Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة مريم: الآيات ٤٠ - ٥٣
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾: الحفيُّ: المبالِغُ في البرِّ والإلطاف، يُقال:
حَفِيَ به وتَحفَّى إذا بَرَّهُ(١). وقال الكسائيُّ: يقال: حَفِي بي حَفاوةً وحِفْوةٌ(٢). وقال
الفراء(٣): ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ أي: عالماً لطيفاً يُجيبني إذا دعوتُه.
قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ العزلة: المفارقة، وقد تقدَّم في ((الكهف)) بيانُها(٤).
وقوله: ﴿عَسَىّ أَلَّ أَكُنَ بِدُعَاءِ رَبِ شَفِيًّا﴾ قيل: أراد بهذا الدعاء أن يهَبَ اللهُ تعالى له
أهلاً وولداً يتقوَّى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزالِ عن قومه. ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا
أَعْتَّزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِّ﴾ أي: آنسنا وحشته بولد. عن ابن
عباس وغيره(٥). وقيل: ((عسى)) يدلُّ على أنَّ العبد لا يُقطَعُ بأنه يبقى على المعرفة أم
لا في المستقبل. وقيل: دعا لأبيه بالهداية. فـ ((عسى)) شكّ؛ لأنه كان لا يدري هل
يُستجابُ له فيه أم لا؟ والأول أظهر. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي:
أثْنَيْنا عليهم ثناءً حسناً (٦)؛ لأنَّ جميع المِلل تُحسِنُ الثناءَ عليهم(٧). واللسان يُذكَّر
ويؤنَّث، وقد تقدَّم(٨).
وَنَدَيْنَهُ
قوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولُاَ نَبيََّ (@)
مِن جَانِبِ الُورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّيْنَهُ نِيًّا (٨٧) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَاً أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّاً (@)
قوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِىِ الْكِتَبِ مُوسَىَّ﴾ أي: واقرأ عليهم من القرآن قصَّة موسى.
﴿إِنَّهُ كَانَ مُخِصَاً﴾ في عبادته غيرَ مُراءٍ. وقرأ أهل الكوفة: بفتح اللام(٩)، أي:
(١) معاني القرآن للنحاس ٣٣٦/٤.
(٢) نقله عنه النحاس في إعراب القرآن ١٩/٣.
(٣) في معاني القرآن له ١٦٩/٢ .
(٤) ص ٢٢٥ من هذا الجزء.
(٥) تفسير البغوي ١٩٨/٣ من غير نسبة.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٣٣٦/٤، والوسيط ١٨٦/٣.
(٧) مجمع البيان ٤٤/١٦ بمعناه.
(٨) ١٨٤/٥.
(٩) السبعة ص ٤١٠، والتيسير ص١٤٩.

٤٦٢
سورة مريم: الآيات ٥١ - ٥٥
أخلصناه فجعلناه مختاراً(١). ﴿وَتَدَيْنَهُ﴾ أي: كلَّمناه ليلةَ الجمعة. ﴿مِن جَنِ اُلُّورِ
اَلْأَيَّمَنِ﴾ أي: يمين موسى، وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين
أقبلَ من مَذْين إلى مصر، قاله الطبريُّ(٢) وغيره، فإنَّ الجبالَ لا يمينَ لها ولا
شمال(٣).
﴿وَقَرَِّنَهُ نِيًّا﴾ نصب على الحال(٤)، أي: كلَّمناه من غير وحي(٥). وقيل: أَدنيناه
لتقريب المنزلة حتى كلَّمناه(٦). وذكر وكيع وقبِيصة عن سفيان، عن عطاء بن السائب،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله عزَّ وجلَّ: ((وقرَّبناه نجيًّا)) أي: أُدنيَ
حتى سمعَ صرير الأقلام(٧). ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيَّ﴾ وذلك حين سأل
فقال: ﴿وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِ. هَرُونَ أَخِى﴾ [طه: ٢٩ - ٣٠].
قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ إِسْمَعِلَ إِنَُّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا
٥٤
٥٥
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
فيه ستُّ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ﴾ اختلف فيه، فقيل: هو إسماعيل
ابن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جِلْدة رأسه، فخيَّره الله تعالى فيما شاء من
عذابهم، فاستعفاه ورضي بثوابه، وفوَّض أمرهم إليه في عفوه وعقوبته. والجمهور أنَّه
(١) تفسير أبي الليث ٣٢٦/٢ .
(٢) في التفسير ٥٥٩/١٥ .
(٣) تفسير أبي الليث ٣٢٦/٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٢١ .
(٥) تفسير أبي الليث ٣٢٦/٢ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣٣٣/٣.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٣٣/١١، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٧٣ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد
ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.

٤٦٣
سورة مريم: الآيتان ٥٤ - ٥٥
إسماعيل الذبيح أبو العرب ابن إبراهيم (١). وقد قيل: إنَّ الذبيحَ إسحاق(٢)، والأول
أظهر على ما تقدَّم، ويأتي في ((والصافات))(٣) إن شاء الله تعالى. وخصّه الله تعالى
بصِدْق الوعد وإن كان موجوداً في غيره من الأنبياء؛ تشريفاً له وإكراماً، كالتلقيب
بنحو الحليم والأوَّه والصِّدِّيق؛ ولأنَّه المشهور المتواصف من خصاله(٤).
الثانية: صِدْق الوعد محمود، وهو من خُلُق النبيِّين والمرسلين، وضدُّه - وهو
الخُلْف - مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين على ما تقدَّم بيانه في
((براءة))(٥).
وقد أثنى الله تعالى على نبيِّه إسماعيل فوصفَه بصِدْق الوعد، واختلف في ذلك،
فقيل: إنَّه وعد من نفسه بالصبر على الذبح، فصبر حتى فدي(٦). هذا في قول من يرى
أنَّه الذبيح. وقيل: وعَد رجلاً أن يلقاه في موضع، فجاء إسماعيل وانتظر الرجلَ يومه
وليلته، فلما كان في اليوم الآخر جاء فقال له: ما زلت هاهنا في انتظارك منذ
أمس(٧). وقيل: انتظره ثلاثةَ أيَّام(٨). وقد فعل مثلَه نبيُّنا ﴿ قبل بعثه، ذكره النقّاش،
وخرَّجه الترمذيُّ وغيره(٩) عن عبد الله بن أبي الحَمْساء قال: بايعتُ النبيَّ # ببيع قبل
(١) النكت والعيون ٣٧٧/٣ .
(٢) المحرر الوجيز ٢٠/٤ .
(٣) عند الآية (١٠٢).
(٤) الكشاف ٢/ ٥١٣ .
(٥) ٣١٢/١٠.
(٦) الكشاف ٥١٣/٢ .
(٧) المحرر الوجيز ٤/ ٢١ .
(٨) تفسير أبي الليث ٣٢٦/٢ وعزاه إلى مقاتل.
(٩) المحرر الوجيز ٢١/٤، والحديث أخرجه أبو داود (٤٩٩٦)، وابن سعد في الطبقات ٥٩/٧ ، وابن
أبي الدنيا في الصمت (٤٦٠)، والخرائطي في مكارم الأخلاق ص٣١ - ٣٢، والطبراني في الكبير
٢٢٤/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١٩٨/١٠، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٧٢٦/٢ وقال:
هذا حديث لا يصح. اهـ ولم نقف عليه عند الترمذي.

