Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة مريم: الآيات ٧٣ - ٧٥
محكمات، أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول :# قولاً أو
فعلاً. أو ظاهرات الإعجاز تُحدِّي بها فلم يُقدَر على معارضتها. أو حججاً
وبراهين(١). والوجه أن تكون حالاً مؤكدة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾.
[البقرة: ٩١] لأنَّ آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججاً.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يريد مشركي قريش النضرَ بنَ الحارث وأصحابَه ﴿لََِّّينَ ءَامَنُواْ﴾
يعني فقراءَ أصحابِ النبيِّ ﴾، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خُشونة، وفي ثيابهم
رثاثة، وکان المشرکون یرجّلون شعورهم، ویدهنون رؤوسهم، ويلبسون خیرَ ثيابهم،
فقالوا للمؤمنين: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ فِيَّ﴾ قرأ ابن كثير وابن محيصن
وحميد وشبل بن عبَّاد: ((مُقَاماً)) بضمُّ الميم، وهو موضع الإقامة. ويجوز أن يكون
مصدراً بمعنى الإقامة. الباقون ((مَقَاماً)) بالفتح، أي: منزلاً ومسكناً (٢). وقيل: المقام:
الموضع الذي يُقام فيه بالأمور الجليلة، أي: أيُّ الفريقين أكثر جاهاً وأنصاراً.
((وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)) أي: مجلساً، عن ابن عباس(٣). وعنه أيضاً: المنظر، وهو
المجلس في اللغة وهو النادي. ومنه دار الندوة؛ لأنَّ المشركين كانوا يتشاورون فيها
في أمورهم(٤). وناداه: جالسه في النادي. قال:
أُنادي به آلَ الوليد وجعفراً
والنَّدِيُّ على فعيل: مجلس القوم ومتحدَّثهم، وكذلك النَّذْوة والنَّادي
والمُنْتَدى(٥)، فإنْ تفرَّق القوم فليس بنديٌّ، قاله الجوهريُّ.
(١) تفسير الرازي ٢٤٦/٢١ .
(٢) تفسير البغوي ٢٠٧/٣، وقراءة ابن كثير في السبعة ص٤١١، والتيسير ص١٤٩، وينظر حجة
القراءات للفارسي ٢٠٥/٥، والبحر المحيط ٢١٠/٦ .
(٣) أخرجه الطبري ٦٠٨/١٥ .
(٤) غريب القرآن ص ٢٧٥ .
(٥) في النسخ: والمتندى، والمثبت من الصحاح (ندي) والكلام منه ونسب البيت فيه إلى المرقش.

٥٠٢
سورة مريم: الآيات ٧٣ - ٧٥
قوله تعالى: ﴿وَكَّرْ أَهْلَكَنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْدٍ﴾ أي: من أمَّة وجماعة. ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَا﴾
أي: متاعاً كثيراً، قال:
أَثِيثٍ كقِتْوِ النَّخلَةِ المُتَعَثْكِلِ (١)
وفَرْعٍ يَزينُ المَثْنَ أسودَ فاحِمٍ
والأثاث: متاع البيت. وقيل: هو ما جدَّ من الفَرْش، والخُرْئيُّ: ما لُبس منها،
وأنشد الحسن بن عليٍّ الطوسي فقال:
تقادم العهدُ من أمِّ الوليد بنا
دهراً وصار أثاثُ البيت خُرْثِيًّا(٢)
وقال ابن عباس: هيئة. مقاتل: ثياباً(٣).
((وَرِثْياً)) أي: منظَراً حسناً (٤). وفيه خمس قراءات: قرأ أهل المدينة: ((ورِيًّا)) بغير
همز. وقرأ أهل الكوفة: ((ورِئياً) بالهمز. وحكى يعقوب أنَّ طلحة قرأ: ((وَرِياً)) بياء
واحدة مخفَّفة. وروى سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: ((هُمْ
أَحْسَنُ أَثَاثاً وزِيًّا)) بالزاي، فهذه أربع قراءات. قال أبو إسحاق(٥): ويجوز ((هُمْ أَحْسَنُ
أَثَاثاً وريْئاً)) بياء بعدها همزة.
النخَّاس(٦): وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة، وفيها تقديران: أحدهما: أن
تكون من رأيت، ثم خفّفت الهمزة فأُبدل منها ياء، وأُدغمت الياءُ في الياء، وكان هذا
حسناً؛ لتتفق رؤوس الآيات؛ لأنَّها غيرُ مهموزات. وعلى هذا قال ابن عباس:
الرئي: المنظر، فالمعنى: هم أحسن أثاثاً ولباساً.
(١) القائل امرؤ القيس، وسلف ٣٩٥/١٢ .
(٢) الكشاف ٢/ ٥٢١ .
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٢٠٧ .
(٤) أخرجه الطبري ١٥/ ٦١٢ وعزاه لابن عباس رضي الله عنهما.
(٥) في معاني القرآن ٣٤٢/٣، ونقله عنه المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦/٣ والكلام
منه، وقراءة أهل الكوفة والمدينة في السبعة ص٤١١، والتيسير ص١٤٩، وقراءة طلحة في القراءات
الشاذة ص٨٦، والمحتسب ٤٣/٢، وقراءة ابن عباس في المحرر الوجيز ٢٩/٣.
(٦) في إعراب القرآن ٢٦/٣ - ٢٧ .

٥٠٣
سورة مريم: الآيات ٧٣ - ٧٥
والوجه الثاني: أنَّ جلودَهم مرتوية من النِّعمة، فلا يجوز الهمز على هذا. وفي
رواية ورش عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر: ((ورئياً)) بالهمز تكون على الوجه
الأوَّل، وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل. وقراءة طلحة بن
مُصَرِّف: ((ورِياً)) بياء واحدة مخفَّفة، أحسبها غلطاً. وقد زعم بعضُ النحويين أنَّه كان
أصلها الهمز فقلبت الهمزةُ ياء، ثم حُذفت إحدى اليائين. المهدوي: ويجوز أن
يكون: ((رِيْئاً)) فقلبت ياءً، فصارت ربياً، ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت.
وقد قرأ بعضهم ((وريا)) على القلب، وهي القراءة الخامسة. وحكى سيبويه رَاءَ بمعنى
رأی.
الجوهريُّ(١): من هَمَزه جعله من المنظر من رَأَيْتُ، وهو ما رأته العين من حال
حسنة وكسوة ظاهرة. وأنشد أبو عبيدة لمحمَّد بنٍ نمير الثقفي فقال:
أشاقَتْك الظعائنُ يوم بانوا بِذِي الرِّئي الجميلِ من الأثاث
ومن لم يهمز إمَّا أن يكون على تخفيف الهمز، أو يكون من رَوِيَتْ ألوانهم
وجلودهم رِيًّا، أي: امتلأت وحسنت.
وأما قراءة ابن عباس وأبيٍّ بنِ كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكيِّ ويزيد
البربري: ((وزيًّا)) بالزاي، فهو الهيئة والحُسن. ويجوز أن يكون من زَوَيتُ، أي:
جمعت، فيكون أصلها زِوياً، فقلبت الواو ياء(٢). ومنه قول النبيِّ﴾: ((زُويت لي
الأرض)) أي: جمعت(٣). أي: فلم يُغْنِ ذلك عنهم شيئاً من عذاب الله تعالى، فليعش
هؤلاء ما شاؤوا، فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عُمِّروا، أو العذاب العاجل
یأخذهم الله تعالی به.
(١) في الصحاح (رأى)، والبيت الآتي سلف ٣٩٣/١٢.
(٢) المحتسب ٤٤/٢ - ٤٥ دون أن ينسب القراءة لابن عباس، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩/٣.
(٣) الحديث أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (٣٩٥٢)، والطبراني في الأوسط (٨٣٩٢)، وابن عبد البر في
التمهيد ١٩٨/١٩ عن ثوبان ، وهو عند أحمد (٢٢٣٩٥)، ومسلم (١٩٢٠) بلفظ: إن الله زوی لي
الأرض ... الحديث.

