
ك
سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُمُهَا﴾ قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية
يضرِّجون البيت بدماء البُذْن، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزلت الآية (٢).
والنَّيْلُ لا يتعلَّق بالبارئ تعالى، ولكنه عبَّر به(٣) تعبيراً مجازيًّا عن القبول،
المعنى: لن يَصِلَ إليه. وقال ابن عباس: لن يصعد إليه. ابن عيسى: لن يَقْبَلَ لحومَها
ولا دماءها، ولكنْ يصلُ إليه التقوى منكم(٤)، أي: ما أريد به وجهُه؛ فذلك الذي
يقبله ويُرفع إليه ويسمعه ويُثِيب عليه؛ ومنه الحديث: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات)).
والقراءة: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾ و﴿يَنَالَهُ﴾ بالياء فيهما. وعن يعقوب بالتاء فيهما(٥)،
نظراً إلى اللحوم.
الثانية: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ُ مَنَّ سبحانه علينا بتَذْليلها وتمكيننا من
(١) في معاني القرآن ٤١٣/٤ - ٤١٤، والقراءة ذكرها ابن جني في المحتسب ٨٢/٢ عن أبي رجاء
وعمرو بن عبيد.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤١٥/٤، والمحرر الوجيز ١٢٣/٤. ونسبه الواحدي في الوسيط ٢٧٢/٣
للكلبي.
(٣) في النسخ: عنه، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٢٨٣/٣، والكلام منه.
(٤) ذكر القولين عن ابن عباس وابن عيسى الماورديُّ في النكت والعيون ٢٨/٤ ، وخبر ابن عباس فيه
مطول.
(٥) النشر ٣٢٦/٢.

٤٠٣
سورة الحج: الآية ٣٧
تصريفها، وهي أعظمُ مِنَّا أبداناً وأقوى منَّا أعضاءً، ذلك ليَعْلمَ العبدُ أنَّ الأمور ليست
على ما تَظْهرُ إلى العبد من التدبير، وإنما هي بحسَب ما يريدها العزيز القدير، فيغلِبُ
الصغيرُ الكبيرَ؛ ليعلم الخلقُ أنَّ الغالب هو الله الواحدُ القهار(١) فوقَ عباده.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنْكُمْ﴾ ذكر سبحانه ذِكْرَ اسمِه عليها
في الآية قَبْلَها، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا﴾، وذكرَ هنا التكبير. وكان
ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بينهما إذا نَحَر هَذْيَه فيقول: باسم الله والله أكبر؛
وهذا من فِقْهِه ﴾(٢) .
وفي الصحيح عن أنس قال: ضَخَّى رسول الله ﴿ بكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْن أقْرَنَيْن. قال:
ورأيتُه يذبحهما بيده، ورأيتُه واضعاً قدمَه على صِفاحهما، وسَمَّى وكَبَّر(٣).
وقد اختلف العلماء في هذا؛ فقال أبو ثور: التسميةُ متعيِنةٌ؛ كالتكبير في الصلاة،
وكافَّةُ العلماء على استحباب ذلك. فلو قال ذِكْراً آخَرَ فيه اسمٌ من أسماء الله تعالى
وأراد به التسميةً جاز. وكذلك لو قال: الله أكبر، فقط، أو: لا إله إلا الله؛ قاله
ابن حبيب. فلو لم يُرد التسميةَ لم يُجْزِ عن التسمية ولا تؤكل؛ قاله الشافعيُّ ومحمد
ابن الحسن. وكره كافةُ العلماء من أصحابنا وغيرهم الصلاة على النبيِّ # عند التسمية
في الذبح أو ذِكرَه، وقالوا: لا يُذكر هنا إلَّا اللهُ وحدَه. وأجاز الشافعيُّ الصلاةَ على
النبيِّ # عند الذبح (٤).
الرابعة: ذهب الجمهور إلى أنَّ قول المضحِّي: اللَّهُمَّ تقبَّلْ منِّي، جائز. وكره
ذلك أبو حنيفةً، والحجةُ عليه ما رواه الصحيح عن عائشةَ رضي الله عنها، وفيه: ثم
(١) في أحكام القرآن لابن العربي ١٢٨٣/٣ (والكلام منه): القاهر.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٨٣/٣.
(٣) صحيح البخاري (٥٥٦٥)، وصحيح مسلم (١٩٦٦): (١٨)، وهو عند أحمد (١١٩٦٠). قوله: أملحين،
قيل: الأملح هو الأبيض، وقيل: الملحة من الألوان: بياض يخالطه سواد. ينظر المفهم ٣٦١/٥ .
(٤) المفهم ٣٦٣/٥.

٤٠٤
سورة الحج: الآيتان ٣٧ - ٣٨
قال: ((باسم الله، اللَّهُمَّ تقبَّل من محمدٍ وآلِ محمد ومن أمَّة محمد)). ثم ضخَّى به.
واستحبَّ بعضُهم أن يقول ذلك بنصِّ الآية: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاْ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[البقرة: ١٢٧](١).
وكره مالكٌ قولَهم: اللهمَّ منك وإليك، وقال: هذه بدعةٌ. وأجاز ذلك ابنُ حبيب
من أصحابنا والحسن، والحجةُ لهما ما رواه أبو داود(٢) عن جابر بن عبد الله قال:
ذبح النبيُّ # يومَ الذَّبح كَبْشَيْن أَقْرَنين مَوْجُوعين(٣) أَمْلَحين، فلمَّا وجَّههما قال: ((﴿إِ
وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشَّوَنِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ وقرأ إلى قوله: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْتِينَ﴾
اللَّهُمَّ منك وإليك(٤)، عن محمدٍ وأمتِه، باسم الله والله أكبر)). ثم ذبح. فلعلَّ مالكاً
لم يبلغه هذا الخبر، أوْ لم يصحَّ عنده، أو رأى العملَ يخالفُه. وعلى هذا يدلُّ قولُه:
إنه بدعة(٥). والله أعلم.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ رُوي أنَّها نزلت في الخلفاء الأربعة؛
حَسْبَما تقدَّم في الآية التي قبلها. فأمَّا ظاهِرُ اللفظ فيقتضي العمومَ في كلِّ مُحْسِن.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُذَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ خَوََّنٍ
گفُورٍ
رُوي أنَّها نزلت بسبب المؤمنين؛ لمَّا كثروا بمكةَ وآذاهم الكفارُ وهاجر مَن هاجر
(١) المفهم ٣٦٣/٥، والحديث في صحيح مسلم (١٩٦٧)، وهو عند أحمد (٢٤٤٩١).
(٢) في سننه (٢٧٩٥)، وهو في سنن ابن ماجه (٣١٢١) بنحوه.
(٣) أي: خَصِيَّيْن. النهاية (وجأ). ووقع في (خ): موجيين، وفي مطبوع سنن أبي داود: مُوْجَثَين، وفي
بعض نسخه: مَوْجِيَّيْن، ينظر سنن أبي داود بتحقيق محمد عوامة (٢٧٨٨). قال ابن الأثير: منهم مَن
يرويه: مُؤْجَّأَين، على وزن: مُكْرَمَين، وهو خطأ، ومنهم مَن يرويه: مَوْجِيَّيْن بغير همز على التخفيف،
ويكون من وَجَيْتُه وَجْياً فهو مَوْجِيّ.
(٤) في (م): ولك، وهو موافق لما في سنن أبي داود وسنن ابن ماجه، والمثبت من النسخ الخطية
والمفهم ٥/ ٣٦٣ ، والكلام منه.
(٥) المفهم ٣٦٤/٥ .

