Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة الإسراء: الآيات ١٣ - ١٥
على الفعل المجهول(١)، ومعناه: ويُخرِجُ له الطائرُ كتاباً. الباقون: ((ونُخرِجُ)) بنوٍ
مضمومةٍ وكسرِ الراء، أي: ونحن نخرج. واحتجَّ أبو عمرو في هذه القراءة بقوله:
((ألزمناه)).
وقرأ أبو جعفر والحسن وابن عامر ((يُلَقَّاه)) بضمِّ الياء وفتح اللام وتشديد القاف(٢)،
بمعنى: يؤتاه(٣). الباقون: بفتح الياء خفيفة، أي: يراه منشوراً. وقال: ((منشوراً)):
تعجيلاً للبشرى بالحسنة والتوبيخ بالسيئة(٤). وقال أبو السَّوَّار العدوي(٥) وقرأ هذه
الآية: ﴿وَكُلَّ إِنسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهٍ﴾ قال: هما نشرتانَ وَطَيَّة، أما ما حييتَ يا
بن آدم فصحيفتُكَ المنشورةُ فَأَمْلِ فيها ما شئت، فإذا متَّ طُوِيتْ حتى إذا بُعِثْتَ
نُشِرَتْ(٦). ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ﴾ قال الحسن: يقرأ الإنسانُ كتابَه أُمِّيَّا كان أو غير أُمِّيِّ(٧).
﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَّوْمَ عَلَيْكَ حَبِيبًا﴾ أي: محاسباً (٨). وقال بعض الصلحاء: هذا كتابٌ،
لسانُك قلمُه، ورِيقُك مِدادُه، وأعضاؤك قرطاسُه، أنتَ كنتَ المُمْلي على حَفَظتِكَ، ما
زِيد فيه ولا نُقِصَ منه، ومتى أنكرتَ منه شيئاً يكون فيه الشاهد منكَ عليكَ.
قوله تعالى: ﴿َمَّنِ آَهْتَدَىْ فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
قوله تعالى: ﴿مَّنِ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: إنما كلُّ
(١) زاد المسير ١٦/٥، والنشر ٣٠٦/٢ عن أبي جعفر، وهي من العشرة.
(٢) السبعة ص٣٧٨، والتيسير ص١٣٩ عن ابن عامر، والنشر ٣٠٦/٢ عن أبي جعفر وابن عامر،
والمحرر الوجيز ٤٤٣/٣ عن ابن عامر والحسن.
(٣) تفسير البغوي ١٠٨/٣ .
(٤) النكت والعيون ٢٣٣/٣ .
(٥) البصري، وقد اختلف في اسمه، فقيل: حسان بن حريث، وقيل: حريث بن حسان، وقيل غير ذلك،
وهو من التابعين الثقات، وله روايةٌ في الصحيحين. تهذيب التهذيب ٤/ ٥٣٥.
(٦) أخرجه أحمد في الزهد ص ٣٨٣، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٥٠.
(٧) الوسيط ١٠٠/٣، وزاد المسير ١٦/٥.
(٨) تفسير أبي الليث ٢٦٢/٢، وزاد المسير ١٦/٥.

٤٢
سورة الإسراء: الآية ١٥
أحدٍ يُحاسَبُ عن نفسه لا عن غيره، فمن اهتدى فثوابُ اهتدائه له، ومن ضلَّ فعقابُ
كفره عليه(١).
﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ تقدَّم في الأنعام(٢). وقال ابن عباس: نزلت في الوليد
ابن المغيرة، قال لأهل مكة: اتبعونِ واكفروا بمحمدٍ وعليَّ أوزاركم، فنزلت هذه
الآية، أي: إن الوليد لا يحمِلُ آتامَكم، وإنما إثمُ كلِّ واحدٍ عليه(٣). يُقال: وَزَرَ يزِر
وِزْراً ووِزْرَةً، أي: أثِم(٤). والوِزْر: الثّقْل المثقِل والجمع أوزار، ومنه: ﴿يَحْمِلُونَ
أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] أي: أثقال ذنوبهم(٥). وقد وَزَر إذا حَمَل فهو وازر؛
ومنه وزير السلطان الذي يحمل ثِقْل دولته(٦). والهاء في قوله كناية عن النفس، أي:
لا تؤخَذُ نفسٌ آئمةٌ بإثم أخرى(٧)، حتى إنَّ الوالدة تَلْقَى ولدَها يوم القيامة فتقول: یا
بنيَّ، ألم يكن حَجْري لكَ وِطاءً؟ ألم يكن ثديي لكَ سِقاءً؟ ألم يكن بطني لكَ وعاءً؟
فيقول: بلى يا أمَّ، فتقول: يا بنيَّ، فإن ذنوبي أثقلَتْني فاحمِلْ عني منها ذنباً واحداً.
فيقول: إليكِ عني يا أمَّهْ، فإني بذنبي عنكِ اليومَ مشغول(٨).
مسألة: نزعت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية في الردِّ على ابن عمر حيث قال:
((إنَّ الميتَ لَيُعَذَّبُ ببكاءِ أهله))(٩). قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنه لم
تسمعه، وأنه معارِضٌ للآية. ولا وجه لإِنكارها، فإنَّ الرُّواةَ لهذا المعنى كثير، كعمر
(١) الوسيط ١٠٠/٣، والمحرر الوجيز ٤٤٣/٣، وزاد المسير ١٦/٥.
(٢) ٩ / ١٤٥ - ١٤٧ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٤٣/٣، وسبب النزول في الوسيط ١٠٠/٣، وزاد المسير ١٦/٥.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٣١/٣.
(٥) ينظر ما تقدم ٣٥٩/٨ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٤٣/٣ .
(٧) ينظر مجاز القرآن ٣٧٢/١ .
(٨) سيورده المؤلف من كلام الفضيل بن عياض عند تفسير الآية (١٨) من سورة فاطر.
(٩) المحرر الوجيز ٤٤٣/٣، وقول ابن عمر إنما هو مرفوعٌ إلى النبي # كما أخرجه أحمد (٤٩٥٩)،
والبخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٧): (١٦).
:

٤٣
سورة الإسراء: الآية ١٥
وابنه والمغيرة بن شعبة وقَيْلة بنت مخرمة(١)، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه
لتخطِئتهم، ولا معارضَةَ بين الآية والحديث؛ فإن الحديث مَحمَلُه على ما إذا كان
النوح من وصيّةِ الميت وسُنَّته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طَرَفة :
وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا بنتَ مَعْبَدٍ(٢)
إذا مِتُّ فانعيني بما أنا أهلُهُ
وقال آخر(٣):
إلى الحَوْلِ ثمَّ اسمُ السلام عليكما ومن يَبْكِ حولاً كاملاً فقدِ اعتذَرْ (٤)
وإلى هذا نحا البخاري(٥). وقد ذهب جماعةٌ من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد
ظاهر الحديث، وأنه إنما يُعذّب بنَوْحِهم؛ لأنه أهملَ نهيَهم عنه قبل موته وتأديبهم
بذلك، فيُعذّب بتفريطه في ذلك، وبترك ما أمره الله به من قوله: ﴿قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهِيَكُنْ
نَارًا﴾ [التحريم: ٦] لا بذنبٍ غيرِه، والله أعلم (٦).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أي: لم نتركِ الخلقَ سُدّى، بل
أرسلنا الرسل. وفي هذا دليلٌ على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافاً للمعتزلة
القائلين بأن العقل يُقبِّحُ ويُحسِّنُ ويُبيحُ ويُحظّر. وقد تقدَّم في البقرة القول فيه(٧).
والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا، أي: أنَّ الله لا يُهلك أمةً بعذابٍ إلا بعد
الرسالة إليهم والإنذار. وقالت فرقة: هذا عامٌّ في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى:
(١) حديث عمر أخرجه أحمد (١٨٠)، والبخاري (١٢٨٧)، ومسلم (٩٢٧). وحديث ابن عمر ذكره
المؤلف. وحديث المغيرة أخرجه أحمد (١٨١٤٠)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٩٣٣). وحديث قيلة
أخرجه ابن سعد ٢٣٠/١ في حديث طويل.