٤٦٤
سورة مريم: الآيتان ٥٤ _ ٥٥
أن يُبعَث، وبَقيتْ له بقيّة، فوعدته أن آتيَه بها في مكانه فنسيتُ، ثم ذكرتُ بعد ثلاثة
أيام، فجئتُ فإذا هو في مكانه، فقال: ((يا فتى لقد شَققت عليَّ، أنا هاهنا منذ ثلاثٍ
أنتظرك)) لفظ أبي داود. وقال يزيد الرقاشيُّ: انتظره إسماعيل اثنين وعشرين يوماً،
ذكره الما ورديُّ(١). وفي كتاب ابن سلَّام أنَّه انتظره سنةً(٢). وذكره الزمخشريُّ(٣) عن
ابن عباس أنَّه وعدَ صاحباً له أن ينتظره في مكان، فانتظره سنةً. وذكره القشيريُّ قال:
فلم يبرح من مكانه سنةً حتى أتاه جبريلُ عليه السلام، فقال: إنَّ التاجر الذي سألك
أن تقعد له حتى يعودَ هو إبليس، فلا تقعد، ولا كرامةً له. وهذا بعيدٌ ولا يصحُّ. وقد
قيل: إنَّ إسماعيل لم يَعِد شيئاً إلا وَفَّى به، وهذا قول صحيح، وهو الذي يقتضيه
ظاهر الآية، والله أعلم.
الثالثة: من هذا الباب قوله #: ((العِدَة دَيْن))(٤). وفي الأثر: ((وَأي المؤمن
واجب)) أي: في أخلاق المؤمنين. وإنَّما قلنا: إنَّ ذلك ليس بواجب فرضاً؛ لإجماع
العلماء على - ما حكاه أبو عمر(٥) - أنَّ من وعَد بمال ما كان ليَضْرِب به مع الغرماء،
فلذلك قلنا: إيجاب الوفاء به حسَن مع المروءة، ولا يقضى به. والعرب تمتدح
بالوفاء، وتذمُّ بالخُلْف والغَدْر، وكذلك سائر الأمم، ولقد أحسن القائل:
متى ما يقلْ حُرِّ لصاحبٍ حاجةٍ نَعَمْ يقضِها والحرُّ لِلوَأْي ضامِنْ(٦)
(١) في النكت والعيون ٣٧٦/٣، وأخرجه عنه ابن أبي الدنيا في الصمت (٤٦١).
(٢) المحرر الوجيز ٢١/٤ .
(٣) الكشاف ٢/ ٥١٣ .
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٥٣٧) عن ابن مسعود، وبرقم (٣٥٣٨) عن ابن مسعود وعلي، مع
زيادة في حديث علي، وأبو نعيم في أخبار أصفهان ٢/ ٢٧٠، والقضاعي في مسند الشهاب ١/ ٤٠،
عن علي ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦٦/٤ عن حديث ابن مسعود: وفيه حمزة بن داود،
ضعفه الدار قطني. اهـ وينظر كشف الخفاء ٢/ ٧٣ - ٧٤ .
(٥) في التمهيد ٢٠٦/٣ - ٢٠٧، وما قبله منه، والأثر أخرجه أبو داود في المراسيل (٥٢٣) عن زيد بن
أسلم، وضعفه ابن حزم في المحلى ٢٩/٨ . وقال ابن عبد البر: والوأي: العِدَة.
(٦) التمهيد ٢٠٧/٣، ونسبه لسابق بن خديم، وما بعده منه.

٤٦٥
سورة مريم: الآيتان ٥٤ - ٥٥
ولا خلاف أنَّ الوفاءَ يستحقُّ صاحبه الحمد والشكر، وعلى الخُلْف الذم. وقد
أَثنى الله تبارك وتعالى على من صدق وعده، ووفَّى بنذره، وكفى بهذا مدحاً وثناء،
وبما خالفه ذمًّا.
الرابعة: قال مالك: إذا سأل الرجلُ الرجلَ أن يهب له الهبة، فيقول له: نعم، ثم
يبدو له ألا يفعل، فما أرى يلزمه. قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن
يقضيَه عنه فقال: نعم، وثَمَّ رجالٌ يشهدون عليه، فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه
اثنان. وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعيُّ والشافعيُّ وسائر الفقهاء: إنَّ العِدَة لا يلزم
منها شيء؛ لأنَّها منافع لم يقبضها في العاريَّة؛ لأنَّها طارئة، وفي غير العاريَّة هي
أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها (١).
وفي البخاري(٢): ﴿وَأَذَّكْرٌ فِي الْكِنَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ وقضى ابن
أَشْوَع بالوعد، وذُكر ذلك عن سَمُرة بن جُنْدب. قال البخاريُّ: ورأيت إسحاق بن
إبراهيم يحتجُّ بحديث ابنٍ أَشْوَع.
الخامسة: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نِيًّا﴾ قيل: أُرسل إسماعيلُ إلى جُرْهم(٣). وكلُّ الأنبياء
كانوا إذا وعدوا، صَدَقوا، وخصَّ إسماعيل بالذكر؛ تشريفاً له، والله أعلم.
السادسة: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ قال الحسن: يعني أمَّته. وفي حرفِ ابنِ مسعود:
((وكان يأمر أهله جُرْهم وولده بالصلاة والزكاة))(٤).
(١) التمهيد ٢٠٨/٣ - ٢٠٩.
(٢) في صحيحه، في كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، قبل حديث (٢٦٨١). قال ابن حجر في
تغليق التعليق ٣٩٤/٣: وأما ابن أشوع - واسمه سعيد بن عمرو بن أشوع - فرواه محمد بن خلف وكيع
في كتاب ((الغرر من الأخبار» له. اهـ. وقال في فتح الباري ٥/ ٢٩٠: وقد وقع بيان روايته [أي: ابن
أشوع] كذلك عن سمرة بن جندب في تفسير إسحاق بن راهويه.
(٣) الوسيط ٣/ ١٨٧ .
(٤) المحرر الوجيز ٢١/٤، وفيه أن حرف ابن مسعود: وكان يأمر قومه. وكذا جاءت في البحر المحيط
١٩٩/٦ .