٥٠٤
سورة مريم: الآيات ٧٣ - ٧٦
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِ الضَّلَلَةِ﴾ أي: في الكفر ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَنَّ﴾ أي:
فليدعه في طغيان جَهْله وكفره، فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: من كان في
الضلالة مدَّه الرحمنُ مدًّا حتى يطول اغترارُه فيكون ذلك أشدَّ لعقابه، نظيره: ﴿إِنَّمَا
نُعْلِيٍ لَمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِى ◌ُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[الأنعام: ١١٠] (١) ومثله كثير، أي: فليعش ما شاء، وليوسِّع لنفسه في العمر، فمصيره
إلى الموت والعقاب(٢). وهذا غاية في التهديد والوعيد. وقيل: هذا دعاء أُمِرَ به
النبي *، تقول: من سرق مالي، فليقطع اللهُ تعالى يدَه، فهو دعاء على السارق. وهو
جواب الشرط. وعلى هذا فليس قوله: ((فليمدد)) خبراً.
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ﴾ قال: ((رأوا)) لأنَّ لفظ ((من)) يصلح للواحد
والجمع. و((إذا)) مع الماضي بمعنى المستقبل، أي: حتى يروا ما يوعدون. والعذاب
هنا إمّا أن يكون بنَصْر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر، وإمَّا أن تقوم
الساعة فيصيرون إلى النار(٣). ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ أي: تنكشف
حينئذٍ الحقائق. وهذا ردِّ لقولهم: ((أيُّ الفريقين خيرٌ مقاماً وأحسن ندياً)).
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْاْ هُدَى وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ
ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا (٣)،
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْاْ هُدَى﴾ أي: ويثبّت الله المؤمنين على
الهدى، ويزيدهم في النُّصرة، وينزِّل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين، مجازاةً
لهم. وقيل: يزيدهم هدّى بتصديقهم بالناسخ والمنسوخ الذي كفر به غيرُهم، قال
معناه الكلبيُّ ومقاتل. ويحتمل ثالثاً: أي: ((ويزيد الله الذين اهتدوا)) إلى الطاعة
((هدّى)) إلى الجنَّة (٤). والمعنى متقارب. وقد تقدَّم القول في معنى زيادة الأعمال
(١) تفسير أبي الليث ٣٣١/٣ بنحوه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٣ .
(٣) تفسير البغوي ٢٠٨/٣، وزاد المسير ٢٥٩/٥ بنحوه.
(٤) النكت والعيون ٣٨٧/٣.

٥٠٥
سورة مريم: الآيات ٧٦ - ٨٠
وزيادة الإيمان والهدى في ((آل عمران))(١) وغيرها.
﴿وَالْبَقِيَتُ الضَّالِحَتُ﴾ تقدَّم في ((الكهف)) القول فيها(٢). ﴿خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي:
جزاء ﴿وَغَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ أي: في الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا. و((الْمَرَدّ)) مصدر
كالرَّدِّ، أي: وخير ردًّا على عاملها بالثواب، يقال: هذا أَرَدُّ عليك، أي: أنفع لك(٣).
وقيل: ((خير مردًّا)) أي: مرجعاً، فكلُّ أحد يردُّ إلى عمله الذي عمله.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بِثَايَقِنَا وَقَالَ لَأُوَتَيْنَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٧) أَطَّلَعَ
الْغَيَّبَ أَمِ لَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨ ◌َلََّّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُذُّ لَهُ مِنَ
اٌلْعَذَابِ مَذَّا (٨) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِيْنَا فَرْدًا (﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَِنَا﴾ روى الأئمة - واللفظ لمسلم - عن
خبَّاب قال: كان لي على العاص بنِ وائل دَيْنٌ، فأتيتُه أتقاضاه، فقال لي: لن أَقضيّك
حتى تَكْفُر بمحمَّد. قال: فقلت له: لن أَكفرَ به حتى تموتَ ثم تُبعَث. قال: وإِنِّي
لمبعوثٌ من بعد الموت؟! فسوف أَقضيكَ إذا رَجعتُ إلى مال وولد. قال وكيع: كذا
قال الأعمش، فنزلت هذه الآية: ((أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولداً))
إلى قوله: (ويأتينا فرداً). في رواية قال: كنت قَيْناً في الجاهلية فعملت للعاص بنٍ
وائل عملاً فأتيتُه أَتقاضاه. خرَّجه البخاريُّ أيضاً (٤).
وقال الكلبيُّ ومقاتل: كان خبَّاب قَيْناً، فصاغ للعاص حَلْياً ثم تقاضاه أجرتَه،
فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال خبَّاب: لست بمفارقك حتى تقضيني،
فقال العاص: يا خبَّاب، ما لَكَ؟! ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب. فقال
(١) ٥/ ٤٢٣ .
(٢) عند الآية (٤٦).
(٣) الوسيط ١٩٤/٣.
(٤) البخاري (٢٠٩١)، ومسلم (٢٧٩٥)، والواحدي في أسباب النزول ص٣١١ ، والقَيْن: الحداد
والصائغ. النهاية (قين).

