Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة الإسراء: الآية ٨٢
وقال ﴿: ((لا بأس بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك)) و((منِ استطاعَ منكم أن ينفعَ أخاه
فليفعَلْ))(١).
قلتُ: قد ذكرنا النصَّ في النُّشرة مرفوعاً، وأنَّ ذلك لا يكون إلا من كتاب الله،
فَلْيُعتمدْ علیه.
الخامسة: قال مالك: لا بأسَ بتعليق الكتب التي فيها أسماءُ الله عزَّ وجلَّ على
أعناق المرضى على وجه التبرُّكِ بها، إذا لم يُرِدْ معلِّقُها بتعليقها مُدافعةً العين. وهذا
معناه قبل أن ينزل به شيءٌ من العين. وعلى هذا القول جماعةُ أهل العلم، لا يجوز
عندهم أن يُعلَّق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيءٌ من العلائق خوفَ نزول
العين، وكلُّ ما يُعلَّقُ بعد نزول البلاء من أسماءِ الله عزَّ وجلَّ وكتابِه رجاءَ الفرج
والبُرْء من الله تعالى، فهو كالرُّقَى المباحِ الذي وردت السُّنَّةُ بإباحتِه من العين
وغيرها(٢).
وقد روى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله﴾: ((إذا فَرِعَ أحدُكم في نومه
فليقُلْ: أعوذُ بكلماتِ اللـه التامَّةِ غضبِهِ وسوءِ عقابه، ومن شرِّ الشياطين وأن
يَحْضُرون)) وكان عبدُ الله يُعلِّمها ولدَه مَنْ أدركَ منهم ومَنْ لم يُدرِكْ، كتبها وعلَّقها
عليه(٣). فإن قيل: فقد رُويَ أنَّ رسولَ الله ◌ِ﴾ قال: ((من علَّقَ شيئاً وُكِلَ إليه))(٤)،
ورأى ابنُ مسعودٍ على أمِّ ولده تميمةً مربوطةً، فجَبذَها جَبْذاً شديداً فقطعها، وقال:
إنَّ آلَ ابنِ مسعودٍ لأغنياءُ عن الشِّرك، ثم قال: إنَّ التمائَم والرُّقى والتِّوَلَةَ من الشِّرك.
قيل: ما التِّوَلَة؟ قال: ما تحبَّبت به لزوجها(٥). ورُويَ عن عقبة بن عامر الجُهنيِّ قال:
(١) الحديث الأول أخرجه مسلم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك ﴾، والثاني أخرجه مسلم أيضاً
(٢١٩٩) عن جابر بن عبد الله ﴾.
(٢) التمهيد ١٧ /١٦٠ - ١٦١.
(٣) أخرجه أحمد (٦٦٩٦)، وأبو داود (٣٨٩٣)، والترمذي (٣٥٢٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة
(٧٦٦).
(٤) أخرجه أحمد (١٨٧٨١)، والترمذي (٢٠٧٢) من حديث عبد الله بن عكيم.
(٥) أخرجه أحمد (٣٦١٥)، وأبو داود (٣٨٨٣) دون قوله: ما التولة ...

١٦٢
سورة الإسراء: الآية ٨٢
سمعتُ رسول الله # يقول: ((من علَّق تميمةً فلا أتَمَّ اللهُ له، ومن علَّقَ وَدَعةً فلا وَدَّعَ
الله له))(١). قلنا(٢): قال الخليل بن أحمد: التميمة: قِلادةٌ فيها عُوَذٌ، والوَدَعة: خرَزٌ.
وقال أبو عمر: التميمة في كلام العرب: القِلادة، ومعناه عند أهل العلم: ما عُلِّقَ في
الأعناق من القلائد خشيةً العين أو غيرها أن تنزل أو لا تنزل قبل أن تنزل. فلا أتمَّ اللهُ
عليه صحَّتَه وعافيته، ومن تعلَّق وَدَعةً - وهي مثلها في المعنى - فلا ودَعَ الله له، أي:
فلا بارك الله له ما هو فيه من العافية. والله أعلم. وهذا كلُّه تحذيرٌ مما كان أهل
الجاهلية يصنعونه من تعليق التمائم والقلائد، ويظنون أنها تقيهم وتصرِف عنهم
البلاء، وذلك لا يصرفه إلا اللهُ عزَّ وجلَّ، وهو المعافي والمبتلي، لا شريك له.
فنهاهم رسول الله # عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم. وعن عائشة قالت:
ما تعلَّقَ بعد نزول البلاء فليس من التمائم. وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة
على كلِّ حالٍ قبل نزول البلاء وبعده. والقولُ الأوَّلُ أصحُ في الأثر والنظر إن شاء
الله تعالى(٣).
وما رُويَ عن ابن مسعود يجوز أن يريد بما كرِه تعليقَه غيرَ القرآن أشياءَ مأخوذةً
عن العرَّافين والكُهَّان؛ إذ الاستشفاء بالقرآن مُعلَّقاً وغيرَ مُعلَّقٍ لا يكون شِرْكاً، وقوله
عليه الصلاة والسلام: ((من علَّق شيئاً وُكِلَ إليه)) فمن علَّق القرآن ينبغي أن يتولَّه اللهُ
ولا يَكِلَه إلى غيره؛ لأنه تعالى هو المرغوبُ إليه والمُتوَكَّلُ عليه في الاستشفاء
بالقرآن. وسُئِلَ ابنُ المسيِّب عن التعويذ: أيُعلَّق؟ قال: إذا كان في قصبةٍ أو رقعةٍ يُحرَزُ
فلا بأس به. وهذا على أن المكتوب قرآن. وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأساً أن
يُعلِّقَ الرجلُ الشيءَ من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط. ورشخّصَ أبو
جعفر محمد بن عليّ في التعويذ يُعلَّقُ على الصبيان. وكان ابن سِيرين لا يرى بأساً
(١) أخرجه أحمد (١٧٤٠٤). ونصَّ السندي على أن كلمة ((وَدَّعَ)) ضُبطت بالتشديد.
(٢) في (م): قلباً. واعتُبرت هناك على أنها من الحديث!
(٣) التمهيد ١٧/ ١٦٢ - ١٦٤.