٤٦٦
سورة مريم: الآيات ٥٤ - ٥٧
﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًا﴾ أي: رضيًّا زاكياً صالحاً (١). قال الكسائيُّ والفرَّاء(٢): من
قال: مرضيّ، بناه على رَضِيتُ، قالا: وأهل الحجاز يقولون: مرضوّ. وقال الكسائيُّ
والفرَّاء: من العرب من يقول: رِضَوَان ورِضَيَان، فرِضوان على مرضوّ، ورِضَيَان على
مرضيٍّ، ولا يجيز البصريون أن يقولوا إلا رِضوان ورِبوان. قال أبو جعفر النَّاس(٣):
سمعت أبا إسحاق الزجَّاج يقول: يخطئون في الخطّ فيكتبون رباً بالياء، ثم يخطئون
فيما هو أشدُّ من هذا، فيقولون: رِبيان، ولا يجوز إلا رِبوَان ورِضَوَان، قال الله
تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًّا لِّيَرَّبُواْ فِىِّ أَمَوَلِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩].
قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِي الْكِتَبِ إِدْرِسَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا
عَلِيًّا
وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا
٥٦
قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرُّ فِي الْكِنَبِ إِدْرِيسَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيَّ﴾ إدريس عليه السلام أوَّل
من خطَّ بالقلم، وأوَّل من خاط الثياب ولبس المخيطَ، وأوَّل من نظر في علم النجوم
والحساب وسَيْرها. وسُمِّيَ إدريس؛ لكثرة دَرْسه لكتاب الله تعالى(٤). وأنزل الله
تعالى عليه ثلاثينَ صحيفةً، كما في حديث أبي ذَرِّ(٥).
الزمخشري(٦): وقيل: سُمِّيَ إدريسُ إدريسَ؛ لكثرة دَرْسه كتاب الله تعالى، وكان
اسمه أَخنوخ، وهو غيرُ صحيح؛ لأنَّه لو كان إفعيلاً من الدَّرْس، لم يكن فيه إلا سبب
واحد وهو العلميَّة وكان منصرفاً، فامتناعه من الصَّرْف دليلٌ على العجمة، وكذلك
إبليس أعجميُّ، وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا
إسرائيل بإسرال، كما زعم ابنُ السكِّيت، ومن لم يحقّق ولم يتدرَّب بالصناعة؛ کثرت
(١) تفسير أبي الليث ٣٢٦/٢ .
(٢) في معاني القرآن ١٦٩/٢ - ١٧٠ ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٠/٣ - ٢١.
(٣) في إعراب القرآن ٣/ ٢٠ - ٢١ وما قبله منه.
(٤) عرائس المجالس ص٥٠ .
(٥) أخرجه ابن حبان (٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية ١٦٦/١، وفيه: إبراهيم بن هشام بن يحيى، قال عنه
أبو حاتم في الجرح والتعديل ١٤٢/٢ : كذاب.
(٦) في الكشاف ٢/ ٥١٣ .

٤٦٧
سورة مريم: الآيتان ٥٦ - ٥٧
منه أمثال هذه الهنات، يجوز أن يكون معنى إدريس عليه السلام في تلك اللغة قريباً
من ذلك، فحسبه الراوي مشتقًّا من الدرس.
قال الثعلبي والغزنوي وغيرهما: وهو جدُّ نوح، وهو خطأ، وقد تقدَّم في
(الأعراف)) بيانه(١). وكذا وقع في السيرة أنَّ نوحاً عليه السلام بن لامك بن متوشلخ
ابن أخنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون، والله تعالى أعلم - وكان أوَّلَ من أُعطي
النبوّة من بني آدم، وخطّ بالقلم - ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن يانش بن شيث بن
آدَم ◌َ ﴾(٢).
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال أنس بن مالك(٣) وأبو سعيد الخدريُّ(٤)
وغيرهما (٥): يعني: السماء الرابعة. وروي ذلك عن النبي 8#، وقاله كعب الأحبار(٦).
وقال ابن عباس والضحَّاك: يعني: السماء السادسة(٧)، ذكره المهدوي.
قلت: ووقع في البخاري(٨) عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر قال: سمعت أنس
ابنَ مالك يقول: ليلة أسري برسول الله ﴾ من مسجد الكعبة، الحديث، وفيه: كلُّ
سماء فيها أنبياء - قد سمَّاهم - منهم إدريس في الثانية. وهو وَهَمٌ، والصحيح أنَّه في
السماء الرابعة، كذلك رواه ثابت البُنَانِيُّ عن أنس بن مالك عن النبي ﴿، ذكره مسلم
في ((الصحيح))(٩). وروى مالك بن صعصعة قال: قال النبي : ((لما عُرجَ بي إلى
(١) ٢٥٨/٩.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ٣/١.
(٣) أخرجه أحمد (١٣٧٣٩)، والترمذي (٣١٥٧)، وأبو يعلى (٢٩١٤)، والطبري ١٥/ ٥٦٥ عن أنس
مر فوعاً. قال الترمذي: وهذا حديث حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٥٥١، والطبري ٥٦٤/١٥ عن أبي سعيد الخدري موقوفاً.
(٥) منهم أبو هريرة وأخرجه عنه الطبري ١٥/ ٥٦٤ .
(٦) المحرر الوجيز ٢١/٤ .
(٧) أخرجه عنهما الطبري ١٥/ ٥٦٤ .
(٨) برقم (٧٥١٧)
(٩) برقم (١٦٢).