٤٠٥
سورة الحج: الآيتان ٣٨ - ٣٩
إلى أرض الحبشة؛ أراد بعضُ مؤمني مكةً أن يقتل مَن أَمْكَنَه من الكفار، ويغتالَ
ويَغْدِر ويحتال، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿كَفُورٍ﴾. فوعد فيها سبحانه
بالمدافعة، ونَهَى أفصحَ نهي عن الخيانة والغدر(١). وقد مضى في ((الأنفال)) التشديدُ
في الغدر؛ وأنه: «يُنصب للغادر لواءٌ عند استِهِ (٢) بقَدْرٍ غَدْرته يقال: هذه غَدْرةُ
فلان))(٣).
وقيل: المعنى: يَدْفَع عن المؤمنين بأن يُديم توفيقَهم حتى يتمكَّن الإيمان من (٤)
قلوبهم، فلا يقدر الكفار على إمالتهم عن دينهم، وإن جرى إكراهٌ فيعصمهم حتى لا
یرتڈُّوا بقلوبهم.
وقيل: يدفعُ عن المؤمنين بإعلائهم بالحُجَّة. وإن قتلَ كافرٌ مؤمناً؛ فقد دفعَ اللهُ(٥)
عن ذلك المؤمنِ بأنْ قَبَضه إلی رحمته.
وقرأ نافع: ((يُدافِعُ))، ((ولولا دِفاعُ)). وقرأ أبو عمرو وابن كَثير: ((يَدْفَعُ))، ((ولولا
دَفْعُ)). وقرأ [ابن عامر و] عاصم وحمزة والكسائيُّ: ((يُدافِعُ))، ((ولولا دَفْعُ الله))(٦).
ويُدافع بمعنى يَدْفعُ، مثل: عاقَبْتُ اللصَّ، وعافاه الله، والمصدرُ دفعاً. وحكى
الزَّهراويُّ: أنَّ (دِفاعاً)) مصدرُ دَفَع، كحسَب حِساباً(٧).
قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
فيه مسألتان :
١٣٩
(١) المحرر الوجيز ١٢٤/٤.
(٢) في (ظ): عند بعثه.
(٣) ينظر ٥٢/١٠ - ٥٣.
(٤) في (ظ): في.
(٥) في (م): ثم قتل كافر مؤمناً نادر وإن فيدفع الله.
(٦) السبعة ص ٤٣٧، والتيسير ص٨٢ و ١٥٧ .
(٧) المحرر الوجيز ١٢٤/٤ .

٤٠٦
سورة الحج: الآية ٣٩
الأولى: قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ قيل: هذا بيانُ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: يدفع عنهم غوائلَ الكفار بأن يُبيحَ لهم القتالَ وينصرَهم،
وفيه إضمارٌ، أي: أُذن للَّذين يَضْلُحون للقتال في القتال، فحذف لدلالة الكلام على
المحذوف. وقال الضحَّاك: استأذن أصحابُ رسول اللـه ﴿ في قتال الكفَّار إذ آذَوْهم
بمكة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوََّنٍ كَفُورٍ﴾ فلمَّا هاجر نزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقْتَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾. وهذا ناسخٌ لكلِّ ما في القرآن من إعراضٍ وتركٍ صَفْحٍ(١).
وهي أوَّلُ آيَةٍ نزلت في القتال(٢).
قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند هجرة رسول الله # إلى المدينة(٣)؛ وروى
النَّسائيُّ والترمذيُّ عن ابن عباس قال: لمَّا أُخرج النبيُّ # من مكةَ قال أبو بكر:
أَخْرَجوا نبيَّهم، لَيَهْلِكُنّ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَذِّنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللّهُ
عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. فقال أبو بكر: لقد علمتُ أنه سيكون قتال. قال: هذا حديثٌ
حسن. وقد روى غيرُ واحدٍ عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البَطِين، عن سعيد
ابن جُبير مرسلاً، ليس فيه: عن ابن عباس (٤).
الثانية: في هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ الإباحة من الشَّرْع، خلافاً للمعتزلة؛ لأنَّ
قوله: ((أُذِن))، معناه: أُبيح؛ وهو لفظٌ موضوعٌ في اللغة لإباحة كلِّ ممنوع(٥). وقد
تقدَّم هذا المعنى في ((البقرة))(٦) وغيرِ موضع.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٨٤/٣، وذكر خبر الضحاك بنحوه الطبري ٥٧٦/٦ وقال: وهذا قول
ذُكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٢٥/٢، وقد أخرج النحاس هذا القول عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) المحرر الوجيز ١٢٤/٤ .
(٤) سنن الترمذي (٣١٧١)، وسنن النسائي ٢/٦، وهو عند أحمد (١٨٦٥)، وزاد أحمد والنسائي عن ابن
عباس قوله: وهي أول آية نزلت في القتال. وأخرج المرسل عن سعيد بن جبير الترمذي إثر الحديث
(٣١٧١)، و(٣١٧٢).
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٨٤/٣، دون قوله: خلافاً للمعتزلة.
(٦) ينظر ٣٧٧/١.