٥٠٦
سورة مريم: الآيات ٧٧ - ٨٠
خبَّاب: إنِّي كنت على دينك، فأمَّا اليوم فأنا على دين الإسلام مفارقٌ لدينك. قال:
أَوَلستم تزعمون أنَّ في الجنَّة ذهباً وفضة وحريراً؟ قال خبَّاب: بلى. قال: فأَخِّرني
حتى أقضيك في الجنَّة - استهزاء - فوالله لئن كان ما تقول حقًّا إِنِّي لأقضيك فيها،
فواللهِ لا تكون أنت يا خبّاب وأصحابك أولى بها مني، فأنزل الله تعالى: ((أَفَرَّأَيْتَ
الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا)) يعني: العاصَ بنَ وائل، الآيات(١).
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ قال ابن عباس: أَنظرَ في اللوح المحفوظ؟ !. وقال مجاهد: أَعَلِمَ
الغيبَ حتى يعلم أفي الجنَّة هو أم لا؟! (٢) ﴿أَمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال قتادة
والثوريُّ: أي: عملاً صالحاً (٣). وقيل: هو التوحيد. وقيل: هو من الوعد(٤). وقال
الكلبيُّ: عاهد الله تعالى أن يدخله الجنَّة(٥).
﴿كَّ﴾ ردِّ عليه، أي: لم يكن ذلك، لم يطلع الغيب، ولم يتّخذ عند الرحمن
عهداً (٦)، وتمَّ الكلام عند قوله: ((كَلَّا)). وقال الحسن: إنَّ الآيات نزلت في الوليد بن
المغيرة(٧). والأوَّل أصحُ؛ لأنَّه مدوَّن في الصِّحاح.
وقرأ حمزة والكسائيُّ ((وَوُلْداً)) بضمِّ الواو، والباقون بفتحها (٨). واختلف في
الضمِّ والفتح على وجهين: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد، يقال: وَلَد ووُلْد
كما يقال: عَدَم وعُدْم. وقال الحارث بن حِلّزة:
ولقد رأيتُ معاشراً قد ثَمَّرُوا مَالاَ ووُلْدَا(٩)
(١) أسباب النزول للواحدي ص٣١٢ .
(٢) تفسير البغوي ٢٠٨/٣ .
(٣) أخرجه الطبري ١٥/ ٦٢١ عن قتادة.
(٤) تفسير أبي الليث ٢/ ٣٣٢ بنحوه.
(٥) تفسير البغوي ٢٠٨/٣ .
(٦) الوسيط ١٩٤/٣ .
(٧) زاد المسير ٢٦٠/٥، وتفسير الرازي ٢٤٩/٢١.
(٨) السبعة ص ٤١٢، والتيسير ص ١٥٠.
(٩) النكت والعيون ٣٨٧/٣، والبيت ذكره أيضاً الفراء في معاني القرآن ١٧٣/٢، والطبري ٦٢٠/١٥.

٥٠٧
سورة مريم: الآيات ٧٧ - ٨٠
وقال آخر:
فليتَ فلاناً كان في بطن أُمِّه وليت فلاناً كان وُلْدَ حِمَارٍ (١)
والثاني: أنَّ قيساً تجعل الوُلد بالضمِّ جمعاً، والولَد بالفتح واحداً. قال
الماورديُّ(٢): وفي قوله تعالى: ((لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدا)) وجهان: أحدهما: أنَّه أراد في
الجنَّة استهزاءً بما وعد الله تعالى على طاعته وعبادته، قاله الكلبيُّ. الثاني: أنَّه أراد
في الدنيا، وهو قول الجمهور، وفيه وجهان محتملان: أحدهما: إن أَقمتُ على دين
آبائي وعبادة آلهتي لأَوتينَّ مالاً وولداً. الثاني: ولو كنت على باطل لَمَا أُوتيت مالاً
وولداً.
قلت: قول الكلبيِّ أشبه بظاهر الأحاديث، بل نصُّها يدلُّ على ذلك، قال
مسروق: سمعت خبّاب بن الأرتِّ يقول: جئت العاصيَ بنَ وائل السَّهْميَّ أتقاضاه
حقًّا لي عنده. فقال: لا أُعطيك حتى تكفُر بمحمَّد. فقلت: لا حتى تموتَ ثم تُبعَث.
قال: وإِنِّي لميِّت ثم مبعوث؟ !. فقلت: نعم. فقال: إنَّ لي هناك مالاً وولداً فأقضيك،
فنزلت هذه الآية، قال الترمذيُّ: هذا حديث حسن صحيح(٣).
قوله تعالى: ((أَطَلَعَ الْغَيْبَ)) ألفه ألفُ استفهام لمجِيء ((أم)) بعدها، ومعناه
التوبيخ، وأصله: أَاطلع، فحذفت الألف الثانية؛ لأنَّها ألف وصل(٤). فإن قيل: فهلًا
أتوا بمَدَّة بعد الألف فقالوا: اطلع كما قالوا: ﴿ءَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿،َالذَّكَرَيْنِ
حَرَّمَ﴾ [الأنعام: ١٤٣] قيل له: كان الأصل في هذا ((أالله))، ((أالذكرين)) فأبدلوا من
(١) ذكره الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٧٣، وابن جني في المحتسب ٣٦٥/١، والطبري ٦٢٠/١٥ دون
نسبة، ونسبه التبريزي في تهذيب إصلاح المنطق ٥٨/١، والعكبري في المشرف المعلم ٨٤١/٢ لنافع
ابن صفار الأسلمي يهجو الأخطل، وجاء في المحتسب: زياداً، بدل: فلاناً، في الموضعين.
(٢) في النكت والعيون ٣٨٨/٣ ، وما قبله منه.
(٣) الترمذي (٣١٦٢)، وسلف تمام تخريجه قريباً.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧/٣ .

٥٠٨
سورة مريم: الآيات ٧٧ - ٨٠
الألف الثانية مدَّة ليفرِّقوا بين الاستفهام والخبر، وذلك أنَّهم لو قالوا: الله خير، بلا
مدِّ، لالتبسَ الاستفهام بالخبر (١)، ولم يحتاجوا إلى هذه المدَّة في قوله: ((أطَّع)) لأنَّ
ألف الاستفهام مفتوحة، وألف الخبر مكسورة، وذلك أنَّك تقول في الاستفهام: أَطّلع؟
أَفترى؟ أَصطفى؟ أَستغفرت؟ بفتح الألف، وتقول في الخبر: إِطلع، إِفترى، إِصطفى،
استغفرت لهم، بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر، ولم يحتاجوا إلى فرق آخر.
قوله تعالى: ((كَلَّا)) ليس في النصف الأوَّل ذكر (كلّا)) وإنَّما جاء ذكره في النصف
الثاني(٢). وهو يكون بمعنيين: أحدهما: بمعنى حقًّا. والثاني: بمعنى ((لا)). فإذا كانت
بمعنى حقًّا جاز الوقف على ما قبله، ثم تبتدئ ((كلا)) أي: حقًّا. وإذا كانت بمعنى
((لا))، كان الوقف على ((كلا)) جائزاً، كما في هذه الآية؛ لأنَّ المعنى: لا ليس الأمر
كذا. ويجوز أن تقف على قوله: ((عَهْداً)) وتبتدئ ((كلا)) أي: حقًّا («سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ)).
وكذا قوله تعالى: ﴿لَعَلَّّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَّكْتُ كَلَّأَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يجوز الوقف
على ((كلا)) وعلى ((تركت)). وقوله: ﴿وَهُمْ عَلَىَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ قَالَ كَلَّ﴾
[الشعراء: ١٤-١٥] الوقف على ((كلا)) لأنَّ المعنى: لا، وليس الأمر كما تظن
فَأَذْهَبَا﴾. فليس للحقِّ في هذا المعنى موضع(٣).
وقال الفرَّاء(٤): ((كلا)) بمنزلة سوف؛ لأنَّها صلة، وهي حرف رَدِّ، فكأنَّها ((نعم))
و ((لا)) في الاكتفاء. قال: وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها، كقولك: كلّا
وَرَبِّ الكعبة، لا تقف على كلَّا؛ لأنَّه بمنزلة: إي وربّ الكعبة. قال الله تعالى: ﴿كَلَّ
وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢] فالوقف على ((كلّا)) قبيح؛ لأنَّه صلة لليمين. وكان أبو جعفر محمد
ابن سعدان يقول في ((كلا)) مثل قولِ الفرَّاء. وقال الأخفش: معنى ((كلا)) الردع
(١) سر صناعة الإعراب لابن جني ٣٤٠/١.
(٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٣٣٢.
(٣) إيضاح الوقف والابتداء ٤٢٥/١ - ٤٢٧ .
(٤) بنظر شرح المفصل لابن يعيش ١٦/٩.