٤٦٨
سورة مريم: الآيتان ٥٦ - ٥٧
السماء أتيتُ على إدريسَ في السماء الرابعة)). خرَّجه مسلم أيضاً (١).
وكان سببُ رَفْعه على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما: أنَّه سار ذات يوم في
حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: يا ربِّ أنا مشيتُ يوماً فكيف بمن يحملها خمس
مئة عام في يوم واحد! اللهمَّ خَفِّف عنه من ثقلها. يعني: الملَك الموثَّل بفلك
الشمس، يقول إدريس: اللهمَّ خَفِّف عنه من ثقلها، واحمل عنه من حرِّها. فلما أصبح
الملَك وجد من خفَّة الشمس والظلِّ ما لا يعرف، فقال: يا ربِّ خلقتني لحمل
الشمس فما الذي قضيت فيه؟ فقال الله تعالى: أما إنَّ عبدي إدريس سألني أن أخفّف
عنك حملها وحرّها، فأَجبتُه، فقال: يا ربِّ اجمع بيني وبينه، واجعل بيني وبينه خلَّة.
فأَذنَ الله له حتى أتى إدريسَ، وكان إدريس عليه السلام يسأله. فقال: أُخبِرت أنَّك
أكرمُ الملائكة وأمكنهم عند مَلَك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخِّر أَجَلي، فأزدادَ شكراً
وعبادة. فقال الملَك: لا يؤخّر اللهُ نفساً إِذا جاء أجلها، فقال للملك: قد علمت ذلك
ولكنَّه أطيبُ لنفسي. قال: نعم. ثم حمله على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند
مطلع الشمس، ثم قال لملك الموت: لي صديق من بني آدم تشفَّع بي إليك لتؤخّر
أجله. فقال: ليس ذلك إليَّ ولكن إن أحببت عِلمه أعلمته متى يموت. قال: نعم. ثم
نظر في ديوانه، فقال: إنَّك تسألني عن إنسان ما أراه يموت أبداً. قال: وكيف؟ قال:
لا أَجده يموت إلا عند مطلع الشمس. قال: فإني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق
فما أَراك تجده إلا وقد مات، فواللهِ ما بقي من أجل إدريس شيء. فرجع الملَك
فوجده ميتاً(٢).
وقال السدِّيُّ: إنَّه نام ذات يوم، واشتدَّ عليه حرُّ الشمس، فقام وهو منها في
کرب، فقال: اللهمَّ خفّف عن ملَك الشمس حرَّها، وأَعِنْه على ثقلها، فإنَّه يمارس
ناراً حامية. فأصبح ملَك الشمس وقد نُصب له كرسيٍّ من نور، عنده سبعون ألف ملك
(١) في صحيحه برقم (١٦٤).
(٢) عرائس المجالس ص ٥٠ - ٥١، وتفسير البغوي ١٩٩/٣ - ٢٠٠.

٤٦٩
سورة مريم: الآيتان ٥٦ - ٥٧
عن يمينه، ومثلها عن يساره يخدمونه، ويتولَّون أمره وعمله من تحت حكمه، فقال
ملَك الشمس: يا ربِّ من أين لي هذا؟. قال: دعا لك رجل من بني آدم يقال له:
إدريس. ثم ذكر نحو حديث كعب. قال: فقال له ملَك الشمس: أَتريدُ حاجةً؟ قال:
نعم، وددت أنِّي لو رأيت الجنة. قال: فرفعه على جناحه، ثم طار به، فبينما هو في
السماء الرابعة، التقى بملَك الموت ينظر في السماء، ينظر يميناً وشمالاً، فسلّم عليه
ملَك الشمس، وقال: يا إدريس هذا ملك الموت فسلِّم عليه. فقال ملك الموت:
سبحانَ الله! ولأيِّ معنى رفعته هنا؟ قال: رفعته لأُريه الجنَّة. قال: فإنَّ الله تعالى
أمرني أن أقبضَ روح إدريس في السماء الرابعة. قلت: يا ربِّ وأين إدريس من السماء
الرابعة، فنزلت فإذا هو معك، فقبض روحه، فرفعها إلى الجنة، ودفنت الملائكة جثَّته
في السماء الرابعة، فذلك قوله تعالى: ((ورفعناه مكاناً علِياً)).
قال وهب بن منبِّه: كان يُرفَع لإدريس كلَّ يوم من العبادة مثل ما يُرفَع لأهل
الأرض في زمانه، فعجب منه الملائكة، واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربَّه في
زيارته، فأذن له، فأتاه في صورة آدميٍّ، وكان إدريس عليه السلام يصوم النهار، فلما
كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه، فأبى أن يأكل، ففعل به ذلك ثلاث ليال، فأنكره
إدريس، وقال له: من أنت! قال: أنا ملَك الموت، استأذنتُ ربِّي أن أصحبك فأذن
لي، فقال: إنَّ لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: أن تقبضَ روحي. فأوحى الله
تعالی إلیه أن اقبض روحه، فقبضه وردّه إلیه بعد ساعة، وقال له ملك الموت: ما
الفائدة في قبض روحك؟ قال: لأذوقَ كُرَبَ الموت؛ فأكون له أشدَّ استعداداً. ثم قال
له إدريس بعد ساعة: إنَّ لي إليك حاجة أُخرى. قال: وما هي؟ قال: أن ترفعني إلى
السماء فأنظر إلى الجنَّة والنار، فأذن الله تعالى له في رَفْعه إلى السماوات، فرأى
النار فصَعِقَ، فلما أفاق قال: أرني الجنَّة. فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت:
اخرج لتعودَ إلى مقرِّك. فتعلَّق بشجرة وقال: لا أَخرجُ منها. فبعث الله تعالى بينهما
ملَكاً حكماً، فقال: مالك لا تخرج؟ قال: لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ
اٌلْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وأنا ذقتُه، وقال: ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وقد

٤٧٠
سورة مريم: الآيات ٥٦ - ٥٨
وردتها، وقال: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَيِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] فكيف أخرج؟ قال الله تبارك
وتعالى لملك الموت: بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج. فهو حيٍّ هنالك فذلك قوله
تعالى: ((ورفعناه مكاناً علِياً))(١).
قال النخَّاس(٢): قول إدريس: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَمِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] يجوز أن
يكون اللهُ أَغْلَمَ هذا إدريسَ، ثم نزل القرآنُ به.
قال وهب بنُ منِّه: فإدريس تارةً يرتع في الجنة، وتارةً يعبد الله تعالى مع
الملائكة في السماء (٣).
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ مِن ذُرِّيَّةٍ مَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ
نُورِ وَمِن ذُرِبَةٍ إِنْزَهِيمَ وَإِسْرََّيلَ وَمِغَنْ هَدَيْنَا وَأَحْتَبَيْنَاْ إِذَا نُثْلَى عَلَيْ ءَيَنْتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ
سُجَّدًا وَئِكِيًّا (@)
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ مِن ذُرِيَّةِ ءَدَمَ﴾ يريد
إدريسَ وحده. ﴿وَمِمَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ يريد إبراهيمَ وحده. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّهِ إِنْزَهِيمَ﴾ يريد
إسماعيلَ وإسحاق ويعقوب. ﴿و﴾ من ذرية ﴿إِسْرَّوِيلَ﴾ موسى وهارون وزكريا ويحيى
وعيسى (٤). فكان لإدريس ونوح شَرَفُ القُرب من آدم، ولإبراهيم شَرَفُ القرب من
نوح، ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شَرَفُ القُرب من إبراهيم (٥).
﴿وَمِغَنْ هَدَيْنَا﴾ أي: إلى الإسلام ﴿وَأَجْنَيْنَا﴾ بالإِيمان. ﴿إِذَا نْلَى عَلَيْهِمْ مَيَنْتُ
الرَّحْمَنِ﴾ وقرأ شِبل بن عبَّاد المكِّي: ((يتلى) بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث غيرُ حقيقيٍّ مع
(١) عرائس المجالس ص٥١ .
(٢) في معاني القرآن ٣٣٨/٤ .
(٣) عرائس المجالس ص٥١ .
(٤) زاد المسير ٢٤٤/٥ .
(٥) الوسيط ١٨٧/٣ .

