Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة الأنبياء: الآيات ٥٩ - ٦٣
وهي: أنه لمَّا بلغ الخبرُ نمرودَ وأشرافَ قومه كرهوا أن يأخذوه بغير بيِّنة، فقالوا :
ائتوا به ظاهراً بمرأى من الناس حتى يروه، لعلَّهم يَشْهَدون عليه بما قال؛ ليكون ذلك
حجَّةٌ عليه. وقيل: لعلَّهم يشهدون عقابَه، فلا يُقْدِمُ أحدٌ على مِثْلِ ما أَقْدَمَ عليه. أو:
لعلَّ قوماً يَشْهَدون بأنهم رأَوْه يكسر الأصنام، أو: لعلَّهم يَشْهَدون طَعْنَه على آلهتهم؛
ليعلموا أنه يَستحقُّ العقاب.
قلت: وفي هذا دليلٌ على أنه كان لا يؤخذ(١) أحدٌ بدعوى أحدٍ فيما تقدَّم؛ لقوله
تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِهِ، عَلَىَ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ وهكذا الأمر في شرعنا ولا خلافَ
فیه.
قوله تعالى: ﴿قَالُوَاْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِنَا بَإِبْرَهِيمُ (٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيُهُمْ هَذَا فَتَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالَِتِّنَا بَإِزَهِيمُ﴾ فيه أربع مسائل:
الأولى: لمَّا لم يكن السَّماعُ عامًّا ولا ثبتت الشهادة، استفهموه هل فَعَل أم لا؟
وفي الكلام حذف، أي: فجاء إبراهيم حين أُتِيَ به فقالوا: أأنت فعلت هذا بالآلهة؟
فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُمْ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ أي: إنه
غار وغضب من أن يُعبد هو ويُعبَد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك(٢)، إن كانوا
ينطقون فاسألوهم. فعلَّق فِعْلَ الكبير بنطق الآخَرين؛ تنبيهاً لهم على فساد اعتقادهم.
كأنه قال: بل هو الفاعلُ إنْ نَطَق هؤلاء. وفي الكلام تقديمٌ على هذا التأويل في قوله:
﴿فَتْثَلُهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾.
وقيل: أراد: بل فَعَلَه كبيرهم إن كانوا ينطقون. بيَّن أنَّ مَن لا يتكلّم ولا يعلم لا
يستحقُّ أن يُعبد. فكان قولُه من المعاريض، وفي المعاريض مندوحةٌ عن الكذب،
(١) في (د) و(م): يؤاخذ.
(٢) المحرر الوجيز ٤ / ٨٧ .

٢٢٢
سورة الأنبياء: الآيتان ٦٢ - ٦٣
أي: سَلُوهم إنْ نطقوا فإنَّهم يَصْدُقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل.
وفي ضمن هذا الكلام اعترافٌ بأنه هو الفاعل، وهذا هو الصحيح؛ لأنه عدَّده
على نفسه، فدلَّ أنه خرج مَخْرَج التعريض. وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتَّخذونهم آلهةً
من دون الله، كما قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَّأَبَتٍ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ الآية
[مريم: ٤٢]، فقال إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)) ليقولوا: إنهم لا ينطقون ولا ينفعون
ولا يضرُّون، فيقول لهم: فلمَ تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجةُ منهم؛ ولهذا يجوز عند
الأئمة(١) فرضُ الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحقِّ من ذات نفسه؛ فإنه أقربُ في
الحجة وأَقْطَعُ للشُّبهة، كما قال لقومه: ﴿هَذَا رَبِ﴾ [الأنعام: ٧٦]، وهذه أختي،
و﴿ إِنِ سَقِيمُ﴾ [الصافات: ٨٩] و﴿بَلْ فَعَلَمُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾(٢).
وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ: ((بل فَعَلَّهُ)) بتشديد اللام(٣)، بمعنى: فلعلَّ الفاعل كبيرهم.
وقال الكسائيُّ: الوقفُ عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ أي: فَعَلَه مَن فَعَلَه، ثم يبتدئ:
﴿كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ (٤).
وقيل: أي: لِمَ تُنكرون أن يكون فَعَلَه كبيرهم؟ فهذا إلزامٌ بلفظ الخبر، أي: مَن
اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلاً، والمعنى: بل فعله كبيرهم فيما يلزمكم.
الثانية: روى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾.
(لم يكذبْ إبراهيمُ النبيُّ في شيءٍ قظُ إلَّا في ثلاثٍ؛ قولُه: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾ [ولم يكن
سقيماً]، وقولُه لسارة: أختي، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ﴾)) لفظُ الترمذيّ. وقال:
حديثٌ حسن صحيح (٥).
(١) في النسخ: الأمة، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٣/٣، والكلام منه.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٣/٣، وقول إبراهيم: هذه أختي، سيأتي قريباً.
(٣) القراءات الشاذة ص٩٢ .
(٤) تفسير البغوي ٢٤٩/٣، والبحر ٣٢٥/٦، والدر المصون ١٧٨/٨.
(٥) صحيح البخاري (٣٣٥٧) و(٣٣٥٨) و(٥٠٨٤) مرفوعاً وموقوفاً، وصحيح مسلم (٢٣٧١)، وسنن
الترمذي (٣١٦٦)، وما سلف بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (٩٢٤١).

٢٢٣
سورة الأنبياء: الآيتان ٦٢ - ٦٣
ووقع في الإسراء في ((صحيح)) مسلم(١) من حديث أبي هريرةَ ﴾ في قصة إبراهيم
قال: وذكر قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّ﴾. فعلى هذا تكون الكذبات أربعاً، إلَّ أنَّ
الرسول عليه الصلاة والسلام قد نفى تلك بقوله: ((لم يكذبْ إبراهيم النبيُّ قطّ إلَّا
ثلاثَ كذبات؛ ثِنْتين في ذات الله: قوله: ﴿إِّ سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ
كَبِرُهُمْ﴾، وواحدة في شأن سارة)». الحديثَ، لفظُ مسلم. وإنما لم يُعَدَّ عليه قولَه
في الکوکب: ﴿هَذَا رَّ﴾ کذبةً - وهي داخلة في الكذب - لأنه - والله أعلم - کان حین
قال ذلك في حالِ الظُّفولية، وليست حالَ تكليف(٢). أو قاله لقومه مستفهماً لهم على
جهة التوبيخ والإنكار، وحُذفت همزةُ الاستفهام. أو على طريق الاحتجاج على
قومه، تنبيهاً على أنَّ ما يتغيّر لا يصلح للربوبية(٣). وقد تقدَّمت هذه الوجوهُ كلُّها في
((الأنعام)) مبيَّنَةً والحمد لله(٤).
الثالثة: قال القاضي أبو بكر بن العربيّ(٥): في هذا الحديث نكتةٌ عُظمى تَقْصِمُ
الظّهر، وهي أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لم يكذب إبراهيمُ إلَّا ثلاثَ كَذَبات))
ثِنتين مَاحَلَ بهما عن دين الله، وهما قولُه: ﴿إِّ سَقِيمٌ﴾، وقولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ)))، ولم يعدَّ [قوله:] هذه أختي، في ذات الله تعالى وإن كان دَفَع بها
مكروهاً، ولكنه لمّا كان لإبراهيمَ عليه السلام فيها حظّ من صيانة فراشه وحماية
أهله، لم يجعلها في ذات الله، وذلك لأنه لا يُجعل في جنب الله وذاتِه إلَّ العملُ
الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريضُ التي تَرْجِع إلى النفس إذا خَلَصَتْ للدِّين
(١) برقم (١٩٤): (٣٢٨)، وهو حديث الشفاعة، وليس في الإسراء .
(٢) في (م): في حال الطفولة وليست حالة تكليف، والمثبت من النسخ الخطية والمفهم ٦/ ١٨٤ والكلام
منه.
(٣) المفهم ١/ ٤٣٢.
(٤) ٨/ ٤٣٨ وما بعدها.
(٥) في أحكام القرآن ١٢٥٣/٣، وما سيرد بين حاصرتين منه.