٥٠٩
سورة مريم: الآيات ٧٧ - ٨٢
والزجر. وقال أبو بكر بن الأنباري(١): وسمعت أبا العباس يقول: لا يُوقَف على
((كلا)) في جميع القرآن؛ لأنَّها جواب، والفائدة تقع فيما بعدها. والقول الأول هو
قول أهل التفسير.
قوله تعالى: ﴿سَنَكْنُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: سنحفظ عليه قوله فنجازيه به في الآخرة.
﴿وَنَمُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا﴾ أي: سنزيده عذاباً فوق عذاب(٢). ﴿وَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي:
نسلبه ما أعطيناه في الدنيا من مال وولد. وقال ابن عباس وغيره: أي: نرثه المالَ
والولدَ بعد إهلاكنا إيَّاه. وقيل: نحرمه ما تمنَّه في الآخرة من مال وولد(٣)، ونجعله
لغيره من المسلمين . ﴿وَبَأْنِينَا فَرْدًا﴾ أي: منفرداً لا مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره.
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ الَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَّا (٨) كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ
◌ِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِذًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُّ لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَّ﴾ يعني: مشركي قريش.
و((عِزَّا)) معناه: أعواناً ومنَعة، يعني: أولاداً. والعِزُّ: المطر الجُودُ(٤) أيضاً، قاله
الهرويُّ(٥). وظاهر الكلام أنَّ ((عزَّا)) راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله.
ووحّد؛ لأنَّه بمعنى المصدر، أي: لينالوا بها العزَّ ويمتنعون بها من عذاب الله، فقال
الله تعالى: ﴿كَلَّ﴾ أي: ليس الأمر كما ظنُّوا وتوهَّموا، بل يكفرون بعبادتهم، أي:
ينكرون أنَّهم عبدوا الأصنام، أو تجحد الآلهةُ عبادةَ المشركين لها، كما قال: ﴿تَبَأْنَاً
إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]. وذلك أنَّ الأصنامَ جمادات لا تعلم
العبادة (٦).
(١) في إيضاح الوقف والابتداء ٤٢٥/١ .
(٢) الوسيط ٣/ ١٩٥.
(٣) النكت والعيون ٣٨٨/٣، دون قول ابن عباس وأخرجه عنه الطبري ١٥/ ٦٢٣، وذكره ابن الجوزي
في زاد المسير ٢٦١/٥ .
(٤) المطرُ الجود: أي المطر الغزير ..
(٥) وينظر الصحاح (عزز).
(٦) زاد المسير ٢٦٢/٥.

٥١٠
سورة مريم: الآيتان ٨١ - ٨٢
﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِذًّا﴾ أي: أعواناً في خصومتهم وتكذيبهم. عن مجاهد(١)،
والضخَّاك: يكونون لهم أعداء(٢). ابن زيد: يكونون عليهم بلاء(٣). فتحشر آلهتهم،
وتركَّب لهم عقول فتنطق، وتقول: يا ربِّ عَذِّبْ هؤلاء الذين عبدونا من دونك.
و(كلا)) هنا يحتمل أن تكون بمعنى ((لا))، ويحتمل أن تكون بمعنى حقًّا، أي:
حقًّا (سيكفرون بِعِبادتهِم)). وقرأ أبو نَهِيك: (كَلَّا سيكفرون)) بالتنوين(٤). وروي عنه مع
ذلك ضمُّ الكاف وفتحُها(٥).
قال المهدويُّ: ((كلا)) ردع وزَجْر وتنبيه وردٌّ لكلام متقدِّم، وقد تقع لتحقيق ما
بعدها والتنبيه عليه كقوله: ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِسَنَ لَطْفَخٌ﴾ [العلق: ٦] فلا يوقف عليها على
هذا، ويوقف عليها في المعنى الأول، فإن صلح فيها المعنَيان جميعاً، جاز الوقف
عليها والابتداء بها. فمن نوَّن ((كلا)) من قوله: ((كلَّا سيكفرون بِعِبادتهِم)) مع فتح
الكاف فهو مصدر كَلَّ، ونصبه بفعل مضمَر، والمعنى: كَلَّ هذا الرأيُ والاعتقادُ كَلًّا،
يعني: اتخاذَهم الآلهةَ ((لِيكونوا لهم ◌ِزَّا)) فيوقف على هذا على ((عِزَّا)) وعلى ((كَلّا)».
وكذلك في قراءة الجماعة؛ لأنَّها تصلح للردِّ لما قبلها، والتحقيق لما بعدها (٦). ومن
روى ضمَّ الكاف مع التنوين، فهو منصوب أيضاً بفعل مضمَر، كأنَّه قال: سيكفرون
((كُلَّا سيكفرون بِعِبادتهِم))(٧) يعني: الآلهة.
قلت: فتحصَّل في ((كلَّا)) أربعة معانٍ: التحقيق وهو أن تكون بمعنى حقًّا،
والنفي، والتنبيه، وصلة للقسَم، ولا يوقف منها إلا على الأوَّل. وقال الكسائيُّ: ((لا))
(١) تفسير مجاهد ٣٩٠/١ - ٣٩١، وأخرجه عنه الطبري ١٥/ ٦٢٤.
(٢) أخرجه الطبري ٦٢٥/١٥ .
(٣) النكت والعيون ٣٨٩/٣.
(٤) القراءات الشاذة ص٨٦، والمحتسب ٤٥/٢ .
(٥) المحرر الوجيز ٣١/٤ .
(٦) المحتسب ٤٥/٢، وإيضاح الوقف والابتداء ٤٢٥/١ وما بعدها، وإملاء ما منَّ به الرحمن ٥٦٧/٣
بنحوه.
(٧) المحرر الوجيز ٣١/٤.