٤٧١
سورة مريم: الآية ٥٨
وجود الفاصل(١).
﴿خَرُواْ سُجَّدًا وَيُّكِيًّا﴾ وصفَهم بالخشوع لله والبكاء. وقد مضى في ((سبحان))(٢).
يقال: بكى يبكي بكاءً وبُكّى وبُكيًّا، إلا أنَّ الخليلَ قال: إذا قصرتَ البكاء فهو
مثل الحزن، أي: ليس معه صوتٌ، كما قال الشاعر:
بكت عينِي وحُقَّ لها بكاها وما يغنِي البكاءُ ولا العَوِيلُ
((وسجداً)) نصبٌ على الحال، ((وبكيًّا)) عطف عليه(٣).
الثانية: في هذه الآية دلالة على أنَّ لآيات الرحمن تأثيراً في القلوب. قال
الحسن: ﴿إِذَا نُثَى عَلَيْهِمْ مَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَثُكِيًّا﴾ في الصلاة. وقال الأصمُّ: المراد
بآيات الرحمن الكُتب المتضمِّنة لتوحيده وحُجَجه، وأنَّهم كانوا يسجدون عند
تلاوتها، ويبكون عند ذكرها. والمروي عن ابن عباس أنَّ المرادَ به القرآنُ خاصَّة،
وأنَّهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته. قال الكيا(٤): وفي هذا دلالةٌ من قوله على
أنَّ القرآنَ هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان الرسول
عليه الصلاة والسلام مختصًّا بإنزاله إليه.
الثالثة: احتج أبو بكر الرازيُّ بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع
والقارئ. قال الكيا(٥): وهذا بعيدٌ، فإنَّ هذا الوصف شاملٌ لكلِّ آيات الله تعالى،
وضم السجود إلى البكاء، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في
تعظيمهم لله تعالى وآياته، وليس فيه دلالةٌ على وجوب ذلك عند آية مخصوصة.
الرابعة: قال العلماء: ينبغي لمن قرأ سجدةً أن يدعوَ فيها بما يليقُ بآياتها، فإن
قرأ سورة السجدة: ﴿الَّّ * تَزِيلُ﴾ قال: اللهمَّ اجعلني من الساجدين لوجهك،
(١) الكشاف ٢/ ٥١٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص ٨٥.
(٢) عند الآية (١٠٧) من سورة الإسراء.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢١/٣، والبيت لكعب بن مالك، يرثي فيه حمزة ، وهو في ديوانه ص ٢٠٠.
(٤) في أحكام القرآن له ٤/ ٢٧٠ ، وما قبله منه.
(٥) في أحكام القرآن له ٢٧١/٤ ، وما قبله منه.

٤٧٢
سورة مريم: الآيات ٥٨ - ٦٣
المسبحين بحمدك، وأَعوذ بِكَ أن أكون من المستكبرين عن أَمْرِك. وإن قرأ سجدة
(سبحان)) قال: اللهمَّ اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين لك. وإن قرأ هذه قال:
اللهمَّ اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديِّين الساجدين لكَ، الباكين عند تلاوة
آياتك(١).
قوله تعالى: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقَوّنَ
غَيًّا ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا
جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَمُ بِالْغَيَّبِ، إِنَّهُ كَانَ وَعْدُمُ مَأْنِيًّا ﴿ لَّا يَسْمَعُونَ
فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَاً وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا ( تِلْكَ اَلْجَنَّةُ الَِّ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا
مَن كَانَ تَقِيًّا
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: أولاد سوء. قال أبو عبيد:
حدَّثنا حجَّاج، عن ابنٍ جريج، عن مجاهد قال: ذلك عند قيام الساعة، وذهاب
صالحي هذه الأمَّة أمَّة محمَّد ﴿ ينزو بعضهم على بعض في الأزِقَّة زنّى(٢). وقد تقدَّم
القول في ((خَلْفٌ)) في ((الأعراف))(٣) فلا معنى للإعادة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَضَاعُواْ الصََّلََّةَ﴾ وقرأ عبد الله والحسن: ((أَضَاعُوا
الصَّلَوَات)) على الجمع(٤). وهو ذمُّ ونصٍّ في أنَّ إضاعةً الصلاة من الكبائر التي يوبق
بها صاحبها، ولا خلافَ في ذلك. وقد قال عمر: ومن ضيَّعها فهو لما سواها
أضيع(٥).
(١) الكشاف ٢/ ٥١٤ .
(٢) أخرجه الطبري ١٥/ ٥٧٠ من طريق الحسين، عن حجاج، به، وأخرجه أيضاً الطبري ١٥/ ٥٧٠، وأبو
نعيم في الحلية ٢٨٢/٣ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به. وهو في تفسير مجاهد ٣٨٧/١.
(٣) ٣٧١/٩.
(٤) القراءات الشاذة ص ٨٥ .
(٥) سلف ١/ ٢٥٣.

٤٧٣
سورة مريم: الآيات ٥٩ - ٦٣
واختلفوا فيمن المراد بهذه الآية، فقال مجاهد: النصارى خَلَفوا بعد اليهود.
وقال محمد بنُ كعب القرظيُّ ومجاهد أيضاً وعطاء: هم قومٌ من أمَّة محمَّد # في آخِر
الزمان، أي: يكون في هذه الأمَّة مَن هذه صفته، لا أنَّهم المراد بهذه الآية (١).
واختلفوا أيضاً في معنى إضاعتها، فقال القرظيُّ: هي إضاعة كُفْر وجَحْد بها.
وقال القاسم بن مخيمرة، وعبد الله بن مسعود: هي إضاعةُ أوقاتها، وعدم القيام
بحقوقها. وهو الصحيح، وأنها إذا صليت مخلَّى بها لا تصحُّ ولا تُجزِئ؛ لقوله ﴾
للرجل الذي صلَّى وجاء فسلّم عليه: ((ارْجِعْ فَصَلٌّ فإنَّك لم تُصَلِّ)) ثلاث مرات،
خرَّجِه مسلم(٢).
وقال حذيفة لرجل يصلِّي فَطفَّفَ(٣): منذ كم تصلِّي هذه الصلاة؟ قال: منذ
أربعين عاماً. قال: ما صليتَ، ولو مِثَّ وأنت تصلِّي هذه الصلاة لمتَّ على غيرِ فطرة
محمَّد ﴾. ثم قال: إنَّ الرجل ليخفّف الصلاةَ ويتمُّ ويُحسِن. خرَّجه البخاريُّ، واللفظ
للنسائي(٤).
وفي الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول اللـه #: ((لا تُجزِئ
صلاةٌ لا يُقيم فيها الرجل، يعني: صلبَه في الركوع والسجود)) قال: حديث حسن
صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيِّ ﴿ ومَن بعدهم، يرون
أن يقيم الرجلُ صلبَه في الركوع والسجود. قال الشافعيُّ وأحمد وإسحاق: من لم يُقِمْ
صلبَه في الركوع والسجود، فصلاته فاسدة(٥).
قال: «تلك الصلاةُ صلاةُ المنافق يجلس يَرقُب الشمسَ حتى إذا كانت بين
(١) المحرر الوجيز ٢٢/٤، والكلام الآتي منه أيضاً، وقول مجاهد أخرجه الطبري ١٥/ ٥٧١ .
(٢) في صحيحه (٣٩٧)، وهو عند البخاري أيضاً (٧٥٧)، وسلف ١٨٥/١ .
(٣) من التطفيف، أي: نقص من الركوع والسجود.
(٤) البخاري (٣٨٩)، والنسائي في الكبرى (٦١١)، وهو عند أحمد (٢٣٢٥٨).
(٥) الترمذي (٢٦٥)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٨٥٥)، والنسائي في المجتبى ١٨٣/٢، وابن ماجه
(٨٧٠)، وأحمد (١٧٠٧٣).