٤٠٧
سورة الحج: الآيتان ٣٩ - ٤٠
وقرئ: ((أذن)) بفتح الهمزة، أي: أَذِنَ الله، ((يقاتلون)) بكسر التاء، أي: يقاتلون
عدوَّهم. وقرئ: ((يقاتلون)) بفتح التاء (١)، أي: يقاتلهم المشركون، وهم المؤمنون.
ولهذا قال: ((بأنهم ظُلِموا)) أي: أُخرجوا من ديارهم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا
اسْمُ اَللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ
فيه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم﴾ هذا أحدُ(٢) ما ظُلِموا به، وإنَّما
أُخرجوا لقولهم: ربُّنا اللهُ وحدَه. فقوله: ﴿إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَيُّنَا اللَّهُ﴾ استثناء منقطع،
أي: لكنْ لقولهم: ربُّنا الله؛ قاله سيبويه. وقال الفرَّاء: يجوز أن يكون [أن] في
موضع خَفْضٍ؛ يقدِّرها مردودةً على الباء، وهو قولُ أبي إسحاقَ الزجَّاجِ، والمعنى
عنده: الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقِّ إلَّا بأن يقولوا: ربُّنا الله، أي: أُخرجوا
بتوحيدهم، أخرجهم أهلُ الأوثان. و((الذِين أُخرِجوا)) في موضع خفضٍ بدلاً من
قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾(٣).
الثانية: قال ابن العربيّ(٤): قال علماؤنا: كان رسول الله ﴾ قبل بَيْعة العَقَبة لم
يؤذن له في الحرب، ولم تَحِلَّ له الدماء، إنَّما أمر(٥) بالدعاء إلى الله والصبرِ على
(١) قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم: ((أُذن)) بضم الهمزة، والباقون بفتحها. وقرأ نافع وابن عامر وحفص:
(((يقاتلون)) بفتح التاء، والباقون بكسرها. السبعة ص ٤٣٧، والتيسير ص ١٥٧ .
(٢) في (د): آخر.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٠١/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٢٧/٢، وقول الزجاج في معاني
القرآن له ٤٣٠/٣ .
(٤) في أحكام القرآن ٣/ ١٢٨٤ - ١٢٨٦ .
(٥) في (د) و(م) وأحكام القرآن: يؤمر.

٤٠٨
سورة الحج: الآية ٤٠
الأذى والصفحِ عن الجاهل مدَّةَ عشرة أعوام؛ لإقامة حجةِ الله تعالى عليهم، ووفاءً
بوعده الذي امتنَّ به بفضله في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
فاستمرَّ الناس في الطغيان، وما استدلُّوا بواضح البرهان، وكانت قريشٌ قد اضطهدت
مَن اتَّبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنُوهم عن دينهم، ونفَوْهم عن بلادهم؛ فمنهم
مَن فرَّ إلى أرض الحبشة، ومنهم مَن خرج إلى المدينة، ومنهم مَن صَبَر على الأذى.
فلمَّا عَتَتْ قريش على الله تعالى، وردُّوا أمره وكذَّبوا نبيَّه عليه الصلاة والسلام،
وعذَّبوا مَن آمن به ووخَّده وعبده، وصدَّق نبيَّه عليه الصلاة والسلام، واعتصم بدينه،
أَذِن الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم، وأنزل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ غُلِمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿الأُّرَ﴾.
الثالثة: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ(١) الفعلَ الموجودَ من المُلْجَأ المُكْرَهِ منسوبٌ
إلى الذي أَلْجأَه وأَكْرهَه؛ لأنَّ الله تعالى نَسَبَ الإخراج إلى الكفار؛ لأنَّ الكلام في
معنى تقديرِ الذَّنب وإلزامه. وهذه الآيةُ مِثْلُ قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَبَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[التوبة: ٤٠] والكلامُ فيهما واحدٌ، وقد تقدّم في ((براءة))(٢) والحمد لله.
الرابعة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ أي: لولا ما شَرَعه الله تعالى
للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء؛ لاستَوْلَى أهل الشِّرك وعطّلوا ما بَنَتْه(٣) أربابُ
الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دَفَع بأنْ أَوْجَبَ القتال ليتفرَّغ أهل الدين
للعبادة. فالجهاد أمر متقدِّم في الأمم، وبه صَلَحت الشرائع واجتمعت المتعبَّدات،
فكأنه قال: أُذِنَ في القتال، فليقاتِل المؤمنون. ثم قوَّى هذا الأمر في القتال بقوله:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ الآية، أي: لولا القتالُ والجهاد لتُغُلِّب على الحقِّ في كلِّ
(١) بعدها في النسخ عدا (ظ): نسبة، والمثبت من (ظ).
(٢) ٢١١/١٠، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٢٨٦/٣.
(٣) في (د) و(ظ): بينه.

٤٠٩
سورة الحج: الآية ٤٠
أمة(١). فَمَن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقضٌ لمذهبه؛ إذ لولا
القتالُ لَمَا بقي الدِّين الذي یذبُّ عنه.
وأيضاً هذه المواضع التي اتُّخِذت قبل تحريفهم وتبديلهم، وقبل نَسْخِ تلك الملل
بالإسلام، إنما ذُكرت لهذا المعنى، أي: لولا هذا الدفعُ لهُدمَ في زمن موسى
الكنائسُ، وفي زمن عيسى الصوامعُ والبِيَعُ، وفي زمن محمدٍ عليه الصلاة والسلام
المساجد(٢). ﴿لَِّّمَتْ﴾ من هدمتُ البناء، أي: نقضته فانهدم.
قال ابن عطية(٣): هذا أصوبُ ما قيل في تأويل الآية. وروي عن عليّ بن أبي
طالب أنه قال: ولولا دفعُ الله بأصحاب محمدٍ ﴾ الكفارَ عن التابعين فَمَن
بعدهم. وهذا وإن كان فيه دفعُ قومٍ بقومٍ إلَّا أنَّ معنى القتال أَلْقُ، كما تقدّم(٤).
وقال مجاهد: لولا دَفْعُ اللهِ ظلمَ قومٍ بشهادةِ العدول. وقالت فرقة: ولولا دفعُ
الله ظلمَ الظّلَمة بعَدْلِ الولاةِ(٥).
وقال أبو الدَّرْداء: لولا أنَّ الله عزَّ وجلَّ يدفع بمن في المساجد عمَّن ليس في
المساجد، وبمن يغزو عمَّن لا يغزو، لأتاهم العذاب(٦).
وقالت فرقةٌ: ولولا دفعُ الله العذابَ بدعاء الفُضَلاء والأخيار. إلى غير ذلك من
التفصيل المُفْسِد(٧) لمعنى الآية؛ وذلك أنَّ الآية ولا بدَّ تقتضي مدفوعاً من الناس
(١) المحرر الوجيز ١٢٤/٤.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤٣١/٣ .
(٣) في المحرر الوجيز ١٢٤/٤، وقد قاله ابن عطية إثر ما تقدم من قوله: أي لولا القتال والجهاد لتُغلب
على الحق في كل أمة.
(٤) يعني بما تقدم من الآية، كما في المحرر الوجيز. وخبر علي ﴾ أخرجه الطبري ٥٧٨/١٦ - ٥٧٩ .
(٥) المحرر الوجيز ١٢٤/٤، وقول مجاهد أخرجه بنحوه الطبري ٥٧٩/١٦ .
(٦) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١٠١/٣.
(٧) في (م): المفسر، والمثبت من النسخ الخطية، والمحرر الوجيز ١٢٥/٤، والكلام منه.