٥١١
سورة مريم: الآيات ٨١ - ٨٧
تنفي فحسب، و(كلّا)) تنفي شيئاً وتُثبِت شيئاً، فإذا قيل: أكلتَ تمراً، قلت: كلَّ إنِّي
أكلتُ عسلاً لا تمراً، ففي هذه الكلمة نفيُ ما قبلها، وتحقُّق ما بعدها. والضّدُّ يكون
واحداً ويكون جمعاً، كالعدوِّ والرسول. وقيل: وقع الضِّدُّ موقع المصدر، أي:
ويكونون عليهم عوناً، فلهذا لم يجمع، وهذا في مقابلة قوله: ((ليكونوا لهم عِزاً»
والعِزّ مصدر، فكذلك ما وقع في مقابلته. ثم قيل: الآية في عبدة الأصنام، فأجرى
الأصنام مجرى من يعقل، جرياً على توهُّم الكفرة. وقيل: فيمن عبد المسيح أو
الملائكة أو الجنَّ أو الشياطين، فالله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا (٨٧) فَلَا
يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا
تَعْجَلْ عَلَيْهِمّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا (9)
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨َ لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَنِ أَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ
عَهْدًا (4)
قوله تعلى: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ أي: سلَّطناهم عليهم
بالإغواء، وذلك حين قال لإِبليس: ﴿وَأَسْتَفْرِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].
وقيل: ((أرسلنا)) أي: خلَّينا، يقال: أرسلت البعير، أي: خلَّيته. أي: خلَّينا الشياطين
وإِيَّاهم ولم نَعصِمْهم من القبول منهم (١). الزجَّاج(٢): قَيَّضنا.
﴿تَؤُزُهُمْ أَزَّ﴾ قال ابن عباس: تزعجهم إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية. وعنه
تغريهم إغراءً بالشَّرِّ: امْضِ امْضٍ في هذا الأمر، حتى تُوقعَهم في النار. حكى الأوَّل
الثعلبيُّ، والثاني الماورديُّ(٣)، والمعنى واحد. الضحَّاك: تغويهم إغواء (٤). مجاهد:
(١) الوسيط ١٩٥/٣ .
(٢) في معاني القرآن ٣٤٥/٣ .
(٣) في النكت والعيون ٣٨٩/٣، وذكر قول ابن عباس الأول الواحدي في الوسيط ١٩٥/٣، وأخرج
الثاني الطبري ١٥/ ٦٢٧ .
(٤) النكت والعيون ٣٨٩/٣، وأخرجه عنه الطبري ٦٢٧/١٥، بلفظ: تُغريهم إغراء.

٥١٢
سورة مريم: الآيات ٨٣ - ٨٧
تُشليهم إشلاءً(١).
وأصله الحركة والغَلَيان، ومنه الخبر المرويُّ عن النبيِّ # قام إلى الصلاة ولجوفه
أَزيزٌ كأزيز المِرْجل من البكاء. والْتَزَّتِ القِدْر انتِزازاً: اشتدَّ غليانها. والأَزُّ: التَّهييج
والإِغراء، قال الله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا))
أي: تُغْريهم على المعاصي. والأَزُّ: الاختلاط. وقد أَزَزْتُ الشيءَ أَؤُزُّهُ أَزًّا، أي:
ضممتُ بعضه إلى بعض. قاله الجوهريُّ (٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَ تَّفْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: تطلب العذابَ لهم. ﴿إِنََّا نَعُدُّ لَهُمْ عَدَّا﴾
قال الكلبيُّ: آجالهم، يعني الأيَّام والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء أَجَلٍ
العذاب(٣). وقال الضحَّاك: الأنفاس. ابن عباس: أي: نعدُّ أنفاسَهم في الدنيا كما
نعدُّ سنيهم(٤). وقيل: الخطوات. وقيل: اللَّذات. وقيل: اللحظات. وقيل: الساعات.
وقال قطرب: نعدُّ أعمالَهم عدًّا(٥). وقيل: لا تعجل عليهم فإنَّما نؤخِّرهم ليزدادوا
إثماً.
روي أنَّ المأمونَ قرأ هذه السورة، فمرَّ بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء،
فأشار برأسه إلى ابنِ السماك أن يَعِظَه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن
لها مدد، فما أسرع ما تنفد. وقيل في هذا المعنى:
مَضَى نَفَسٌ منك انتقصت به جُزْءًا
حياتُك أنفاسٌ تُعدُّ فكلَّما
ويَحدُوكِ حَادٍ ما يُريد به الهُزءا(٦)
يميتك ما يحييك في كلِّ ليلة
(١) أخرجه الطبري ٦٢٧/١٥ ونسبه لا بن زید.
(٢) في الصحاح (أزز)، والحديث أخرجه أحمد (١٦٣١٢)، وأبو داود (٩٠٤)، والنسائي في المجتبى
١٣/٣، وفي الكبرى (٥٤٩) عن عبد الله بن الشِّخِّير ﴾.
(٣) تفسير البغوي ٢٠٩/٣، والنكت والعيون ٣٨٩/٣ بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري ١٥/ ٦٢٨ .
(٥) زاد المسير ٢٦٣/٥.
(٦) القائل علي بن أبي طالب، والبيتان في ديوانه ص١١، وذكرهما ابن عبد البر في بهجة المجالس =

٥١٣
سورة مريم: الآيات ٨٣ - ٨٧
ويقال: إنَّ أنفاسَ ابنِ آدم بين اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس؛ اثنا عشر
ألف نفس في اليوم، واثنا عشر ألفاً في الليلة - والله أعلم - فهي تعدُّ وتحصى إحصاءً،
ولها عدد معلوم، وليس لها مدد، فما أسرع ما تَنفد.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ في الكلام حذف، أي: إلى جنَّة
الرحمن، ودار كرامته(١)، كقوله: ﴿إِ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، وكما
في الخبر: ((من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله))(٢).
والوفد: اسمٌ للوافدين، كما يقال: صَوْم وفَظْر وزَوْر، فهو جمع الوافد، مثل
رَكْب وراكب، وصَحْب وصاحب، وهو من وَفَد يَفِدُ وَفْداً ووفوداً ووفادة، إذا خرج
إلى مَلِكِ في فتحٍ أو أمر خطير(٣). الجوهريّ(٤): يقال: وَد فلانٌ على الأمير، أي:
وَرَدَ رسولاً، فهو وافد، والجمع وَفْد، مثل صاحب وصَحْب، وجمع الوَقْد: أوفاد
ووفود، والاسم: الوِفادة، وأَوفَدْته أنا إلى الأمير، أي: أرسلته.
وفي التفسير: ((وفداً)) أي: ركباناً على نجائب طاعتهم(٥). وهذا لأنَّ الوافدَ في
الغالب يكون راكباً، والوفد: الركبان، ووحّد؛ لأنَّه مصدر. ابن جريج: وفداً على
النجائب(٦).
وقال عمرو بنُ قيس الْمُلَائي: إنَّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في
أحسنٍ صورة وأطيبٍ رِيْح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أنَّ الله قد طيِّب
= ٣٣٩/٣ ونسبها إلى محمود الوراق، وابن الجوزي في المدهش ص ٤٥٣ ولم ينسبها، وجاءت رواية
البيت الثاني في الدیوان هكذا:
ويحييك ما يفنيك في كل حالة
ويحدوك حادٍ ما يريد بك الهزءا
(١) الوسيط ١٩٥/٣ .
(٢) سلف ٣/ ٢٧٠ .
(٣) الوسيط ١٩٥/٣.
(٤) في الصحاح (وفد).
(٥) لطائف الإشارات ١٥١/٢.
(٦) أخرجه الطبري ٦٣٠/١٥ - ٦٣١.