٤٧٤
سورة مريم: الآيات ٥٩ - ٦٣
قرني الشيطان قام فنَقَرها أربعاً لا يَذكُر الله فيها إلا قليلاً))(١). وهذا ذٌّ لمن يفعل
ذلك. وقال فروة بنُ خالد بنِ سنان: استبطأ أصحابُ الضَّحَّاك مرَّة أميراً في صلاة
العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقرأ الضَّحَّاك هذه الآيةَ، ثم قال: واللهِ لَأَنْ أدعها
أحبُّ إليَّ من أن أضيِّعها.
وجملة القول في هذا الباب أنَّ من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها
وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يُحافِظ عليها فقد ضيَّعها، ومن ضيَّعها فهو
لما سواها أضيع، كما أنَّ من حافظ عليها حفظ اللهُ عليه دينَه، ((ولا دينَ لمن لا
صلاةً له))(٢). وقال الحسن: عظَّلوا المساجدَ، واشتغلوا بالصنائع والأسباب. ﴿وَتَّبَعُواْ
الشَّهَوَتِ﴾ أي: اللذَّات والمعاصي.
الثالثة: روى الترمذيُّ وأبو داود عن أنس بن حكيم الضبيِّ أنَّه أتى المدينةَ، فلقيَ
أبا هريرة فقال له: يا فتى ألا أحدِّثك حديثاً لعلَّ اللهَ تعالى أن ينفعكَ به. قلت: بلى.
قال: ((إنَّ أوَّلَ ما يحاسَب به الناس يومَ القيامة من أعمالهم الصلاة، فيقول الله تبارك
وتعالى لملائكته - وهو أعلمُ -: انظروا في صلاة عبدي أتَمَّها أم نقصها، فإن كانت
تامَّة، كتبت له تامَّة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا هل لعبدي من تطوُّع
فإن كان له تطوُّع، قال: أَكملوا لعبدي فريضته من تطوُّعه، ثم تُؤخذ الأعمال على
ذلك)). قال يونس: وأَحسِبه عن النبيِّ ﴾، لفظ أبي داود(٣).
وقال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، حدَّثنا حماد، حدَّثنا داود بن أبي هند، عن
(١) أخرجه مسلم (٦٢٢)، وهو عند أحمد (١١٩٩٩).
(٢) التمهيد ٣٠٠/٢٣، والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٣١٣) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) أبو داود (٨٦٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٩٠٢)، وابن ماجه (١٤٢٥)، وهو عند الترمذي (٤١٣) من
رواية الحسن، عن حريث بن قبيصة، عن أبي هريرة ﴾، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
اهـ وسيأتي من رواية النسائي قريباً.
قال الدارقطني في العلل ٢٤٨/٨ بعد ما ذكر اضطراب الحديث: أشبهها بالصواب قول من قال: عن
الحسن عن أنس بن حكيم عن أبي هريرة.

٤٧٥
سورة مريم: الآيات ٥٩ - ٦٣
زُرارة بن أوفى، عن تميم الداريِّ، عن النبيِّ # بهذا المعنى، قال: ((ثم الزكاة مثل
ذلك، ثم تُؤْخَذ الأعمال على حسب ذلك))(١).
وأخرجه النسائيُّ عن همَّام، عن الحسن، عن حُرَيث بن قَبِيصة، عن أبي هريرة،
قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ((إنَّ أوَّلَ ما يحاسب به العبدُ يومَ القيامة بصلاته،
فإن صلحت، فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت، فقد خابَ وخسر - قال همَّام: لا أدري
هذا من كلام قتادة، أو من الرواية - فإن انتقصَ من فريضتِه شيءٌ، قال: انظروا هل
لعبدي من تطوُّع، فيكمل به ما نقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على نحو
ذلك)). خالفه أبو العوام فرواه عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة:
أنَّ النبيِ ﴿ قال: ((إنَّ أوَّل ما يحاسب به العبدُ يومَ القيامة صلاته، فإن وُجدت تامَّة،
كتبت تامَّة، وإن كان انتقصَ منها شيءٌ، قال: انظروا هل تجدونَ له من تطوُّع يُكمِّل
ما ضيَّع من فريضته من تطوُّعه، ثم سائر الأعمال تَجري على حسب ذلك))(٢). قال
النسائي: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدَّثنا النضر بن شميل، قال: أنبأنا حماد
ابن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﴾.
قال: ((أوَّلُ ما يحاسب به العبد يومَ القيامة صلاته، فإن كان أَكملها، وإلا قال الله
عزَّ وجلَّ: انظروا لعبدي من تطوُّعٍ، فإن وجد له تطوُّعٍ، قال: أكملوا به الفريضة))(٣).
قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب ((التمهيد))(٤): أمَّا إكمال الفريضة من التطوُّع
فإنَّما يكون - والله أعلم - فيمَن سها عن فريضة فلم يأتِ بها، أو لم يُحسِن ركوعَها
وسجودها ولم يَدْرِ قَدْرَ ذلك، وأمَّا من تركَها، أو نسي ثم ذكرها، فلم يأتِ بها
عامداً، واشتغل بالتطوُّع عن أداءِ فرضها وهو ذاكرٌ له، فلا تكمل له فريضة من
تطوُّعه، والله أعلم. وقد روي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر يرويه
(١) أبو داود (٨٦٦)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٤٢٦). من طريق سليمان بن حرب، عن حماد، به، ومن
طريق عفان، عن حماد، عن حميد، عن الحسن، عن رجل، عن أبي هريرة به.
(٢) النسائي في المجتبى ٢٣٢/٢ - ٢٣٣، وفي الكبرى (٣٢٢) مقتصراً على الراوية الأولى.
(٣) النسائي في المجتبى ٢٣٣/٢ - ٢٣٤، وفي الكبرى (٣٢١).
(٤) ٢٤/ ٨١ .