(٢) ينظر إكمال المعلم للقاضي عياض ٣/ ٣٧٠ - ٣٧١، والبيت في ديوان طرفة ص٣٩ .
(٣) كلمة ((آخر)) من (ظ)، وهي ليست في باقي النسخ.
(٤) قائله لبيد، وهو في ديوانه ص٧٩. ونُسب في خزانة الأدب ٣٤٢/٤ إلى زوجة الحسن بن الحسن بن
علي، وإلى أرطاة بن سُهيَّة المري.
(٥) فقال بعد الحديث (١٢٨٢): باب قول النبي ﴾: ((يُعذّب الميت ببعض بكاء أهله عليه)) إذا كان النوح
من سنته.
(٦) إكمال المعلم ٣/ ٣٧٢ .
(٧) ٣٧٧/١ - ٣٧٨.

٤٤
سورة الإسراء: الآيتان ١٥ - ١٦
﴿كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَُهَا أَلَمْ بَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَ قَدْ جَمَنَا﴾ [الملك: ٨-٩]. قال ابن
عطية(١): والذي يعطيه النظرُ أنَّ بِعثةَ آدَمَ عليه السلام بالتوحيد وبَتُ المعتقدات في
بنيه مع نصب الأدلَّة الدالّة على الصانع مع سلامة الفِطَر توجِبُ على كلِّ أحدٍ من
العالَم الإيمانَ واتباعَ شريعة الله، ثم تجدَّد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق
الكفار، وهذه الآيةُ أيضاً يُعطي احتمالُ ألفاظها نحوَ هذا في الذين لم تصِلْهم رسالة،
وهم أهل الفَتَرات الذين قد قدَّرَ وجودَهم بعضُ أهل العلم، وأما ما رُويَ من أنَّ اللـه
تعالى يبعثُ إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديثٌ لم يصِحَّ، ولا يقتضي
ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف.
قال المهدوِيُّ: ورُوي عن أبي هريرة أنَّ الله عزَّ وجلَّ يبعثُ يومَ القيامة رسولاً
إلى أهل الفترة والأبكم والأخرس والأصمِّ، فيُطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في
الدنيا، وتلا الآية. رواه معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة. ذكره
(٢)
النحاس(٢).
قلت: هذا موقوف، وسيأتي مرفوعاً في آخر سورة طه (٣) إن شاء الله تعالى، ولا
يصِحُ. وقد استدلَّ قومٌ في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف
عليهم فيما مضى، وهذا صحيح، ومن لم تبلُغْه الدعوةُ فهو غيرُ مستحِقٌّ للعذاب من
جهة العقل، والله أعلم (٤).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
١٦)
فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا
فيه ثلاث مسائل :
(١) في المحرر الوجيز ٣/ ٤٤٤ .
(٢) في معاني القرآن ١/ ١٣٢، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٧٤/١ عن معمر، به.
(٣) عند تفسير الآية (١٣٤)، وينظر الكلام عليه هناك.
(٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٢٥٢ .