٤١٠
سورة الحج: الآية ٤٠
ومدفوعاً عنه، فتأمَّلْه.
الخامسة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: تضمَّنت هذه الآيةُ المَنْعَ من هَذْم كنائس أهل
الذِّمَّة وبِيَعِهم وبيوت نيرانهم، ولا يُتركون أن يُحدِثوا ما لم يكن، ولا يزيدون في
البنيان لا سَعةً ولا ارتفاعاً، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلُّوا فيها، ومتى
أَحْدَثوا زيادةً وَجَبَ نَقْضُها. ويُنقض ما وُجد في بلاد الحرب من البِيَع والكنائس.
وإنما لم يُنْقَضْ ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة؛ لأنها جرت مَجْرَى بيوتهم وأموالهم
التي عاهدوا عليها في الصيانة. ولا يجوز أن يُمَكَّنوا من الزيادة؛ لأنَّ في ذلك إظهارَ
أسباب الكفر. وجائزٌ أن يُنقض المسجد ليعاد بنيانه؛ وقد فعل ذلك عثمانُ ﴾ بمسجد
النبيِّ ﴾(١).
السادسة: قرئ: (لهدمت)) بتخفيف الدَّال وتشديدها(٢) . ﴿صَوَِعُ﴾ جمعُ
صومعة، وزنها فَوْعلة، وهي بناءٌ مرتفعٌ حديدُ الأعلى؛ يقال: صمَّع الثريدة، أي:
رفَع رَأْسَها وحَدَّدَه. ورجلٌ أَضْمعُ القلب، أي: حادُّ الفِظنة. والأصمعُ من الرجال:
الحديدُ القول. وقيل: هو الصغير الأذن من الناس وغيرهم. وكانت قبل الإسلام
مختصَّةً برهبان النصارى، وبعُبَّاد الصابئين؛ قاله قتادة. ثم استُعمل في مئذنة
المسلمين(٣).
والبِيَعُ جمع بِيعة، وهي كنيسةُ النصارى. وقال الطبريُّ: وقيل: هي كنائس اليهود.
ثم أَدْخَل عن مجاهدٍ ما لا يقتضي ذلك(٤).
(١) ينظر ما ورد في توسيع عثمان لمسجد النبي # تاريخ الطبري ٤/ ٢٦٧ .
(٢) قرأ ابن كثير ونافع: ((لهُدِمَت)) بتخفيف الدال، والباقون بتشديدها. السبعة ص٤٣٨، والتيسير ص ١٥٧ .
(٣) المحرر الوجيز ١٢٥/٤، وخبر قتادة أخرجه عبد الرزاق ٣٩/٢، والطبري ٥٨١/١٦ بلفظ: هي
للصابئين.
(٤) المحرر الوجيز ١٢٥/٤، وقول الطبري في تفسيره ٥٨٣/١٦ ، وخبر مجاهد الذي أخرجه الطبري في
هذا الموضع هو قوله: ﴿وپبعٌ﴾ قال: و کنائس. ولم یذکر اليهود فيه.

٤١١
سورة الحج: الآية ٤٠
﴿وَصَلَوَتٌ﴾ قال الزجَّاج والحسن: هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية:
صَلُوتًا (١). وقال أبو عبيدة: الصلوات بيوتٌ تُبنى للنصارى في البراري يصلُّون فيها في
أسفارهم، تسمَّى صلوتا، فعرِّبت فقيل: صلوات.
وفي ((صلوات)) تسعُ قراءات ذكرها ابن عطية(٢): صَلْوات، صِلْوات،
صُلْوات(٣)، صُلُوت على وزن فُعول (٤)، صُلُوب بالباء بواحدةٍ جمع صليب(٥)،
صُلُوث بالثاء المثلثة على وزن فُعول، صُلُوات بضمِّ الصاد واللام وألفٍ بعد الواو،
صُلُونا بضمِّ الصاد واللام وقَصْر الألف بعد الثاء المثلَّثة، صِلْوِيثًا بكسر الصاد والنَّاء
المثلَّثة(٦).
وذكر النحاس(٧): وروي عن عاصم الجَحْدَرِيِّ أنه قرأ: ((وصُلوت)) [بضم الصاد
والتاء المُعْجَمة بنقطتين). وروي عن الضحاك: ((وصلُوث)) بالثاء معجَمة بثلاث، ولا
أدري أَفتَحَ الصَّادَ أم ضمَّها؟
قلت: فعلَى هذا تجيءُ هنا عَشْرُ قراءات .
وقال ابن عباس: الصلواتُ الكنائس. أبو العالية: الصلواتُ مساجدُ الصابئين.
ابن زيد: هي صلوات المسلمين، تنقطع إذا دخل عليهم العدوُّ وتُهدَم المساجد (٨)؛
فعلى هذا استُغير الهذْمُ للصلوات من حيث تُعَطَّل، أو أراد: موضعَ صلوات، فحذف
(١) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٤٣٠، وأخرجه الطبري ٥٨٤/١٦ عن الضحاك، وخبر الحسن ذكره النحاس
في معاني القرآن ٤١٩/٤، وفيه: صلوثا، بالثاء.
(٢) في المحرر الوجيز ٤/ ١٢٥ .
(٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٦ عن جعفر بن محمد.
(٤) في (د) و(م): صلولى على وزن فعولى، وهو تصحيف.
(٥) قال أبو حيان في البحر ٦/ ٣٧٥: وهو جمع شاذ، أعني جمع فَعيل على فُعُول.
(٦) في المحرر الوجيز: صِلْوينا بكسر الصاد وسكون اللام وكسر الواو وقصر الألف بعد الثاء.
(٧) في معاني القرآن ٤١٩/٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٨) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٦/ ٥٨٣ - ٥٨٥ .

