Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة الكهف: الآيات ٦١ - ٦٥ وذلك أنَّ بدوَّ حملِ الحوت كان من موسى؛ لأنَّه الذي أُمِرَ به، فلما مضيا؛ كان فتاه هو الحاملَ له حتى أَويا إلى الصخرةِ نزلا. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ يعني: الحوتَ هناك منسيًّا(١) - أي: متروكاً - فلما سألَ موسى الغداءَ؛ نسبَ الفتى النسيانَ إلى نفسِه عند المخاطبة، وإنَّما ذكر الله نسيانَهما عند بلوغٍ مَجمع البحرين وهو الصخرة، فقد كان موسى شريكاً في النسيان؛ لأن النسيانَ التأخير، من ذلك قولُهم في الدعاء: أَنسأَ الله في أجلك، فلمَّا مَضيا من الصخرة أخَّرا حوتَهما عن حملِه فلم يحمله واحدٌ منهما، فجازَ أن يُنسَب إليهما؛ لأنَّهما مضيا وتركا الحوت. قوله تعالى: ﴿وَإِنَا غَدَاءَنَا﴾ فيه مسألةٌ واحدة، وهو اتخاذُ الزادِ في الأسفار، وهو ردِّ على الصوفيةِ الجَهَلة الأَغمار الذين يقتحمونَ المهامهَ والقِفار زعماً منهم أنَّ ذلك هو التوكلُ على الله الواحدِ القهار، هذا موسى نبيُّ الله وكليمُه من أهل الأرض قد اتخذَ الزادَ مع معرفته بربه، وتوكله على ربِّ العباد. وفي (صحيح)) البخاري(٢): إنَّ ناساً من أهلِ اليمن كانوا يحجُون ولا يَتزوَّدون، ويقولون: نحنُ المتوكلون، فإذا قدِموا سأَلُوا الناسَ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقد مَضى هذا في ((البقرة))(٣). واختُلِف في زادٍ موسى ما كان، فقال ابن عباس: كان حوتاً مملوحاً في زِنبيل، وكانا يُصيبان منه غداءً وعشاءً، فلما انتهيا إلى الصخرةِ على ساحلِ البحر، وضعَ فتاهُ المِكتلَ، فأصابَ الحوتَ جريُ البحرِ، فتحرك الحوتُ في المكتلِ، فقلبَ المكتلَ وانسربَ الحوت، ونسي الفتى أن يذكر قصةً الحوتِ لموسى. وقيل: إنَّما كان الحوثُ دليلاً على موضعِ الخضر؛ لقولِه في الحديث: احملْ معكَ حوتاً في مِكتلٍ، فحيثُ (١) النكت والعيون ٣٢٣/٣، وزاد المسير ١٦٦/٥. (٢) برقم (١٥٣٢)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) ٣٢٨/٣ - ٣٢٩. ٣٢٢ سورة الكهف: الآيات ٦١ - ٦٥ فقدتَ الحوتَ، فهو ثَمَّ، على هذا فيكون تَزوَّدا شيئاً آخر غيرَ الحوت، وهذا ذكره شيخُنا الإمامُ أبو العباس واختاره(١). وقال ابنُ عطية(٢): قال أبي ﴾: سمعتُ أبا الفضل الجوهريَّ يقول في وعظِه: مشَى موسى إلى المناجاة فبقي أربعينَ يوماً لم يحتجْ إلى طعام، ولمَّا مشى إلى بَشَرٍ لحِقَّه الجوعُ في بعضٍ يوم. وقوله: (نَصَباً)) أي: تعباً، والنَّصَب: التعبُ والمشقة. وقيل: عَنى به هنا الجوعَ، وفي هذا دليلٌ على جوازِ الإخبار بما يجدُه الإنسانُ من الألم والأمراض، وأنَّ ذلك لا يقدحُ في الرضا، ولا في التسليمِ للقضاء، لكنْ إذا لم يصدرْ ذلك عن ضجرٍ ولا سخط. وفي قوله: ((وَمَا أَنْسَانِيهُ إلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)) أنْ مع الفعلِ بتأويلِ المصدر، وهو منصوبٌ بدلَ اشتمالٍ من الضميرِ في «أنسانيه)» وهو بدلُ الظاهرِ من المضمرِ، أي: وما أنساني ذكرَه إلا الشيطان، وفي مصحف عبد الله: ((وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان)). وهذا إنَّما ذكره يوشعُ في مَعرضِ الاعتذارِ ؛ لقولٍ موسى: لا أُكلفُك إلا أن تُخبرَني بحيثُ يُفارقُك الحوت، فقال: ما كَلَّفتَ كثيراً، فاعتذرَ بذلك القول(٣). قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ عَمَا﴾ يحتملُ أن يكونَ من قولِ يوشع لموسى، أي: اتخذَ الحوتُ سبيلَه عجباً للناس. ويحتمل أن يكون قوله: ((واتخذ سبيله في البحر)) تمامَ الخبر، ثم استأنفَ التعجب(٤) فقالَ من نفسه: ((عجباً)) لهذا الأمرِ. وموضعُ العجبِ أن يكونَ حوتٌ قد ماتَ فأُكِل شقُّه الأيسرُ ثم حَييَ بعدَ ذلك. قال أبو شجاع في ((كتابِ الطبري))(٥): رأيتُه - أُتِيت به - فإذا هو شِقُّ حوتٍ وعينُ (١) المفهم ٦/ ١٩٧، والحديث الذي أشار إليه أخرجه البخاري (٤٧٢٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) في المحرر الوجيز ٥٢٩/٣ . (٣) المفهم ١٩٧/٦ - ١٩٨، وقراءة عبد الله في تفسير الطبري ٣١٧/١٥، والمحرر الوجيز ٥٢٩/٣، وعندهما ((أذكر كه)) بدل ((أذكره)). (٤) في (م) و(د): التعجيب. (٥) أخرجه عنه الطبري ٣١٥/١٥ . : ٣٢٣ سورة الكهف: الآيات ٦١ - ٦٥ واحدة، وشِقٌّ آخرُ ليس فيه شيءٌ. قال ابنُ عطية(١): وأَنا رأيتُه والشِّقُّ الذي ليس فيه شيءٌ عليه قشرةٌ رقيقة ليست تحتَها شوكة. ويحتمل أن يكون قولُه: ((واتّخَذَ سَبِيلَهُ)) إخباراً من الله تعالى، وذلك على وجهين: إمَّا أن يخبرَ عن موسى أنَّه اتخذَ سبيلَ الحوت من البحرِ عجباً، أي: تَعَجَّب منه. وإمَّا أن يخبرَ عن الحوتِ أنه اتخذَ سبيلَه عجباً للناس. ومن غريبٍ ما رُوي في البخاريِّ(٢) عن ابنِ عباس من قصصٍ هذه الآية، أنَّ الحوتَ إنَّما حَيِيَ؛ لأنَّه مَسَّه ماءُ عينٍ هناك تُدعَى عينَ الحياة، ما مَسَّت قطّ شيئاً إلا حَيِيَ. وفي ((التفسيرِ)): إنَّ العلامةَ كانت أن يَحيا الحوتُ، فقيل: لمَّا نزل موسى بعد ما أَجهده السفرُ على صخرةٍ إلى جنبها ماءُ الحياة، أَصابَ الحوتَ شيءٌ من ذلك الماءِ فحيِيَ. وقال الترمذيُّ(٣) في حديثِه: قال سفيان: يزعمُ ناسٌ أنَّ تلك الصخرةَ عندها عينُ الحياة، ولا يصيبُ ماؤها ميتاً (٤) إلا عاش. قال: وكان الحوثُ قد أُكِل منه، فلما