١٦٣
سورة الإسراء: الآيتان ٨٢ - ٨٣
بالشيء من القرآن يُعلِّقه الإنسان(١).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تفريج الكروب، وتطهير العيوب،
وتكفير الذنوب، مع ما تفضّل به تعالى من الثواب في تلاوته؛ كما روى الترمذيُّ عن
عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﴾: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به
حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الّم حرف، بل ألِفٌ حرفٌ ولاٌ حرفٌ ومِيمٌ
حرفٌ)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب(٢). وقد تقدَّم(٣). ﴿وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا
خَسَارًا﴾ لتكذيبهم(٤). قال قتادة: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان،
ثم قرأ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ الآية(٥). ونظير هذه الآية
قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيَّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَمَّى﴾ [فصلت: ٤٤]. وقيل: شفاءٌ في الفرائض والأحكام لما فيه من البيان(٦).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّ كَانَ
يَُسًا
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانٍِ﴾ أي: هؤلاء الذين يزيدهم
القرآن خَساراً صفتُهم الإعراضُ عن تدبُّر آياتِ الله والكفران لنعمه. وقيل: نزلت في
الوليد بن المغيرة. ومعنى ((نأى بجانبه)) أي: تكبر وتباعد. وناء مقلوبٌ منه، والمعنى:
بَعُدَ عن القيام بحقوق الله عزَّ وجلَّ؛ يقال: نأى الشيءُ، أي: بَعُدَ(٧). ونأيتُه ونأيتُ
(١) المنهاج في شعب الإيمان ٣٩/٢ .
(٢) سنن الترمذي (٢٩١٠).
(٣) ١/ ١٢.
(٤) النكت والعيون ٢٦٨/٣ .
(٥) تفسير البغوي ١٣٣/٣ - ١٣٤، لكن أخرجه الحاكم ٣٦٥/٢، والواحدي في الوسيط ١٢٣/٣ عن
أويس القرني.
(٦) النكت والعيون ٢٦٨/٣ .
(٧) الوسيط للواحدي ١٢٤/٣ بمعناه.

١٦٤
سورة الإسراء: الآيتان ٨٣ - ٨٤
عنه بمعنَى، أي: بَعُدْتُ. وأنأيتُه فانتأى، أي: أبعدتُه فبَعُد. وتناءَوْا تباعدوا.
والمُتْتَأَى: الموضع البعيد. قال النابغة:
وإن خِلْتُ أنَّ المُنتأى عنكَ واسِعُ(١)
فإنكّ كالليلِ الذي هو مُذْرِكي
وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان: ((ناء)» مثل باع، الهمزة مؤخرة، وهو على
طريقة القلب من نأى، كما يقال: راء ورأى(٢). وقيل: هو من النَّوء وهو النهوض
والقيام(٣). وقد يقال أيضاً للوقوع والجلوس: نوء، وهو من الأضداد(٤). وقرئ
((ونَيِي)) بفتح النون وكسر الهمزة(٥). والعامة: ((نأى)) في وزن رأى(٦). ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّ
كَانَ يَتُوسًا﴾ أي: إذا ناله شدةٌ من فقرٍ أو سقم أو بؤسٍ يئس وقط؛ لأنه لا يثق بفضل
الله تعالى(٧).
قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا
(٨٤)
قوله تعالى: ﴿قُلّ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ قال ابن عباس: ناحيته. وقاله
الضحاك. مجاهد: طبيعته. وعنه: حِدَته. ابن زيد: على دينه. الحسن وقتادة: نيَّته.
مقاتل: جِبِلَّته. الفراء: على طريقته ومذهبه الذي جُبِل عليه(٨). وقيل: قل كلٌّ يعمل
على ما هو أشكّلُ عنده وأوْلى بالصواب في اعتقاده (٩). وقيل: هو مأخوذٌ من الشَّكْل؛
(١) الصحاح (نأى)، والبيت في ديوان النابغة - وهو الذبياني - ص٨١ .
(٢) الوسيط للواحدي ١٢٤/٣. وينظر السبعة ص٣٨٤، والتيسير ص١٤١.
(٣) تفسير البغوي ١٣٤/٣.
(٤) اللسان (نوأ).
(٥) وهي قراءة حمزة في روايتي خلاد وأبي عمر عن سليم. السبعة ص٣٨٤ ، والتيسير ص١٤١ .
(٦) المصدر السابق.
(٧) الوسيط للواحدي ٣/ ١٢٤ .
(٨) معاني القرآن للنحاس ١٨٨/٤، والمحرر الوجيز ٤٨١/٣، وتفسير البغوي ١٣٤/٣.
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٣٨/٢.

١٦٥
سورة الإسراء: الآية ٨٤
يقال: لستَ على شَكْلي ولا شاكلتي(١). قال الشاعر:
كلُّ امرئٍ يُشبهه فِعْلُه ما يفعل المرءُ فهو أهلُه(٢)
فالشَّكل هو المثل والنظير والضَّرب، كقوله تعالى: ﴿وَءَخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَجُ﴾
[ص: ٥٨]. والشّكل (بكسر الشين): الهيئة؛ يُقال: جارية حسنة الشِّكل. وهذه الأقوال
كلُّها متقاربة.
والمعنى: أنَّ كلَّ أحدٍ يعمل على ما يُشاكل أصلَه وأخلاقَه التي ألِفَها(٣)، وهذا
ذٌّ للكافر ومدحٌ للمؤمن. والآية والتي قبلها نزلتا في الوليد بن المغيرة ذكره المهدويُّ.
﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِعَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي: بالمؤمن والكافر وما سيحصل من كلِّ
واحدٍ منهم. وقيل: ﴿أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي: أسرعُ قبولاً. وقيل: أحسَنُ ديناً.
وحُكيَ أنَّ الصحابةَ رضوان الله عليهم تذاكروا القرآن، فقال أبو بكر الصديق ﴾:
قرأتُ القرآنَ من أوله إلى آخره فلم أرَ فيه آيةً أرجى وأحسنَ من قوله تبارك وتعالى:
﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكَِتِهِ﴾ فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان، ولا يشاكل بالرب إلا
الغفران. وقال عمر بن الخطاب : قرأتُ القرآنَ من أوله إلى آخره فلم أرَ فيه آيةً
أرجى وأحسنَ من قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ حَمّ تَزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ
اللَّهِ اُلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّبِ شَدِيدٍ الْعِقَابِ ذِى الَّوْلِ﴾ [غافر: ١-٣] قدَّم غفران
الذنوب على قبول التوبة، وفي هذا إشارةٌ للمؤمنين. وقال عثمان بن عفان ﴾: قرأتُ
جميعَ القرآن من أوله إلى آخره فلم أرَ آيةً أحسنَ وأرجى من قوله تعالى: ﴿نَبِئْ عِبَادِىّ
أَنَّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]. وقال عليّ بن أبي طالب﴾: قرأتُ القرآنَ من
أوله إلى آخره فلم أرَ آيةً أحسن وأرجى من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَ
(١) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٦٠ .
(٢) التمثيل والمحاضرة ص١٧ دون نسبة.
(٣) الوسيط للواحدي ٣/ ١٥٤ .