٢٢٤
سورة الأنبياء: الآيتان ٦٢ - ٦٣
كانت لله سبحانه، كما قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُِ﴾. وهذا لو صَدَر منَّا لكان لله،
ولكنَّ منزلة إبراهيمَ اقتضت هذا. والله أعلم.
الرابعة: قال علماؤنا: الكذبُ هو الإخبارُ عن الشيء بخلافِ ما هو عليه.
والأَظْهَرُ أنَّ قولَ إبراهيم فيما أَخبر عنه عليه السلام كان من المعاريض، وإن كانت
معاريضَ وحسناتٍ وحججاً في الخَلْق ودلالاتٍ، لكنَّها أَثَّرت في الرتبة، وخفضت
عن محمد المنزلةَ، واستحيا منها قائلها - على ما ورد في حديث الشفاعة(١) - فإن
الأنبياء يشفقون ممَّا لا يُشفق منه غيرهم؛ إجلالاً لله؛ فإنَّ الذي كان يليق بمرتبته في
النبوّة والخُلَّة أن يصدع بالحقِّ، ويصرِّحَ بالأمر كيفما كان(٢)، ولكنه رخّص له فقبل
الرخصة، فكان ما كان من القصة؛ ولهذا جاء في حديث الشفاعة: ((إنَّما اتّخذت
خليلاً من وراءَ وراءَ)) (٣) بنَصْبِ ((وراءَ)) فيهما على البناء كخمسةَ عَشَرَ، وكما قالوا:
[هو] جاري بَيْتَ بَيْتَ [أي: بيتُه إلى بيتي](٤).
ووقع في بعض نسخ مسلم ((من وراء من وراء)) بإعادة ((من))، وحينئذٍ لا يجوز
البناء على الفتح، وإنما يُبنَى كلُّ واحدٍ منهما على الضمّ؛ لأنه قُطِع عن الإضافة ونُويَ
المضافُ، كَقَبْلُ وبَعْدُ. وإن لم يُنْوَ المضافُ أُعرب ونوِّن، غيرَ أنَّ وراء لا ينصرف؛
لأنَّ أَلِفَه للتأنيث؛ لأنهم قالوا في تصغيرها: وُرَيْئَة - قال الجوهريّ(٥): وهي شاذة -
(١) أخرجه أحمد (١٢١٥٣)، والبخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣): (٣٢٢) من حديث أنس ﴾. ولفظه عند
مسلم :... فيأتون إبراهيم ، فيقول: لست هُنَاكُم (يعني لست أهلاً لذلك) ويذكر خطيئته التي أصاب
فيستحيي ربّه منها ...
(٢) في أحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٣/٣ (والكلام منه): ويصرح بالأمر فيكون ما كان.
(٣) أخرجه مسلم (١٩٥) مطولاً من حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما، وسلف ٢٥٣/٢ .
(٤) المفهم ١/ ٤٣٠، وما بين حاصرتين منه. قال أبو العباس: ومنه قولهم: هي همزة بينَ بينَ، وأتيتك
صباحَ مساءً. وقال النووي في شرح صحيح مسلم ٧١/٣ : المشهور الفتح فيهما بلا تنوين، ويجوز عند
أهل العربية بناؤهما على الضم.
(٥) في الصحاح (ورى).

٢٢٥
سورة الأنبياء: الآيات ٦٢ - ٦٧
فعلى هذا يصح الفتح فيهما مع وجود (مِن)) فيهما(١).
والمعنى: أنّي كنتُ خليلاً متأخِّراً عن غيري. ويستفاد من هذا أنَّ الخُلَّة لم تصحّ
بكمالها إلَّا لمن صحَّ له في ذلك اليوم المقامُ المحمود (٢) كما تقدم(٣). وهو نبیُّنا
محمدٌ ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَِّمُونَ * ثُمَّ تُكِسُواْ
عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِفُونَ ﴿ قَالَ أَفَتَغْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ
مَا لَا يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ أُفٍّ ◌َّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ
قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوْاْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: رجع بعضهم إلى بعضٍ رجوعَ المنقطع
عن حُجَّته، المتفطِّنِ لصحَّةٍ حُجَّةٍ خصمه . ﴿فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: بعبادةِ
مَن لا ينطقُ بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظةً، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس مَن
لا يَردُّ عن رأسه الفأس؟!
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: عادوا إلى جهلهم وعِنادهم(٤)،
فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِّمْتَ مَا هَكُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ و﴿قَالَ﴾ قاطعاً لمَا بِه يَهْذون(٥)، ومُفْحِماً
لهم فيما يتقوَّلون: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ. أُنٍّ لَّكُمْ﴾
أي: التََّنُ لكم ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْفِلُونَ﴾؟!
وقيل: ﴿ُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: طأطَؤوا رؤوسهم خجلاً من إبراهيم(٦). وفيه
(١) ينظر الصحاح (ورى)، والمفهم ٤٣٠/١ - ٤٣١.
(٢) المفهم ٤٢٩/١ - ٤٣٠.
(٣) ١٤٧/١٣ وما بعدها.
(٤) في (د) و(ز) و(م): وعبادتهم.
(٥) في (د) و(ظ): يهددون.
(٦) تفسير الرازي ١٨٦/٢٢.