قطرَ عليه الماءُ عاشَ. وذكر صاحبُ كتابٍ ((العروس)) أنَّ موسى عليه السلام توضَّأ من عينِ الحياةِ، فقَطَرتْ من لحيتِه على الحوتِ قطرةٌ فحيِيَ، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي﴾(٥) أي: قالَ موسى لفتاه: أَمرُ الحوتِ وفَقدُه هو الذي كنا نطلب، فإنَّ الرجل الذي جئنا له ثَمَّ، فرجعا يَقصَّان آثارَهما لئلا يُخطِئا طريقَهما(٦) وفي ((البخاري) (٧): فوجدا خضراً على ◌ِنْفِسةٍ خضراء على كَبِد البحرِ مُسَجَّى بثوبه، قد جعل طَرفَه تحت رجليه، وَطَرَفَه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى، (١) في المحرر الوجيز ٥٢٩/٣، وما قبله منه. (٢) برقم (٤٧٢٧). (٣) في السنن (٣١٤٩). (٤) في (ظ) و(م): شيئاً، والمثبت من (د) و(ف) و(ز)، وسنن الترمذي. (٥) قرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بياء في الوصل وبغير ياء في الوقف، وابن كثير يثبت الياء فيهما جميعاً في الوصل والوقف كما في السبعة ص٣٩١ . (٦) المحرر الوجيز ٥٢٩/٣ . (٧) برقم (٤٧٢٦)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٣٢٤ سورة الكهف: الآيات ٦١ - ٦٥ فكشف عن وجهِه وقال: هل بأرضِي (١) من سلام؟! مَن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنُك؟ قال: جئتُ لتعلِّمني مما عُلِّمت رشداً، الحديث. وقال الثعلبيُّ في كتابٍ ((العرائس))(٢): إنَّ موسى وفتاه وَجدا الخضرَ وهو نائم على طِنْفِسة خضراء على وجهِ الماء وهو مُتَّشِح بثوبٍ أخضرَ، فسلَّم عليه موسى، فكشفَ عن وجهِه فقال: وأَنَّی بأرضِنا السلام؟! ثم رفع رأسه واستوى جالساً وقال: وعليك السلامُ يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال له موسى: وما أدراك بي؟ ومَن أَخبرك أَنِّي نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أَدراكَ بي ودَلَّك عليَّ؛ ثم قال: يا موسى، لقد كان لك في بني إسرائيل شغلٌ، قال موسى: إنَّ ربي أرسلني إليك لأتبعَك وأتعلمَ من علمك، ثم جلسا يتحدَّثان، فجاءت خُطَافةٌ وحملت بمنقارِها من الماء، وذكر الحديثَ على ما يأتي. قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾ العبدُ هو الخضرُ عليه السلام في قولٍ الجمهور، وبمقتضى الأحاديثِ الثابتة. وخالفَ مَن لا يعتد بقوله، فقال: ليس صاحبُ موسى بالخضر بل هو عالِمٌ آخر. وحكى أيضاً هذا القول القُشيريّ، قال: وقال قومٌ: هو عبدٌ صالح(٣)، والصحيح أنَّه كان الخضر، بذلك وردَ الخبرُ عن النبي﴾. قال مجاهد: سُمِّي الخضرَ لأنَّه كان إذا صلَّى اخضرَّ ما حوله (٤). وروى الترمذيُّ(٥) عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﴾: ((إنَّما سُمِّي الخضرَ؛ لأنه جلسَ على فروةٍ بيضاء فاهتزت(٦) تحتَه خضراء)) هذا حديث صحيح غريب(٧). الفروةُ هنا (١) في (م): بأرضك. (٢) ص٢٢٧ ، وفيه: قائم على طنفسة بدل نائم، ولعل في النسخة التي اعتمدها المصنف زيادة على المطبوع الذي بین أیدینا. (٣) المحرر الوجيز ٥٢٩/٣، دون ذكر القشيري. (٤) البغوي ٣/ ١٧٢. (٥) في سننه (٣١٥١). (٦) في (م) و(د) و(ز): فإذا هي تهتز، والمثبت من (ف) و(ظ) وسنن الترمذي. (٧) في سنن الترمذي: حديث حسن صحيح. ٣٢٥ سورة الكهف: الآيات ٦١ - ٧٠ وجهُ الأرض؛ قاله الخَطَّابيُّ وغيرُه. والخضرُ نبيٍّ عند الجمهور. وقيل: هو عبدٌ صالح غير نبيٍّ، والآيةُ تشهدُ بنبوّته؛ لأن بواطنَ أفعالِه هل كانت(١) إلا بوحي. وأيضاً فإنَّ الإنسانَ لا يتعلم ولا يَتَّبع إلا مَن فوقه، وليس يجوزُ أن يكونَ فوقَ النبيِّ مَن ليس بنبيِّ. وقيل: كان مَلَكاً أمرَ الله موسى أن يأخذَ عنه ممَّا حملَه من علم الباطن(٢). والأوّلُ الصحيحُ، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾ الرحمةُ في هذه الآيةِ النبوةُ(٣). وقيل: النعمة(٤). ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا﴾ أي: علم الغيب. ابن عطية(٥): كان علمُ الخضرِ (٦) معرفةَ بواطنَ قد أُوحيثْ إليه، لا تُعطي ظواهرُ الأحكام أفعالَه بحسبها، وكان علمُ موسى علمَ الأحكامِ والفتيا بظاهرِ أقوالِ الناسِ وأفعالهم. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (١) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خبراً (٨) قَالَ سَتَجِدُِ إِن شَآءَ اَللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْضِى لَكَ أَمْرًا ﴿َ﴾ قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾ فيه مسألتان: الأولى: قولُه تعالى: ((قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ)) هذا سؤالُ الملاطِف، والمخاطِب المستنزل المبالغ في حسنِ الأدب، المعنى: هل يتفقُ لك ويَخِفُّ عليك؟ وهذا كما في الحديث: هل تستطيعُ أن تريني كيف كان رسول الله # يتوضأ(٧)؟ (١) في (م): لا تكون، والمثبت من النسخ الخطية، والمحرر الوجيز ٥٢٩/٣، والكلام منه. (٢) النكت والعيون ٣٢٥/٣ . (٣) المحرر الوجيز ٥٣٠/٣. (٤) النكت والعيون ٣٢٤/٣، وزاد: الطاعة وطول الحياة. (٥) في المحرر الوجيز ٥٢٩/٣ . (٦) بعدها في (م): علم. (٧) أخرجه أحمد (١٦٤٣١)، والبخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﴾. ٣٢٦ سورة الكهف: الآيات ٦٦ - ٧٠ وعلى بعضٍ التأويلات يجيء كذلك قولُه تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآبِدَةٌ مِنَ السَّمَةِ﴾ [المائدة: ١١٢] (١) حسب ما تقدم بيانُه في ((المائدة)). الثانية: في هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ المتعلم تبعٌ للعالم وإن تفاوتتِ المراتب(٢)، ولا يُظَن أنَّ في تعلم موسى من الخضر ما يدلُّ على أنَّ الخضر كان أفضلَ منه، فقد يَشذُّ عن الفاضلِ ما يعلمه المفضول، والفضلُ لمن فضَّله الله، فالخضرُ إن كان وليًّا فموسى أفضلُ منه؛ لأنه نبيٌّ والنبي أفضلُ من الوليِّ، وإن كان نبيًّا فموسى فَضَلَه بالرسالة(٣). والله أعلم. ((ورشداً)) مفعولٌ ثانٍ بـ ((تعلمني)). ﴿قَالَ﴾ الخضرُ: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ أي: إنك يا موسى، لا تطيقُ أن تصبرَ على ما تراه من علمي(٤)؛ لأن الظواهرَ التي هي علمك لا تُعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأً ولم تُخبّر بوجه الحكمة فيه، ولا طريقِ الصواب، وهو معنى قوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَ تُحِطْ بِ، خُبْأَ﴾ والأنبياءُ لا يُقِرُّون على منكر، ولا يجوزُ لهم التقرير(٥). أي: لا يسعك السكوتُ جرياً على عادتك وحُكمك. وانتصب ((خُبْراً)) على التمييزِ المنقولِ عن الفاعل. وقيل: على المصدرِ الملاقي في المعنى، لأنَّ قوله: ((لَمْ تُحِظْ)) معناه: لم تَخبُرْه، فكأنه قال: لم تَخبره خُبراً، وإليه أشارَ مجاهد. والخبیرُ بالأمورِ هو العالمُ بخفاياها وبما يختبرُ منها(٦). قوله تعالى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ أي: سأصبرُ بمشيئة الله، ﴿وَلَآَ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ أي: قد أَلزمتُ نفسي طاعتَك. وقد اختلف في الاستثناءِ، هل هو (١) المحرر الوجيز ٥٣٠/٣. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٣٣/٣. (٣) المفهم ٦/ ٢١٧ . (٤) في المحرر الوجيز ٥٣٠/٣ : عملي، والكلام منه. (٥) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٣/ ١٧٣ . (٦) المفهم ٦/ ٢٠٢ . وفي تفسير مجاهد ٣٨١/١: خُبراً: يعني: علماً. ٣٢٧ سورة الكهف: الآيات ٦٦ - ٧٣ يشملُ قوله: ((وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً)) أم لا؟ فقيل: يشملُه كقوله: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًاً وَالذَّكِرَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقيل: استثنى في الصَّبر فصبَرَ، وما استثنى في قوله: ((وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً)) فاعترضَ وسأل(١). قال علماؤنا: إنَّما كان ذلك منه؛ لأنَّ الصبر أمرٌ مستقبل ولا يَدري كيف يكون حالُه فيه، ونفيُ المعصيةِ معزومٌ عليه حاصلٌ في الحال، فالاستثناءُ فيه ينافي العزمَ عليه. ويمكنُ أن يُفرَّق بينَهما بأنَّ الصبر ليس مكتسباً لنا بخلافِ فعلِ المعصية وتركها، فإنَّ ذلك كلَّه مكتسبٌ لنا، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَّكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي: حتى أكونَ أنا الذي أُفسره لك، وهذا من الخضرِ تأديبٌ وإرشادٌ لِما يَقتضي دوامَ الصحبةِ، فلو صَبَر ودَأَب؛ لرأَى العجبَ، لكنَّه أكثرَ من الاعتراضِ، فتَعيَّن الفراقُ والإعراض(٢). قوله تعالى: ﴿فَنطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٨) قَالَ لَا ٧٣ نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُشْرًا قوله تعالى: ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهًا﴾ فيه مسألتان: الأولى: في ((صحيح)) مسلم والبخاري(٣): ((فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرَّت سفينة فكلَّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضرَ فحملوه بغير نَوْل، فلما ركبا في السفينة لم يَفْجأ(٤) إلا والخضرُ قد قلعَ منها لوحاً من ألواح السفينة بالقَدُوم، فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير نَوْل عَمَدْتَ إلى سفينتهم فخرقتَها لتغرقَ أهلها ((لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٣٣/٣ - ١٢٣٤. (٢) المفهم ٦/ ٢٠٣ ، وما قبله منه. (٣) البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث ابن عباس (٤) بعدها في (م): موسى. ٣٢٨ سورة الكهف: الآيات ٧١ - ٧٣ تُرِهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً)). قال وقال رسولُ الله ◌ِ﴾: ((وكانت الأولى من موسى نِسياناً قال: وجاء عصفورٌ فوقع على حَرْفِ السفينة فَنقَر في البحر نقرةً، فقال له الخضر: ما عِلمي وعِلمُك من علم الله إلا مثل ما نَقَص هذا العصفورُ من هذا البحر)). قال علماؤنا: حرفُ السفينةِ: طَرفُها، وحَرْف كلِّ شيءٍ: طرفُه، [ومنه حرف الجبل](١) وهو أعلاه المحدّد. والعِلم هنا بمعنى المعلوم، كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٥٥] أي: من معلوماته، وهذا من الخضرِ تمثيلٌ، أي: معلوماتي ومعلوماتك لا أثرَ لها في علم الله، كما أنَّ ما أَخذَ هذا العصفورُ من هذا البحرِ لا أثر له بالنسبةِ إلى ماء البحرِ، وإنَّما مثَّل له ذلك بالبحرِ؛ لأنَّه أكثر ما نُشاهدُه ممَّا بينَ أيدينا، وإطلاقُ لفظِ النقصِ هنا تجوُّز قُصِدَ به التمثيلُ والتفهيمُ؛ إذ لا نقصَ في علم الله، ولا نهايةَ لمعلوماته. وقد أوضحَ هذا المعنى البخاريُّ فقال: والله ما علمي وما علمُك في جنبٍ علم الله إلا كما أخذَ هذا الطيرُ بمنقارِه من البحر(٢). وفي ((التفسير)) عن أبي العالية: لم يرَ الخضرَ حين خرقَ السفينة غيرُ موسى وكان عبداً لا تراه إلا عينُ مَن أرادَ الله له أن يريه، ولو رآه القومُ لمنعوه من خرقِ السفينة. وقيل: خرج أهلُ السفينةِ إلى جزيرة، وتخلَّف الخضرُ فخرقَ السفينة. وقال ابنُ عباس: لمَّا خرقَ الخضر السفينةَ تنخَّى موسى ناحية، وقال في نفسه: ما كنتُ أَصنع بمصاحبةِ هذا الرجل! كنت في بني إسرائيل أتلو كتابَ الله عليهم غدوةً وعشيّة فيطيعوني! قال له الخضرُ: يا موسى، أَتريدُ أن أخبرك بما حدَّثتَ به نفسَك؟ قال: نعم. قال: كذا وكذا. قال: صدقتَ، ذكره الثعلبيُّ في كتاب ((العرائس)) (٣). الثانية: في خرقِ السفينة دليلٌ على أنَّ للوليِّ أن يَنقُصَ مالَ اليتيم إذا رآه صلاحاً، مثل أن يخافَ على رَيْعه ظالماً فيُخرِّبَ بعضَه(٤). وقال أبو يوسف: يجوزُ للوليّ أن (١) ما بين حاصرتين من المفهم ٢١٥/٦، والكلام منه. (٢) المفهم ٢١٥/٦ - ٢١٦ . (٣) ص٢٢٨ . (٤) الكلام بنحوه في المفهم ٦/ ٢٠٤ . ٣٢٩ سورة الكهف: الآيات ٧١ - ٧٦ يصانعَ السلطان ببعض مالِ اليتيم عن البعض. وقرأ حمزةُ والكسائي: ((لِيَغْرَقَ)) بالياء ((أَهْلُهَا)) بالرفع فاعل يَغْرَق(١)، فاللامُ على قراءةِ الجماعة في ((لِتَغْرِق)) لامُ المآلِ مثل: ﴿لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. وعلى قراءةِ حمزةً لامُ كي، ولم يقل: لتُغرقني؛ لأنَّ الذي غَلبَ عليه في الحال فرطُ الشفقةِ عليهم، ومراعاةٌ حقّهم. و((إِمْراً)) معناه عجباً؛ قاله القتبيُّ(٢). وقيل: منكراً؛ قاله مجاهد(٣). وقال أبو عبيدة: الإمرُ: الداهيةُ العظيمةُ؛ وأنشد: قد لَقِيَ الأقرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيةٌ دَهْيَاءَ إِذًّا إِمْرَا(٤) وقال الأخفشُ: يقالُ: أَمِرَ أَمْرُهُ يَأُمَر [أَمْراً] إذا اشتدَّ، والاسمُ الإِمْرُ(٥). قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ في معناه قولان: أحدهما: يُروى عن ابنِ عباس قال: هذا من معاريضٍ الكلام(٦). والآخر: أنَّه نسي فاعتذر. ففيه ما يدلُّ على أنَّ النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخلُ تحتَ التكليف، ولا يتعلقُ به حكم طلاقٍ ولا غيره، وقد تقدَّم، ولو نسي في الثانيةِ لاعتذرَ(٧). قوله تعالى: ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرٍ نَفْسٍ لَّقَدْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٥) قَالَ إِن جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا (2) سَأَلْئُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَ تُصَحِنِّ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّ عُذْرًا قوله تعالى: ﴿فَطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَلَهُ﴾ في ((البخاري))(٨): قال يَعْلَى: قال (١) التيسير ص١٤٤، والسبعة ص ٣٩٥ . (٢) في تفسير غريب القرآن ص٢٦٩ . (٣) في تفسيره ٣٧٩/١، وأخرجه عنه الطبري ٣٣٦/١٥. (٤) مجاز القرآن ٤٠٩/١، والرجز عند الطبري ٣٣٦/١٥ - ٣٣٧. وفي الصحاح (أمر). (٥) الصحاح (أمر) والمفهم ٦/ ٢٠٤ ، وما بين حاصرتين منهما. (٦) تفسير السمر قندي ٢/ ٣٠٧، وأخرجه الطبري ٣٣٨/١٥ بهذا اللفظ عن أبي بن كعب. (٧) وذكر ابن الجوزي في زاد المسير ١٧١/٥ قولاً ثالثاً أنه بمعنى الترك، فالمعنى: لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك عليه، ذكره ابن الأنباري. (٨) برقم (٤٧٢٦)، وسلف في تفسير الآية ٦٤ من هذه السورة. ٣٣٠ سورة الكهف: الآيات ٧٤ - ٧٦ سعيد: وجدَ غلماناً يلعبون فأخذَ غلاماً كافراً، فأَضجعه ثم ذبَحه بالسكين، «قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍٍ)) لم تعملْ بالحِنْثِ. وفي ((الصحيحين)) و((صحيح)) الترمذي(١): ثم خرجا من السفينةِ فبينما هما يمشيانِ على الساحلِ إذ أبصرَ الخضرُ غلاماً يلعبُ مع الغلمان، فأخذَ الخضرُ رأسه بیدِه فاقتلَعه بيده فقتله، قال له موسی : ((أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)) قال(٢): وهذه أشدُّ من الأولى. ((قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً)). لفظ البخاري. وفي ((التفسيرِ)): إنَّ الخضرَ مرَّ بغلمانٍ يلعبون فأخذَ بيدِه غلاماً ليس فيهم أَضوأُ منه، وأخذ حجراً فضرب به رأسَه حتى دَمَغه، فقتله(٣). قال أبو العالية: لم يَره إلا موسى، ولو رأَوه لحالوا بينَه وبين الغلام. قلت: ولا اختلافَ بين هذه الأحوال الثلاثةِ، فإنه يحتملُ أن يكون دَمَغْه أوَّلاً بالحجر، ثم أضجعه فذبحه، ثم اقتلعَ رأسه؛ والله أعلمُ بما كان من ذلك، وحسبُك بما جاءً في (الصحيح)). وقرأ الجمهورُ: (زَاكِيَةً)) بالألف. وقرأ الكوفيون وابنُ عامر: ((زَكِيَّةً)» بغير ألفٍ وتشديدِ الياء(٤)؛ قيل: المعنى واحد؛ قاله الكسائي. وقال ثعلب: الزكيةُ أبلغُ. قال أبو عمرو: الزاكيةُ التي لم تذنبْ قٌ، والزكيةُ التي أَذنبت ثم تابت(٥). قوله تعالى: ((غلاما)) اختلفَ العلماء في الغلام، هل كان بالغاً أم لا؟ فقال الكلبي: كان بالغاً يقطع الطريقَ بين قريتين، وأبوه من عظماءِ أهل إحدى القريتين، وأمُّه من عظماء القرية الأخرى، فأخذه الخضرُ فصرعه، ونزع رأسه عن جسده(٦). (١) البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠)، والترمذي (٣١٤٩). (٢) القائل سفيان بن عيينة كما صرَّح به البخاري (١٢٢)، وذكره في إرشاد الساري للقسطلاني ٧/ ٢٢٠ . (٣) تفسير البغوي ٣/ ١٧٤ بنحوه. (٤) التيسير ص١٤٤، والسبعة ص ٣٩٥. (٥) المفهم ٢٠٥/٦ ، وفيه أنَّ قول أبي عمرو في الزكية: التي ما حلَّ ذنبها. (٦) تفسير البغوي ١٧٤/٣ . ٣٣١ سورة الكهف: الآيات ٧٤ - ٧٦ قال الكلبي: واسمُ الغلام شمعون. وقال الضَّحاك: حيسون. وقال وهب: اسمُ أبيه سلاس، واسمُ أمِّه رُخْمَى (١). وحكى السهيليُّ أنَّ اسمَ أبيه كازير، واسمَ أُمه سهوى(٢). وقال الجمهور: لم يكن بالغاً، ولذلك قالَ موسى: زاكية لم تذنب. وهو الذي يقتضيه لفظُ الغلام؛ فإنَّ الغلامَ في الرجال يقال على مَن لم يبلغ، وتقابلُه الجاريةُ في النساء. وكان الخضرُ قتله لِمَا علمَ من سِرِّه، وأنه طُبع كافراً كما في صحيح الحديث، وأنَّه لو أدركَ لأرهقَ أبويه كفراً. وقَتلُ الصغيرِ غيرُ مستحيل إذا أذنَ الله في ذلك؛ فإنَّ الله تعالى الفعالُ لما يريد، القادرُ على ما يشاء(٣). وفي كتابٍ ((العرائس)): إنَّ موسى لمَّا قال للخضر: ((أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّة)» - الآية - غضبَ الخضرُ واقتلع كتفَ الصبيِّ الأيسر، وقشرَ اللحمَ عنه، وإذا في عظمٍ كتفِه مكتوبٌ: كافرٌ لا يؤمنُ بالله أبداً (٤). وقد احتجَّ أهلُ القولِ الأول بأنَّ العرب تُبقي على الشابِّ اسمَ الغلام(٥)، ومنه قولُ ليلى الأخيلية: غُلامٌ إذا هَزَّ القَنَاةَ سَقَاهَا (٦) شَفَاها من الدَّاءِ العُضالِ الذِي بِها وقال صفوان لحسان: غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْتُ بشاعِر(٧) تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عَنِّي فإنَّني وفي الخبر: إنَّ هذا الغلامَ كان يفسد في الأرض، ويُقسِم لأَبويه أنَّه ما فَعل، فيقسمان على قَسَمِه، ويحميانه ممَّن يطلبه. قالوا: وقوله: ((بِغَيْرِ نَفْسٍ)) يقتضي أنه لو (١) المفهم ٦/ ٢٠٥ . (٢) التعريف والإعلام ص ١٠٥ . (٣) الكلام بنحوه في المفهم ٢٠٥/٦، والنكت والعيون ٣٢٨/٣، وزاد المسير ١٧٢/٥ . (٤) عرائس المجالس ص٢٢٨ . (٥) المحرر الوجيز ٥٣٢/٢. (٦) سلف ٥/ ١٢٢ . (٧) البيت في سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٥، وتاريخ الطبري ٦١٨/٢، والبداية والنهاية ٢٠١/٦ . وذُباب السيف: حَدُّه أو طرفه المتطرف كما في القاموس (ذبب). : ٣٣٢ سورة الكهف: الآيات ٧٤ - ٧٦ كانَ عن قتل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدلُّ على كبَرِ الغلام، وإلا فلو كان لم يحتلم، لم يجب قتلُه بنفسٍ (١). وإنما جاز قتلُه؛ لأنه كان بالغاً عاصياً. قال ابنُ عباس: كان شابًّا يقطعُ الطريق(٢). وذهب ابن جبير إلى أنَّ بلغَ سنَّ التكليف لقراءةٍ أَبِيِّ وابنٍ عباس ((وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين)) والكفرُ والإيمان من صفاتِ المكلَّفين، ولا يُطلَق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعيةِ لأبويه، وأبوا الغلامِ كانا مؤمنين بالنص فلا يَصدقُ عليه اسمُ الكافر إلا بالبلوغ، فتعين أن يُصار إليه (٣). والغلامُ من الاغتلام وهو شدةُ الشَّبَق. قوله تعالى: ﴿فَكْرًا﴾ اختلف الناسُ أيُّهما أبلغُ ((إمرا)» أو قوله: ((نكرا» فقالت فرقة: هذا قَتلٌ بَيِّن، وهناك مُترقَّب؛ فـ((نكرا)) أبلغُ. وقالت فرقة: هذا قَتلُ واحدٍ، وذاك قتلُ جماعة فـ((إمرا)» أبلغ. قال ابنُ عطية(٤): وعندي أنَّهما لمعنيين وقوله: ((إِمْراً)) أفظعُ وأهولُ من حيثُ هو متوقع عظيم، و((نُكْراً)) بيِّن في الفساد؛ لأنَّ مكروهَه قد وقع. وهذا بَيِّن. قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَنُحِبْنِى﴾ شرطٌ وهو لازم، والمسلمون عند شروطِهم، وأحقُّ الشروطِ أن يُوقَّى به ما التزمَه الأنبياء، والتُزِمَ للأنبياء. وقوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا﴾ يدلُّ على قيام الاعتذار بالمرةِ الواحدةِ مطلقاً، وقيام الحجةِ من المرة الثانيةِ بالقطع؛ قاله ابنُ العربي(٥). ابنُ عطية: ويشبهُ أن تكونَ هذه القصةُ أيضاً أصلاً للآجالِ في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيامُ التلوم(٦) ثلاثة، فتأمله(٧). (١) المحرر الوجيز ٥٣٢/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤٦٦/٢. (٢) تفسير السمر قندي ٣٠٧/٢ . (٣) المفهم ٦/ ٢١١ . (٤) في المحرر الوجيز ٥٣٢/٣، وما قبله منه. (٥) في أحكام القرآن ٢٣٤/٣، وما قبله منه. (٦) في (م): المتلوم. (٧) المحرر الوجيز ٥٣٢/٣. ٣٣٣ سورة الكهف: الآيات ٧٤ - ٧٦ قوله تعالى: ((فَلَا تُصَاحِبْنِي)) كذا قرأَ الجمهور؛ أي: تتابعني. وقرأ الأعرجُ: (تَصْحَبَنِّي)) بفتح التاءِ والباء وتشديدِ النون. وقرئ: ((تَصْحَبْنِي)) أي: تتبعني. وقرأ يعقوب ((تُصْحِبْنِي)) بضمِّ التاء وكسر الحاء، ورواها سهل، عن أبي عمرو (١)؛ قال الكسائي: معناهُ: فلا تتركني أَصحَبُك. ((قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً)) أي: بلغتَ مبلغاً تُعذر به في تركِ مصاحبتي. وقرأ الجمهور: ((مِنْ لَدُنِّي)) بضمِّ الدال، إلا أنَّ نافعاً وعاصماً خفَّفا النون، فهي ((لدن)) اتصلت بها ياءُ المتكلم التي في غلامي وفرسي، وكُسر ما قبلَ الياء كما كُسر في هذه. وقرأ أبو بكرٍ عن عاصم: ((لَذْنِي)) بفتح اللام