١٦٦
سورة الإسراء: الآيتان ٨٤ - ٨٥
أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر : ٥٣].
قلت: وقرأتُ القرآنَ من أوله إلى آخره فلم أرَ آيَةً أحسنَ وأرجى من قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُ الْأَمْنُّ وَهُمْ تُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرَُّجْ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوتِلِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا
٢٨٥
روى البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ عن عبد الله قال: بينا أنا مع النبيِّ ﴿ فِي حَرْثٍ
وهو متكئٌّ على عَسِيبٍ إذ مَرَّ اليهود، فقال بعضُهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال: ما
رابكم (١) إليه؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه. فسألوه عن
الروح، فأمسكَ النبيُّ :﴿ فلم يُرُدَّ عليهم شيئاً، فعلمتُ أنه يوحى إليه، فقمتُ مقامي،
فلما نزل الوحيُّ قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّجُّ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَا أُوْتِبِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ لفظ البخاري. وفي مسلم: فأسكتَ النبيُّ ◌َ﴾. وفيه: وما أوتوا(٢).
وقد اختلف الناس في الروح المسؤول عنه أيُّ الروح هو؟ فقيل: هو جبريل. قاله
قتادة. قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل: هو عيسى(٣). وقيل: القرآن، على ما يأتي
بيانه في آخر الشُّورى(٤). وقال عليّ بن أبي طالب: هو مَلَكٌ من الملائكة له سبعون
ألف وجه، في كلِّ وجهٍ سبعون ألف لسان، في كلِّ لسانٍ سبعون ألف لغة، يُسبِّحُ الله
تعالى بكل تلك اللغات، يخلق الله تعالى من كل تسبيحةٍ مَلَكاً يطير مع الملائكة إلى
(١) من الرَّيب: وهو الشك. النهاية (ريب).
(٢) صحيح البخاري (٤٧٢١)، وصحيح مسلم (٢٧٩٤)، وسنن الترمذي (٣١٤١). وأخرجه أحمد
(٣٦٨٨).
(٣) المحرر الوجيز ٤٨١/٣.
(٤) عند تفسير الآية (٥٢) منها.

١٦٧
سورة الإسراء: الآية ٨٥
يوم القيامة. ذكره الطبريُّ(١). قال ابن عطية(٢): وما أظنُّ القولَ يصِحُ عن عليٍّ ﴾.
قلت: أسند البيهقيُّ: أخبرنا أبو زكريا، عن أبي إسحاق، أخبرنا أبو الحسن
الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح،
عن عليٍّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ﴾ يقول: الروح
مَلَك. وبإسناده عن معاوية بن صالح حدَّثني أبو هِران - بكسر الهاء - يزيد بن سمُرة،
عَمَّن حدَّثه عن عليٍّ بن أبي طالب أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ﴾ قال:
هو ملَكٌ من الملائكة، له سبعون ألف وجه ... الحديث بلفظه ومعناه(٣). وروى عطاء
عن ابن عباس قال: الروح ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه، يسبح الله إلى
يوم القيامة. ذكره النحاس (٤). وعنه: جندٌ من جنود الله لهم أيدٍ وأرجلٌ يأكلون
الطعام. ذكره الغَزْنَويُّ. وقال الخطابي: وقال بعضهم: هو ملَكٌ من الملائكة بصفةٍ
وضعوها من عِظَم الخِلقة. وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي
يكون به حياة الجسد. وقال أهل النظر منهم: إنما سألوه عن كيفية الرُّوح ومسلكه في
بدن الإنسان، وكيف امتزاجُه بالجسم واتصالُ الحياة به، وهذا شيءٌ لا يعلمه إلا الله
عزَّ وجلَّ(٥). وقال أبو صالح: الرُّوحِ خَلْقٌ كخلق بني آدم وليسوا ببني آدم، لهم أيدٍ
وأرجل(٦). والصحيح الإبهام؛ لقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾(٧) أي: هو أمرٌ عظيمٌ
(١) في تفسير ٧١/١٥ بمثل إسناد البيهقي الآتي، وفيه رجل مبهم. وقال ابن كثير في تفسيره: هذا أثر
غريب عجيب.
(٢) في المحرر الوجيز ٣/ ٤٨٢ .
(٣) الأسماء والصفات للبيهقي (٧٨٠) و(٧٨١)، وفي إسناد الأول علي بن أبي طلحة، وهو ضعيف، وهو
لم يسمع من ابن عباس. التهذيب ١٧١/٣ . وفي إسناد الثاني رجل مبهم.
(٤) في معاني القرآن له ١٨٩/٤ .
(٥) أعلام الحديث ٣/ ١٨٧٤ .
(٦) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٨٢).
(٧) وقع بعدها في النسخ عبارة: ((دليل على خلق الروح))، والظاهر أنها مقحمة؛ إذ لا معنى لها هنا، ثم
إنها لم ترد في المصدر الذي نقل منه المصنف.
1

١٦٨
سورة الإسراء: الآية ٨٥
وشأنٌ كبيرٌ من أمر الله تعالى، مُبْهِماً له وتاركاً تفصيلَه؛ ليعرف الإنسان على القطعِ
عَجْزَه عن عِلم حقيقةِ نفسِه مع العلم بوجودها، وإذا كان الإنسان في معرفة نفسِه
هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقةِ الحقِّ أولى(١). وحكمةُ ذلك تعجيزُ العقل عن إدراك
معرفة مخلوقٍ مجاورٍ له، دلالةً على أنه عن إدراك خالقه أعجزُ.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ اختُلِف فيمن خُوطب بذلك؛ فقالت
فرقة: السائلون فقط. وقال قوم: المرادُ اليهود بجُملتهم. وعلى هذا هي قراءة ابن
مسعود: ((وما أوتوا))(٢)، ورواها عن النبيِّ﴾. وقالت فرقة: المرادُ العَالم كلُّه. وهو
الصحيح، وعليه قراءة الجمهور: ((وما أوتيتم)). وقد قالت اليهود للنبيٍّ ﴾: كيف لم
نُؤتَ من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ومن يُؤتَ الحكمةَ فقد أوتي
خيراً كثيراً؟ فعارضهم رسول الله # بعلم الله فغُلِبوا. وقد نصَّ رسولُ الله 8# بقوله في
بعض الأحاديث: ((كُلَّا)) يعني أنَّ المراد بـ ((ما أوتِيتم)) جميع العالم. وذلك أنَّ يهودَ
قالت له: نحنُ عَنيثَ أم قَومك؟ فقال: ((كُلَّا)). وفي هذا المعنى نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى
اُلْأَرْضِ مِن شَجَرَةِ أَقْلَهٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. حكى ذلك الطبريُّ رحمه الله(٣) وقد قيل: إنَّ
السائلين عن الروح هم قريش، قالت لهم اليهود: سلوه عن أصحاب الكهف وعن
ذي القرنين وعن الروح، فإن أخبركم عن اثنين وأمسكَ عن واحدةٍ فهو نبيٌّ. فأخبرهم
خبرَ أصحاب الكهف وخبرَ ذي القرنين على ما يأتي. وقال في الروح: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ
أَمْرٍ رَبِّ﴾ أي: من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله. ذكره المهدويُّ وغيرُه من المفسِّرین
(٤)
عن ابن عباس
.
(١) المفهم ٣٥٦/٧ - ٣٥٧.
(٢) وهي قراءة شاذة.
(٣) المحرر الوجيز ٤٨٢/٣، وكلام الطبري في تفسيره ٧٢/١٥ وهو من قوله: وذلك أن يهود ... إلخ.
(٤) وذكره ابن الجوزي أيضاً في زاد المسير ٥/ ٨١ عن عطاء عن ابن عباس.