٤٥
سورة الإسراء: الآية ١٦
الأولى: أخبر الله تعالى في الآية التي قبلُ أنه لم يُهلكِ القرى قبل ابتعاث
الرسل، لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل، ولكنه وعدٌ منه، ولا خُلْفَ في وعده، فإذا
أراد إهلاك قريةٍ مع تحقيق وعدِه على ما قاله تعالى أمرَ مترفيها بالفِسق والظلم فيها،
فحقَّ عليها القولُ بالتدمير. يُعلِمُكَ أنَّ من هلكَ فإنما هلكَ بإرادته، فهو الذي يسببُ
الأسبابَ ويسوقُها إلى غاياتها، ليَحُقَّ القولُ السابقُ من الله تعالى(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَمْنَا﴾ قرأ أبو عثمان النَّهْدِيُّ وأبو رجاء وأبو العالية
والربيع ومجاهد والحسن: ((أمَّرْنا)) بالتشديد، وهي قراءة عليٍّ ﴾(٢)، أي: سلَّطنا
شرارها فعصَوْا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم(٣). وقال أبو عثمان النهدِيُّ: ((أمَّرْنا))
بتشديد الميم: جعلناهم أمراء مسلَّطين(٤). وقاله ابن عَزيز(٥). وتأمَّر عليهم: تسلّط
عليهم (٦). وقرأ الحسن أيضاً وقتادة وأبو خَيْوة الشامي ويعقوب، وخارجة عن نافع،
وحماد بن سَلَمة عن ابن كَثير، وعليٍّ وابنُ عباس باختلافٍ عنهما ((آمرنا)» بالمدِّ
والتخفيف (٧)، أي: أكثَرْنا جبابرتَها وأُمراءها. قاله الكسائي(٨). وقال أبو عبيدة: آمرته
بالمد وأمرته، لغتان بمعنى كثَّرته؛ ومنه الحديث ((خير المال مُهْرَةٌ مأمُورة، أو سِكَّةٌ
مأبورة)) أي: كثيرة النِّتاج والنَّسل(٩). وكذلك قال ابن عزيز: آمرنا وأمرنا بمعنَى
واحد، أي: أكثرنا (١٠). وعن الحسن أيضاً ويحيى بن يَعْمَر: ((أمِرْنا)) بالقصر وكسر
(١) المصدر السابق.
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٣٣/٤، والمحتسب ١٦/٢، والمحرر الوجيز ٤٤٤/٣، وهي قراءة شاذة.
(٣) أخرجه الطبري ٥٢٩/١٤، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٢٣) من قول ابن عباس
(٤) النكت والعيون ٢٣٥/٣ .
(٥) في نزهة القلوب ص٨٣ .
(٦) الصحاح (أمر).
(٧) تفسير البغوي ١٠٩/٣، وزاد المسير ١٩/٥، والنشر ٣٠٦/٢، وقراءة يعقوب من العشرة.
(٨) وقاله أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢٦٣/٢ .
(٩) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٧٣/١ بمعناه، والحديث سلف ١٢/ ١٣٤.
(١٠) نزهة القلوب ص ٨٣ .

٤٦
سورة الإسراء: الآية ١٦
الميم على فَعِلنا، ورُويَتْ عن ابن عباس(١) قال قتادة والحسن: المعنى: أكثرنا،
وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد، وأنكره الكسائي وقال: لا يُقال من الكثرة إلا آمرنا
بالمد. قال: وأصلها ((أأمرنا)) فخفف، حكاه المهدويّ(٢). وفي ((الصحاح)): وقال أبو
الحسن: أَمِر مالُه (بالكسر) أي: كثر. وأَمِرَ القومُ، أي: كَثُروا؛ قال الشاعر:
أَمِرونَ لا يَرِثونِ سَهْمَ القُعْدُدِ
وآمَرَ اللهُ مالَه (بالمد)(٣). الثعلبي: ويُقال للشيء الكثير: أَمِرٌ، الفعل منه: أمِرَ
القومُ يأمَرون أمراً إذا كثروا. قال ابن مسعود: كنَّا نقول في الجاهلية للحيِّ إذا كَثُروا:
أَمِرَ امْرُ بني فلان؛ قال لَبید :
قُلٌّ وإن أكثرَتْ من العددِ
كلُّ بني حُرَّةٍ مَصيرُهُمُ
يوماً يصيروا للهُلْكِ والشَّكَدِ (٤)
إن يُغْبَطُوا يَهْبِطُوا وإن أَمِرُوا
قلت: وفي حديث هِرَقلِ الحديثِ الصحيح: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابنٍ أبي كبشة، إنه
ليخافه مَلِكُ بني الأصفر(٥). أي: كثُرَ. وكلُّه غير متعدٍّ، ولذلك أنكره الكسائي، والله
أعلم. قال المهدوي: ومن قرأ: ((أَمِرَ)) فهي لغة، ووجه تعدية ((أمِرَ)) أنه شبَّهه بِعَمِرَ من
حيث كانت الكثرةُ أقربَ شيءٍ إلى العمارة، فعدَّى كما عدَّى عَمِرَ.