وسكون الدال وتخفيفِ النون، ورُوي عن عاصم: ((لُذْنِي)) بضمِّ اللام وسكون الدال، قال ابنُ مجاهد(٢): وهي غلطٌ. قال أبو علي: هذا التغليطُ يُشبه أن يكونَ من جهة الروايةِ، فأمَّا على قياسِ العربية؛ فهي صحيحةٌ(٣). وقرأ الجمهور: ((عُذْراً))، وقرأ عيسى: ((عُذُراً)) بضمِّ الذال، وحكى الداني أنَّ أُبِيًّا روى عن النبيِّ ﴾: ((عُذْري)) بكسرٍ الراء وياءٍ بعدها (٤). مسألة: أسندَ الطبريُّ(٥) قال: كان رسولُ اللـه :﴿ إذا دعا لأحدٍ بدأَ بنفسه، فقال يوماً: ((رحمهُ الله علينا وعلى موسى، لو صَبَر على صاحبِه لرأى العجبَ ولكنَّه قال: ((فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَهُنِّي عُذْرًا))). والذي في ((صحيح)) مسلم قالَ رسولُ الله ◌ِ﴾: ((رحمةُ الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل، لرأى العجبَ ولكنَّه أَخذته من صاحبِه ذَمَامٌ ولو صَبَر؛ لرأى العجبَ)) قال: وكان إذا ذَكَر أحداً من الأنبياء بدأً بنفسِه: ((رحمهُ اللهِ علينا وعلى أخي كذا))(٦). وفي البخاري عن النبيِّ# قال: ((يرحمُ الله (١) المحرر الوجيز ٥٣٢/٣، ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨١ قراءة الأعرج إلى ابن مسعود، وقراءة يعقوب إلى الجحدري والنخعي. وقراءة يعقوب ذكرها البغوي ٣/ ١٧٥ . (٢) في السبعة ص٣٩٦، وما قبله منه. (٣) الحجة لأبي علي الفارسي ٥/ ١٦٢. (٤) المحرر الوجيز ٥٣٣/٣. (٥) في التفسير ٣٤٥/١٥، ونقله عنه المصنف بواسطة المحرر الوجيز ٥٣٣/٣. (٦) صحيح مسلم (٢٣٨٠): (١٧٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٣٣٤ سورة الكهف: الآيات ٧٤ - ٧٨ موسى، لوَدِدْنا أنه صَبَر حتى يقصَّ علينا من أمرِهما))(١). الذَّمامةُ بالذالِ المعجمةِ المفتوحة، وهو بمعنى المَذَمَّة بفتح الذالِ وكسرها، وهي الرقةُ، والعارُ من تَرْكِ الحرمةِ: يقال: أَخذتني منك مَذَمَّةٌ ومَذِمَّة وذَمَامة، وكأنه استحيا من تكرارِ مخالفتِهِ، وممَّا صدرَ عنه من تغليظِ الإنكارِ (٢). قوله تعالى: ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةِ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبُواْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَفَامَةٌّ، قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأُنَبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ غَّلَيْهِ صَبْرًا فيه ثلاثَ عَشْرةَ مسألةً: الأولى: قولُه تعالى: ﴿حَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْبَةٍ﴾ في ((صحيح)) مسلم(٣) عن أُبيِّ بنِ كعب، عن النبيِّ﴾: ((لئاماً))، فطافا في المجالس فـ ﴿ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبُواْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ يقول: مائل. قال: ﴿فَأَقَامَّةٌ﴾ الخضرُ بيده قال له موسى: قومٌ أَتيناهم فلم يُضيِّفونا، ولم يُطعِمونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأُنْبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ قال رسولُ الله ◌ِ ﴾: ((يرحمُ الله موسى، لوَدِدْتُ أنَّه كان صَبَر حتى يقصَّ علينا من أخبارِهما)). الثانية: واختلفَ العلماءُ في القرية، فقيل: هي أَيْلة(٤)؛ قاله قتادةُ، وكذلك قال محمد بنُ سيرين، وهي أَبخلُ قرية وأَبعدُها من السماء. وقيل: أَنطاكية. وقيل: بجزيرةٍ الأندلس، رُوي ذلك عن أبي هريرة وغيرِهِ، ويذكر أنها الجزيرةُ الخضراء. وقالت (١) صحيح البخاري (١٢٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) المفهم ٦ / ٢٠٦ . (٣) برقم (٢٣٨٠): ١٧٢ . (٤) في (م): أبلة، والمثبت من النسخ الخطية والمفهم ٢٠٧/٦، وإكمال المعلم ٣٧٧/٧ ، وعرائس المجالس ص٢٢٩، ووقع في تفسير الطبري ٣٤٧/١٥، والوسيط ١٦٠/٣، والمحرر ٥٣٣/٣، وزاد المسير ١٧٥/٥، والنكت والعيون ٣٣٠/٣: الأُبُلَّة. ٣٣٥ سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨ فرقة: هي أبو جوزان(١) وهي بناحيةِ أذْرَبيجان. وحكى السُّهيليُّ وقال: إنَّها برقة (٢). الثَّعلبي: هي قريةٌ من قرى الروم يقالُ لها: ناصرة، وإليها تُنسَب النصارى(٣). وهذا كلُّه بحسب الخلاف في أي ناحيةٍ من الأرضِ كانت قصةُ موسى، والله أعلمُ بحقيقةٍ ذلك (٤) الثالثة: كان موسى عليه السلام حينَ سقى لبنتي شعيب أَحوجَ منه حين أَتى القريةَ مع الخضر، ولم يَسألْ قوتاً بل سقى ابتداءً، وفي القريةِ سألا القوت، وفي ذلك للعلماءِ انفصالاتٌ كثيرة، منها أنَّ موسى كان في حديث مَذْين منفرداً، وفي قصةٍ الخضرِ تبعاً لغيره(٥). قلتُ: وعلى هذا المعنى يَتمشّى قولُه في أوّلِ الآية لفتاه: ((آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبا)) فأصابه الجوعُ مراعاةً لصاحبِهِ يوشع. والله أعلم. وقيل: لمَّا كانَ هذا سفرَ تأديب، وُكِل إلى تكلُّف المشقة، وكان ذلك سفرَ هجرةٍ، فؤُكِل إلى العونِ والنُّصرةِ والقوة(٦). الرابعة: في هذه الآيةِ دليلٌ على سؤالِ القوت، وأنَّ مَن جاع وجب عليه أن يطلب ما يردُّ جوعَه خلافاً لجهالِ المتصوفة. والاستطعامُ سؤالُ الطعام، والمرادُ به هنا سؤالُ الضيافة، بدليل قوله: ((فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا)) فاستحقَّ أهلُ القرية لذلك أن يُذْمُّوا، ويُنسبوا إلى اللُّوم والبخل، كما وصفَهم بذلك نبيّنا