٢٢٦
سورة الأنبياء: الآيات ٦٤ - ٦٩
نظر؛ لأنه لم يقل: نَكَسوا رؤوسهم، بفتح الكاف، بل قال: ﴿يُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾
أي: رُدُوا على ما كانوا عليه في أوَّل الأمر، وكذا قال ابن عباس؛ قال: أدركهم
الشقاء، فعادوا إلى كفرهم(١).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُهُ وَأَنْصُرُوّاْ ءَالِهَتَّكُمْ إِن كُمْ فَعِلِينَ
كُونِي بَرَّدًا وَسَلَمًا عَلَى إِنَزَهِيمَ
٦٩
قُلْنَا يَنَارُ
٦٨
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِفُوهُ﴾ لمَّا انقطعوا بالحجَّة أخذتهم عزَّةٌ بإثم(٢)، وانصرفوا
إلى طريق الغَشْم والغَلَبة، وقالوا: حرِّقوه. ورُوي أنَّ قائل هذه المقالةِ هو رجلٌ من
الأكراد من أعراب فارس، أي: من باديتها؛ قاله ابن عمر ومجاهد وابن جريج(٣).
ويقال: اسمه هيزر، فخسف الله به الأرض، فهو يَتَجلجلُ فيها إلى يوم القيامة(٤).
وقيل : بل قاله ملکهم نمرود.
﴿وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ﴾ بتحريق إبراهيم؛ لأنه يسبُّها ويَعِيبُها. وجاء في الخبر: أنَّ
نمرود بنى صرحاً طولُه ثمانون ذراعاً، وعرضُه أربعون ذراعاً. قال ابن إسحاق(٥):
وجمعوا الحطب شهراً ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت حتى أنْ كان الطائر لَيمرُّ
بجنباتها فيحترق من شدَّة وهجها. ثم قيَّدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولاً
- ويقال: إنَّ إبليس صنع لهم المنجنيق يومئذٍ - فضجَّت السماوات والأرض ومَن فيهنَّ
من الملائكة وجميع الخلق إلَّا الثقلين ضجةً واحدة [وقالوا: أي] ربَّنا! إبراهيم ليس
في أرضك أحدٌ يعبدك غيرُه يُحرَق فيك، فأُذَنْ لنا في نُصرته. فقال الله تعالى: إن
(١) ذكره الواحدي في الوسيط ٢٤٣/٣.
(٢) في (ظ): بالإثم، والمثبت من باقي النسخ، والمحرر الوجيز ٨٨/٤ والكلام منه.
(٣) النكت والعيون ٤٥٣/٣، وأخرجه عن ابن عمر ومجاهد الطبري ٣٠٤/١٦ - ٣٠٥.
(٤) أخرجه الطبري ٣٠٥/١٦ عن شعيب الجَبّائي، ووقع فيه اسم الرجل: هيزن، وكذا ذكره البغوي
٢٥٠/٣.
(٥) ذكره عن ابن إسحاق الثعلبي في عرائس المجالس ص٧٨ - ٧٩ . وما سيرد بين حاصرتين منه.

٢٢٧
سورة الأنبياء: الآيتان ٦٨ - ٦٩
استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يَدْعُ غيري، فأنا
أعلم به وأنا وليُّه. فلمَّا أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خُزَّان الماء - وهو في الهواء -
فقالوا(١): يا إبراهيم إن أردتَ أخمدنا النار بالماء فقال: لا حاجةً لي إليكم. وأتاه
مَلَك الريح فقال: لو شئتَ طيَّرتُ النار. فقال: لا. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال:
اللهمَّ أنت الواحدُ في السماء، وأنا الواحدُ في الأرض(٢)، ليس أحدٌ يعبدك غيري،
حسبي الله ونعم الوكيل.
وروى أبيّ بن كعب﴾ عن النبيِّ﴾(٣): ((إنَّ إبراهيم حين قيَّدوه ليُلقوه في النار
قال: لا إله إلا أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمدُ ولك الملكُ لا شريكَ لك)»
قال: ثم رمَوْا به في المنجنيق من مَضْربٍ شاسع، فاستقبله جبريلُ فقال: يا إبراهيم
ألك حاجةٌ؟ قال: أمَّا إليك فلا. فقال جبريل: فاسأل ربك. فقال: حَسْبي مِن سؤالي
عِلْمُه بحالي. فقال الله تعالى: ﴿يَنَارُ كُنِ بَّا وَسَلَمًا عَلَىَ إَِّهِيمَ﴾ (٤).
قال بعض العلماء: جعل الله فيها برداً يدفع(٥) حرَّها، وحرًّا يدفع بردها،
فصارت سلاماً عليه. قال أبو العالية: ولو لم يقل: ((بَرْداً وَسَلَاماً)) لكان بردها أشدَّ
عليه من حرِّها، ولو لم يقل: ((على إبراهيم)) لكان بردها باقياً على الأبد (٦).
(١) في العرائس: أتاه ملك المياه فقال.
(٢) في العرائس: اللهم أنت الواحد في السماء وفي الأرض. وأخرج البزار (٢٣٤٩ - كشف الأستار) عن
أبي هريرة قال: قال: ((لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في
الأرض واحد أعبدك)). وحسنه الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٢٦٥ . وقال الذهبي
في الميزان ٦٩/٤: غريب جدًّا.
(٣) كذا ذكر المصنف، وذكره البغوي في التفسير ٣/ ٢٥٠ عن أبي بن كعب قوله، ووقع في العرائس
ص٧٩ : معتمر عن أبي بن كعب عن أرقم، ولعل لفظة ((أُبيّ)) مقحمة، فقد أخرجه الطبري ٣٠٩/١٦
من طريق معتمر عن ابن كعب عن أرقم، ولعل ابن كعب هو محمد .
(٤) عرائس المجالس ص٧٩، وتفسير البغوي ٣/ ٢٥٠ . وقوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي، ذكره ابن
عراق في تنزيه الشريعة ١/ ٢٥٠ بلفظ: علمه بحالي يغني عن سؤالي. وقال: قال ابن تيمية: موضوع.
(٥) في (م): يرفع، في الموضعين، والمثبت من النسخ الخطية والنكت والعيون ٤٥٤/٣ ، والكلام منه.
(٦) في (ظ): إلى الأبد، وفي (خ): على الأرض، والمثبت من باقي النسخ والنكت والعيون ٤٥٤/٣ =

