Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
﴿وَلْيَطَّوَّفُوْ بِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الطّوافُ المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة
الذي هو من واجبات الحج. قال الطبريُ(١): لا خلافَ بين المتأوِّلين في ذلك.
الثانية والعشرون: للحجِّ ثلاثةُ أطوافٍ: طوافُ القُدوم، وطواف الإفاضة،
وطوافُ الوَداع. قال إسماعيل بن إسحاق: طواف القدوم سُنَّةٌ، وهو ساقطٌ عن
المراهق وعن المکيُّ وعن كلِّ مَن يُحرم بالحجِّ من مكة. قال: والطوافُ الواجبُ
الذي لا يسقط بوجهٍ من الوجوه، هو طواف الإفاضة الذي یکون بعد عرفة؛ قال
الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال:
فهذا هو الطوافُ المفترض في كتاب الله عزَّ وجلَّ، وهو الذي يَحِلُّ به الحاجُ من
إحرامه كلِّه.
قال الحافظ أبو عمر (٢): ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قولُ مالكٍ عند
أهل المدينة، وهي روايةُ ابن وهبٍ وابنٍ نافع وأشهبَ عنه. وهو قولُ جمهور أهل
العلم من فقهاء أهل الحجاز والعراق. وقد روى ابن القاسم وابن عبد الحكم عن
مالك: أنَّ طوافَ القدوم واجبٌ [وطواف الإفاضة واجبٌ]. وقال ابن القاسم في غير
موضعٍ من ((المدوَّنة)) ورواه أيضاً عن مالك: الطوافُ الواجبُ طوافُ القادم مكة.
وقال: مَن نَسِيَ الطَّوافَ في حين دخوله مكةً، أو نَسِيَ شوطاً منه، أو نَسِيَ السَّغْي أو
شوطاً منه، حتى رجع إلى بلده ثم ذكره، فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة
حتى يطوفَ بالبيت ويركعَ ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يُهْدِي. وإن أصاب النساء
رجع فطاف وسَعَى، ثم اعتمر وأهدى. وهذا كقوله فيمَن نَسِيَ طواف الإفاضة سواء.
فعلى هذه الرواية الطوافان جميعاً واجبان، والسَّعْيُّ أيضاً.
وأمّا طواف الصَّدَر؛ وهو المسمَّى بطواف الوداع: فروى ابن القاسم وغيره عن
(١) في التفسير ٥٣١/١٦، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٩/٤، وما قبله
منه.
(٢) في الكافي ١/ ٣٦٠، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.

٣٨٢
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
مالك فيمَن طاف طواف الإفاضةِ على غير وضوء: أنه يرجع من بلده فيُفيضُ، إلَّا أن
يكون تطوَّعَ بعد ذلك. وهذا مما أجمعَ عليه مالكٌ وأصحابه، وأنه يَجزيه تطوُُّه عن
الواجب المفترَضِ عليه من طوافه(١). وكذلك أجمعوا أنَّ مَن فَعَل في حجه شيئاً تطوّع
به من عمل الحجّ، وذلك الشي واجبٌ في الحج قد جاز وقته، فإنَّ تطوُّعَه ذلك يصير
للواجب لا للتطوُّع، بخلاف الصلاة. فإذا كان التطوُّع ينوب عن الفرض في الحجّ،
كان الطوافُ لدخول مكة أخْرَى أن ينوب عن طواف الإفاضة، إلا أنَّ إسماعيل وغيره
- وهو مذهبُ ابن القاسم - لا ينوبُ عندهم عن طواف الإفاضة(٢) إلَّا ما كان من
الطواف بعد رَمْي جمرة العَقَبة يومَ النحر أو بعده للوداع. وروايةُ ابن عبد الحكم عن
مالكٍ بخلاف ذلك؛ لأن فيها أنَّ طواف الدخول مع السَّعي ينوب عن طواف الإفاضة
لمن رجع إلى بلده مع الهَذْي، كما ينوب طواف الإفاضة مع السَّعي لمن لم يَطُف ولم
يَسْعَ حين دخوله مكة - مع الهدي أيضاً - عن طواف القدوم. ومَن قال هذا قال: إنما
قيل لطواف الدخول: واجبٌ، ولطواف الإفاضة: واجب؛ لأنَّ بعضهما ينوب عن
بعض، ولأنه قد رُويَ عن مالك أنه يرجع مَن نَسِيَ أحدهما من بلده على ما ذكرنا،
ولأن الله عزَّ وجلَّ لم يفترض على الحاجّ إلا طوافاً واحداً بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ
بِالْحَجِ﴾، وقال في سياق الآية: ﴿وَلْبَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيْقِ﴾ والواوُ عندهم في هذه
الآية وغيرها لا توجب رتبةً إلَّا بتوقيف.
وأسند الطبريُّ عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيراً عن قوله تعالى:
﴿وَلَيَطَّوَّفُوْ بِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾ فقال: هو طواف الوداع(٣). وهذا يدلُّ على أنه واجب،
وهو أحدُ قولي الشافعيّ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رخّص للحائض أن تَنْفِر دون أن
(١) يعني أن من نَسِيَ طواف الإفاضة، أو طافَه على غير وضوء، ثم تطوعَ بعده بطواف طاقَه قبل خروجه من
مكة، فإنه - عند مالك وأصحابه - يجزيه تطوعُه عن الواجب المفترض عليه من طوافه. الكافي ٢/ ٣٦٢ .
(٢) من قوله: إلا أن إسماعيل وغيره، إلى هذا الموضع سقط من (م).
(٣) في تفسير الطبري ٥٣٢/١٦، وزهير هو ابن محمد التميمي.