٤١٢
سورة الحج: الآية ٤٠
المضاف. وعلى قول ابن عباس والزجَّاج وغيرِهم يكون الهدم حقيقةً. وقال الحسن:
هَدْمُ الصلواتِ تَرْكُها (١). تُظْرُب: هي الصوامع الصغار، ولم يُسمع لها واحد.
وذهب خَصِيف إلى أنَّ القَصْدَ بهذه الأسماء تقسيمُ مُتَعبَّدات الأمم. فالصوامعُ
للرُّهبان، والبِيَع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجدُ للمسلمين. قال ابن
عطية (٢): والأَظْهَرُ أنها قُصِد بها المبالغةُ في ذكر المتعبَّدات. وهذه الأسماءُ تشترك
الأمم في مسمَّياتها؛ إلَّا البِيعةَ، فإنها مختصَّةٌ بالنصارى في لغة العرب. ومعاني هذه
الأسماءِ هي في الأمم التي لها كتابٌ على قديم الدهر. ولم يذكر في هذه الآية
المجوس ولا أهل الإشراك؛ لأنَّ هؤلاء ليس لهم ما یجب حمايته، ولا يوجد ذکرُ
الله إلَّا عند أهل الشرائع.
وقال النحاس(٣): ((يُذْكَرُ فيها اسمُ الله)): الذي يجبُ في كلام العرب على حقيقةٍ
النظر أن يكون ((يُذْكَرُ فيها اسمُ الله)) عائداً على المساجد لا على غيرها؛ لأنَّ الضمير
يليها. ويجوز أن يعود على ((صوامع)) وما بعدها، ويكون المعنى: وقتَ شرائعهم
وإِقامَتِهم الحقَّ.
السابعة: فإن قيل: لِمَ قدِّمت مساجدُ أهل الذمّة ومصلَّياتُهم على مساجد
المسلمين؟ قيل: لأنها أقدمُ بناءً. وقيل: لقُرْبها من الهَدْم وقُرْبِ المساجد من الذِّكر،
كما أخّر السابقَ في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾
[فاطر: ٣٢].
قوله(٤) تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: مَن ينصُرُ دينَه ونبيَّه. ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَقَوِىُّ﴾ أي: قادر. قال الخطابيُّ: القَوِيُّ يكون بمعنى القادر، ومَن قَوِيَ على شيءٍ
(١) ذكره النحاس في معاني القرآن ٤١٨/٤ .
(٢) في المحرر الوجيز ١٢٥/٤، وما قبله منه، وقول خصيف أخرجه النحاس في معاني القرآن ٤١٧/٤-٤١٨ .
(٣) في إعراب القرآن ١٠١/٣ .
(٤) قبلها في النسخ عدا (ظ): الثامنة.

٤١٣
سورة الحج: الآيتان ٤٠ - ٤١
فقد قَدر عليه . ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: جليل شريف؛ قاله الزجاج(١). وقيل: الممتنع الذي لا
يُرام. وقد بيَّنَّهما في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٢).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ
٤١
وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ آلْأُمُورِ
﴾
قال الزجَّاج: ﴿الَّذِينَ﴾ في موضعٍ نصبٍ رَدًّا على ((مَن))، يعني في قوله:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾. وقال غيره: ((الذِين)) في موضع خفضٍ ردًّا على قوله:
﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾، ويكون ((الذين إن مكَّناهم في الأرض)) أربعةً من أصحاب
رسول الله # لم يمكّن في الأرض غيرهم(٣).
وقال ابن عباس: المرادُ المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان. وقال قتادة:
هم أصحاب محمدٍ﴾. وقال ◌ِكرمةُ: هم أهلُ الصلوات الخمس(٤). وقال الحسن
وأبو العالية: هم هذه الأمة، إذا فتح الله عليهم أقاموا الصلاة. وقال ابن أبي نجيح:
يعني الولاة(٥).
وقال الضخَّاك: هو شَرْطٌ شَرَطَه الله عزَّ وجلَّ على مَن آتاه المُلْك(٦)، وهذا
حسن.
قال سهل بن عبد الله: الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر واجبٌ على السلطان
(١) كذا في النسخ، ولعله: الزجَّاجي، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق، والكلام في كتابه اشتقاق
أسماء الله ص٢٣٧ . وقول الزجاج الذي في معاني القرآن له ١/ ٢٨٠: معنى ((عزيز)): لا يعجزونه،
ولا يعجزه شيء.
(٢) ص ٢٠١ و ٢٦٩ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٠١/٣، وكلام الزجاج في معاني القرآن له ٤٣١/٣.
(٤) ذكر قولي قتادة وعكرمة الواحدي في الوسيط ٣/ ٢٧٤ .
(٥) ذكر قولي الحسن وابن أبي نجيح النحاس في معاني القرآن ٤١٩/٤ .
(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٦٥/٤ عن قتادة بلفظ: هذا شرط الله على هذه الأمة، وعزاه لابن أبي
حاتم ولم نقف عليه عن الضحاك.