٢٢٨
سورة الأنبياء: الآيتان ٦٨ - ٦٩
وذكر بعض العلماء: أنَّ الله تعالى أنزل زَرْبِيَّة(١) من الجنة فبسطها في الجحيم،
وأنزل الله ملائكة(٢): جبريلَ وميكائيل ومَلَكَ البرد وملك السلامة.
وقال عليٍّ وابن عباس: لو لم تُتبع بردَها سلاماً لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق
يومئذٍ نار إلا طَفْئتْ، ظنَّتْ أنها تُعنَى(٣).
قال السُّدِّي: وأمر الله كلَّ عودٍ من شجرة أن يرجع إلى شجره ويطرح ثمرته.
وقال كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيمَ إلَّا وِثاقه(٤). فأقام في النار سبعةً
أيامٍ لم يقدر أحدٌ أن يقرب من النار، ثم جاؤوا فإذا هو قائمٌ يصلّي.
وقال المنهال بن عمرو: قال إبراهيم: ما كنتُ أياماً قظُ أَنْعَمَ منِّي من(٥) الأيام
التي كنتُ فيها في النار.
وقال كعبٌ وقتادةٌ والزهريُّ: ولم تبقَ يومئذٍ دابَّةٌ إلا أطفأت عنه النار إلَّ الوَزَغُ؛
فإنها كانت تنفخ عليه؛ فلذلك أمر رسول الله ﴿ بقتلها وسمَّاها نُوَيْسقة(٦).
وقال شعيب الجَبَائي(٧): أُلقي إبراهيم في النار وهو ابنُ ستَّ عَشْرةَ سنةً. وقال
= والكلام منه، وأخرجه بنحوه الطبري ٣٠٩/١٦ .
(١) مفرد زرابيّ، وهي البُسُط، وقيل: كل ما بُسط واتُّكئ عليه. اللسان (زرب).
(٢) في (ظ): ملائكته.
(٣) عرائس المجالس ص٧٩ ، وأخرج قولهما الطبري ٣٠٦/١٦ - ٣٠٧ ، وخبر علي أخرجه أيضاً ابن أبي
شيبة ٥١٩/١١ - ٥٢٠ .
(٤) أخرجه الطبري ٣٠٧/١٦ و٣٠٩ من طريق قتادة عن كعب.
(٥) في النسخ: في، والمثبت من تفسير الطبري ١٦/ ٣٠٧ ، وقد أخرج الخبر فيه.
(٦) عرائس المجالس ص٧٩، وأخرجه عبد الرزاق ٢٥/٢، والطبري ٣٠٩/١٦ - ٣١٠ عن قتادة
والزهري. وأخرج البخاري (٣٣٥٩) عن أم شَريك رضي الله عنها أن رسول الله # أمر بقتل الوزغ،
وقال: ((كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام)). وأخرجه أحمد (٢٧٣٦٥)، ومسلم (٢٢٣٧) مختصراً بذكر
قتل الوَزَغْ.
(٧) في (ز): الجمالي، وفي باقي النسخ: الحماني، والمثبت من تفسير الطبري ٣٠٨/١٦ وقد أخرج
قوله. قال الذهبي في الميزان ٢٧٨/٢ : أخباري متروك؛ قاله الأزدي.

٢٢٩
سورة الأنبياء: الآيات ٦٨ - ٧٣
ابن جُرَيْج: أُلقيَ إبراهيم في النار وهو ابن ستَّ وعشرين سنة. ذكر الأوّل الثَّعْلَبيُّ(١)،
والثاني الماوَرْدِيّ(٢)، فالله أعلم.
وقال الكلبيُّ: بردت نيرانُ الأرض جميعاً فما أنضجت كُراعاً(٣)، فرآه نمرود من
الصرح وهو جالسٌ على السرير يؤنسه مَلَكُ الظُّلّ. فقال: نِعْمَ الربُّ ربُّكَ! لأقرِّبنَّ له
أربعةَ آلافٍ بقرةٍ. وكَفَّ عنه(٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَرَدُوْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ (١٨) وَيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى
اَلْأَرْضِ اٌلَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَّا
جَعَلْنَا صَلِحِينَ ﴿٨ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ
الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِنَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُواْ لَنَا عَبِدِينَ
قوله تعالى: ﴿وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا﴾ أي: أراد نمرودُ وأصحابُه أن يمكروا به
﴿فَجَعَلْنَهُمُ الْأَفْسَرِينَ﴾ في أعمالهم، وردَدْنا مكرهم عليهم بتسليطِ أضعفِ خَلْقِنا؛ قال
ابن عباس: سلَّط الله عليهم أضعفَ خَلْقِه: البعوضَ، فما برح نمرودُ حتى رأى عظام
أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم وشربت دماءهم، ووقعت واحدةٌ في منخره،
فلم تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه، وكان أكرمَ الناس عليه الذي يضربُ رأسه بِمِرْزَيَّةِ
من حديد. فأقام بهذا نحواً من أربع مئة سنة (٥).
(١) في عرائس المجالس ص ٨٠ ، ووقع في مطبوعه: الشعبي بدل: شعيب الجبائي.
(٢) في النكت والعيون ٤٥٣/٣.
(٣) المصدر السابق.
(٤) ذكره الثعلبي ص٧٩ - ٨٠ مطولاً عن ابن إسحاق. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٨/٤ - ٨٩:
وقد أكثر الناس في قصص حرق إبراهيم، وذكروا تحديد مدة بقائه في النار وصورة بقائه، ما رأيت
اختصاره لقلة صحته، والصحيح من ذلك أنه ألقي في النار، فجعلها الله تعالى عليه برداً وسلاماً،
فخرج منها سالماً، وكانت أعظم آية.
(٥) ذكره بنحوه عن ابن عباس الواحدي في الوسيط ٢٤٤/٣، وأخرجه مطولاً عبد الرزاق في التفسير
١٠٥/١ - ١٠٦، والطبري ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣ عن زيد بن أسلم. وذكر الآلوسي في روح المعاني =

٢٣٠
سورة الأنبياء: الآيات ٧٠ - ٧٣
قوله تعالى: ﴿وَجَيْنَكَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِىِ بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ يريد: نجينا
إبراهيم ولوطاً إلى أرض الشام، وكانا بالعراق - وكان إبراهيم(١) عليه السلام عمَّه ـ
قاله ابن عباس(٢). وقيل لها: مباركةٌ؛ لكثرة خِصْبها وثمارها وأنهارها؛ ولأنها معادن
الأنبياء. والبركةُ: ثبوت الخير، ومنه: بَرَكَ البعير: إذا لزم مكانه فلم يبرح. وقال ابن
عباس: الأرض المباركة مكة(٣).
وقيل: بيت المقدس(٤)؛ لأنَّ منها بعثَ الله أكثرَ الأنبياء، وهي أيضاً كثيرة
الخِصب والثمر(٥)، عذبةُ الماء، ومنها يتفرَّق في الأرض؛ قال أبو العالية: ليس ماءٌ
عذبٌ إلَّا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرَّق في الأرض (٦).
ونحوه عن كعب الأحبار (٧). وقيل: الأرض المباركة مصر.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾ أي: زيادة؛ لأنه دعا في
إسحاق، وزِيْدَ يعقوب(٨) من غير دعاء، فكان ذلك نافلةً، أي: زيادة على ما سأل؛
إذ قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]. ويقال لولد الولد: نافلة؛ لأنه زيادةٌ
على الولد.
= ١٧/ ٧٠ أن المعوَّل عليه في تفسير الآية: ﴿فَجَعَلْتَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ أي: أخْسَرَ مِنْ كلِّ خاسر، حيث عاد
سعيُهم في إطفاء نور الحقِّ قولاً وفعلاً برهاناً قاطعاً على أنه عليه السلام على الحقّ، وهم على الباطل،
وموجباً لارتفاع درجته عليه السلام، واستحقاقهم لأشدِّ العذاب.
(١) في النسخ: لوط، وهو خطأ.
(٢) أخرجه الطبري ٣١١/١٦ عن أبي بن كعب والحسن وقتادة وغيرهم، ولم نقف عليه عن ابن عباس.
وقال ابن الجوزي في زاد المسير ٣٦٨/٥، وهذا قول الأكثر.اهـ. واختاره الطبري ٣١٥/١٦ وقال:
لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام.
(٣) أخرجه الطبري ٣١٤/١٦ .
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٥٤/٣ .
(٥) في (د) و(ز) و(م): النمو.
(٦) أخرجه الطبري ٣١٤/١٦. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٨٩/٤: وهذا ضعيف.
(٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٥٤ .
(٨) المثبت من (خ) و(ظ)، وفي باقي النسخ: وزيد في يعقوب.