٥١٤
سورة مريم: الآيات ٨٣ - ٨٧
رِيْحك وحسَّن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما
ركبتُك في الدنيا، اركبني اليوم، وتلا: ((يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً)). وإنَّ
الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن رِيْح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا
أنَّ الله قد قبَّح صورتك وأَنتنَ رِيْحك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك
السَّيِّئ، طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك. وتلا: ﴿وَهُمْ يَحْيِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى
ظُهُورِهِمَّ﴾ [الأنعام: ٣١]. ولا يصحُّ من قِبل إسناده، قاله ابن العربي في ((سراج
المريدين))(١)، وذكّر هذا الخبر في تفسيره أبو نصر عبد الرحيم بنُ عبد الكريم
القشيريُّ، عن ابن عباس بلفظه ومعناه.
وقال أيضاً عن ابن عباس: من كان يحبُّ الخيلَ وفَد إلى الله تعالى على خيل لا
تَرُوث ولا تَبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزَّبرجد الأخضر، ومن الدُّرِّ
الأبيض، وسُروجها من السندس والإستبرق، ومن كان يحبُّ ركوبَ الإبل فعلى
نجائب لا تَبْعَر ولا تبول، أَزمَّتها من الياقوت والزَّبرجد، ومن كان يحبُّ رکوب
السفن، فعلى سفن من ياقوت، قد أَمِنُوا الغرق، وأَمِنُوا الأهوال.
وقال أيضاً عن عليٍّ ﴾: ولما نزلت الآية قال عليٍّ ﴾: يا رسولَ الله! إني قد
رأيت الملوك ووفودهم، فلم أَرَ وفداً إلا ركباناً، فما وَفْد الله؟ فقال رسول الله ﴾.
((أما إنَّهم لا يُحشَرون على أقدامهم ولا يُساقون سَوقاً، ولكنَّهم يؤتون بنُوق من نوق
الجنَّة، لم ينظر الخلائق إلى مِثْلها، رحالها الذَّهب، وزمامها الزَّبرجد، فيركبونها
حتى يقرعوا بابَ الجنَّة))(٢). ولفظ الثعلبيّ في هذا الخبر عن عليٍّ أبينُ.
وقال عليٍّ: لما نزلت هذه الآية، قلت: يا رسول الله! إنِّي رأيت الملوك
(١) التذكرة ص١٨٩ - ١٩٠، والخبر أخرجه الطبري ١٥/ ٦٣٠ مقتصراً على الطرف الأول، وأخرجه أيضاً
ابن أبي حاتم في التفسير ١٢٨١/٤ (٧٢٢٩)، والطبري ٢١٧/٩ عن السدي بنحوه.
(٢) التذكرة ص٢٠١، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١٩/١٣، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٥٣)،
والطبري ٦٢٩/١٥، والحاكم ٥٦٥/٤، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٨). قال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وردّه الذهبي بقوله: لا.

٥١٥
سورة مريم: الآيات ٨٣ - ٨٧
ووفودهم، فلم أرَ وفداً إلا رکباناً. قال: «یا علیّ إذا کان المنصرف من بين يدي الله
تعالى تلقّت الملائكة المؤمنين بنُوق بِيْض رحالها، وأزمَّتها الذهب، على كلِّ مركب
حُلَّة لا تساويها الدنيا، فيلبس كلُّ مؤمن حُلَّة، ثم تسير بهم مراكبهم فتهوي بهم النوق
حتى تنتهي بهم إلى الجنَّة، فتتلقاهم الملائكة: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا
خَلِدِينَ﴾.
قلت: وهذا الخبر ينصُّ على أنَّهم لا يَركبون ولا يلبسون إلا من الموقف، وأمَّا
إذا خرجوا من القبور فمشاةً حُفاةً عُراةً غُرلاً إلى الموقف؛ بدليل حديث ابن عباس
قال: قام فينا رسولُ الله :﴿ بموعظة فقال: ((يا أيها الناس إنَّكم تُحشَرون إلى الله
- تعالى - حُفَاةً عُراة غُرْلاً)) الحديث خرَّجه البخاريُّ ومسلم(١)، وسيأتي بكماله في
سورة ((المؤمنين)) إن شاء الله تعالى، وتقدَّم في ((آل عمران)) من حديث عبد الله بنٍ
أنيس بمعناه، والحمد لله تعالى(٢). ولا يَبْعُد أن تحصل الحالتان للسعداء، فيكون
حديث ابنِ عباس مخصوصاً، والله أعلم.
وقال أبو هريرة: ((وفداً)): على الإبل(٣). ابن عباس: ركباناً يؤتون بنوق من
الجنَّة، عليها رحائل من الذهب، وسُروجها وأزمَّتها من الزَّبرجد فيحشرون عليها.
وقال عليٍّ: ما يُحشَرون واللهِ على أرجلهم، ولكن على نُوقٍ رحالها من ذهب،
ونُجُبِ سروجها يواقيت، إن هَمُّوا بها سارت، وإن حركوها طارت (٤). وقيل: يَفْدُون
على ما يحبُّون من إبل أو خيل أو سفن، على ما تقدَّم عن ابن عباس. والله أعلم.
وقيل: إنَّما قال: ((وفداً)) لأنَّ من شأن الوفود عند العرب أن يَقدموا بالبِشارات،
وينتظرون الجوائز، فالمتَّقون ينتظرون العطاءَ والثواب.
(١) البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٨٦٠) واللفظ له.
(٢) لم نقف عليه في سورة المؤمنين، وتقدم في آل عمران ٤١٣/٥ مختصراً، وفي المائدة ٨/ ٣٠٤ بتمامه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١٩/١٣، والطبري ٦٢٩/١٥ - ٦٣٠.
(٤) تفسير البغوي ٢٠٩/٣ .