٤٧٦
سورة مريم: الآيات ٥٩ - ٦٣
محمد بنُ حمير، عن عمرو بنٍ قيس السَّكُوني، عن عبد الله بن قُرْط، عن النبيِّ *
قال: ((من صلَّى صلاةً لم يكمل فيها ركوعه وسجوده، زِيْدَ فيها من تسبيحاته حتى
تتمَّ). قال أبو عمر: وهذا لا يحفظ عن النبيِّ﴾ إلا من هذا الوجه، وليس بالقويِّ،
وإن كان صحَّ كان معناه أنَّه خرج من صلاة كان قد أتمَّها عند نفسه، وليست في
الحكم بتامَّة.
قلت: فينبغي للإنسان أن يُحسِن فرضَه ونَفْله، حتى يكون له نفل يجده زائداً على
فرضه يقرِّبه من ربِّه، كما قال سبحانه وتعالى: ((وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل
حتى أحبَّه))(١) الحديث. فأما إذا كان نفل يكمل به الفرض، فحكمه في المعنى حكم
الفرض. ومن لا يُحسِن أن يصلِّي الغرض فأَحرى وأَولى ألا يحسن التنفُّل، لا جرم
تنفل الناس في أشدِّ ما يكون من النقصان والخلل؛ لخفّته عندهم، وتهاونهم به، حتى
كأنَّه غير معتدٍّ به. ولعَمْرُ اللهِ لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه، ويظن به العلم تنفقُّله
كذلك، بل فرضه إذ ينقره نَقْرَ الديك لعدم معرفته بالحديث، فكيف بالجهَّال الذين لا
يعلمون. وقد قال العلماء: ولا يُجزِئ ركوع ولا سجود، ولا وقوف بعد الركوع، ولا
جلوسٌ بين السجدتين، حتى يعتدل راكعاً وواقفاً وساجداً وجالساً. وهذا هو الصحيح
في الأَثَر، وعليه جمهور العلماء وأهل النظر. وهذه رواية ابنٍ وهب وأبي مصعب عن
مالك. وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة))(٢). وإذا كان هذا فكيف يكمل بذلك التنفُّل
ما نقص من هذا الفرض على سبيل الجهل والسهو؟! بل كان ذلك غيرُ صحيح ولا
مقبول؛ لأنَّه وقَع على غير المطلوب، والله أعلم.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِ﴾ وعن عليٍّ ﴾ في قوله تعالى: ((واتبعوا
الشهواتِ)) هو من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور.
قلت: الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه. وفي
((الصحيح)): ((حُفَّت الجنَّةُ بالمكاره، وحُقَّت النَّار بالشهوات))(٣). وما ذكر عن عليٍّ ﴾
(١) سلف ٧/ ٤١١.
(٢) ١/ ٢٦٢ وما بعدها.
(٣) سلف ٥/ ٤٣ .

٤٧٧
سورة مريم: الآيات ٥٩ - ٦٣
جزء من هذا.
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوّنَ غَيًّا﴾ قال ابن زيد: شرًّا أو ضلالاً أو خيبة(١)، قال:
فمن يَلْقَ خيراً يَحمَّدِ الناسُ أَمْرَهُ ومن يَغْوَ لا يَعْدِمْ على الغَيِّ لائما (٢)
وقال عبد الله بن مسعود: هو وادٍ في جهنم(٣). والتقدير عند أهل اللغة: فسوف
يلقون جزاء الغيِّ، كما قال جلَّ ذكره: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨].
والأظهر أنَّ الغيَّ اسم للوادي سُمِّيَ به؛ لأنَّ الغاوينَ يصيرون إليه(٤). قال كعب:
يظهر في آخر الزمان قوم بأيديهم سياط كأذناب البقر، ثم قرأ: ((فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا))
أي: هلاكاً وضلالاً في جهنّم.
وعنه: غيٍّ: وادٍ في جهنّم أبعدها قعراً، وأشدّها حرًّا، فيه بئر يسمى البهيم،
كلما خبت جهنم، فتح الله تعالى تلك البئر فتسعر بها جهنم. وقال ابن عباس: غيُّ:
وادٍ في جهنم، وإنَّ أودية جهنّم لتستعيذ من حرِّه، أعدَّ الله تعالى ذلك الوادي للزاني
المُصِرِّ علی الزنى، ولشارب الخمر المدمن علیه، ولآ کل الربا الذي لا ينزع عنه،
ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولا مرأة أدخلت على زوجها ولداً ليس منه(٥).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ أي: من تضييع الصلاة واتِّباع الشهوات، فرجع إلى
طاعة ربِّه. ﴿وَءَامَنَ﴾ به ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ لَلْجُنَّةَ﴾. قرأ أبو جعفر وشيبة وابن
كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر: ((يُدْخَلُون)) بفتح الخاء. وفتح الياء
الباقون(٦).
(١) أخرجه عنه الطبري ١٥/ ٥٧٣ - ٥٧٤ .
(٢) القائل: المرقِّش الأصغر، وسلف ١٧١/٩ .
(٣) أخرجه هناد في الزهد (٢٧٦)، والطبري ١٥/ ٥٧٢، والطبراني في الكبير (٩١١٠).
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٣٦/٣ .
(٥) تفسير البغوي ٢٠١/٣ .
(٦) السبعة ص ٢٣٧ - ٢٣٨، والتيسير ص٩٧ .