٢٣١
سورة الأنبياء: الآيات ٧٠ - ٧٥
﴿وَكُلّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ﴾ أي: وكلًّا من إبراهيم وإسحاق ويعقوبَ جعلناه صالحاً
عاملاً بطاعة الله. وجَعْلُهم صالحين إنما يتحقَّق بخَلْقِ الصلاح والطاعة لهم، وبخَلْقِ
القدرة على الطاعة، ثم ما يكتسبُه العبدُ فهو مخلوقٌ لله تعالى(١).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَيِّئَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي: رؤساء يُقتدى بهم في
الخيرات وأعمال الطاعات. ومعنى ((بِأَمْرِنَا)) أي: بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر
والنهي، فكأنه قال: يهدون بكتابنا. وقيل: المعنی: یهدون الناس إلى ديننا بأمرنا
إيَّاهم بإرشاد الخلق ودعائهم إلى التوحيد. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ﴾ أي: أن
يفعلوا الطاعات. ﴿وَإِقَامَ الصَّلَوْةِ وَإِنَآءَ الزَّكَوَةِ وَكَانُواْ لَنَا عَبِدِينَ﴾ أي: مطيعين.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ اَلَّتِىِ كَنَتَ تَعْمَلُ
اَْبَِّثُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ (﴿ وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ
6
الصَّلِحِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًّا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ((لوطا)) منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ دلَّ عليه
الثاني، أي: وآتينا لوطاً آتيناه. وقيل: واذكر لوطاً. والحُكْم: النبوّة، والعلم: المعرفةُ
بأمر الدِّين وما يقع به الحُكْم بين الخصوم. وقيل: ((عِلْماً)): فهماً، والمعنى واحد.
﴿وَنَجَيِّنَّهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَعْمَلُ الْخَبَِّثُّ﴾ يريد سَدُوم. ابنُ عباس: كانت
سبعَ قُرَى، قَلَبَ جبريلُ عليه السلام ستةً وأبقى واحدةً للوطِ وعيالِه، وهي زُغَر (٢) التي
فيها الثمر من كُورة فلسطين إلى حدِّ الشراة(٣)، ولها قرى كثيرةٌ إلى حدٍّ بحر الحجاز.
(١) في (ظ): فإن ما يكتسبه العبد مخلوق لله تعالى.
(٢) على وزن زُفَر، ذكرها ياقوت في معجم البلدان ١٤٢/٣ و٤١١، وقال في الموضع الثاني: وهي
البحيرة المقلوبة وبقية مدائن لوط، وإنها نجت لأن أهلها لم يكونوا يعملون الفاحشة. وذكر الخبر
أبو الليث ٢/ ١٣٧ - ١٣٨ بنحوه دون نسبة.
(٣) في النسخ الخطية: السراة، والمثبت من (م). قال ياقوت في معجم البلدان ٣٣٢/٣: الشراة: صُفْع
بالشام بين دمشق ومدينة الرسول #. وذكر البكري في معجم ما استعجم ٦٩٩/٢ بيت حاتم الطائي : =

٢٣٢
سورة الأنبياء: الآيات ٧٤ - ٧٧
وفي الخبائث التي كانوا يعملونها قولان: أحدهما: اللُّواط، على ما تقدَّم.
والثاني: الضُّراط(١)، أي: كانوا يَتَضارَكُون في ناديهم ومجالسهم. وقيل: الضُّراط
وحَذْفُ الحصى، وسيأتي(٢).
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، والفُسوقُ:
الخروجُ، وقد تقدَّم(٣).
﴿وَأَدْخَلْتَهُ فِ رَحْمَتِنَا﴾ في النبوّة. وقيل: في الإسلام. وقيل: الجنة. وقيل: عنّى
بالرحمة إنجاءه من قومه ﴿ إِنَُّ مِنَ الصَّلِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَنْهُ وَأَهْلَهُ مِنَ
الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ
W
سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْعِينَ
قوله تعالى: ﴿وَثُوَحَا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ﴾ أي: واذكر نوحاً إذ نادى، أي: دعا.
((مِنْ قَبْلُ)) أي: من قبلِ إبراهيمَ ولوطِ، على قومه وهو قوله: ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
اَلْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. وقال لمَّا كذبوه: ﴿أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ فَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي: من الغرق. والكَرْبُ:
الغمُّ الشديد. ((وأَهْلَهُ)) أي: المؤمنين منهم. ﴿ وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَنَّبُواْ بِهَايَتِنَاً﴾
قال أبو عبيدة: (مِن)) بمعنى على(٤). وقيل: المعنى: فانتقمنا له من القوم الذينَ كذَّبوا
بآياتنا. ﴿فَأَغْرَفْتَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: الصغير منهم والكبير.
= سقى الله ربُّ الناس سخًا وديمة جنوبَ الشَّراة من مآبَ إلى زُغَر
:.
وقال: الشراة أرض في ناحية الشام، ومآب موضع هناك.
(١) النكت والعيون ٤٥٥/٣ .
(٢) عند تفسير الآية (٢٩) من سورة العنكبوت.
(٣) ٣٦٨/١.
(٤) ذكره عن أبي عبيدة البغوي ٢٥٢/٣، والرازي ١٩٤/٢٢، والطبرسي في مجمع البيان ٤٧/١٧، ولم
نقف عليه في مجاز القرآن له.