عليه الصلاةُ والسلام(٧). قال قتادةُ في هذه الآيةِ: شرُّ القُرَى التي لا تُضيِّف الضيفَ، ولا تعرفُ لابنِ السبيل حقَّه. (١) في (م): بَاجَروان، والمثبت من النسخ، وفي المحرر الوجيز ٣/ ٥٣٣، والكلام منه: أبو حوران. (٢) التعريف والإعلام ص ١٠٥ . (٣) عرائس المجالس ص٢٢٩ . (٤) المحرر الوجيز ٥٣٣/٣ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٣٥/٣. (٦) في (م): بالقوت، والمثبت من النسخ الخطية، وأحكام القرآن لابن العربي ١٢٣٥/٣، والكلام منه. (٧) أخرجه أحمد (٢١١٢٠) في الزوائد، ومسلم (٢٣٨٠): (١٧٢)، من حديث أبي بن كعب ﴾. ٣٣٦ سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨ ويظهرُ من ذلك أنَّ الضيافة كانت عليهم واجبةً، وأنَّ الخضر وموسى إنَّما سألا ما وجبَ لهما من الضِّيافة، وهذا هو الأليقُ بحالِ الأنبياء، ومنصبِ الفضلاء والأولياء، وقد تقدَّم القولُ في الضيافةِ في ((هود))(١) والحمدُ لله. ويعفو اللهُ عن الحريريِّ (٢) حيثُ استخفَّ في هذه الآيةِ وتَمجَّن، وأتى بخَطَلِ من القول وزلَّ، فاستدلَّ بها على الكُذْيةِ (٣) والإلحاح فيها، وأنَّ ذلك ليس بمعيبٍ على فاعله، ولا منقصة عليه؛ فقال: وإِنْ رُدِدْتَ فما في الردِّ مَنقصةٌ عليكَ قد رُدَّ موسى قبلُ والْخَضِرُ قلت: وهذا لعبٌ بالدين، وانسلالٌ عن احترام النبيين، وهي شِنْشِنَةٌ أدبية، وهفوةٌ سخافية؛ ويرحمُ الله السلفَ الصالح، فلقد بالغوا في وصيةٍ كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعباً بشيءٍ فإياك أن تلعبَ بدينك (٤). الخامسة: قوله تعالى: ((جِدَاراً) الجدارُ والجَدْرُ بمعنَّى، وفي الخبر: ((حتى يبلغَ الماءُ الجَدْرَ)). ومكانٌ جَدِيرٌ: بُني حَواليه جدارٌ، وأصلُه الرفع. وأَجدرتِ الشجرةُ: طلعت، ومنه الجُدَريُّ(٥). السادسة: قوله تعالى: ((يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)) أي: قَرُب أن يسقط(٦)، وهذا مجازٌ وتوسُّع، وقد فسَّره في الحديث بقوله: ((مائل)) فكانَ فيه دليلٌ على وجودِ المجازِ في القرآن، وهو مذهبُ الجمهور (٧). وجميعُ الأفعالِ التي حقُّها أن تكونَ للحي الناطقِ متى أُسندِت إلى جمادٍ أو بهيمة، فإنَّما هي استعارة، أي: لو كان مكانَهما إنسانٌ، (١) ١٥٩/١١ وما بعدها، والكلام في المحرر الوجيز ٢٠٧/٣، وأثر قتادة أخرجه الطبري ٣٤٧/١٥. (٢) هو: أبو محمد القاسم بن علي بن محمد البصري، له: درة الغواص في وهم الخواص، والملحة، والمقامات. (ت٥١٦هـ). السير ١٩/ ٤٦٠ - ٤٦٥. (٣) الكُدية: حِرفةُ السائلِ المُلِحِّ. المعجم الوسيط (كدى). (٤) المفهم ٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨، وقول الحريري في مقاماته ص٣٢٦ . (٥) تهذيب اللغة ٦٣٤/١٠ - ٦٣٥. والخبر أخرجه البخاري (٤٥٨٥)، وسلف ٦ /٤٤٠ - ٤٤١. (٦) تفسير الطبري ٣٥٠/١٥. (٧) المفهم ٢٠٨/٦ . ٣٣٧ سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨ لكان ممتثلاً لذلك الفعل، وهذا في كلام العربِ وأشعارِها كثيرٌ (١)، فمن ذلك قولُ الأعشى : أَتْتَهون ولا يَنْهَى ذَوِي شَطَطِ كالطَّعْنِ يَذهبُ فيه الزَّيتُ والفُتُلُ (٢) فَأَضافَ النَّهيَ إلى الطعنِ، ومن ذلك قولُ الآخر: يُرِيدُ الرمحُ صدرَ أَبِي بَرَاءٍ ويرغبُ عن دماءِ بني عقيل(٣) وقال آخر: إنَّ دهراً يلُفُّ شَمْلي بِجُمْلٍ لَزمَانٌ يَهُمُّ بالإِحسان(٤) وقال آخر: فَلْقَ الفؤوس إذا أَردن نُصُولاً(٥) في مهمهِ فُلِقت به هاماتُها أي: ثبوتاً في الأرض، من قولهم: نَصَل السيفُ إذا ثَبَت في الرميَّة؛ فشبَّه وقعَ السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوسِ في الأرض، فإنَّ الفأسَ يقعُ فيها ويثبت لا يكاد يخرج(٦). وقال حسانُ بنُ ثابت(٧): لَوَ انَّ اللُّؤْمَ يُنسبُ كان عَبْداً قبِيحَ الوجهِ أَغْوَرَ من ثَقِيفٍ وقال عَنْتَرة : (١) المحرر الوجيز ٥٣٣/٣. (٢) ديوان الأعشى ص ١١٣، وسلف ٣٢٠/١. (٣) البيت في مجاز القرآن ٤١٠/١ ونسبه الحارثي، وفي تفسير الطبري ٣٤٧/١٥، والصناعتين ص٢٨٤ دون نسبة. (٤) البيت في الطبري ٣٤٨/١٥، والصحاح (دهر)، وتهذيب اللغة ١٩٢/٦، بهذه السياقة، وهو في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص٢١٩ بلفظ: بسعدى بل بجمل. ولفظه في ديوان بشار بن برد ٥٤٥/٢ : إنَّ دهراً يضم شملي بسلمى (٥) البيت للراعي النميري في ديوانه ص٢٢٢، وفي ديوان المعاني ١٢٣/٢. لزمان قدهمَّ بالإحسان (٦) المفهم ٢٠٨/٦ - ٢٠٩ . وما قبله فيه. (٧) في ديوانه ص١٦١ . ٣٣٨ سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨ فازْوَرَّ من وَقْع القَنَا بِلَبَانِه وشَكًا إليَّ بِعَبْرةٍ وتَحَمْحُم وقد فَسَّر هذا المعنى بقوله: لو كان يَدْرِي ما الْمُحَاوَرةُ اشتکَی(١) وهذا في هذا المعنى كثيرٌ جدًّا. ومنه قولُ الناس: إنَّ داري تنظرُ إلى دارٍ فلان(٢). وفي الحديث: ((اشتكتِ النارُ إلى ربِّها))(٣). وذهبَ قومٌ إلى منعِ المجاز في القرآن، منهم أبو إسحاق الإِسْفَرايني(٤) وأبو بكر محمد بن داود الأصبهاني(٥) وغيرهما، فإنَّ كلامَ الله عزَّ وجلَّ وكلام رسوله حَمْلُه على الحقيقةِ أولى بذي الفضلِ والدِّين؛ لأنه يَقصُّ الحقَّ كما أخبرَ الله تعالى في كتابِهِ. وممَّا احتجوا به أن قالوا: لو خاطبنا الله تعالى بالمجازِ؛ لزمَ وصفُه بأنَّه مُتجوِّز أيضاً، فإنَّ العدولَ عن الحقيقةِ إلى المجاز يقتضي العجزَ عن الحقيقة، وهو على الله تعالى محالٌ(٦)، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢] وقال تعالى: ﴿تَدْعُواْ مَنْ (١) صدر بيت لعنترة، وعجزه: ولكان لو علم الكلام مكلمي، وهو وما قبله في شرح المعلقات لابن النحاس ٢/ ٤٤ . وقال النحاس: ازورَّ: مال. والتحمحم: صوت مقطع وليس بالصهيل. (٢) المحرر الوجيز ٥٣٤/٣، وما قبله منه. (٣) أخرجه أحمد (٧٧٢٢)، والبخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (٦١٧): ١٨٥ ، من حديث أبي هريرة. (٤) هو: ركن الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، من تصانيفه: كتاب جامع الخلي في أصول الدين، وغيرها. (ت٤١٨ هـ). السير ١٧/ ٣٥٣ . ونقل مَنْعَه للمجاز ابن العربي في المحصول ص٣١ . (٥) هو: الظاهري صاحب كتاب الزهرة في الآداب والشعر، وكتاب التقصي في الفقه. (ت٢٩٧هـ). السير ١٠٩/١٣ وما بعدها. ونقل مَنْعَه للمجاز الرازي في المحصول ٣٣٣/١ . (٦) المحصول للرازي ٣٣٣/١ . ٣٣٩ سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨ أَذْبَرَ وَتَوَ﴾ [المعارج: ١٧]، و((اشتكتِ النارُ إلى ربها))(١)، ((واحتجت النار والجنة))(٢) وما كان مثلَها حقيقة، وأنَّ خالقَها الذي أَنطق كلَّ شيءٍ أَنطقَها. وفي ((صحيح)) مسلم من حديث أنس، عن النبي ﴾: «فيُختَم على فِيهِ ويقالُ لفخذه: انطقي، فتنطقُ فخذُه ولحمه وعظامُه بعملِه وذلك لِيُعذِر من نفسه، وذلك المنافقُ وذلك الذي يَسخطُ الله عليه))(٣). هذا في الآخرة. وأمَّا في الدنيا؛ ففي ((الترمذي)) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسولُ الله ﴾: ((والذي نفسي بيده لا تقومُ السَّاعةُ حتى تُكلِّمَ السِّباعُ الإنسَ، وحتى تُكلِّمَ الرجلَ عذّبَةٌ سَوْطِهِ، وشِراكُ نَعلِه، وتُخبرَه فَخذُه بما أحدثَ أهلهُ مِن بعدِه)) [قال أبو عيسى]: وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديثٌ حسنٌ غريب(٤). السابعة: قوله تعالى: ((فَأَقَامَه)) قيل: هدمَه ثم قعد بينيه(٥)، فقال موسى للخضر: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)) لأنه فعلٌ يَستحقُّ أجراً. وذكر أبو بكر الأنباري، عن ابنِ عباس، عن أبي بكر، عن رسولِ الله ﴾ أنه قرأ («فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه)). قال أبو بكر: وهذا الحديثُ إنْ صحَّ سندُه فهو جارٍ من الرسولِ عليه الصلاة والسلام مجرى التفسيرِ للقرآن، وإنَّ بعضَ الناقلين أدخلَ [تفسير](٦) قرآنٍ في موضعٍ فَسَرى أنَّ ذلك قرآنٌ نَقصَ من مُصحف عثمان، على ما قاله بعضُ الطاعنين. وقال سعيد بن جبير: مَسحه بيدِه وأقامه فَقام (٧)، وهذا القولُ هو الصحيح، (١) تقدم تخريجه آنفاً. (٢) أخرجه أحمد (٧٧١٨)، والبخاري (٤٨٤٩)، ومسلم (٢٨٤٦) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) صحيح مسلم (٢٩٦٨)، وهذا لفظ حديث أبي هريرة، وحديث أنس عند مسلم (٢٩٦٩) بلفظ: قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله. (٤) سنن الترمذي (٢١٨١)، وما بين حاصرتين منه، والحديث أخرجه أحمد (١١٧٩٢). (٥) الطبري ١٥/ ٣٥٠ . (٦) زيادة من (م) يقتضيها السياق. (٧) أخرجه عنه الطبري ٣٥١/١٥ . ٣٤٠ سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨ وهو الأشبهُ بأفعالِ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل والأولياء. وفي بعض الأخبار: إنَّ سُمْكَ ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعاً بذراع ذلك القرن، وطولَه على وجهِ الأرض خَمِسُمائة ذراع، وعرضَه خمسون ذراعاً، فأقامه الخضرُ عليه السلام أي: سوَّاه بيده فاستقام. قاله الثَّعلبي في كتاب ((العرائس)) (١). فقال موسى للخضر: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَليْهِ أَجْراً) أي: طعاماً تأكله(٢)، ففي هذا دليلٌ على كراماتٍ الأولياء، وكذلكَ ما وصفَ من أحوالِ الخضر عليه السلام في هذا الباب كلُّها أمورٌ خارقةٌ للعادة، هذا إذا تَنزَّلنا على أنَّه وليٍّ لا نبيٌّ. وقوله تعالى: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)» يدلُّ على نبوته وأنه یوحى إليه بالتكلیفِ والأَحكام، كما أُوحِي للأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلام غير أنَّه ليس برسول، والله (٣) أعلم (٣). الثامنة: واجبٌ على الإنسانِ ألَّا يتعرض للجلوس تحتَ جدار مائل يُخاف سقوطُه، بل يسرع في المشي إذا كان مارًّا عليه؛ لأنَّ في حديثِ النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا مرَّ أحدكم بطِرْبالٍ مائل فليُسرعِ المشي)) (٤). قال أبو عبيد القاسم بن سلَّام: كان أبو عبيدة يقول: الطّرْبال شبيهٌ بالمنظرة من مناظر العجم كهيئة الصّومعة؛ والبناء المرتفع؛ قال جرير: أَلْوَى بها شَذبُ العُرُوقِ مُشَذَّبٌ فكأنما وَكَنَتْ على طِرْبالٍ(٥). يقال منه: وَكَن يَكِن إذا جلسَ. وفي ((الصحاح)): الطَّرْبالُ: القطعةُ العاليةُ من (١) عرائس المجالس ص٢٢٩ . (٢) المحرر الوجيز ٥٣٤/٣. (٣) المفهم ٢٠٩/٦. (٤) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ١٨/٢، وما بعده منه. (٥) ديوان جرير ٢/ ٩٦٠، وقال شارحه: ألوى بها: ذهب بها حيث أراد. شذب العروق: ليس عليه لحم. وَكَّنَت: جلست. طربال: حصن معروف.