٥١٦
سورة مريم: الآيات ٨٣ - ٨٧
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنََّ وِرْدًا﴾ السَّوق: الحثُّ على السير. و((وِرداً)): عِطاشاً،
قاله ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما والحسن(١). والأخفش والفرَّاء(٢) وابن
الأعرابي: حفاةً مشاةً. وقيل: أفواجاً. وقال الأزهريُّ(٣): أي: مشاةً عِطاشاً، كالإبل
تَرِدُ الماء، فيقال: جاء وِرد بني فلان. القشيريُّ: وقوله ((وِرداً)) يدلُّ على العطش؛ لأنَّ
الماءَ إنَّما يورد في الغالب للعطش. وفي ((التفسير)): مشاةً عِطاشاً(٤)، تتقطّع أعناقهم
من العطش(٥)، وإذا كان سَوق المجرمين إلى النار، فحشر المتقين إلى الجنة.
وقيل: ((وِرداً)) أي: الورود، كقولك: جئتك إكراماً لك، أي: لإكرامك، أي:
نسوقهم لورود النار.
قلت: ولا تناقضَ بين هذه الأقوال، فيساقون عِطاشاً حفاةً مشاةً أفواجاً. قال ابنُ
عرفة: الوِرد: القوم يَرِدُون الماء، فسُمِّي العطاش ورداً؛ لطلبهم ورود الماء؛ كما
تقول: قوم صَوْم، أي: صيام، وقوم زَوْر، أي: زوَّار، فهو اسم على لفظ المصدر،
واحدهم وارد.
والورد أيضاً: الجماعة التي تَرِدُ الماءَ من طير وإبل. والورد: الماء الذي يوردُ(٦).
وهذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء.
والوٍرْد: الجزء. يقال: قرأت وٍردي. والورد: يوم الحمَّى إذا أخذت صاحبها
لوقت - فظاهره لفظ مشترك - وقال الشاعر يصف قَلِيباً:
(١) أخرجه عنهم الطبري ٦٣١/١٥ - ٦٣٢، وعلقه عن ابن عباس البخاري في كتاب التفسير، قبل حديث
٤٧٣٠، وأخرجه أيضاً عن الحسن ابنُ أبي شيبة ١٧٢/١٣، وهناد في الزهد (٢٨٦) و(٢٨٧).
(٢) في معاني القرآن ٣/ ١٧٢، وفيه: مشاة عطاشاً.
(٣) في تهذيب اللغة ١٤/ ١٦٤ .
(٤) نزهة القلوب ص ٤٧١ .
(٥) تفسير البغوي ٢٠٩/٣ .
(٦) تهذيب اللغة ١٤ / ١٦٤ .

٥١٧
سورة مريم: الآيات ٨٣ - ٨٧
يَظْمو إذا الوِرْدُ عليه الْتًَّّا(١)
أي: الورَّاد الذين يَرِدُونَ الماءَ.
قوله تعالى: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ﴾ أي: هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعةً لأحد
﴿إِلَّا مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ وهم المسلمون فيملكون الشفاعة، فهو استثناء الشيء
من غير جنسه، أي: لكن ((من اتخذ عِند الرحمنِ عهداً)) يشفع، فـ ((مَن)) في موضع
نصب على هذا. وقيل: هو في موضع رَفْع على البدل من الواو في ((يملكون))، أي:
لا يملك أحد عند الله الشفاعة ((إِلا من اتخذ عِند الرحمنِ عهداً)) فإنَّه يملك(٢)، وعلى
هذا يكون الاستثناء متصلاً.
و ((المجرمين)) في قوله: ((وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً) يعمُّ الكفرةَ
والعصاة، ثم أخبر أنَّهم لا يملكون الشفاعة إلا العصاة المؤمنون، فإنَّهم يملكونها بأن
يشفع فيهم. قال رسول الله﴾: ((لا أَزالُ أَشفع حتى أقول: يا ربِّ شفِّعني فيمن قال:
لا إله إلا الله محمد رسول الله فيقول: يا محمَّد إنَّها ليست لك ولكنها لي))(٣) خرَّجه
مسلم بمعناه، وقد تقدَّم(٤).
وتظاهرت الأخبار بأنَّ أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيُشْفَّعون(٥)، وعلى
القول الأول يكون الكلام متصلاً بقوله: ((واتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزَّا)»
فلا تقبل غداً شفاعة عبدة الأصنام لأحد، ولا شفاعة الأصنام لأحد، ولا يملكون
شفاعة أحد لهم، أي: لا تنفعهم شفاعة، كما قال: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِينَ﴾
[المدثر : ٤٨].
وقيل: أي: نحشر المثَّقين والمجرمين، ولا يملك أحدٌ شفاعةً ((إلا من اتخذ عِند
(١) الصحاح (ورد)، وقبله:
صبَّحن من وشحا قلیباً سُئًا
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٤٦/٣ بنحوه.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢/٤ - ٣٣.
(٤) مسلم (١٩٣): (٣٢٦)، وهو بهذا اللفظ عند أبي يعلى في مسنده (٢٧٨١).
(٥) المحرر الوجيز ٣٣/٤ .

٥١٨
سورة مريم: الآيات ٨٣ - ٩٥
الرحمنِ عهداً)) أي: إذا أذن له الله في الشفاعة، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ؟
إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهذا العهد هو الذي قال: ((أَم اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدٌ))
وهو لفظ جامعٌ للإيمان وجميع الصالحات التي يصل بها صاحبها إلى حيز من يشفع.
وقال ابن عباس: العهد: لا إله إلا الله. وقال مقاتل وابن عباس أيضاً: لا يَشفع
إلا من شهد أن لا إله إلا الله، وتبرَّأ من الحول والقوّة لله، ولا يرجو إلا الله تعالى(١).
وقال ابن مسعود: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول لأصحابه: ((أيعجز أحدكم أن
يتخذ كلَّ صباح ومساء عند الله عهداً)) قيل: يا رسول الله وما ذاك؟ قال: ((يقول عند
كلِّ صباح ومساء: اللَّهِمَّ فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إنِّي أَعهد
إليك في هذه الحياة بأنِّي أشهد أن لا إله إلا أنتَ، وحدك لا شريك لك، وأنَّ محمداً
عبدك ورسولك، فإنَّك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقرِّني من الشَّرِّ، وإنِّي
لا أَثِقُ إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً توفِّينيه يوم القيامة، إنَّك لا تخلف
الميعاد، فإذا قال ذلك، طبع الله عليها طابعاً، ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم
القيامة نادى منادٍ: أين الذين لهم عند الله عهدٌ. فيقوم فيدخل الجنة))(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَفَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨َ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا (٧َ تَكَادُ
السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ لْجِبَالُ هَذَّا ( أَنْ دَعَوْاْ لِلرََّْنِ وَلَدًّا @
وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًّا ( إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ
الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿ لَّقَدْ أَحْصَنْهُ وَعَدَّهُمْ عَدَّا () وَكُلُّهُمْ ءَاتِيِهِ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ فَرْدًا (١٥﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعني اليهود والنصارى، ومَنْ زعم أنَّ
(١) أخرجه الطبري ٦٣٣/١٥، والطبراني في الدعاء (١٥٧٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص١٠٩
عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) الكشاف ٥٢٥/٢، والثعلبي كما في الكافي الشاف ص١٠٨، وأخرجه أحمد (٣٩١٦) بنحوه. قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧٤/١٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن عون بن عبد الله لم
يسمع من ابن مسعود. اهـ وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨ عن ابن مسعود من
قوله. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.