١٦٩
سورة الإسراء: الآيتان ٨٦ - ٨٧
قوله تعالى: ﴿وَلَيْنَ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا
وَكِيلًا (٨َ إِلَّا رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَّ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (َ﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن. أي: كما قَدَرنا
على إنزاله نقدِرُ على إذهابه حتى ينساه الخلق. ويتَّصل هذا بقوله: ﴿وَمَّ أُوْتِتُم مِّنَ الْمِلْمِ
إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: ولو شئتُ أن أذهبَ بذلك القليلِ لَقَدَرتُ عليه. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا
وڪيلًا﴾ أي: ناصراً يردُّه عليك.
﴿إِلَّا رَحْمَةُ مِّن رَّبِّكَ﴾ يعني: لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك؛ فهو استثناء ليس
من الأوّل(١). وقيل: إلا أن يرحمك ربُّكَ فلا يذهَبُ به(٢).
﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ إذ جعلكَ سيِّدَ ولدِ آدم، وأعطاك المقامَ المحمود
وهذا الكتاب العزيز(٣). وقال عبد الله بن مسعود: أوّل ما تَفْقِدون من دينكم الأمانة،
وآخر ما تَفْقِدون الصلاة، وأنَّ هذا القرآنَ كأنَّه قد نُزِعَ منكم، تُصبِحون يوماً وما معكم
منه شيء. فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن وقد ثبتناه في قلوبنا،
وأثبتناه في مصاحفنا، نُعلِّمه أبناءَنا، ويعلِّمه أبناؤنا أبناءَهم إلى يوم القيامة؟! قال:
يُسرى به في ليلةٍ فيذهب بما في المصاحف وما في القلوب، فتصبح الناس كالبهائم.
ثم قرأ عبد الله: ﴿وَلَيِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية (٤). أخرجه أبو بكر بن
أبي شيبة بمعناه قال: أخبرنا أبو الأخوص، عن عبد العزيز بن رُفَيع، عن شدَّاد بن
مَعْقِلٍ قال: قال عبد الله - يعني ابنَ مسعود -: إنَّ هذا القرآنَ الذي بين أظهُرِكم يوشِكُ
أن يُنزَعَ منكم. قال: قلتُ: كيف يُنزَعُ منَّا وقد أثبتَه اللهُ في قلوبنا وثبّتناه في
مصاحفنا؟! قال: يُسرى عليه في ليلةٍ واحدةٍ، فيُنزَعُ ما في القلوب، ويذهب ما في
(١) تفسير البغوي ١٣٥/٣ .
(٢) إعراب القرآن ٤٣٩/٢.
(٣) الوسيط للواحدي ١٢٦/٣ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٥٩٨٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٨٦٩٨).

١٧٠
سورة الإسراء: الآيتان ٨٦ - ٨٧
المصاحف، ويصبحُ الناسُ منه فقراء. ثم قرأ: ﴿وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَاً
إِلَيْكَ﴾(١) وهذا إسناد صحيح. وعن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى يرجعَ القرآنُ من
حيث نزل، له دَوِيٌّ كدويِّ النحل، فيقول الله: ما بالك؟ فيقول: يا ربِّ منك خرجتُ
وإليكَ أعود، أُتْلَى فلا يُعمَلُ بي، أُتْلَى ولا يُعمَلُ بي(٢).
قلت: قد جاء معنى هذا مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٣)
وحذيفة؛ قال حذيفة: قال رسول الله ﴾: ((يُدرَسُ الإسلامُ كما يُدرَسُ وَشْيُ الثوبِ،
حتى لا يُذْرَى ما صيامٌ ولا صلاةٌ ولا نُسٌ ولا صدقةٌ، فيُسرى على كتاب الله تعالى
في ليلةٍ فلا يبقى منه في الأرض آيةٌ، وتبقى طوائفُ من الناس الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ
يقولون: أدرَكْنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها)) (٤). قال له
صلة(٥): ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاةٌ ولا صيامٌ ولا نُسكٌ
ولا صدقة؟! فأعرضَ عنه حذيفة، ثم ردَّدها ثلاثاً، كلُّ ذلك يُعرِضُ عنه حذيفة، ثم
أقبل عليه حذيفةُ فقال: يا صِلة، تنجيهم من النار. ثلاثاً. خرَّجه ابن ماجه في
السنن(٦). وقال عبد الله بن عمر: خرجَ النبيُّ ﴾ وهو معصوبُ الرأس من وجعٍ،
فضحك، فصعِد المنبرَ، فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أيها الناس، ما هذه الكتُبُ
التي تكتبون؟ أكِتابٌ غيرُ كتاب الله؟! يوشِكُ أنْ يغضبَ اللهُ لكتابه، فلا يَدَعَ ورقاً ولا
قلباً إلا أخذ منه)) قالوا: يا رسول الله، فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ قال:
((مَنْ أرادَ اللهُ به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا الله)) ذكره الثعلبيُّ والغَزْنَوِيُّ وغيرهما
(١) مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٥٣٤ - ٥٣٥,
(٢) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ١٣٥، وفيه: عن ابن عمرو.
(٣) هكذا وقع في النسخ: والحديث إنما هو عن عبد الله بن عمرو كما سيأتي.
(٤) في جميع النسخ: ((وهم لا يدرون ما صلاةٌ ولا صيامٌ ولا نسك)) بدلاً من ((فنحن نقولها)).
(٥) وهو ابن زُفر، وهو أحد الرواة للأحاديث.
(٦) سنن ابن ماجه (٤٠٤٩). وأخرجه الحاكم ٤/ ٤٧٣ و٥٤٥ .