٤١٤
سورة الحج: الآيات ٤١ - ٤٥
وعلى العلماء الذين يأتونه. وليس على الناس أن يأمروا السلطان؛ لأنَّ ذلك لازمٌ له
واجبٌ عليه، ولا يأمروا العلماء فإنَّ الحجة قد وجبت عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٨) وَقَوْمُ
إِزْهِيَمَ وَقَوُ لُوطٍ ﴾ وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌَ وَكَذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمَّ
(٤٤
فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ
هذا تسليةٌ للنبيِّ # وتعزيةٌ، أي: كان قبلك أنبياءُ كُذِّبوا فصَبَروا إلى أن أهلك الله
المكذِّبين، فاقتدِ بهم واصْبِرْ. ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أي: كذَّبه فرعونُ وقومُه. فأمَّا بنو
إسرائيل فما كذَّبوه، فلهذا لم يَعْطِفه على ما قَبْلَه فيكون: وقوم موسى. ﴿فَأَعْلَيْتُ
لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: أخّرتُ عنهم العقوبة. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ فعاقبتهم. ﴿فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ﴾
استفهامٌ بمعنى التغيير، أي: فانظُرْ كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النِّعم بالعذاب
والهلاك، فكذلك أَفعلُ بالمكذبين من قريش. قال الجوهريّ(١): النكيرُ والإنكار:
تغييرُ المنكر، والمُنْكَرِ واحدُ المناكير.
قوله تعالى: ﴿فَكَّيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِى ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا وَبِثْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا﴾ أي: أهلكنا أهلَها. وقد مضى في ((آل
عمران))(٢) الكلامُ في كأين. ﴿وَهِىَ ظَلِمَّةٌ﴾ أي: بالكفر ﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾
تقدَّم في (الكهف))(٣).
﴿وَيَثْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ قال الزجَّاج: ((وبِئْرِ معطلةٍ)) معطوفٌ على ((مِن
قريةٍ))، أي: ومِن أهلِ قريةٍ ومِن أهلٍ بئر. والفرَّاء(٤) يذهب إلى أنَّ ((وبِئْرٍ)) معطوفٌ
(١) في الصحاح (نكر).
(٢) ٣٤٩/٥.
(٣) ٢٨٥/١٣ - ٢٨٦.
(٤) في معاني القرآن ٢٢٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٠٢/٣ وما قبله
منه، ولم نقف على قول الزجاج في معانيه.

٤١٥
سورة الحج: الآية ٤٥
على ((عروشِها)).
وقال الأصمعيُّ: سألتُ نافع بنَ أبي نعيم: أيُهمز (١) البئر والذئب؟ فقال: إن
كانت العربُ تهمزُهما فاهمِزْهما. وأكثر الرواة (٢) عن نافع بهَمْزِهما إلَّا وَرْشاً، فإنَّ
روايته عنه بغيرِ همزٍ فيهما، والأصلُ الهمز .
ومعنى ((معظّلةٍ)): متروكة؛ قاله الضحاك(٣). وقيل: خالية من أهلها؛ لهلاكهم.
وقيل: غائرة الماء. وقيل: معطّلة من دِلائها وأَرْشِيَتها(٤). والمعنى متقارب.
﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ قال قتادة والضخَّاك ومقاتل: رفيع طويل(٥). قال عديّ بن زيد:
شاده مَرْمَراً وجَلَّله كِلْ ساً فللطير في ذُراه وُكورُ(٦)
أي: رَفَعه. وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمةُ ومجاهد: مجصَّص(٧)، من
الشِّيد، وهو الجصّ. قال الرَّاجِز(٨):
لا تَحْسَبَنِّي وإن كنتُ امراً غَمِراً
كحيَّة الماء بين الطَّينِ والشِّيدِ (٩)
(١) في (ظ): أتهمز.
(٢) في (ظ): الرواية، وفي إعراب القرآن: الروايات.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٨/٢ وقراءة ورش عن نافع في السبعة ص٣٤٦ و ٤٣٨، وينظر ما سلف
٢٧٥/١١ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]. وخبر الضحاك أخرجه
الطبري ١٦/ ٥٩٢: بلفظ لا أهل لها.
(٤) النكت والعيون ٣١/٤، والأرشية جمع رِشاء، وهو الحبل. اللسان (رشا).
(٥) تفسير البغوي ٢٩١/٣، وأخرجه عن الضحاك الطبري ١٦/ ٥٩٤ .
(٦) سيرة ابن هشام ٧١/١، والكامل ١٣٢/١، والشعر والشعراء ٢٢٦/١، وتفسير الطبري ٥٩٥/١٦،
والنكت والعيون ٣١/٤ . وقوله: وُكور، هو جمع وَكْر، وهو عُشُّ الطائر حيث كان في جبل أو شجر.
(٧) أخرج قولهم الطبري ١٦/ ٥٩٢ - ٥٩٣، وأخرجه عن عكرمة وعطاء أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٣٩/٢.
(٨) كذا قال المصنف والطبري ١٦/ ٥٩٤، والصواب أن البيت من البسيط، وقائله الشماخ بن ضرار.
(٩) ديوان الشماخ ص١٢١، والكامل ٣١/١، واللسان غمر، وذكر الطبري ١٦ /٥٩٤ عجزه، ووقع فيه =

٤١٦
سورة الحج: الآية ٤٥
وقال امرؤ القيس :
ولا أُطُماً إلَّا مَشيداً بجَنْدَلٍ(١)
وقال ابن عباس: ((مَشِيدٍ)) أي: حَصِين. وقاله الكلبيّ(٢). وهو مَفْعِلٌ بمعنى
مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. وقال الجوهريّ(٣): والمشِيد: المعمول بالشِيد. والشّيد
- بالكسر -: كلُّ شيء طلَيتَ به الحائطَ من جِصِّ أو بَلاط(٤)، وبالفتح المصدر.
تقول: شاده يَشِيدُه شَيْداً: جَصَّصه. والمُشيَّد؛ بالتشديد: المطوّل. وقال الكسائيُّ:
((المَشِيد)» للواحد، من قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾. والمُشَيَّد للجمع(٥)، من قوله
تعالى: ﴿فِي بُرُوجِ تُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وفي الكلام مضمَرٌ محذوفٌ تقديره: وقصرِ مَشِيدٍ مثلها معطّل.
ويقال: إنَّ هذه البئرَ والقصرَ بحضرموت معروفان، فالقصرُ مُشْرفٌ على قُلَّةِ
جبل(٦) لا يُرتَقى إليه بحال، والبئر في سَفْحه لا تُقِرُّ الريح شيئاً سقط فيه إلَّا أخرجته.
وأصحابُ القصورِ ملوكُ الحضر، وأصحابُ الآبار ملوكُ البوادي، أي: فأهلكنا
= وفي الديوان: الطَّيِّ، بدل: الطين، وفي اللسان بدلاً منها: الصخر، وقال صاحبه: رجل غَمِر: لا
تجربة له بحرب ولا أمر، ولم تحتكه التجارب.
(١) وصدره: وتيماء لم يترك بها جذع نخلة، وهو في ديوانه ص٢٥، وتفسير الطبري ٥٩٤/١٦ . قال
شارح الديوان: تيماء: اسم موضع، والأُطُم: البيت المسطَّح، يقول: لم يدع هذا السَّيل بيتاً إلا هذَّمه،
إلا هذا المشید بجندل.
(٢) ذكره عن الكلبي الماوردي في النكت والعيون ٣١/٤، ولم نقف عليه عن ابن عباس.
(٣) في الصحاح (شيد).
(٤) كذا في النسخ، ومختار الصحاح (شيد)، وتهذيب اللغة ٣٩٤/١١، واللسان (شيد) قال الفيروزآبادي
في القاموس (شيد): بلاط بالباء غلط، والصواب: ملاط بالميم؛ لأن البلاط حجارة لا يُطلى بها،
وإنما يُطلى بالملاط، وهو الطين. اهـ. وقد وقع في مطبوع الصحاح: ملاط بالميم. وينظر مجاز
القرآن ٢/ ٥٣ .
(٥) قال الفيروزآبادي في القاموس (شيد): المشيَّد للجمع غلط، وإنما المشيَّدة جمع المشيَّد. وينظر
اللسان (شيد).
(٦) أي: قمَّتُه وأعلاه. ووقع في (ظ): تلة جبل.