٥١٩
سورة مريم: الآيات ٨٨ - ٩٥
الملائكةَ بناتُ اللـه (١). وقرأ يحيى والأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وخلف(٢): ((وُلْداً))
بضمِّ الواو وإسكان اللام، في أربعة مواضع: من هذه السورة قوله تعالى: ﴿لَأُوتَيَّ
مَالًا وَلَدًا﴾ وقد تقدَّم(٣)، وقوله: ﴿أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّْمِنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِى لِلَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.
وفي سورة نوح: ﴿مَالُ وَوَلَدُهُ﴾ [الآية: ٢١]. ووافقهم في ((نوح)) خاصَّةً ابنُ كثير
ومجاهدٌ وحميد وأبو عمرو ويعقوب. والباقون في الكُلِّ بالفتح في الواو واللام(٤)،
وهما لغتان، مثل: العَرَبُ والعُرْبُ والعَجَمُ والعُجْمُ. قال:
ولقد رأيتُ معاشراً قد ثَمَّرُوا مالاً وَوُلْدا
وقال آخر :
وليتَ فلاناً كان وُلْدَ حِمَارٍ
وليتَ فلاناً كان في بطنِ أمِّهِ
وقال في معنى ذلك النابغة(٥):
مَهْلاً فداءً لكَ الأقوامُ كلُّهِمُ
وما أُثَمِّرُ من مالٍ وَمِن وَلَدٍ
ففتح. وقيسٌ يجعلون الوُلْدَ بالضمّ جمعاً، والوَلدَ بالفتح واحداً (٦). قال
الجوهري (٧): الوَلَدُ قد يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الوُلْدُ بالضمِّ. ومن أمثال بني
أسد: وُلْدُكِ مِن دَمَّى عَقِبَيْكِ. (٨) وقد يكون الوُلْدُ جمعَ الوَلَدِ مثلَ أُسْدٍ وَأَسَدٍ: والوِلْدُ
(١) الوسيط ١٩٦/٣، وتفسير البغوي ٢٠٩/٣، وزاد المسير ٢٦٤/٥.
(٢) قبلها في (د) و(م) زيادة: وعاصم، وهي خطأ.
(٣) ص٥٠٦- ٥٠٧ من هذا الجزء.
(٤) قرأ الكسائي وحمزة: ((وُلْد)) بضمِّ الراء وسكون اللام في جميع تلك المواضع، ووافقهم في آية نوح:
ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وخلف. وقرأ الباقون بفتح الواو واللام في جميع المواضع. ينظر الحجة
في القراءات ٢١١/٥، والسبعة ص٤١٢، والتيسير ص ١٥٠ و٢١٥، والنشر ٢٩١/٣.
(٥) وهو الذبياني في ديوانه ص٣٦ .
(٦) من قوله: وهما لغتان إلى هذا الموضع - دون بيت النابغة - من النكت والعيون ٣٨٧/٣، وقد سلف
قريباً.
(٧) في الصحاح (ولد).
(٨) أي: من نَفِسْتِ به. مجمع الأمثال للميداني ٣٩/١.

٥٢٠
سورة مريم: الآيات ٨٨ - ٩٥
بالكسر لغةٌ في الوُلْد. النخَّاس(١): وفرَّقَ أبو عبيدٍ بينهما، فزعم أنَّ الوَلَّدَ يكون للأهل
والوَلَدِ جميعاً. قال أبو جعفر: وهذا قولٌ مردودٌ لا يعرفه أحدٌ من أهل اللغة، ولا
يكون الوَلَدُ والوُلْدُ إلا وَلَدَ الرجلِ ووَلَدَ وَلَدِه، إلا أنَّ وَلَداً أكثرُ في كلام العرب؛ كما
قال :
مَهْلاً فداءً لَكَ الأقوامُ كلُّهِمُ وما أُثَمِّرُ مِنْ مالٍ ومن وَلَدٍ
قال أبو جعفر: وسمعتُ محمد بن الوليد يقول: يجوز أن يكون وُلْدٌ جمعَ وَلَدٍ،
كما يُقال: وَثَنَّ ووُثْنٌ وَأَسَدٌ وأُسْدٌ، ويجوز أن يكون وَلَدٌ وُلْدٌ بمعنى واحد، كما
يُقال: عَجَمٌ وعُجْمٌ، وعَرَبٌ وعُرْبٌ، كما تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذًا﴾ أي: منكراً عظيماً. عن ابن عباس ومجاهد
وغيرهما(٢). قال الجوهري(٣): الإِدُّ والإِذَّة: الداهِيةُ والأمرُ الفظيع؛ ومنه قوله
تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذًّا﴾ وكذلك الآدُّ مثل فاعل. وجَمْعُ الإِدَّةِ إِدَدٌ، وأَدَّتْ فلاناً
داهِيةٌ تؤدُّه أَذًّا، بالفتح، والأَدُّ أيضاً: القوَّة(٤)؛ قال الراجز:
نَضَوْتُ(٥) عَنِّي شِرَّةً(٦) وأَدًّا من بَعْدٍ ما كنْتُ صُمُلَّا(٧) جَلْدا(٨)
انتهى كلامه. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمي: ((أَذًا)) بفتح الهمزة (٩). النخَّاس(١٠):
يُقال: أدَّ يَؤُدُّ أدَّا فهو آدٌّ، والاسم الإدُّ؛ إذا جاء بشيءٍ عظيم منكر. وقال الراجز:
(١) في إعراب القرآن ٢٨/٣ .
(٢) النكت والعيون ٣/ ٣٩٠، وأخرجه الطبري ٦٣٥/١٥ - ٦٣٦ عنهما وعن قتادة.
(٣) في الصحاح (أدد).
(٤) في (د) و(م): والإدُّ أيضاً الشِّدة، والأدُّ الغلبة والقوة.
(٥) في (د) و(م): نضَوْنَ. ونضا: خلع. الصحاح (نضا).
(٦) في (م): شدةً. والشِّرَّة: مصدر الشر. الصحاح (شرر).
(٧) أي: شديد الخُلُق. الصحاح (صمل).
(٨) أي: صلباً. الصحاح (جلد). وفي الصحاح: نهداً، بدل: جلداً، والنَّهْدُ: أقوى القوم. تاج العروس (نهد).
(٩) المحتسب ٤٥/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٦ ونسبها إلى عليه.
(١٠) في إعراب القرآن ٢٨/٣.