٢٣٣
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِىِ الْحَثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
وَكُنَّا ◌ِكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴿٨ فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلًا مَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمً
وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالََّيْرْ وَكُنَّا فَعِلِينَ
فيه ست وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾ أي: واذكرهما إذ
يحكمان، ولم يُرِدْ بقوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانٍ﴾ الاجتماعَ في الحُكْم؛ وإنْ جَمَعَهما في
القول؛ فإنَّ حَكَمين على حُكْم واحدٍ لا يجوز. وإِنَّما حَكَمَ كلُّ واحدٍ منهما على
انفراده، وكان سليمانُ الفاهِمَ لها بتفهيم الله تعالى إياه(١).
﴿فِي الْحَرَّثِ﴾ اختلف فيه على قولين: فقيل: كان زرعاً؛ قاله قتادة. وقيل: كَرْماً
نبتت(٢) عناقيده؛ قاله ابن مسعود وشُريح(٣). والحرثُ يقال فيهما، وهو في الزرع
أبعدُ من الاستعارة (٤).
الثانية: قوله تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اٌلْقَوْمِ﴾ أي: رَعَتْ فيه ليلاً، والنَّفْشُ:
الرَّعْيُّ بالليل. يقال: نَفَشَتْ بالليل وهَمَلت بالنهار: إذا رعت بلا راعٍ. وأَنْفَشَها
صاحبُها. وإبلٌ نُفَّاش(٥). وفي حديث عبد الله بن عمرو. الحبةُ في الجنة مِثْلُ كَرِش
البعير يبيت نافِشاً، أي: راعياً(٦). حكاه الَهَرويّ. وقال ابن سِيْدَه: لا يقال الهَمَل في
الغنم، وإنما هو في الإبل(٧).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٤/٣.
(٢) في (ظ): تدلت.
(٣) أخرج قولهما وقول قتادة الطبري ٣٢٠/١٦-٣٢١ .
(٤) المحرر الوجيز ٤/ ٩١ .
(٥) الصحاح (نفش)، وقال الجوهري: ولا يكون النفش إلا بالليل، والهمل يكون ليلاً ونهاراً.
(٦) ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث ٢/ ١٢٠، والزمخشري في الفائق ١٤/٤، وابن الأثير في النهاية
(نفش).
(٧) المحرر الوجيز ٩٢/٤ .

٢٣٤
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ دليلٌ على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان.
وقيل: المرادُ الحاكمان والمحكوم عليه؛ فلذلك قال: ((لِحکمِهِم)).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ أي: فهَّمناه القضيةَ والحكومة، فكَنَی
عنها؛ إذ سبق ما يدلُّ عليها. وفَضَلَ حُكْمُ سليمانَ حُكْمَ أبيه في أنه أَحرز أن يبقى
مِلْكُ(١) كلِّ واحدٍ منهما على متاعه، وتبقى نفسه طيبةً بذلك. وذلك أنَّ داودَ عليه
السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث. وقالت فرقة: بل دفع الغنم إلى
صاحب الحرث، والحرثَ إلى صاحب الغنم.
قال ابن عطية(٢): فيُشْبِهُ على القول الواحد أنه رأى الغنم تُقاوِمُ الغلَّةَ التي
أفسدت. وعلى القول الثاني رآها تقاومُ الحرث والغلَّة. فلمَّا خرج الخصمان على
سلیمانَ، وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود
من باب آخرَ، فقال: بمَ قضى بينكما نبيُّ الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب
الحرث. فقال: لعلَّ الحكم غيرُ هذا، انصرفا معي. فأتى أباه فقال: يا نبيَّ الله، إنك
حكمتَ بكذا وكذا، وإنِّي رأيتُ ما هو أَرْفَقُ بالجميع. قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن
تدفع الغنم إلى صاحب الحرث(٣)، فينتفع بألبانها وسُمُونها وأصوافها، وتدفع
الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرعُ إلى حاله التي أصابته الغنم
عليها(٤) في السنة المقبلة، ردّ كلُّ واحدٍ منهما ماله إلى صاحبه. فقال داود: وفّقت یا
بنيَّ، لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان؛ قال معناه ابن مسعود ومجاهد
وغيرهما (٥).
(١) قوله: ملك، من (ز) و(خ) والمحرر الوجيز ٩١/٤، والكلام منه.
(٢) في المحرر الوجيز ٤/ ٩١ ، وما قبله منه.
(٣) في (خ) و(ز) و(ظ): الزرع.
(٤) قوله: عليها، من (خ).
(٥) أخرجه عن ابن مسعود ومجاهد وغيرهما الطبري ٣٢٢/١٦-٣٢٨.

٢٣٥
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
وقال الكلبيُّ: قوَّم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم، فكانت القيمتان سواءً،
فدفع الغنم إلى صاحب الكرم. وهكذا قال النحاس؛ قال: إنما قضى بالغنم لصاحب
الحرث؛ لأن ثمنها كان قريباً منه. وأمَّا في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمةُ ما نال
من الغنم وقيمةُ ما أفسدت الغنم سواءً أيضاً.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّا ءَانِيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَا﴾ تأوَّل قومٌ أنَّ داودَ عليه
السلام لم يخطئ في هذه النازلة، بل فيها أُوتي الحُكْمَ والعلم، وحملوا قوله:
﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنْ﴾ على أنه فضيلةٌ له على داودَ، وفضيلتُه راجعةٌ إلى داود، والوالدُ
تَسُرُّه زیادةُ ولده علیه.
وقالت فرقة: بل لأنه لم يُصِب العينَ المطلوبة في هذه النازلة، وإنَّ ما مَدَحه الله
بأنَّ له حكماً وعلماً يرجع إليه في غير هذه النازلة. وأمَّا في هذه فأصاب سليمانُ
وأخطأ داودُ عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع وجودُ الغلط والخطأ من الأنبياء
كوجوده من غيرهم، لكن لا يُقَرُّون عليه، وإن أُقِرَّ عليه غيرهم(١).
ولمّا هدم الوليد كنيسة دمشق، كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي
رأى أبوك تَرْكَها، فإنْ كنتَ مصيباً فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيباً فقد أخطأتَ
أنت! فأجابه الوليد: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
وَكُنَّا لِكْمِهِمْ شَهِدِينَ فَفَهَّمْنَهَا سُلَيَّمَنَّ وَكُلَّ ◌َانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً﴾(٢).
وقال قوم: كان داودُ وسليمانُ - عليهما السلام - نبيَّينٍ يقضيان بما يوحى إليهما،
فحَگمَ داود بوحی، وحكم سلیمان بوحی نَسخ الله به حُكُم داود، وعلى هذا
((فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ))، أي: بطريق الوحي الناسخ لمَا أُوحِي إلى داود، وأُمر سليمان أن
يبلِّغ ذلك داود؛ ولهذا قال: ﴿وَكُلَّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَأَ﴾. هذا قولُ جماعةٍ من
(١) النكت والعيون ٣/ ٤٥٧ .
(٢) العقد الفريد ٢٠٢/٢، وأخرجه ابن عساكر ٢٥٩/٢ و ١٧٧/٦٣.