٣٨٣
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
تطوفه، ولا يرخّص إلَّ في الواجب.
الثالثة والعشرون: اختلف المتأوِّلون في وجه صفة البيت بالعتيق، فقال مجاهد
والحسن: العتيق: القديم. يقال: سيفٌ عتيق، وقد عَتُق، أي: قَدُم؛ وهذا قولٌ
يَعْضُده النظر (١)؛ وفي الصحيح: ((أنه أوّلُ مسجدٍ وُضع في الأرض)) (٢).
وقيل: سمي عتيقاً لأنَّ الله أعتقه من أن يتسلَّط عليه جبَّارٌ بالهوان إلى انقضاء
الزمان؛ قال معناه ابن الزبير ومجاهد(٣). وفي الترمذيِّ عن عبد الله بن الزبير قال:
قال رسول الله ﴾: ((إنَّما سُمِّيَ البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبَّار)). قال: هذا
حديثٌ حسن غريب، وقد روي عن النبيِّ # مرسلاً (٤).
فإن ذكر ذاكرٌ الحجَّاجَ بن يوسف ونَصْبَه المَنْجَنِیق على الكعبة حتی کسرها. قيل
له: إنَّما أعتقها عن كفارِ الجبابرة؛ لأنهم إذا أتَوْا بأنفسهم(٥) متمردين، ولحرمة البيت
غيرَ معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء، فعُصِمت منهم ولم تنلها أيديهم، كان ذلك
دلالةٌ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ صرفهم عنها قسراً. فأمَّا المسلمون الذين اعتقدوا حُرمتها
فإنهم إن كُفُّوا عنها لم يكن في ذلك من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها
في كفِّ الأعداء، فقَصَر الله تعالى هذه الطائفة على (٦) الكفِّ بالنَّهي والوعيد، ولم
(١) المحرر الوجيز ١١٩/٤ .
(٢) صحيح البخاري (٣٣٦٦)، وصحيح مسلم (٥٢٠)، وأخرجه أحمد (٢١٣٣٣)، وهو من حديث أبي ذر ﴾.
(٣) أخرج قولهما الطبري ٥٢٩/١٦ - ٥٣٠، وقول ابن الزبير أخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٣٧/٢ .
(٤) سنن الترمذي (٣١٧٠) وأخرجه أيضاً البزار في مسنده (٢٢١٥)، وقد أخرج الترمذي المرسل من طريق
الزهري عن النبي # ولم يذكر لفظه.
ووقع في (م) ومطبوع الترمذي: حسن صحيح، والمثبت من النسخ الخطية، وتفسير ابن كثير عند هذه
الآية، وتحفة الأحوذي، وذكر المزي في تحفة الأشراف ٣٢٩/٤ المرفوع والمرسل عن الترمذي، ولم
يذكر شيئاً من كلام الترمذي. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي # إلا عن ابن الزبير
عنه، ولا نعلم له طريقاً عن ابن الزبير إلا هذا الطريق. وقال المناوي في فيض القدير ٢/ ٥٧٥ : فيه
عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعفه الأئمة، وبقية رجاله ثقات.
(٥) في (ظ): إذا أتوا الكعبة.
(٦) في (ز) و(م): عن.

٣٨٤
سورة الحج: الآيات ٢٨ - ٣١
يتجاوزه إلى الصَّرْفِ بالإلجاء والاضطرار، وجعل الساعةَ موعدَهم، والساعةُ أدْهَى وأَمَرّ.
وقالت طائفة: سُمِّيَ عتيقاً لأنه لم يُمْلَك موضعُه قظُ. وقالت فرقة: سمِّي عتيقاً.
لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يُعتقُ فيه رقابَ المذنبين من العذاب(١).
وقيل: سمي عتيقاً لأنه أُعتِق من غرق الطوفان؛ قاله ابن جُبير (٢).
وقيل: العتيق: الكريم. والعِثْق: الكرم. قال طَرفَة يصف أذن الفرس:
مُؤَلَّلَتانِ تَعْرِفُ العِثْقَ فيهما كسامِعَتَيْ مذعورةٍ وَسْطَ رَبْرَبٍ(٣)
وعِثْقُ الرقيقِ: الخروج من ذُلِّ الرِّقِّ إلى كرم الحرية.
ويحتمل أن يكون العتيق صفةً مدحٍ تقتضي جودةً الشيء، كما قال عمر: حملتُ
على فرسٍ عتيق، الحديث (٤).
والقولُ الأول أصحّ؛ للنظرِ والحديثِ الصحيح. قال مجاهد: خَلَق الله البيتَ قبل
الأرض بألفي عام(٥)، وسمي عتيقاً لهذا، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّدٍ، وَأُحِلَّتْ
لَكُمُ الْأَنْعَمُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمِّ فَأَجْتَنِبُواْ الْرّْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ
وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِ، وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَنَّمَا خَرَّ
مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ
فيه ثماني مسائل :
(١) المحرر الوجيز ١١٩/٤، وقال ابن عطية: وهذا قول يردُّه التصريف.
(٢) المحرر الوجيز ١١٩/٤ .
(٣) ديوان طرفة ص٢٨، ورواية العجز فيه: كسامعتي شاة بحومَل مُفْرَد، وقد سلف بهذه الرواية
١١٩/١٠، أما الرواية التي ذكرها المصنف هنا فهي في ديوان امرئ القيس ص٤٨ وفيه: له أذنان،
بدل: مؤللتان. وهي أيضاً في ديوان علقمة الفحل بشرح الأعلم الشنتمري ص٨٩ برواية: له حُرَّتان،
ويعني بذلك أذنيه، قال الأعلم: والرَّبْرَب: جماعةٌ بقرِ الوحش.
(٤) المحرر الوجيز ١١٩/٤ - ١٢٠، والحديث بهذه الرواية أخرجه مسلم (١٦٢٠)، وقد سلف تخريجه
١٠ / ٦٠.
(٥) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (٩٠٩٧) والأزرقي في أخبار مكة ٣٢/١، والطبري ٥٥٥/٢.

٣٨٥
سورة الحج: الآيتان ٣٠ - ٣١
الأولى: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ يحتمل أن يكون في موضع رفعٍ بتقدير: فَرْضُكم
ذلك، أو: الواجبُ ذلك. ويحتمل أن يكون في موضع نصبٍ بتقدير: امتثلوا ذلك،
ونحو هذه الإشارةِ البليغةِ قولُ زهير:
هذا وليس كمن يَعْيَا بخُطَّتِهِ وَسْطَ النَّدِيِّ إذا ما قائلٌ نطقا (١)
والحرماتُ المقصودةُ هنا: هي أفعالُ الحج المشارُ إليها في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ
تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ تُذُورَهُمْ﴾، ويدخل في ذلك تعظيمُ المواضع؛ قاله ابن زيد
وغيره(٢). ويجمع ذلك أن تقول: الحرماتُ امتثالُ الأمر من فرائضه وسننه. وقولُه:
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَُّ عِندَ رَبٍِّ﴾ أي: التعظيم خيرٌ له عند ربِّه من التهاون بشيءٍ منها.
وقيل: ذلك التعظيم خيرٌ من خيراته يُنتفع به، وليست للتفضيل، وإنما هي عِدَةٌ بخير.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَمُ﴾ أي: بهيمة الأنعام، أن
تأكلوها، وهي الإبلُ والبقر والغنم. ﴿إِلَّ مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في الكتاب من
المحرَّمات، وهي المَيْنَةُ والمَؤْقُوذة وأخواتها. ولهذا اتصالٌ بأمر الحجّ؛ فإنَّ في الحجّ
الذبح، فبَيَّن ما يَحِلُّ ذبحه وأكلُ لحمه. وقيل: ((إلا ما يتلى عليكم)) غيرَ مُحِلِّي الصيد
وأنتم حُرُم.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَجْتَلِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ الرِّجس: الشيء الَّذِر.
والوَثَن: التمثالُ من خشبٍ أو حديدٍ أو ذهبٍ أو فضةٍ ونحوها، وكانت العربُ تنصِبها
وتعبدها. والنصارى تنصِب الصليب وتعبده وتعظّمه، فهو كالتمثال أيضاً؛ قال عَدِيّ
ابن حاتم: أتيتُ النبيَّ :﴿ وفي عنقي صليبٌ من ذهب، فقال: ((ألْقِ هذا الوثَنَ
عنك))(٣) أي: الصليب؛ وأصلُه من وَثَن الشيء، أي: أقام في مقامه. وسمِّي الصنم
وَثَناً لأنه يُنصَب ويُركّز في مكانٍ فلا يبرح عنه. يريد: اجتنبوا عبادة الأوثان؛ روي عن
(١) المحرر الوجيز ١٢٠/٤، والبيت في ديوان زهير ص ٥٥ برواية: وسط الرجال. وذكره قدامة بن جعفر
في نقد الشعر ص٧٢ ، وابن رشيق في العمدة ١٣٤/٢ برواية: بخطبته، بدل: بخطته.
(٢) المحرر الوجيز ١٢٠/٤، وخبر ابن زيد أخرجه الطبري ٥٣٤/١٦ بلفظ: الحرمات: المشعر الحرام،
والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، هؤلاء الحرمات.
(٣) سلف ١٠/ ١٧٧ - ١٧٨.