١٧١
سورة الإسراء: الآيات ٨٦ - ٨٩
في التفسير(١).
قوله تعالى: ﴿قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْمَانِ لَا يَأْتُنَ
بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨)
أي: عوناً ونصيراً، مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعرٍ فيقيمونه. نزلت حين
قال الكفار: لو نشاءُ لَقُلنا مثلَ هذا، فأكذبهم الله تعالى (٢). وقد مضى القول في
إعجاز القرآن في أوّل الكتاب(٣)، والحمد لله. و﴿لَا يَأْتُنَ﴾ جواب القسم في ((لئن))
وقد يُجزَمُ على إرادة الشرط؛ قال الشاعر:
أُقِمْ في نهارِ الفَيْظِ للشمسِ بادِیَا(٤)
لئِنْ كانَ ما حُدِّثْتِهِ اليومَ صادقاً
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِىِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا
كُفُورًا (١)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: وجَّهنا القولَ فيه
بكلِّ مَثلٍ يجب به الاعتبار؛ من الآيات والعبر، والترغيب والترهيب، والأوامر
والنواهي، وأقاصيص الأوّلين، والجنة والنار والقيامة. ﴿فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا
كُفُورًا﴾ يريد أهل مكة؛ بيَّن لهم الحقَّ، وفتح لهم وأمهلهم حتى تبيَّن لهم أنه
الحق، فأبَوْا إلا الكفر وقتَ تَبيُّنِ الحق. قال المهدَوِيُّ: ولا حجةً للقدريّ في قولهم:
لا يُقال أبى إلا لمن أبَى فِعْلَ ما هو قادرٌ عليه؛ لأنَّ الكافرَ وإن كان غير قادرٍ على
الإيمان بحُكم الله عليه بالإعراض عنه وطبْعِه على قلبه، فقد كان قادراً وقتَ الفُسحةِ
(١) وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٥١٠)، والدعاء (١٤٨٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٥٠:
في إسناده عيسى بن ميمون الواسطي، وهو متروك، وقد وثقه حماد بن سلمة.
(٢) تفسير البغوي ١٣٥/٣.
(٣) ٣٥١/١ - ٣٥٢.
(٤) معاني القرآن للفراء ١٣٠/٢ - ١٣١ بمعناه. والبيت قائلته امرأةٌ من بني عقيل، وهو في خزانة الأدب
٣٢٨/١١ . وفيهما ((أصُمْ)) بدل ((أُقُمْ)).

١٧٢
سورة الإسراء: الآيات ٩٠ - ٩٣
والمُهلة على طلب الحقِّ وتمييزه من الباطل.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٥) أَوْ تَكُونَ
لَكَ جَنَّةٌ مِّن تَّخِيلٍ وَعِنَبِ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيرًا ﴿ أَوْ تُشْقِطَ السَّمَآءَ
كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفَّا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا (١) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن
زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَآءِ وَلَن تُؤْمِنَ لِرُقِّكَ حَتَّى تُنْزِلَ عَلَيْنَا كِنَبَا تَفْرَؤُمُ قُلْ سُبْحَانَ
﴾
رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآية نزلت في
رؤساء قريشٍ مثل عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي سفيان والنضر بن الحارث، وأبي
جهل وعبد الله بن أبي أمية، وأميَّة بن خلف وأبي البَخْتَريِّ، والوليد بن المغيرة
وغيرهم. وذلك أنهم لمَّا عجزوا عن معارضة القرآن ولم يرضَوْا به معجزةً، اجتمعوا
- فيما ذكر ابن إسحاق وغيره - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم
لبعض: ابعثوا إلى محمدٍ _ ﴾ - فكلِّموه وخاصِموه حتى تُعْذَرُوا فيه، فبعثوا إليه: إنَّ
أشرافَ قومك قد اجتمعوا لك(١) ليكلموك فأُتِهم، فجاءهم رسولُ الله ﴾ وهو يظنُّ أن
قد بدا لهم فيما كلَّمهم فيه بُدُوٌّ، وكان رسول اللـه # حريصاً يحبُّ رشدَهم ويَعِزُّ عليه
عَنَتُهم، حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد، إنَّا قد بعثنا إليك لنكلِّمَكَ، وإنَّا واللهِ
ما نعلمُ رجلاً من العرب أدخلَ على قومه ما أدخلتَ على قومك، لقد شتمتَ الآباء،
وعِبْتَ الدين، وشتمتَ الآلهة، وسفَّهتَ الأحلامَ، وفرَّقتَ الجماعة، فما بقيَ أمرٌ
قبيحٌ إلا وقد جئتَه فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - فإن كنتَ إنما جئتَ بهذا
الحديث تطلبُ به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرَنا مالاً، وإن كنتَ إنما
تطلبُ به الشرفَ فينا فنحن نُسوِّدُكَ علينا، وإن كنتَ تريد به مُلكاً ملَّكناكَ علينا، وإن
كان هذا الذي يأتيكَ رَئِيًّا تراه قد غَلَب عليك - وكانوا يُسمُّون التابعَ من الجنِّ رَئِيًّا،
(١) في (م): إليك.