٢٣٦
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
العلماء، ومنها ابن فوركَ(١).
وقال الجمهور: إنَّ حُكمهما كان باجتهادٍ وهي :
السادسة: واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء؛ فمنَعَه قوم، وجوَّزه
المحقّقون(٢)؛ لأنه ليس فيه استحالةٌ عقلية؛ لأنه دليلٌ شرعيٍّ، فلا إحالةَ أن يستدلَّ به
الأنبياء، كما لو قال له الله سبحانه وتعالى: إذا غلب على ظنِّك كذا؛ فاقطَعْ بأنَّ ما
غلب على ظنِّك هو حُكْمي؛ فبلِّغه الأمة، فهذا غيرُ مستحيلٍ في العقل.
فإن قيل: إنَّما يكون دليلاً إذا عُدم النصُّ(٣)، وهم لا يعدمونه.
قلنا: إذا لم ينزل المَلَكُ فقد عُدِمَ النصُّ عندهم، وصاروا في البحث كغيرهم من
المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم. والفرقُ بينهم وبين غيرهم من
المجتهدين أنهم معصومون عن الغلط والخطأ. وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرُهم
ليس كذلك(٤). هذا مذهبُ(٥) الجمهور في أنَّ جميع الأنبياء صلوات الله عليهم
معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم.
وذهب أبو علي ابن أبي هريرة (٦) من أصحاب الشافعيِّ إلى أنَّ نبيّنا # مخصوصٌ
منهم في عدم جواز الخطأ عليه (٧)، وفرَّق بينه وبين غيره من الأنبياء: أنه لم يكن بعده
(١) المحرر الوجيز ٤ /٩١.
(٢) المفهم ١٧٦/٥ .
(٣) وقع في المفهم ١٦٧/٥ (والكلام منه): إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فَقْد النص، بدل قوله: إنما يكون
دليلاً إذا عدم النص.
(٤) المفهم ٥/ ١٧٦ .
(٥) في (م): كما ذهب، وفي (خ): هذا جواب.
(٦) الحسن بن الحسين البغدادي القاضي، شيخ الشافعية، انتهت إليه رئاسة المذهب، توفي سنة (٣٤٥ هـ).
السير ٤٣٠/١٥ .
(٧) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: في جواز الخطأ عليهم، وفي النكت والعيون ٣/ ٤٥٧ (والكلام منه):
بجواز الخطأ عليهم دونه.

٢٣٧
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
مَن يستدرك غلطَه، ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بُعِث بعدَ غيره من الأنبياء مَن
يستدرك غلطّه.
وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وإنَّ نبيّنا وغيره من الأنبياء صلوات
الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء، إلَّا أنهم لا يُقَرُّون على إمضائه، فلم يعتبر فيه
استدراك من بعدهم من الأنبياء.
هذا رسول الله ﴾ وقد سألته امرأةٌ عن العِدَّة، فقال لها: «اعتدِّي حيث شئتِ» ثم
قال: ((امكُثي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجلَه))(١). وقال له رجلٌ: أرأيتَ إن قُتِلتُ
صابراً محتسباً، أيحجُزني عن الجنة شيء؟ فقال: ((لا)). ثم دعاه فقال: ((إلَّا الدَّين،
كذا أخبرني جبريل»(٢).
السابعة: قال الحسن: لولا هذه الآيةُ لرأيت القضاةَ هَلَكوا، ولكنه تعالى أثنى
على سليمان بصوابه، وعَذَر داود باجتهاده(٣). وقد اختلف الناس في المجتهدين في
الفروع إذا اختلفوا، فقالت فرقة: الحقُّ في طرفٍ واحدٍ عند الله، وقد نَصَبَ على
ذلك أدلةً، وحَمَلَ المجتهدين على البحث عنها، والنظرِ فيها، فَمَن صادفَ العين
المطلوبة في المسألة فهو المصيبُ على الإطلاق، وله أجران؛ أجرٌ في الاجتهاد،
وأجرٌ في الإصابة، ومَن لم يصادفها فهو مصيبٌ في اجتهاده؛ مخطئٌّ في أنْ لم يُصب
العينَ، فله أجرٌ وهو غيرُ معذور. وهذا سليمانُ قد صادف العين المطلوبة، وهي التي
فهم. ورأت فرقة (٤) أنَّ العالم المخطئَ لا إثمَ عليه في خطئه، وإن كان غيرَ معذور.
(١) النكت والعيون٤٥٧/٣-٤٥٨، والحديث أخرجه مطولاً أحمد (٢٧٠٨٧)، وأبو داود (٢٣٠٠)،
والترمذي (١٢٠٤) من حديث فُرَيْعة بنت مالك رضي الله عنها.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٥٤٢)، ومسلم (١٨٨٥) من حديث أبي قتادة﴾. وأخرجه أحمد (٨٠٧٥) والنسائي
في المجتبى ٣٣/٦-٣٤ من حديث أبي هريرة ﴾. والكلام من النكت والعيون ٤٥٨/٣.
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٥٨/٣ .
(٤) في المحرر الوجيز ٩١/٤ (والكلام منه): ورأت هذه الفرقة.

٢٣٨
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
وقالت فرقة: الحقُّ في طرفٍ واحدٍ، ولم يَنصِب الله تعالى عليه دليلاً، بل وَكَل
الأمر إلى نظر المجتهدين، فَمَن أصابه أصاب، ومَن أخطأ فهو معذورٌ مأجور،
ولم(١) نُتعبَّد بإصابة العين، بل تُعُبِّدْنا بالاجتهاد فقط.
وقال جمهور أهل السُّنة - وهو المحفوظُ عن مالك وأصحابه ﴾ـ: إنَّ الحقَّ في
مسائل الفروع في الطَّرفين، وكلُّ مجتهدٍ مُصيبٌ، والمطلوبُ إنما هو الأفضلُ في
ظنِّه، فكلُّ مجتهدٍ قد أدَّاه نظرهُ إلى الأفضل في ظنّه؛ والدليلُ على هذه المقالة أنَّ
الصحابة فَمَن بَعْدَهم قرَّر بعضهم خلافَ بعض، ولم يَرَ أحدٌ منهم أن يقع الانحمالُ
على قوله دون قولٍ مُخالفه. ومنه ردُّ مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حَمْل
الناس على ((الموطأ))، فإذا قال عالمٌ في أمرٍ [ما]: حلالٌ، فذلك هو الحقُّ فيما
يختصُّ بذلك العالم عند الله تعالى، وبكلِّ مَن أخذ بقوله، وكذا في العكس. قالوا:
وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المُثْلَى والتي هي أرجح، فالأُولى ليست
بخطأ، وعلى هذا يحملون قولَه عليه الصلاة والسلام: ((إذا اجتهد العالم فأخطأ)) أي:
-(٢)
فأخطأ الأفضلَ(٢).
الثامنة: روى مسلم وغيره(٣) عن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله ﴾ قال:
((إذا حَكَم الحاكمُ فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ،
فله أجر)). هكذا لفظُ الحديث في كتاب مسلم: ((إذا حَكَم فاجتهد))(٤)، فبدأ بالحُكْم
قبل الاجتهاد، والأمرُ بالعكس، فإنَّ الاجتهاد مقدَّمٌ على الحكم، فلا يجوز الحكم
قبل الاجتهاد بالإجماع. وإنَّما معنى هذا الحديث: إذا أراد أن يحكم، كما قال
تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ آلْقُرْءَنَ فَأَسْتَعِذْ﴾. فعند ذلك يجتهد في النازلة. ويفيد هذا صحةً ما
(١) في (ظ): فإنا لم.
(٢) المحرر الوجيز ٩١/٤-٩٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وسيأتي تخريج الحديث في المسألة التالية.
(٣) صحيح مسلم (١٧١٦)، وهو عند أحمد (١٧٧٧٤) و(١٧٨١٦)، والبخاري (٧٢٥٣).
(٤) وهو لفظه أيضاً عند أحمد والبخاري.