٣٨٦
سورة الحج: الآيتان ٣٠ - ٣١
ابن عباس وابن جُريج(١). وسمَّاها رجساً لأنها سببُ الرِّجز، وهو العذاب.
وقيل: وَصَفَها بالرجس، والرجسُ النَّجَس، فهي نجسةٌ حكماً. وليست النجاسةُ
وصفاً ذاتيًّا للأعيان، وإنما هي وصفٌ شرعيٍّ من أحكام الإيمان، فلا تُزال إلَّا
بالإيمان؛ كما لا تجوز الطهارة إلَّا بالماء(٢).
الرابعة: ﴿مِنَ﴾ في قوله: ((مِن الأوثانِ)) قيل: إنَّها لبيان الجنس، فيقع نَهْيُه عن
رجس الأوثان فقط، ويبقى سائر الأرجاس نَهْيُها في غير هذا الموضع. ويحتمل أن
تكون لابتداء الغاية، فكأنه نهاهم عن الرجس عاماً، ثم عيَّن لهم مبدأه الذي منه
يلحقهم؛ إذ عبادةُ الوثن جامعةٌ لكلِّ فسادٍ ورجس. ومَن قال: إنَّ((مِن)) للتبعيض،
قَلَبَ معنى الآيةِ وأَفْسَده(٣).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَحْتَنِبُواْ قَوَّلَ الزُّورِ﴾ الزُّور: الباطلُ والكذب.
وسمِّيَ زوراً لأنه أميل(٤) عن الحقّ، ومنه: ﴿تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]،
ومدينةٌ زَوْراء، أي: مائلة. وكلُّ ما عدا الحقِّ فهو كذبٌ وباطلٌ وزُور. وفي الخبر: أنه
عليه الصلاة والسلام قام خطيباً فقال: ((عُدلتْ شهادةُ الزور بالشِّرك(٥) بالله)). قالها
مرتين أو ثلاثاً(٦). يعني أنها قد جُمعت مع عبادة الوثن في النهي عنها.
(١) أخرج قولهما الطبري ٥٣٥/١٦ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٧٢ .
(٣) المحرر الوجيز ١٢٠/٤.
(٤) في (ظ): ميل.
(٥) في (م): الشرك.
(٦) أخرجه أحمد (١٧٦٠٣)، والترمذي (٢٢٩٩) من طريق سفيان بن زياد العصفري، عن فاتك بن فضالة،
عن أيمن بن خريم عن النبي #. قال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان
ابن زياد، واختلفوا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياد، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من
النبي ﴾. قلنا: وفاتك بن فضالة مجهول الحال، كما ذكر الحافظ في التقريب. وأخرجه أحمد
(١٨٨٩٨)، وأبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٣٠٠)، وابن ماجه (٢٣٧٢) من طريق سفيان بن زياد
العصفري، عن أبيه، عن حبيب بن النعمان عن خريم بن فاتك مرفوعاً. قال الترمذي: هذا عندي أصحّ،
وخريم بن فاتك له صحبة. اهـ وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٥٤٨/٤: وهو لا يصح،
وحبيب لا يعرف بغير هذا، ولا تعرف حاله، وزياد العصفري مجهول.

٣٨٧
سورة الحج: الآيتان ٣٠ - ٣١
السادسة: هذه الآيةُ تضمَّنت الوعيدَ على الشهادة بالزُّور، وينبغي للحاكم إذا عَثَر
على الشاهد بالزور أن يعزِّره ويناديّ عليه ليُعرف؛ لئلا يَغْتَرَّ بشهادته أحدٌ. ويختلف
الحكم في شهادته إذا تاب، فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرِّز فيها لم
تُقبل؛ لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة؛ إذ لا يستطيع أن يفعل من القُرُبات أكثرَ
ممَّا هو عليه. وإن كان دون ذلك فشمَّر في العبادة وزادت حالُه في التُّقَى قُبلت شهادتُه.
وفي الصحيح عن النبيِّ# أنه قال: ((إنَّ من أكبر الكبائر الإشراكَ بالله، وعقوقَ
الوالدين، وشهادةَ الزور - أو: قولَ الزور)). وكان رسول الله ﴿ متكئاً فجلس، فما
زال يكررها حتى قلنا: لَيْتَه سكت(١).
السابعة: ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ﴾ معناه: مستقيمين، أو مسلمين مائلين إلى الحقّ. ولفظةُ
((حنفاء)) من الأضداد؛ تقع على الاستقامة وتقع على الميل. و((حنفاء)) نصبٌ على
الحال. وقيل: ((حنفاء)»: حُجَّاجاً، وهذا تخصيصٌ لا حجةً معه(٢).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُثْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: هو يومَ القيامة
بمنزلةٍ مَن لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا ولا عذاباً، فهو بمنزلة مَن خَرَّ
من السماء، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه. ومعنى ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ أي: تقطعه
بمخالبها.
وقيل: هذا عند خروج روحِه وصعودِ الملائكة بها إلى سماء الدنيا، فلا يُفتح
لها، فيرمى بها إلى الأرض، كما في حديث البَرَاء، وقد ذكرناه في ((التذكرة))(٣).
(١) صحيح البخاري (٢٦٥٤)، وصحيح مسلم (٨٧)، وهو عند أحمد (٢٠٣٨٥)، وهو من حديث أبي
بكرة ﴾، ولفظُه: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثاً) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((الإشراك بالله ....
ووقع بلفظ: ((إن من أكبر الكبائر ... )) عند أحمد (١٦٠٤٣)، والترمذي (٣٠٢٠)، وابن حبان (٥٥٦٣)
من حديث عبد الله بن أنيس ﴾، وفيه اليمين الغموس، بدل: شهادة الزور، ودون قوله: وكان متكئاً
فجلس ... وفي الباب عن أنس # عند أحمد (١٢٣٣٦)، والبخاري (٢٦٥٣)، ومسلم (٨٨).
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ١٢٠ .
(٣) ص١١٩، وأخرجه مطولاً أحمد (١٨٥٣٤).