١٧٣
سورة الإسراء: الآيات ٩٠ - ٩٣
فربما كان ذلك - بذلنا أموالنا في طلب الطبِّ لك حتى نُبْرِئكَ منه أو نُعذرَ فيك. فقال
لهم رسول الله ﴾: ((ما بي ما تقولون، ما جئتُ بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا
الشرفَ فيكم، ولا الملكَ عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً،
وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلَّغْتُكُم رسالاتِ ربي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا
مني ما جئتُكم به فهو حَظُكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصبِرْ لأمر الله حتى
يحكم الله بيني وبينكم)) أو كما قال﴾. قالوا: يا محمد، فإن كنتَ غيرَ قابلٍ منَّا شيئاً
مما عرضناه عليك، فإنك قد علمتَ أنه ليس من الناس أحدٌ أضيقَ بلداً ولا أقلَّ ماءً
ولا أشدَّ عيشاً مِنَّا، فسَلْ لنا ربَّك الذي بعثك بما بعثك به، فليُسيِّرْ عنا هذه الجبال
التي قد ضُيِّقتْ علينا، ولْيَبْسُطْ لنا بلادنا، وليخْرِقْ لنا فيها أنهاراً كأنهار الشأم،
وليبعث لنا مَنْ مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قُصيَّ بن كلاب؛ فإنه كان شيخَ
صِدْقٍ فنسألهم عما تقول، أحقُّ هو أم باطل، فإن صدَّقوكَ وصنعتَ ما سألناكَ
صدَّقناك، وعرفنا به منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك رسولاً كما تقول. فقال لهم
صلوات الله عليه وسلامه: ((ما بهذا بُعِثتُ إليكم، إنما جئتُكم من الله تعالى بما بعثني
به وقد بلَّغْتُكم ما أُرسِلْتُ به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظّكم في الدنيا والآخرة، وإنْ
ترُدُّوه عليَّ أصبِرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم)). قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا
فخُذْ لنفسِكَ، سَلْ ربَّكَ أن يبعثَ معك مَلَكاً يُصدِّقُكَ بما تقول، ويُراجعُنا عنك،
واسأله فليجعَلْ لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهبٍ وفضةٍ يُغنيكَ بها عمَّا نراك تبتغي،
فإِنك تقومُ بالأسواق وتلتمِسُ المعاشَ كما نلتمِسُه، حتى نعرِفَ فضلَك ومنزلتَك من
ربِّكَ إن كنت رسولاً كما تزعم. فقال لهم رسول اللـه ﴾: ((ما أنا بفاعلٍ، وما أنا بالذي
يسألُ ربَّه هذا، وما بُعِثتُ بهذا إليكم، ولكنَّ اللهَ بعثني بشيراً ونذيراً - أو كما قال -
فإن تقبلوا مني ما جئتُكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة، وإن ترُدُّوه عليَّ أصبِرْ لأمر
الله حتى يحكم الله بيني وبينكم)) قالوا: فأسْقِطِ السماءَّ علينا كِسَفاً كما زعمتَ أنَّ
ربَّكَ إن شاء فعل؛ فإنَّا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. قال: فقال رسول الله﴾: «ذلك

١٧٤
سورة الإسراء: الآيات ٩٠ - ٩٣
إلى الله عزَّ وجلَّ، إن شاء أن يفعلَه بكم فعل)) قالوا: يا محمد، أفما عَلِمَ ربُّكَ أنَّا
سنجلسُ معك ونسألُك عما سألناك عنه، ونطلبُ منكَ ما نطلب، فيتقدَّمَ إليك فيُعلمَكَ
بما تُراجعُنا به، ويخبرَكَ ما هو صانعٌ في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به؟! إنه قد
بلَغَنا أنك إنما يُعلِّمك هذا رجلٌ من اليمامة يُقال له: الرحمن، وإنَّا واللهِ لا نؤمنُ
بالرحمن أبداً، فقد أعذَرْنا إليك يا محمد، وإنَّا واللهِ لا نتركُكَ وما بلغتَ منا حَتى
نُهلِكَك أو تُهلِكَنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم:
لن نؤمِنَ لكَ حتى تأتي بالله والملائكة قَبِيلاً. فلمَّا قالوا ذلك لرسول اللـه {﴾، قام
عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو
ابن عمته، هو لعاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد، عرضَ عليكَ قومُكَ ما
عرضوا فلم تقبَلْه منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما
تقول، ويُصدِّقوك ويتَّبعوك فلم تفعل! ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلَكَ
عليهم ومنزلتَكَ من الله فلم تفعل! ثم سألوك أن تُعجِّلَ لهم بعضَ ما تُخوّفُهم به من
العذاب فلم تفعل ! - أو كما قال له - فواللهِ لا أُومِنُ بكَ أبداً حتى تتَّخِذَ إلى السماء
سُلَّمَاً، ثم تَرْقَى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصَكِّ معه أربعةٌ من الملائكة
يشهدون لك أنك كما تقول. وَايْمُ اللهِ لو فعلتَ ذلك ما ظننتُ أني أُصَدِّقُكَ! ثم
انصرف عن رسول اللـه 8﴾، وانصرف رسول الله﴾ إلى أهله حزيناً آسِفاً لِما فاتَه مما
كان يطمع به من قومه حين دَعَوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. كلَّه لفظ ابن إسحاق(١).
وذكر الواحديُّ عن عكرمة، عن ابن عباس: فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ
لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾(٢). ﴿يَنْبُوعًا﴾ يعني العيون عن مجاهد(٣). وهي
يَفعول، من نَبَع يَنْبَع(٤). وقرأ عاصم وحمزة والكسائيُّ: (تَفْجُرَ لنا)) مخفَّفة، واختاره
(١) كما في سيرة ابن هشام ١/ ٢٩٥ - ٢٩٨ . وأخرجه الطبري في تفسيره ١٥ / ٨٧ - ٩٠ .
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٣٠٢ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ١٩٣/٤. وأخرجه عنه الطبري ٧٨/١٥، وهو في تفسيره ٣٧٠/١.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٥٩/٣، ومعاني القرآن للنحاس ٦/ ١٦٥.

١٧٥
سورة الإسراء : الآيات ٩٠ - ٩٣
أبو حاتم؛ لأنَّ الينبوع واحد. ولم يختلفوا في ((تُفجِّرَ الأنهار)) أنه مُشدَّد. قال أبو
عبيد: والأُولى مثلها. قال أبو حاتم. ليست مثلها؛ لأنَّ الأُولى بعدها يَنبوعٌ وهو
واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع، والتَّشديد يدلُّ على التكثير(١). أُجيبَ بأنَّ
(يَنبوعا)) وإن كان واحداً فالمراد به الجمع، كما قال مجاهد. الينبوع: عين الماء،
والجمع الينابيع(٢). وقرأ قتادة: ((أو يكونَ لكَ جنة)) (٣). ﴿خِلَلَهَا﴾ أي: وسطها (٤).
﴿أَوْ تُتَقِطَ السَّمَآءَ﴾ قراءة العامة. وقرأ مجاهد: ((أو تَسْقُطَ السماءُ)) على إسناد
الفعل إلى السماء(٥). ﴿كِسَفًا﴾ قِطَعاً. عن ابن عباس وغيره(٦). والكِسَف - بفتح السين -
جمع كِسْفة، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم. الباقون: ((كِسْفاً)) بإسكان
السين(٧). قال الأخفش: من قرأ كسْفاً من السماء جعله واحداً، ومن قرأ كِسَفاً جعله
جمعاً (٨). قال المهدَويُّ: ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع كِسْفة، وجاز أن
يكون مصدراً؛ مِنْ كسفتَ الشيء إذا غطّتَه. فكأنهم قالوا: أسقطها طبقاً علينا(٩).
وقال الجوهرِيّ(١٠): الكِسْفة: القطعة من الشيء؛ يُقال: أعطني كِسْفةً من ثوبك،
والجمع كِسْف وكِسَف. ويقال: الكِسْفُ والكِسْفَةُ واحد. ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ
(١) تفسير الرازي ٢١/ ٥٧ بمعناه. وينظر السبعة ص ٣٨٥، والتيسير ص ١٤١ .
(٢) تهذيب اللغة ٨/٣ .
(٣) لم نقف على من ذكرها سوى المصنف، وهي قراءة شاذة.
(٤) تفسير أبي الليث ٢٨٣/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٥/ ٨٧ .
(٥) القراءات الشاذة ص ٧٧ .
(٦) النكت والعيون ٢٧٣/٣.
(٧) تفسير البغوي ٣/ ١٣٧ . وينظر السبعة ص ٣٨٥، والتيسير ص١٤١.
(٨) نقله عنه الجوهري في الصحاح (كسف).
(٩) المحرر الوجيز ٤٨٥/٣ بمعناه.
(١٠) في الصحاح (كسف).