٢٣٩
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
قاله الأُصوليون: إنَّ المجتهد يجب عليه أن يجدِّد نظراً عند وقوع النازلة، ولا يعتمد
على اجتهاده المتقدِّم؛ لإمْكانِ أنْ يَظهر له ثانياً خلافُ ما ظهر له أوَّلاً ، اللهمَّ إلَّا أنْ
يكون ذاكراً لأركان اجتهاده، مائلاً إليه، فلا يحتاج إلى استئنافِ نظرٍ في أمارةٍ
أخرى(١).
التاسعة: إنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالماً بالاجتهاد والسُّنّن
والقياس، وقضاءِ مَن مضى؛ لأنَّ اجتهاده عبادةٌ، ولا يؤجَر على الخطأ، بل يوضع
عنه الإثم فقط، فأمَّا مَن لم يكن محلًا للاجتهاد فهو متكلِّفٌ لا يُعذر بالخطأ في
الحكم، بل يُخاف عليه أعظمُ الوِزْر. يدلُّ على ذلك حديثُه الآخر، رواه أبو داود:
((القضاةُ ثلاثة))(٢) الحديث. قال ابن المنذر: إنَّما يؤجَر على اجتهاده في طلب
الصَّواب، لا على الخطأ، ومما يؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ الآيَةَ. قال
الحسن: أثنی علی سلیمان ولم یذمّ داود.
العاشرة: ذكر أبو التمام المالكيّ(٣) أنَّ مذهب مالك: أنَّ الحقَّ في واحدٍ من
أقاويل المجتهدين، وليس ذلك في أقاويل المختلفين. وبه قال أكثر الفقهاء. قال:
وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكاً عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطئٌّ ومُصيب،
وليس الحقُّ في جميع أقاويلهم. وهذا القول قيل: هو المشهورُ عن مالك، وإليه ذهب
محمد بن الحسن. واحتجَّ مَن قال هذا بحديث عبد الله بن عمرو؛ قالوا: وهو نصٍّ
(١) المفهم ١٦٧/٥ .
(٢) سنن أبي داود (٣٥٧٣)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥) من حديث بريدة﴾
عن النبي # قال: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف
الحقَّ فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو
في النار)). لفظ أبي داود.
(٣) علي بن محمد بن أحمد البصري، من أصحاب الأبهري، له كتاب مختصر في الخلاف يسمى نكت
الأدلة، وله كتاب آخر في الخلاف كبير، وكتاب في أصول الفقه. ترتيب المدارك ٤/ ٦٠٥ ، والديباج
المذهب ١٠٠/٢ . وكلامه ذكره الباجي في إحكام الفصول في أحكام الأصول ص ٧٠٧ .

٢٤٠
سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
على أنَّ في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئاً ومصيباً(١). قالوا: والقولُ بأنَّ كلَّ
مجتهدٍ مصيبٌ يؤدِّي إلى كون الشيء حلالاً حراماً، وواجباً ندباً.
واحتجَّ أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر؛ قال: نادى فينا رسول الله # يومَ
انصرف من الأحزاب: ((أَلَا لا يصلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلَّا في بني قُرَيظَة)). فتخوَّف
ناسٌ فَوْتَ الوقت، فصلَّوا دون بني قُرَيظة، وقال الآخرون: لا نصلّي إلا حيث أَمَرَنا
رسول الله # وإن فاتنا الوقت، قال: فما عثَّف واحداً من الفريقين(٢). قالوا: فلو
كان أحد الفريقين مخطئاً لعيّنه النبيُّ ﴾.
ويمكن أن يقال: لعلَّه إنما سكت عن تعيين المخطئ(٣) لأنه غيرُ آثم بل مأجور،
فاستغنى عن تعيينه. والله أعلم. ومسألةُ الاجتهاد طويلةٌ متشعّبةٌ، وهذه النُّبذةُ التي
ذكرناها كافيةٌ في معنى الآية، والله الموفّق للهداية.
الحادية عشرة: ويتعلَّق بالآية فصلٌ آخَرُ: وهو رجوعُ الحاكم بعد قضائه من
اجتهاده إلى اجتهادٍ آخَرَ أرجحَ من الأوّل، فإنَّ داود عليه السلام فَعَلَ ذلك. وقد
اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى؛ فقال عبد الملك ومُطَرِّفٌ في
((الواضحة)): ذلك له ما دام في ولايته، فأمَّا إن كانت ولايةٌ أخرى فليس له ذلك،
وهو بمنزلة غيره من القضاة. وهذا هو ظاهرُ قول مالكٍ رحمه الله في ((المدونة)).
وقال سحنون في رجوعه من اجتهادٍ فيه قولٌ إلى غيره مما رآه أصوبَ: ليس له
ذلك. وقاله ابن عبد الحكم. قالا: ويَستأنف الحكم بما قويَ عنده. قال سحنون: إلَّا
أن يكون نسيَ الأقوى عنده، أو وَهَمَ فحَكَم بغيره، فله نَقْضُه، وأمَّا إن حكم بحكم
هو الأقوى عنده في ذلك الوقت، ثم قوي عنده غیرُه بعد ذلك، فلا سبيل إلى نقض
الأوّل؛ قاله سحنون في كتاب ابنه .
(١) إحكام الفصول ص٧١٠، وينظر جامع بيان العلم ٢/ ٨٨٥.
(٢) أخرجه البخاري (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠).
(٣) في النسخ: المخطئين، والمثبت من المفهم ١٧٥/٥، والكلام منه.