٣٨٨
سورة الحج: الآيات ٣٠ - ٣٣
والسحيق: البعيد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]،
وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((سُحْقاً سحقاً))(١).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعََيْرَ الَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ (٨) لَكُمْ فِهَا
مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
٣٣
فيه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ؛ قيل: يكون في موضع رفعٍ
بالابتداء، أي: ذلك أمر الله. ويجوز أن يكون في موضع رفعٍ على خبرٍ ابتداءٍ
محذوف. ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي: اتَّبعوا ذلك(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾ الشعائرُ جمعُ شَعيرة، وهو كلُّ شيءٍ
لله تعالى فيه أمرٌ أشعَرَ به وأَعْلَم(٣)؛ ومنه شِعارُ القوم في الحرب، أي: علامتهم التي
يتعارفون بها. ومنه إشعارُ البَدَنة، وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيلَ الدمُ فيكون
علامة، فهي تسمَّى شَعِيرة بمعنى المشعورة. فشعائر الله: أعلامُ دينه لا سيما ما يتعلَّق
بالمناسك.
وقال قوم: المرادُ هنا: تسمينُ البُدْن، والاهتبالُ(٤) بأمرها، والمغالاة بها؛ قاله
ابن عباس ومجاهد وجماعة(٥). وفيه إشارةٌ لطيفةٌ، وذلك أنَّ أصل شراء البُدْن ربَّما
يُحمل على فعلٍ ما لابدَّ منه، فلا يدلُّ على الإخلاص، فإذا عظّمها مع حصول
(١) أخرجه مطولاً أحمد (٧٩٩٣)، ومسلم (٢٤٩).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٩٧، وسلف نحوه في الآية (٣٠).
(٣) المحرر الوجيز ١٢١/٤.
(٤) في (ز) و(م): والاهتمام بأمرها والمثبت من باقي النسخ، والمحرر الوجيز ١٢١/٤، والكلام منه،
يعني الإسراع بأمرها.
(٥) المحرر الوجيز ١٢١/٤، وأخرجه عن ابن عباس ومجاهد ابنُ أبي شيبة ٢٩٤/٤ و٢٩٥ (نشرة
العمروي)، و الطبري ٥٤٠/١٦ .

٣٨٩
سورة الحج: الآيتان ٣٢ - ٣٣
الإجزاء بما دونه فلا يظهر له مَحْمَلٌ (١) إلَّا تعظيمُ الشرع، وهو من تقوى القلوب.
والله أعلم.
الثالثة: الضمير في ((إنها)) عائدٌ على الفَعلة التي يتضمَّنها الكلام، ولو قال: فإنه؛
لجاز. وقيل: إنها راجعةٌ إلى الشعائر، أي: فإنَّ تعظيم الشعائر، فحذف المضاف
لدلالة الكلام علیه، فرجعت الکنایةُ إلى الشعائر.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ قرئ: ((القلوبُ)) بالرفع على أنها
فاعلةٌ بالمصدر الذي هو (تَقْوَى))(٢). وأضاف إلى القلب لأنَّ حقيقةً التقوى في
القلب؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح الحديث: ((التقوى هاهنا)) وأشار
(٣)
إلى صدره(٣).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿لَكُّ فِهَا مَنَفِعُ﴾ يعني البُدْنَ، من الركوب والدَّرِّ والنَّسل
والصوف وغير ذلك، إذا لم يبعثها ربُّها هَذْياً، فإذا بعثها فهو الأجل المسمَّى؛ قاله
ابن عباس(٤). فإذا صارت بُدْناً هَذْياً، فالمنافعُ فيها أيضاً: ركوبُها عند الحاجة،
وشربُ لبنها بعد رِيٍّ فَصِيلها. وفي الصحيح عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله : # رأى
رجلاً يسوق بَدَنةً فقال: ((ارْكَبْها)) فقال: إنها بدنةٌ! فقال: ((ارْكَبْها)) قال: إنها بدنة!
قال: ((اركبها وَيْلَكَ)) في الثانية أو في الثالثة(٥).
وروي عن جابر بن عبد الله وسُئل عن ركوب الهَدْي فقال: سمعت النبيَّ ﴾
يقول: ((اركبها بالمعروف إذا أُلْجِئْتَ إليها حتى تَجِدَ ظَهْراً))(٦). والأجلُ المسمَّى على
(١) في (خ) و(م): عمل، والمثبت من باقي النسخ وأحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٢٨٢، والكلام منه.
(٢) المحرر الوجيز ١٢١/٤ .
(٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٧٢٧)، ومسلم (٢٥٦٤) عن أبي هريرة ﴾.
(٤) أخرجه الطبري ١٦/ ٥٤٢ .
(٥) صحيح البخاري (١٦٨٩)، وصحيح مسلم (١٢٢٢)، وهو عند أحمد (٧٣٥٠).
(٦) أخرجه أحمد (١٤٤١٣)، ومسلم (١٣٢٤).

٣٩٠
سورة الحج: الآيتان ٣٢ - ٣٣
هذا القولِ نحرُها؛ قاله عطاء بن أبي رَباح(١).
السادسة: ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((اركبها)). ومِمَّن أَخَذ بظاهِرِه أحمد وإسحاقُ وأهلُ الظاهر(٢). وروى ابن
نافع عن مالك: لا بأس بركوب البَدَنة ركوباً غيرَ فادحٍ. والمشهورُ أنه لا يركبها إلَّا إن
اضطُرَّ إليها؛ لحديث جابرٍ؛ فإنه مقيَّد، والمقيَّد يقضي على المطلَق. وبنحو ذلك قال
الشافعيُّ وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عند الحاجة [فاستراح] نزل، قال(٣) إسماعيل
القاضي: وهو الذي يدلُّ عليه مذهبُ مالك، وهو خلافُ ما ذكره ابن القاسم: أنه لا
يلزمه النزول، وحجته إباحةُ النبيٍ ﴾ له الركوب، فجاز له استصحابه.
وقوله: ((إذا أُلجئتَ إليها حتى تجد ظَهْراً) يدلُّ على صحة ما قاله الإمام الشافعيُّ
وأبو حنيفة رضي الله عنهما، وما حكاه إسماعيلُ عن مذهب مالك. وقد جاء صريحاً
أنَّ النبيَّ # رأى رجلاً يسوق بدَنةً وقد جُهد، فقال: ((اركبها)). وقال أبو حنيفة
والشافعيُّ: إن نَقَصها الركوبُ المباحُ فعليه قيمةُ ذلك ويتصدَّق به(٤).
السابعة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْمَتَّبِقِ﴾ يريد أنها تنتهي إلى البيت،
وهو الطواف. فقوله: ((مَحِلُّها)) مأخوذٌ من إحلال المحرِمِ. والمعنى: أنَّ شعائر الحجِّ
كلَّها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسَّعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق.
فالبيتُ على هذا التأويلِ مرادٌ بنفسه؛ قاله مالك في ((الموطأ)) (٥).
(١) أخرجه الطبري ٥٤٥/١٦ .
(٢) المفهم ٤٢٢/٣، وقوله: وممن أخذ بظاهره، يعني بجواز الركوب، كما جاء مصرحاً به في إكمال
المعلم ٤/ ٤١٠ ، والكلام فيه بنحوه.
(٣) في النسخ عدا (ظ): قاله، والمثبت من (ظ) والمفهم ٤٢٢/٣، وإكمال المعلم ٤١٠/٤، والكلام
وما بین حاصرتین منهما.
(٤) المفهم ٤٢٢/٣ - ٤٢٤، والحديث الأخير أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٦١/٢ عن
انس ﴾﴾.
(٥) ٣٧٠/١.