٤١٧
سورة الحج: الآية ٤٥
هؤلاء وهؤلاء (١).
وذكر الضخَّاك وغيره - فيما ذكر الثعلبيُّ وأبو بكر محمد بن الحسن المُقْرِئ(٢)
وغيرهما - أنَّ البئر الرَّسُّ، وكانت بعدن باليمن بحضرَمَوْتَ، في بلدٍ يقال له:
حَضُور، نزل بها أربعةُ آلافٍ ممن آمَنَ بصالح، ونَجَوْا من العذاب ومعهم صالح،
فمات صالح فسُمِّيَ المكان: حضرموت؛ لأنَّ صالحاً لمَّا حَضَره مات. فبنَوْا حَضُورَ
وقعدوا على هذه البئر، وأمَّروا عليهم رجلاً يقال له: العلس بن جلاس بن سويد،
فيما ذكر الغزنويُّ. الثعلبيُّ: جلهس بن جلاس. وكان حسنَ السيرة فيهم عاملاً
عليهم، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة، فأقاموا دهراً وتناسلوا حتى كثروا،
وكانت البئر تسقي المدينة كلَّها وباديتَها، وجميعَ ما فيها من الدوابِّ والغنم والبقر
وغير ذلك؛ لأنها كانت لها بكراتٌ كثيرةٌ منصوبةٌ علیھا، ورجالٌ کثیرون موگَّلون بها ،
وأَبازنُ - بالنون - من رخامٍ - وهي شِبْهُ الحياضِ - كثيرةٌ ثُملأ للناس، وأُخَرُ للذَّوابٌ،
وأُخَر للبقر، وأُخرَ للغنم. والقُوَّام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون، ولم يكن لهم
ماء غيرها. وطال عمر الملك الذي أمَّروه، فلمَّا جاءه الموت؛ طُليَ بدهنٍ لتبقى
صورتُه لا تتغيَّر، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت، وكان ممن يكرمُ عليهم،
فلمَّا مات شقَّ ذلك عليهم ورأَوْا أنَّ أمرهم قد فَسَد، وضجُوا جميعاً بالبكاء،
واغتنمها الشيطان منهم، فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة، فكلَّمهم وقال:
إِنِّي لم أَمُتْ، ولكنْ تغيَّتُ عنكم حتى أرى صنيعَكم. ففرِحوا أشدَّ الفرح، وأمر
خاصَّته أن يضربوا له حجاباً بينه وبينهم ويكلِّمهم من ورائه؛ لئلا يُعرف الموت في
صورته. فنصبوا صنماً من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب. وأخبرهم أنه لا يموت
أبداً، وأنه إلهٌ لهم، وذلك كلُّه يتكلّم به الشيطان على لسانه، فصدَّق كثيرٌ منهم
(١) النكت والعيون ٣١/٤ - ٣٢.
(٢) وهو النقاش، والخبر في تفسيره كما ذكر السهيلي في التعريف والإعلام ص١١٨ ونقل هذا الخبر عنه،
وذكره مختصراً عن الضحاك البغوي ٢٩١/٣ .

٤١٨
سورة الحج: الآية ٤٥
وارتاب بعضُهم، وكان المؤمن المكذِّب منهم أقلَّ من المصدِّق له، وكلَّما تكلّم
ناصحٌ لهم زُجِر وقُهِر. فأَصْفَقوا(١) على عبادته، فبعث الله إليهم نبيًّا كان الوحيُّ ينزل
عليه في النوم دون اليقظة - كان اسمه حنظلة بنَ صفوان - فَأَعْلَمهم أنَّ الصورة صنمٌ لا
روحَ له، وأنَّ الشيطان قد أضلَّهم، وأنَّ الله لا يتمثَّل بالخَلْق، وأنَّ الملِك لا يجوز أن
يكون شريكاً لله، ووعَظَهم ونصحهم وحذَّرهم سطوةَ ربِّهم ونقمته، فآذَوْه وعادَوْه،
وهو يتعهَّدهم بالموعظة ولا يُغِبُّهم بالنصيحة، حتى قتلوه (٢) في السوق وطرحوه في
بئر، فعند ذلك أصابتهم النقمةُ، فباتوا شِباعاً رِوَاءً من الماء؛ وأصبحوا والبئرُ قد غار
ماؤها وتعطّل رِشاؤها، فصاحوا بأجمعهم وضَّ النساء والولدان، وضجَّت البهائم
عطشاً، حتى عمَّهم الموتُ وشَمِلهم الهلاك، وخَلَفتهم في أرضهم السباعُ، وفي
منازلهم الثعالبُ والضِّباع، وتبدَّلت جنّاتُهم وأموالُهم بالسِّدْر وشَوْك العِضَاءِ
والقَتاد(٣)، فلا يُسمع فيها إلَّا عزيفُ الجنِّ وزئيرُ الأسد، نعوذ بالله من سَطَواته، ومن
الإصرار على ما يوجب نَقِماته.
قال السُّهيليُّ(٤): وأما القصرُ المَشِيدُ؛ فقصرٌ بناه شدَّاد بن عاد بن إرم، لم يُبْنَ في
الأرض مثلُه؛ فيما ذكروا وزعموا، وحالُه أيضاً كحال هذه البئرِ المذكورة في إيحاشه
بعد الأُنْس، وإقفارِه بعد العمران، وإنَّ أحداً لا يستطيع أن يدنوَ منه على أميال؛ لما
يُسمع فيه من عزيف الجنِّ والأصواتِ المنكرة، بعد النعيم والعيش الرَّغَد وبَهاءِ
المُلْك، وانتظام الأهل كالسِّلك، فبادُوا وما عادُوا؛ فذكرهم الله تعالى في هذه الآية
(١) أي: أطبقوا. اللسان (صفق)، وفي التعريف والإعلام: فأجمعوا.
(٢) قوله: لا يُغِبُّهم بالنصيحة، أي: يقدم لهم: النصيحة كل يوم. قال صاحب القاموس (غبب): فلان لا
يُغِبُّناعطاؤه، أي: يأتينا كلَّ يوم. ووقع في (ظ): ويحذرهم سطوة ربه ونقمته فقتلوه، بدل قوله: ولا
◌ُغبهم بالنصيحة حتى قتلوه.
(٣) القتاد: شجر له شوك أمثال الإبر. والعِضَاه: كل شجر له شوك، وقيل: العضاه اسم يقع على ما عظُم
من شجر الشوك وطال واشتد شوكه. والسدر من العضاه. اللسان (قتد) و(عضه) و(سدر).
(٤) في التعريف والإعلام ص١١٨ .