١٧٦
سورة الإسراء: الآيات ٩٠ - ٩٣
قَبِيلًا﴾ أي: معاينة. عن قتادة وابن جُريج(١). وقال الضحاك وابن عباس: كفيلاً(٢).
قال مقاتل: شهيداً. مجاهد: هو جمع القبيلة؛ أي: بأصناف الملائكة قبيلةً قبيلةٌ(٣).
وقيل: ضمناء يضمنون لنا إتيانك به.
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾ أي: من ذهب. عن ابن عباس وغيره. وأصله
الزينة(٤). والمُزَخْرَف: المُزَيَّن. وزخارف الماء: طرائقه(٥). وقال مجاهد: كنت لا
أدري ما الزُّخْرُف حتى رأيتُه في قراءة ابن مسعود: ((بيتٌ مِن ذَهَبٍ))(٦) أي: نحن لا
ننقاد لك مع هذا الفقر الذي نرى.
﴿أَوْ تَرَى فِىِ السَّمَآءِ﴾ أي: تصعَد(٧)؛ يقال: رَقِيتُ في السُّلَّم أرْقَى رَقْياً ورُقِيًّا إذا
صعِدتُ، وارتقيتُ مثله(٨). ﴿وَلَن تُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ﴾ أي: من أجل رُقيِّك(٩)، وهو مصدر؛
نحو مضی یمضي مُضِيًّا، وهوی یھوي هُوِيًّا، كذلك رقی یرفی رُقِيًّا.
﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَبَا نَقْرَؤُهُ﴾ أي: كتاباً من الله تعالى إلى كلِّ رجلٍ منا؛ كما قال
تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِكَةٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْقَ صُحُفًا مُنَثَّرَةٍ﴾(١٠) [المدثر: ٥٢]. ﴿قُلْ سُبْحَانَ
رَبِّ﴾ وقرأ أهل مكة والشام: ((قال سُبحانَ ربي) يعني النبيَّ ﴾(١١)؛ أي: قال ذلك
(١) النكت والعيون ٢٧٣/٣، وزاد المسير ٨٧/٥ .
(٢) تفسير البغوي ٣/ ١٣٧ عن ابن عباس.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) الصحاح (زخرف).
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٩٥/٤. وأخرجه الطبري ٨٥/١٥، وهي قراءة شاذة.
(٧) زاد المسير ٨٨/٥ .
(٨) الصحاح (رقي).
(٩) مجمع البيان ٩٩/١٥، وتفسير الرازي ٥٨/٢١ .
(١٠) مجمع البيان ١٥/ ٩٩ .
(١١) تفسير البغوي ١٣٧/٣. وينظر السبعة ص ٣٨٥، والتيسير ص١٤١.

١٧٧
سورة الإسراء : الآيات ٩٠ - ٩٤
تنزيهاً لله عزَّ وجلَّ عن أن يعجِزَ عن شيءٍ وعن أن يُعترَضَ عليه في فعل. وقيل: هذا
كلُّه تعجّبٌ عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. الباقون ((قل)) على الأمر؛ أي: قل لهم يا
محمد ﴿هَلْ كُنْتُ﴾ أي: ما أنا ﴿إِلَّا بَشَرَا رَّسُولًا﴾(١) أنَّبع ما يوحى إليَّ من ربِّي،
ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحداً من
البشر أتى بهذه الآيات؟! وقال بعض الملحدين: ليس هذا جواباً مُقنِعاً، وغَلِطوا؛
لأنه أجابهم فقال: إنما أنا بشرٌ لا أقدر على شيءٍ مما سألتموني، وليس لي أن أتخيَّر
على ربي، ولم تكن الرسل قَبْلي يأتون أممَهم بكلِّ ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي
سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالّة على صحة نبوّتهم، فإذا
أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن
يأتيهم بكلِّ ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل،
ولوجب لكلِّ إنسانٍ أن يقول: لا أُومِنُ حتى أُوتِىَ بآيةٍ خلاف ما طلب غيري. وهذا
يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس. وإنما التدبير إلى الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اَللَّهُ
٩٤
﴾
بَشَرًا رَّسُولًا
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ الْهُدَى﴾ يعني الرسل والكتب من
عند الله بالدعاء إليه. ﴿إِلَّ أَنْ قَالُوا﴾ جهلاً منهم (٢): ﴿أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: الله
أجَلُّ من أن يكون رسولُه من البشر (٣). فبيَّن الله تعالى فَرْطَ عنادهم؛ لأنهم قالوا :
أنت مثلنا فلا يلزمنا الانقياد، وغفلوا عن المعجزة. فـ ((أَنْ)) الأُولى في محلِّ نصبٍ
بإسقاط حرف الخفض. و((أنْ)) الثانية في محلِّ رفع بـ ((منع)) أي: وما منع الناسَ من أن
يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا قولهم: أبعَثَ اللهُ بشراً رسولاً (٤).
(١) المصادر السابقة.
(٢) تفسير الطبري ١٥/ ٩١ .
(٣) الوسيط للواحدي ١٢٩/٣.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٦١/٣ .