٣٩١
سورة الحج: الآيات ٣٢ - ٣٤
وقال عطاء: ينتهي إلى مكة(١). وقال الشافعيُّ: إلى الحرم. وهذا بناءً على أنَّ
الشعائر هي البُدْن، ولا وجهَ لتخصيص الشعائر مع عمومها وإلغاءِ خصوصيةٍ ذکرٍ
البيت(٢). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمَّتِ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِّنْ
بَهِيمَةِ الْأَنَْمِّ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ فَلَهُ: أَسْلِمُواْ وَبَشْرِ الْمُخْبِتِينَ (َ﴾
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ الآية، لمَّا ذكر تعالى الذبائح بيَّن أنه
لم يُخْلِ منها أمَّةً، والأمةُ: القومُ المجتمعون على مذهبٍ واحد، أي: ولكلِّ جماعةٍ
مؤمنةٍ جعلنا مَنْسَكاً.
والمنسك: الذَّبْح وإراقة الدم؛ قاله مجاهد(٣). يقال: نَسَك: إذا ذَبَح، يَنْسُك
نَسْكاً. والذبيحةُ نسيكة، وجمعُها نُسُك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكَّ﴾
[البقرة: ١٩٦]. والنُّسُك أيضاً: الطاعة.
وقال الأزهريُّ في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنْسِكاً﴾: إنه يدلُّ على
موضع النحر في هذا الموضع، أراد: مكانَ نَسْك(٤). ويقال: مَنْسَك ومَنْسِك، لغتان.
وقرئ بهما؛ قرأ الكوفيون إلَّا عاصماً بكَسْرِ السين، الباقون بفتحها(٥).
وقال الفراء (٦): المَنْسَك في كلام العرب: الموضعُ المعتادُ في خير أو شر،
وقيل: مناسك الحج؛ لتَرْداد الناس إليها، من الوقوف بعرفةَ ورمي الجمار والسعي.
(١) أخرجه الطبري ١٦/ ٥٤٧.
(٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٢٧٤/٣ .
(٣) أخرجه الطبري ١٦/ ٥٥٠ .
(٤) تهذيب اللغة ٧٤/١٠ نقلاً عن الزجاج، وهو في معاني القرآن له ٣/ ٤٢٧ ، إلا أنه ذكره في معنى
منسيكاً بكسر السين، وقال: هو مثل مجلس: مكان جلوس، ومن قال منسّك، فهو بمعنى المصدر.
(٥) السبعة ص٤٣٦، والتيسير ص ١٥٧ .
(٦) في معاني القرآن ٢/ ٢٣٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٩٨/٣.

٣٩٢
سورة الحج: الآيتان ٣٤ - ٣٥
وقال ابن عرفة في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ أي: مذهباً من طاعة الله
تعالى؛ يقال: نَسَك نَسْكَ قومه: إذا سلك مذهبهم.
وقيل: منسكاً: عيداً؛ قاله الفرّاء. وقيل: حجًّا؛ قاله قتادة(١).
والقولُ الأول أَظْهَرُ؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُواْ اسْمَ اَللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ
اَلْأَنْعَمِّ﴾ أي: على ذبح ما رزقهم. فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له؛
لأنه رازقُ ذلك.
ثم رجع اللفظُ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه: فالإله واحدٌ
لجميعكم، فكذلك الأمرُ في الذبيحة إنَّما ينبغي أن تخلصَ له.
قوله تعالى: ﴿فَلَهُ: أَسْلِمُواْ﴾ معناه: لحقُّه ولوجهه وإنعامه آمِنوا وأسلِموا. ويحتمل
أن يريد الاستسلام، أي: له أطيعوا وانقادوا.
قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المخبِت: المتواضِعُ الخاشع من المؤمنين.
والخَبْت: ما انخفض من الأرض، أي: بشِّرْهم بالثواب الجزيل. قال عمرو بن
أوس: المخبتون: الذين لا يَظْلِمون، وإذا ◌ُلموا لم يَنْتصِروا. وقال مجاهد فيما روى
عنه سفيان عن ابن أبي نجيح: المخبتون: المطمئُّون بأمر الله عزَّ وجلَّ(٢).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَعِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّبِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ
وَالْمُقِيمِى الصَّلَوَةِ وَمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت وَحذِرت مخالفتَه. فَوَصَفَهم
بالخوف والوجل عند ذكره، وذلك لقوّة یقینهم ومراعاتهم لربِّهم وكأنهم بین یدیه،
(١) ذكر قول قتادة والفراء ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٢٧٥.
(٢) المحرر الوجيز ١٢٢/٤، وقول مجاهد وقول عمرو بن أوس أخرجهما الطبري ٥٥١/١٦، وأخرج
قول مجاهد أيضاً عبد الرزاق ٣٨/٢، وقول عمرو بن أوس أخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٥٧٨/١٣ .

٣٩٣
سورة الحج: الآية ٣٥
ووصفهم بالصبر وإقامة الصلاة وإدامتها. وروي أنَّ هذه الآيةَ قوله: ﴿وَيَشْرِ
الْمُخْبِتِينَ﴾ نزلت في أبي بكرٍ وعمرَ وعليٍّ رضوانُ الله عليهم(١).
وقرأ الجمهور: ﴿السَّلَوَةِ﴾ بالخفض على الإضافة، وقرأ أبو عمرو: ((الصلاةَ))
بالنصب على توهُّم النون، وأنَّ حَذْفَها للتخفيف لطول الاسم (٢)، وأنشد سيبويه:
الحافِظُو عَوْرةَ العَشِيرة(٣) ...
هـر:
الثانية: هذه الآيةُ نظيرُ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أَلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى:
﴿اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَِهَا مَثَانِىَ نَفْشَعُِّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ ثُمَّ تَلِينُ
جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. هذه حالةُ العارفين بالله، الخائفين من
سَطْوته وعقوبته، لا كما يفعله جُهَّال العوامِّ والمبتدِعةُ الطّعامُ، من الزَّعيق والزئير،
ومن النُّهاق الذي يشبه نُهاق الحمير، فيقال لمن تَعالَى ذلك وزعم أنَّ ذلك وَجْدٌ
وخشوع: إنك لم تبلغ أن تساويّ حالَ رسول الله﴿ ولا حالَ أصحابه في المعرفة
بالله تعالى والخوف منه والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالُهم عند المواعظ
الفهمَ عن الله، والبكاءَ خوفاً من الله. وكذلك وَصَفَ الله تعالى أحوال أهل المعرفة
عند سماع ذكره وتلاوةٍ كتابه، ومَن لم يكن كذلك فليس على هَذيهم ولا على
(١) المحرر الوجيز ١٢٢/٤ .
(٢) المحتسب ٢/ ٨٠، والمحرر الوجيز ١٢٢/٤، وهي في القراءات الشاذة ص ٩٥ عن ابن أبي إسحاق،
والقراءةُ المتواترة عن أبي عمرو كقراءة الجماعة.
(٣) الكتاب ١٨٦/١ و٢٠٢، وعزاه لرجل من الأنصار، وتمامه:
يأتيهم من ورائنا نَطَفُ
الحافظو عورةً العشيرة لا
وهو في جمهرة أشعار العرب ٢/ ٦٧٥ ضمن قصيدة لعمرو بن امرئ القيس، وهذا ما رجحه البغدادي
في الخزانة ٢٨٣/٤ ، ونسبه البَطّلْيَوْسي في الحلل ص١٢٢ لقيس بن الخطيم، وهو في الجمهرة
والحلل برواية وَكَفُ، بدل: نطف. قال البطليوسي: الوَكَف هنا: العيب، ويروى: نَطّف، وهو نحو
الوكف. اهـ وروي: عورةٍ، بالجر كما ذكر صاحب الخزانة ٤/ ٢٧٣ .

٣٩٤٠
سورة الحج: الآيتان ٣٥ - ٣٦
طريقتهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا
عَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبََّآ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. فهذا وصفُ حالهم
وحكايةُ مَقَالِهم، فَمَن كان مُسْتَنَّا فَلْيَسْتَنّ، ومَن تَعاطَى أحوالَ المجانين والجنونِ فهو
مِن أخسِّهم حالاً، والجنونُ فنون(١).
روى الصحيح عن أنس بن مالك: أنَّ الناس سألوا النبيَّ # حتى أحْفَوْه في
المسألة، فخرج ذاتَ يومٍ فصَعِد المِنبر فقال: ((سَلُوني، لا تسألوني عن شيء إلا بيَّنتُه
لكم ما دمتُ في مَقَامي هذا)). فلما سمع ذلك القومُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا أن يكون بين
[يدي] أمرٍ قد حَضَر. قال أنس: فجعلتُ ألتفتُ يميناً وشِمالاً فإذا كلُّ إنسانٍ لاّ
رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث(٢). وقد مضى القول في هذه المسألة بأشبعَ من
هذا في سورة الأنفال(٣) والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَاَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِّنِ شَعََبِ اَللَّهِ لَكُمْ فِيَهَا خَيْرٌ فَذَكُرُواْ أَسْمَ
اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ فَإِذَا وَبَجَتْ جُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَلْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَّرَّ كَذَلِكَ
١٣٦
سَخَرْتَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
فيها عشر مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاَلْبُدْنَ﴾ وقرأ ابن أبي إسحاق: ((والبُدُن))(٤)؛ لغتان،
واحدتُها بَدَنة. كما يقال: ثمرة وثُمُر وثُمْر، وخشبة وخُشُب وخُشْب، وفي التنزيل :
(١) المفهم ١٦٠/٦ . وكان من الأَولى الاكتفاءُ في الردّ بما ورد من الكتاب والسنة. فالتقريع لا يزيد
المسلمين إلا فُرقة وضغناً.
(٢) صحيح مسلم (٢٣٥٩): (١٣٧)، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه أحمد (١٢٨٢٠)، والبخاري
(٦٣٦٢). وقد سلف ٩/ ٤٥٠. وقوله: أحفوه، أي: أَلَحُوا عليه. وأرموا: سكتوا. وقوله: ورهبوا أن
یکون بين يدي أمر قد حضر، أي: خافوا أن تقع بهم عقوبة عند غضبه. المفهم ١٥٨/٦ - ١٥٩ .
(٣) ٩ / ٤٥٠ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٩٨/٣، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٩٥ عن الحسن وعيسى،
وذكر عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: ((والبُدُنَّ» بضمتين وتشديد النون.

٣٩٥
سورة الحج: الآية ٣٦
﴿وكان له ثُمُر﴾ [الكهف: ٣٤]، وقرئ: ﴿ثُمْر﴾(١) لغتان. وسمِّيت بَدَنة لأنها تَبْدُن،
والبدانةُ: السِّمَن. وقيل: إن هذا الاسم خاصٌّ بالإبل. وقيل: البُذْن جمعُ ((بَدَن)) بفتح
الباء والدال. ويقال: بَدُن الرجل؛ بضم الدَّال: إذا سَمِن. وبدَّن؛ بتشديدها: إذا كَبِرَ
وأَسَنَّ؛ وفي الحديث («إنِّي قد بدَّنْتُ))(٢) أي: گپرتُ واَسْنَنْتُ. وروي ((بَدُنْت)) وليس له
معنى؛ لأنه خلافُ صفتِهِ﴿، ومعناه: كثرةُ اللحم (٣). يقال: بَدُنَ الرجل يبدُن بَدْناً
وبَدانة فهو بادِنٌ، أي: ضخم.
الثانية: اختلف العلماء في البُذْن؛ هل تُطلَقُ على غير الإبل من البقر أم لا؟ فقال
ابن مسعود وعطاء والشافعيُّ: لا. وقال مالك وأبو حنيفة: نعم. وفائدةُ الخلاف فيمن
نذر بَدَنةً فلم يجد البَدَنةَ، أو لم يَقْدِرْ عليها وقَدَر على البقرة؛ فهل تَجزيه أم لا؟ فعلى
مذهب الشافعيِّ وعطاء لا تَجزيه. وعلى مذهب مالك تَجزيه(٤).
والصحيح ما ذهب إليه الشافعيُّ وعطاء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث
الصحيح في يوم الجمعة: ((مَن راحَ في الساعةِ الأولى فكأنَّما قَرَّبَ بَدَنةً، ومَن راحَ
في الساعةِ الثانيةِ فكأنَّما قرَّبَ بقرة)) الحديث(٥). فتفريقُه عليه الصلاة والسلام بين
البقرة والبَدَنة يدلُّ على أنَّ البقر لا يقال عليها بُدن، والله أعلم. وأيضاً قوله تعالى:
فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ يدلُّ على ذلك، فإن الوصف خاصٌّ بالإبل. والبقرُ يُضْجَع ويذبح
كالغنم؛ على ما يأتي(٦).
(١) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي: ((ثُمُر)) بضم الثاء والميم، وقرأ أبو عمرو: ((ثُمْر)) بضم
الثاء وإسكان الميم، وقرأ عاصم: ((ثَمَر)) بفتح الثاء والميم. السبعة ص ٣٩٠، والتيسير ص١٤٣.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٦٨٣٨)، وأبو داود (٦١٩)، وابن ماجه (٩٦٣)، وابن حبان (٢٢٢٩)
عن معاوية ﴾، وأخرجه ابن حبان أيضاً (٢٢٣١) عن أبي هريرة ﴾.
(٣) غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ١٥٢ - ١٥٣، وتهذيب اللغة ١٤٤/١٤، وما بعده منه.
(٤) المفهم ٤٨٨/٢ .
(٥) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٩٩٢٦)، والبخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠) عن أبي هريرة ﴾.
(٦) في المسألة السادسة.