٤١٩
سورة الحج: الآيتان ٤٥ - ٤٦
موعظةً وعبرةً وتَذْكِرةٌ، وذِكْراً وتحذيراً من مَغَبَّة المعصية، وسوءٍ عاقبةِ المخالفة، نعوذ
بالله من ذلك ونستجيرُ به من سوء المآل.
وقيل: إنَّ الذي أهلكهم بختنصَّر، على ما تقدَّم في سورة الأنبياء في قوله: ﴿وَكَمْ
قَصَمْنَا مِن قَرْيَتِ﴾ [الآية: ١١]، فتعطّلت بئرُهم وخرِبت قصورهم.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ
يَسْمَعُونَ بِهَاْ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِ الصُّدُورِ
٤٦
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ يعني كفارَ مكة، فيشاهدوا هذه القرى
فيتَّعظوا، ويحذَروا عقابَ الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم. ﴿فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ
يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أضاف العقلَ إلى القلب؛ لأنه مَحَلُّه؛ كما أنَّ السمع محلُّه الأذن. وقد
قيل: إنَّ العقلَ محلُّه الدماغ، وروي عن أبي حنيفة، وما أراها عنه صحيحة(١).
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ﴾ قال الفرَّاء: الهاء عماد، ويجوز أن يقال: فإنه، وهي
قراءةُ عبد الله بن مسعود(٢). والمعنى واحدٌ؛ التذكير على الخبر، والتأنيثُ على
الأبصار أو القصة (٣)، أي: فإنَّ الأبصار لا تَعْمَى، أو: فإنَّ القصة.
﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ﴾ أي: أبصارُ العيون ثابتةٌ لهم. ﴿ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِيِ فِ
الشُّدُورِ﴾ أي: عن دَرَك الحقِّ والاعتبار. وقال قتادة: البصرُ الناظِرُ جُعِلَ بُلْغة ومنفعةً،
والبصرُ النافعُ في القلب (٤).
وقال مجاهد: لكلِّ عينٍ أربعُ أَعْيُن، يعني لكلِّ إنسانٍ أربعُ أعين: عينانِ في رأسه
(١) قال النووي في شرح صحيح مسلم ٢٩/١١: وفيه خلاف مشهور؛ مذهب أصحابنا وجماهيرٍ
المتكلمين أنه في القلب، وقال أبو حنيفة: هو في الدماغ. اهـ وذكره عن أبي حنيفة أيضاً أبو العباس في
المفهم ٤/ ٤٩٥ وقال: وما أظنها عنه صحيحة.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٢٨/٢، وذكرها عن ابن مسعود أيضاً الطبري ٥٩٦/١٦ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٢٢/٤ .
(٤) ذكره النحاس في معاني القرآن ٤٢٢/٤. وأخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٦٥/٤.

٤٢٠
سورة الحج: الآيتان ٤٦ - ٤٧
لدُنْياه، وعينانِ في قلبه لآخِرته، فإنْ عَمِيتْ عينا رأسِه وأَبصرَتْ عينا قلبِه لم يضرَّه
عماهُ شيئاً، وإن أَبْصَرتْ عينا رأسِه وعَمِيَتْ عينا قلبِهِ لم يَنْفَعه نظرهُ شيئاً (١).
وقال قتادة وابن جُبير: نزلت هذه الآية في ابن أُمِّ مَكْتُوم الأعمى(٢). قال ابن
عباس ومقاتل: لمَّا نزل: ﴿وَمَن كَانَ فِىِ هَذِهِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] قال ابن أمِّ مكتوم:
يا رسول الله، فأنا في الدنيا أعمى، أفأَكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت: ﴿فَإِنَّهَا لَا
تَعْمَ الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِي الصُّدُورِ﴾. أي: مَن كان في هذه أعمى بقلبه عن
الإسلام، فهو في الآخرة في النار(٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْبِلُوَكَ بِالْعَذَابٍ وَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ
(٤٧)
كَلْفٍ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُونَ
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِلْعَذَابِ﴾ نزلت في النضر بن الحارث، وهو قوله:
﴿فَأْنَا بِمَا تَمِدُّنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠](٤). وقيل: نزلت في أبي جهل
ابن هشام، وهو قولُه: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢](٥).
﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: في إنزال العذاب. قال الزجَّاج: استعجَلوا العذابَ
فأعلمهم الله أنه لا يفوته شيء، وقد نزل بهم في الدنيا يومَ بَدْر.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ قال ابن عباس
ومجاهد: يعني من الأيام التي خَلَق الله فيها السماوات والأرض(٦). عكرمة: يعني
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٣٢ .
(٢) النكت والعيون ٤/ ٣٢ عن قتادة، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٦٥/٤.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) ذكره البغوي ٢٩١/٣، وفيه أن قول النضر هو: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة
من السماء.
(٥) الصواب أن قول أبي جهل: إن كان هذا هو الحق ... ، نزل فيه الآيتان (٣٣ و ٣٤) من سورة الأنفال،
كما في صحيح البخاري (٤٦٤٨)، وصحيح مسلم (٢٧٩٦) عن أنس ﴾، وسلف ٩/ ٤٩٥ .
(٦) أخرج قولهما الطبري ٥٩٦/١٦ - ٥٩٧ .