١٧٨
سورة الإسراء: الآيات ٩٥ - ٩٧
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَغَزَّلْنَا عَلَيْهِم
٩٥
مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا
أعلمَ اللهُ تعالى أنَّ المَلَك إنما يُرسَلُ إلى الملائكة؛ لأنه لو أرسل ملكاً إلى
الآدميِّين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خُلِقَ عليها، وإنما أقدَرَ الأنبياءَ على ذلك
وخَلقَ فيهم ما يقدرون به؛ ليكون ذلك آيةً لهم ومعجزة(١). وقد تقدَّم في ((الأنعام))
نظيرُ هذه الآية، وهو قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ وَلَوْ أَنَزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا
يُظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾ وقد تقدَّم الكلام فيه(٢).
قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبيرًا
٩٦
بَصِیرًا
يُروى أنَّ كفار قريشٍ قالوا حين سمعوا قولَه: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا زَّسُولًا﴾: فمن
يشهد لكَ أنك رسولُ الله؟ فنزل: ﴿قُلْ كَفَى بِالَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ
بِعِبَادِهِ خَيْرًا بَصِيرً﴾(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونٌِ
وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْمًا وَصُمَّا مَّأْوَنَهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَتْ
زِدْنَهُمْ سَعِيرًا
(٩٧)
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ﴾ أي: لو هداهم الله لاهتدوا. ﴿وَمَنْ
يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لمَمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾ أي: لا يهدیهم أحد.
﴿ وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما - أنَّ ذلك عبارةٌ عن
الإسراع بهم إلى جهنم؛ من قول العرب: قَدِم القوم على وجوههم إذا أسرعوا. الثاني -
(١) قاله الطبرسي في مجمع البيان ١٥/ ١٠١ بمعناه.
(٢) ٣٢٧/٨ - ٣٢٨.
(٣) تفسير أبي الليث ٢٨٤/٣، وفيه أن ذلك بعد أن سمعوا قوله: ((لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً)).

١٧٩
سورة الإسراء: الآية ٩٧
أنهم يُسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كما يُفعل في الدنيا بمن يُبالَغ في
هَوانه وتعذيبه(١). وهذا هو الصحيح؛ لحديث أنسٍ أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله،
الذين يُحشرون على وجوههم، أيُحشَرُ الكافرُ على وجهه؟ قال رسول الله ﴾: ((أليسَ
الذي أمشاه على الرجلين قادراً على أن يُمْشِيَه على وجهه يوم القيامة؟». قال قتادة
حين بلغه: بَلَى وعِزَّةِ رَبِّنا. أخرجه البخاريُّ ومسلم(٢). وحسبُكَ.
﴿عُمْيَا وَبُكْمًا وَصُمًا﴾ قال ابن عباس والحسن: أي: عُمْيٌ عمَّا يسُرُّهم، بُكْمِّ عن
التكلم بحجة، صُمُّ عما ينفعهم. وعلى هذا القول حواسُهم باقيةٌ على ما كانت عليه.
وقيل: إنهم يُحشرون على الصفة التي وصفَهم الله بها؛ ليكون ذلك زيادةً في
عذابهم، ثم يخلق ذلك لهم في النار، فأبصروا؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ
فَظَنُّوَاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] وتكلموا؛ لقوله تعالى: ﴿رَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾
[الفرقان: ١٣]، وسمعوا؛ لقوله تعالى: ﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. وقال
مقاتل بن سليمان: إذا قيل لهم: ((إِحْسَنُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ)) [المؤمنون: ١٠٨] صاروا
عُمْياً لا يبصرون، صُمَّا لا يسمعون، بُكْماً لا يفقهون(٣). وقيل: عموا حين دخلوا
النار لشدّة سوادها، وانقطع كلامهم حين قيل لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلِّمون. وذهب
الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا شيئاً.
﴿مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمْ﴾ أي: مستقرُّهم ومقامهم. ﴿ككُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: سكنت، عن
الضحاك. وغيره. مجاهد: طَفِئت(٤): يقال: خبَتِ النارُ تخبو خبواً، أي: طَفِئت،
وأخبيتُها أنا(٥). ﴿زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ أي: ناراً تتلقَّب(٦). وسكونُ التهابِها من غير نقصانٍ
(١) النكت والعيون ٢٧٤/٣ - ٢٧٥ .
(٢) صحيح البخاري (٤٧٦٠)، وصحيح مسلم (٢٨٠٦).
(٣) النكت والعيون ٢٧٥/٣ .
(٤) النكت والعيون ٢٧٥/٣. وقول الضحاك أخرجه الطبري ٩٦/١٥، وأخرجه أيضاً ٩٥/١٥ عن ابن
عباس ومجاهد.
(٥) الصحاح (خبا).
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٩٨/٤، وزاد المسير ٩١/٥ .

١٨٠
سورة الإسراء: الآيات ٩٧ - ١٠٠
في آلامهم ولا تخفيفٍ عنهم من عذابهم(١). وقيل: إذا أرادت أن تَخْبُو. كقوله: ﴿وَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ [الآية ٤٥ من هذه السورة].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِعَايَتِنَا وَقَالُواْ أَهِذَا كُنَا عِظَمًا وَرُفَلْنَا أَمِنَا
لَمَبْعُوثُونَ خَلْقَا جَدِيدًا ﴿﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى
أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّا لََّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا
٩٩٦
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بَِايَئِنَا﴾ أي: ذلك العذاب جزاءُ كفرهم.
﴿وَقَالُواْ أَِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَا﴾ أي: تراباً(٢). ﴿أَوِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ فأنكروا البعث
فأجابهم الله تعالى فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُّ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجْلًا لََّ رَيْبَ فِيهِ﴾ قيل: في الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: أو لم
يروا أنَّ الله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل لهم أجلاً لا ريبَ فيه قادرٌ على
أن يخلق مثلهم. والأجل: مدَّة قيامهم في الدنيا ثم موتهم، وذلك ما لا شكَّ فيه إذ هو
مشاهد. وقيل: هو جواب قولهم: ﴿أَوْ تُتْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًّا﴾. وقيل:
هو يوم القيامة.
﴿فَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ أي المشركون إلا جحوداً بذلك الأجل وبآيات الله.
وقيل: ذلك الأجل هو وقت البعث(٣)، ولا ينبغي أن يُشَكَّ فيه.
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشَْةَ الْإِنفَاقِ
وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَّآيِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ﴾ أي: خزائن الأرزاق. وقيل:
خزائن النِّعم، وهذا أعَمُّ (٤). ﴿إِذَّا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنِفَائِ﴾ من البخل، وهو جواب
(١) النكت والعيون ٢٧٥/٣ .
(٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٣٧٥ بمعناه.
(٣) الوسيط للواحدي ٣/ ١٣٠.
(٤) النكت والعيون ٢٧٦/٣ .