٤٧٨
سورة مريم: الآيات ٥٩ - ٦٣
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقص من أعمالهم الصالحة شيء، إلا أنَّهم يكتب
لهم بكلِّ حسنة عشر إلى سبع مئة . ﴿جَنَّتِ عَلْنٍ﴾ بدلاً من الجنَّة فانتصبت. قال أبو
إسحاق الزجَّاج(١): ويجوز ((جَنَّاتُ عَدْنٍ)) على الابتداء. قال أبو حاتم: ولولا الخظُ
لكان ((جَنَّةَ عدنٍ)) لأنَّ قبله: ((يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ». ﴿الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَمُ بِالْغَيْبٍ﴾ أي: من
عَبده وحفظ عهده بالغيب. وقيل: آمنوا بالجنة ولم يَرَوْها.
﴿إِنَُّ كَانَ وَعْدُمُ مَأْنِيًّا﴾ ((مأتياً)) مفعول من الإتيان. وكلُّ ما وصل إليك فقد وصلتَ
إليه، تقول: أتت عليَّ ستون سنةً، وأتيتُ على ستين سنة. ووصل إليَّ من فلان خير،
ووصلتُ منه إلى خير(٢). وقال القتبيُّ(٣): ((مأتياً)) بمعنى آتٍ، فهو مفعول بمعنى فاعل.
و((مأتِياً)) مهموز؛ لأنَّه من أتى يأتي. ومن خفّف الهمزة جعلها ألفاً (٤).
وقال الطبريُّ(٥): الوعد هاهنا: الموعود، وهو الجنَّة، أي: يأتيها أولياؤه.
لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا﴾ أي: في الجنَّة. واللغو معناه: الباطل من الكلام والفُحْش
منه والفضول وما لا ينتفع به. ومنه الحديث: ((إذا قلتَ لصاحبك يومَ الجمعة:
أنصِت، والإمام يخطب؛ فقد لغوت))(٦) ويروى: ((لغيت)) وهي لغة أبي هريرة، كما
قال الشاعر:
وَرَبِّ أسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظّمٍ عن اللَّغَا وَرَفَتِ الشَّكَلُّمِ(٧)
قال ابن عباس: اللَّغو: كلُّ ما لم يكن فيه ذِكْر الله تعالى، أي: كلامهم في الجنَّة
حمدُ الله وتسبيحه.
(١) في معاني القرآن ٣٣٦/٣، ونقله عنه القرطبي بواسطة النحاس في معاني القرآن ٢٢/٣، وما بعده
منه.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٣٦/٣ .
(٣) في تفسير غريب القرآن ص٢٧٤ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٢/٣ .
(٥) في التفسير ١٥/ ٥٧٥ .
(٦) تقدم في ٤/ ١٧.
(٧) القائل: العجاج، والحديث سلف ١٧/٤، والبيت سلف ١٨٨/٣ و١٧/٤ .

٤٧٩
سورة مريم: الآيات ٥٩ - ٦٣
﴿إِلَّا سَلَمَا﴾ أي: لكن يسمعون سلاماً، فهو من الاستثناء المنقطع(١)، يعني:
سلام بعضهم على بعض، وسلام الملَك عليهم، قاله مقاتل وغيره(٢). والسلام: اسمٌ
جامع للخير، والمعنى أنَّهم لا يسمعون فيها إلا ما يحبُّون(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَّمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾ أي: لهم ما يشتهون من المطاعم
والمشارب بكرةً وعشيًّا، أي: في قدر هذين الوقتين، إذ لا بكرة ثَمَّ ولا عشيًّا، كقوله
تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] أي: قَدْرَ شهر، قال معناه ابن عباس
وابن جريج وغيرهما. وقيل: عرَّفهم اعتدال أحوالِ أهل الجنَّة، وكان أهناً النعمة عند
العرب التمكينُ من المطعم والمشرب بكرةً وعشيًّا (٤).
قال يحيى بن أبي كثير وقتادة: كانت العرب في زمانها من وجد غداءً وعشاءً
معاً، فذلك هو الناعم، فنزلت(٥). وقيل: أي: رِزْقهم فيها غير منقطع، كما قال:
﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] وهو كما تقول: أنا أصبح وأمسي في ذِكْرك.
أي: ذكري لك دائم. ويحتمل أن تكون البُكرة قبل تشاغلهم بلذّاتهم، والعشي بعد
فراغهم من لذَّاتهم؛ لأنه يتخلَّلها فترات انتقال من حال إلى حال. وهذا يرجع إلى
القول الأوَّل.
وروى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن أبي أويس، قال: قال مالك بن أنس:
طعام المؤمنين في اليوم مرَّتان، وتلا قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةٌ
وَعَشِيًّا﴾ ثم قال: وعوَّض الله عزَّ وجلَّ المؤمنين في الصيام السحور بدلاً من الغداء
ليقووا به على عبادة ربِّهم. وقيل: إنَّما ذكر ذلك؛ لأنَّ صفة الغداء وهيئته غير صفة
(١) المحرر الوجيز ٢٣/٤.
(٢) النكت والعيون ٣/ ٣٨١ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٣٣٧/٣ .
(٤) النكت والعيون ٣٨١/٣ بنحوه.
(٥) تفسير أبي الليث ٣٢٩/٢، والمحرر الوجيز ٢٣/٤ عن قتادة بنحوه.

٤٨٠
سورة مريم: الآيات ٥٩ - ٦٥
العشاء وهيئته، وهذا لا يعرفه إلا الملوك. وكذلك يكون في الجنة رِزْقُ الغداء غيرَ
رزق العشاء، تتلوَّن عليهم النِّعم؛ ليزدادوا تنقُّماً وغبطة.
وخرَّج الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)) من حديث أبان عن الحسن وأبي
قِلابة قالا: قال رجل: يا رسولَ الله هل في الجنَّة من ليل؟ قال: ((وما هيَّجك على
هذا». قال: سمعتُ اللهَ تعالى يذكر في الكتاب: ﴿وَلَّمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾
فقلت: الليل بين البكرة والعشي. وقال رسول الله﴾: ((ليس هناك ليلٌ إنَّما هو ضوء
ونور يَردُّ الغدوّ على الرَّواحِ، والرَّواح على الغدوِّ، وتأتيهم ◌ُرَف الهدايا من الله
تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلُّون فيها في الدنيا وتسلِّم عليهم الملائكة)) وهذا
في غاية البيان لمعنى الآية، وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة))(١). وقال العلماء: ليس
في الجنَّة ليل ولا نهار، وإنَّما هم في نور أبداً، إنَّما يَعرفون مقدار الليل من النهار
بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويَعرفون مقدار النهار برَفْع الحجب وفتح
الأبواب. ذكره أبو الفرج الجوزيُّ والمهدويُّ وغيرهما.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِ﴾ أي: هذه الجنَّة التي وصفنا أحوال أهلها ﴿نُرِثُ﴾
بالتخفيف. وقرأ يعقوب: ((نُوَرِّثُ)) بفتح الواو وتشديد الراء(٢). والاختيار التخفيف؛
لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ﴾ [فاطر: ٣٢]. ﴿مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ قال ابن عباس:
أي: من اتَّقاني وعمل بطاعتي. وقيل: هو على التقديم والتأخير، تقديره: نورث من
کان تقيًّا من عبادنا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَيٌِّ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ
ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبَّكَ نَسِيًّا ﴿ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا يَتْنَهُمَا فَأَعْبُدُهُ وَأَصْطَبِرْ لِمِنَدَتُِ
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
روى الترمذيُّ عن ابن عباس قال: قال رسول الله # لجبريل: ((ما منعك أن
(١) ص٥٠٤ - ٥٠٥ وما بعده منه.
(٢) رواها عنه رويس كما في النشر ٣١٨/٢ .