٣٩٦
سورة الحج: الآية ٣٦
ودليلُنا أنَّ البَدَنة مأخوذةٌ من البدانة، وهو الضخامة، والضخامةُ توجد فيهما
جميعاً. وأيضاً فإنَّ البقرة في التقرُّب إلى الله تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل، حتى
تجوزُ البقرة في الضحايا عن سبعةٍ كالإبل. وهذا حجةٌ لأبي حنيفةَ حيث وافقه
الشافعيُّ علی ذلك، وليس ذلك في مذهبنا.
وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم: بدنة، وهو قولٌ شاذّ. والبُذْنُ هي الإبل التي
تُهْدَى إلى الكعبة. والهَدْيُ عامٌّ في الإبل والبقر والغنم(١).
﴿لَكُمْ
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِن شَعَبِرِ اللَّهِ﴾ نصٌّ في أنَّها بعضُ الشعائر. وقوله : .
فِيهَا خَيْرٌ﴾ يريد به المنافعَ التي تقدَّم ذكرها. والصوابُ عمومُه في خير الدنيا والآخرة.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآنٌ﴾ أي: انحروها على اسم
الله، و((صوافَّ)) أي: قد صَفَّتْ قوائمها(٢). والإبل تُنحر قياماً معقولة. وأصلُ هذا
الوصف في الخيل؛ يقال: صَفَنَ الفرس فهو صافنٌ: إذا قام على ثلاثٍ قوائمَ وثَنَى
سُنْبُك الرابعة؛ والسُّنبكُ: طَرَفُ الحافر. والبعير إذا أرادوا نحره تُعقل إحدى يديه
فيقوم على ثلاث قوائم.
وقرأ الحسن والأعرج ومجاهدٌ وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعريُّ:
((صَوافيَ)(٣) أي: خَوَالصَّ لله عزَّ وجلَّ لا يشركون به في التسمية على نحرها أحداً.
وعن الحسن أيضاً: ((صَوَافٍ)) بكسر الفاء وتنوينها مخفَّفةً، وهي بمعنى التي قبلها
لكنْ حُذفت الياء تخفيفاً على غير قياس(٤).
و((صوافَّ)) قراءة الجمهور بفتح الفاء وشدِّها؛ من صفَّ يَصُفُّ. وواحدُ صوافّ:
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٧٦/٣ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤٢٨/٣، وقال الزجاج: أي: فاذكروا اسم الله عليها في حال نحرها، والبعير
ينحر قائماً، وهذه الآية تدلُّ على ذلك.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩٥، والمحتسب ٨١/٢، والمحرر الوجيز ١٢٢/٤.
(٤) المحرر الوجيز ١٢٢/٤، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٩٥ دون نسبة.

٣٩٧
سورة الحج: الآية ٣٦
صافَّة، وواحدُ صَوَافي : صافية.
وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو جعفر محمد بن علي: ((صَوَافِنَ))
بالنون(١) جمع صافئة. ولا يكون واحدُها صافناً (٢)؛ لأنَّ فاعلاً لا يجمع على فَوَاعِلَ
إلَّا في حروفٍ مختصَّةٍ لا يقاسُ عليها؛ وهي: فارسٌ وفوارس، وهالكٌ وهوالك،
وخالفٌ وخوالف(٣). والصافئة: هي التي قد رُفعت إحدى يديها بالعَقْل لئلا تضطرب.
ومنه قوله تعالى: ﴿الصَِّفِنَتُ لِيَادُ﴾ [ص: ٣١]، وقال عمرو بن كُلْثوم:
تركنا الخيلَ عاكفةً عليه مقلَّدةً أعبَّتَها صُفُونَا (٤)
ویروی :
تظلُّ جيادُه نَوْحاً عليه مقلَّدةً أعَّتَها صفونا (٥)
وقال آخر:
أَلِفَ الصُّفونَ فما يزال كأنه ممَّا يقوم على الثلاثِ كَسِيراً(٦)
وقال أبو عُمر الجَرْمِيُّ: الصافنُ: عِرْقٌ في مقدَّم الرجل، فإذا ضُرب على الفرس
رفع رجله(٧). وقال الأعشى:
(١) القراءات الشاذة ص ٩٥، والمحتسب ٨١/٢ .
(٢) لكن الأزهري نقل في تهذيب اللغة ٢٠٦/١٢ عن أبي زيد قوله: العرب تقول لجميع الصافن:
صوافن، وصافنات، وصُفون.
(٣) وكذا ناكس ونواكس، وغائب وغوائب، وغافل وغوافل، وباسل وبواسل ... وهو ما شذَّ من وصف
المذكر العاقل في جمع فاعل على فواعل. والأصل في هذا الجمع أن يكون وصفاً لمؤنث عاقل
كحائض وحوائض، وطالق وطوالق، وقاعد وقواعد، أو وصفاً لمذكر غير عاقل، كصاهل وصواهل.
وقد نقل المصنف ٣٢٧/١٠ عن النحاس قوله: قد يقال للرجل: خالفه وخالف أيضاً.
(٤) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم، وهو في شرح المعلقات للنحاس ٩٩/٢ ، وشرح المعلقات للتبريزي
ص٢٦٣ . قال النحاس: والصَّفُون جمع صافن، وهو القائم، وقيل: هو الذي رفع إحدى قوائمه من
التعب.
(٥) لم نقف عليه.
(٦) النكت والعيون ٢٧/٤، وأساس البلاغة واللسان (صفن).
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٩٩/٣ .

٣٩٨
سورة الحج: الآية ٣٦
يَزينُ الفِناء إذا ما صَفَنْ(١)
وكلَّ كُمَيْتٍ كچِذْعِ السَّحوق
الخامسة: قال ابن وَهْب: أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصوافّ
فقال: يقيِّدها ثم يصفُّها. وقال لي مالك بن أنس مثلَه(٢). وكافَّةُ العلماء على استحباب
ذلك، إلَّا أبا حنيفة والثَّوريَّ؛ فإنهما أجازا أن تُنحر باركةً وقياماً. وشدَّ عطاء فخالف
واستَحَبَّ نَحْرَها باركة(٣). والصحيحُ ما عليه الجمهورُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ
جُوبُهَا﴾ معناه: سقطت بعد نَحْرِها، ومنه: وَجَبت الشمس. وفي ((صحيح)) مسلم (٤)
عن زياد بن جُبير: أنَّ ابن عمر أتى على رجلٍ وهو ينحر بَدَنتَه باركةً فقال: ابعثُها
قائمةً مقيَّدةً سنَّة نبيكم ﴾.
وروى أبو داود(٥) عن أبي الزبير عن جابر: وأخبرني عبد الرحمن بنُ سابطٍ أنَّ
النبيَّ :﴿ وأصحابَه كانوا ينحرون البَدَنةَ معقولةَ اليسرى قائمةً على ما بقي من قوائمها.
السادسة: قال مالك: فإن ضَعُف إنسانٌ أو تخوَّف أن تَنْفلتَ بَدَنتُه فلا أرى بأساً
أن ينحرها معقولةً. والاختيارُ أن تُنحر الإبلُ قائمةً غيرَ معقولةٍ، إلّا أن يتعذَّر ذلك
فتُعقَل، ولا تُعَرْقَب إلَّا أن يخاف أن يضعفَ عنها ولا يَقْوَى عليها. ونحرُها باركةً
أفضلُ من أن تُعرقَبَ. وكان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوانٍ أَيْدِه(٦)، فينحرها
في صدرها ويُخْرِجها على سنامها، فلما أسنَّ كان ينحرها باركةً لضعفه، ويُمسك معه
الحربةَ رجلٌ آخرُ، وآخَرُ بخِطامها(٧).
(١) ديوان الأعشى ميمون بن قيس ص٧١ برواية: الخصاب، بدل: السحوق. وقال شارحه: المعنى:
والفرس الأسود كأنه الجذع في طول متنه، يزين فناء البيت إذا ما صفن.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٧٧ .
(٣) المفهم ٤٢٠/٣ .
(٤) برقم (١٣٢٠)، وهو في صحيح البخاري (١٧١٣).
(٥) في سننه (١٧٦٧).
(٦) الأَيْد: القوة، ووقع في (ظ): شبابه.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٧٧ - ١٢٧٨ .

٣٩٩
سورة الحج: الآية ٣٦
السابعة: وتُضْجَع البقر والغنم(١). ولا يجوز النحرُ قبل الفجر من يوم النحر
بإجماع، وكذلك الأضحيَّةُ لا تجوز قبل الفجر، فإذا طلع الفجر حلَّ النحر بمِنَّى،
وليس عليهم انتظارُ نحرِ إمامهم، بخلاف الأضحيَّة في سائر البلاد. والمَنْحَرُ مِنَّى لكلِّ
حاجٌّ، ومكةُ لكلِّ معتمِر. ولو نحر الحاجُ بمكةَ والمعتمرُ بمنّى؛ لم يَحْرَج واحدٌ منهما
إن شاء الله تعالى(٢).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ يقال: وَجَبت الشمس: إذا سقطت،
ووَجَبَ الحائط: إذا سقط؛ قال قيس بن الخَطِیم:
عن السِّلْم حتى كان أوّلَ واجِبٍ(٣)
أطاعت بنو عوفٍ أميراً نهاهُمُ
وقال أوْس بن حجر:
ألم تُكْسَفِ الشمسُ والبدرُ والـ
كواكبُ للجبل الواجبِ(٤)
فقوله تعالى: ((فإِذا وجَبَتْ جُنُوبُها)) يريد: إذا سقطت على جنوبها ميتةً. كنّى عن
الموت بالسقوط على الجنب، كما كنَى عن النحر والذبح بقوله تعالى: ﴿فَذَّكُرُوا اسْمَ
اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. والكناياتُ في أكثر المواضع أبلغُ من التصريح(٥)؛ قال الشاعر:
(١) قوله: وتضجع البقر والغنم، وقع في (خ) و(م) قبل قوله: السابعة.
(٢) الكافي ٤٠٥/١، وقد سلف الاختلاف في وقت الذبح للأضحية، وهل هو قبل ذبح الإمام أو بعده
ص٣٦٦ وما بعدها من هذا الجزء.
(٣) المعاني الكبير لابن قتيبة ٩٦٩/٢، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٦٥٢، ومنتهى الطلب في أشعار العرب
٣٥١/٦. قال ابن قتيبة: واجب: ميت.
(٤) ديوان أوس بن حجر ص١٠، وتفسير الطبري ١٦/ ٥٦٠، ووقع في النسخ عدا (ظ) والنكت والعيون
٢٧/٤ :
والبدر للجبل الواجب
ألم تكسف الشمس ضوء النهار
وذكره ياقوت في معجم الأدباء ١٦٩/١٨ برواية:
رِ والبدرُ للقمر الواجب
ألم تُكسّفِ الشمسُ شمسُ النها
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٧٨/٣ .

٤٠٠
سورة الحج: الآية ٣٦
فتركتُه جَزَّرَ السباعِ يَنُشْنَهُ ما بين قُلَّةِ رأسِه والمِعْصَم(١)
وقال عنترة:
وضربتُ قَرْنَيْ كَبْشِها فَتَجدَّلًا(٢)
أي: سقط مقتولاً إلى الجَدالة، وهي الأرض؛ ومثلُه کثیر .
والوُجوبُ للجَنْب بعد النحر علامةُ نزفِ الدَّمِ وخروجِ الروح منها، وهو وقتُ
الأكل، أي: وقتُ قُرْبِ الأكل؛ لأنه أول ما (٣) يبتدأ بالسلخ وقطع شيءٍ من الذبيحة
ثم يُطبخ. ولا تُسلخ حتى تَبْرُد؛ لأنَّ ذلك من باب التعذيب؛ ولهذا قال عمر﴾: لا
تَعْجَلوا الأنفس أنْ تَزْهَقَ(٤).
التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أمرٌ معناه النَّذْبُ. وكلُّ العلماء يستحبُّ أن
يأكل الإنسان من هَذْيه، وفيه أجرٌ وامتثال؛ إذْ كان أهلُ الجاهلية لا يأكلون من هَذیھم
كما تقدَّم(٥).
وقال أبو العباس بن سُريج: الأكلُ والإطعامُ مستحبَّان، وله الاقتصارُ على أيِّهما
شاء. وقال الشافعيُّ: الأكلُ مستَحَبُّ والإطعامُ واجب(٦)، فإن أَظْعَمَ جميعَها أجزأه،
وإن أكل جميعَها لم يُجزه، وهذا فيما كان تطوُّعاً، فأمَّا واجباتُ الدماء فلا يجوز أن
يأكل منها شيئاً حَسْبَما تقدَّم بيانه(٧).
(١) البيت من معلقة عنترة، وهو في ديوانه ص٢٦، وشرح المعلقات للنحاس ٣٣/٢، وللتبريزي
ص٢٣٩ قال التبريزي: الجَزَر جمع جزرة، والجزرة: الشاة والناقة تذبح وتنحر، وينُشْنَه: يتناوَلْنَه
بالأكل، وقُلَّةُ كلِّ شيء أعلاه. اهـ. وقال الجوهري: في الصحاح (جزر): جَزَر السِّباع: اللحم الذي
تأكله، يقال: تركوهم جَزَراً، بالتحريك: إذا قتلوهم.
(٢) وعجزه: وحملتُ مُهْرِي وَسْطَها فَمَضَاها، وهو في ديوانه ص٧٥ .
(٣) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: إنما، بدل: أول ما.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٦١٤)، وابن أبي شيبة ٣٩٢/٥ - ٣٩٣، والبيهقي ٢٧٨/٩ واللفظ له.
(٥) ص٣٧٤ من هذا الجزء، والكلام من المحرر الوجيز ١٢٣/٤.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٧٩/٣، وينظر تفصيل هذين القولين في المجموع ٣٢٩/٨ وما بعدها.
(٧) ص٣٧٣ من هذا الجزء.