الباقون: ((أَمَرْنا)) من الأمر؛ أي: أمرناهم بالطاعة (٦) إعذاراً وإنذاراً وتخويفاً
ووعيداً . ﴿فَفَسَقُواْ﴾ أي: فخرجوا عن الطاعة عاصين لنا. ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: فوجب
(١) معاني القرآن للنحاس ١٣٣/٤، والقراءات الشاذة ص٧٥، والمحتسب ١٦/٢ .
(٢) ينظر معاني القرآن للنحاس ١٣٥/٤.
(٣) الصحاح (أمر)، وصدر البيت: طرفون ولّا دون كل مبارك، وقائله الأعشى كما في الصحاح واللسان
(أمر). والقعدد: القليل الآباء إلى الجد الأكبر. اللسان (قعد).
(٤) مجاز القرآن ٣٧٢/١ - ٣٧٣، وتفسير الطبري ٥٣١/١٤ - ٥٣٢، وتهذيب اللغة ٢٩١/١٥ - ٢٩٢،
والبيتان في دیوان لبيد ص ٥٠ .
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٧٠)، والبخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣) وهو من كلام أبي سفيان لأصحابه.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢٣١/٣، والمحرر الوجيز ٤٤٤/٣ .

٤٧
سورة الإسراء: الآية ١٦
عليها الوعيد. عن ابن عباس(١). وقيل: ((أَمَرْنا)) جعلناهم أمراء؛ لأن العرب تقول:
أمير غير مأمور (٢)، أي: غير مؤمر. وقيل: معناه: بعثنا مستكبريها؛ قال هارون:
وهي قراءة أبيٍّ: ((بعثنا أكابِرَ مُجرميها ففسقوا)) ذكره الماورديّ(٣). وحكى النحاس:
وقال هارون في قراءة أُبَيِّ: ((وإذا أردنا أن نُهلِكَ قريةً بعثنا فيها أكابِرَ مُجرميها فمكروا
فيها فحقَّ عليها القول))(٤).
ويجوز أن يكون «أمرنا)» بمعنى أكثرنا؛ ومنه: ((خير المال مُهْرَةٌ مأمورة)) على ما
تقدَّم.
وقال قوم: مأمورةٌ اتباع لمأبورة؛ كالغدايا والعشايا(٥)، وكقوله: ((إِرْجِعْنَ
مأزوراتٍ غيرَ مأجورات))(٦). وعلى هذا لا يُقال: أمَرهم الله، بمعنى كثرهم، بل
يُقال: آمره وأمره. واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة(٧). قال أبو عبيد: وإنما
اخترنا ((أمرنا)) لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها من الأمر والإِمارة والكثرة(٨).
والمُتْرَف: المُنْعَّم؛ وخُصّوا بالأمر لأنَّ غيرَهم تَبَعٌ لهم(٩).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَدَقَّرْنَهَا﴾ أي: استأصلناها بالهلاك(١٠). ﴿تَدْمِيرًا﴾ ذكر
المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم. وفي الصحيح من حديث زينب بنت جحش
زوج النبيِّ# قالت: خرجَ رسولُ الله ◌ِ﴾ يوماً فَزِعاً مُحْمَرًّا وجهُه يقول: ((لا إله إلا
الله، ويُلٌ للعرب من شَرِّ قد اقترب، فُتِحَ اليومَ من رَدْمِ يأجوج ومأجوجَ مثلُ هذه»
(١) ينظر الوسيط ١٠١/٣، ومجمع البيان ٣٠/١٥.
(٢) تفسير الطبري ١٤ / ٥٢٨ .
(٣) في النكت والعيون ٢٣٥/٣ وهي قراءة شاذة.
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٣٧/٤، وهي قراءة شاذة أيضاً.
(٥) مجمع البيان ٢٩/١٥ .
(٦) ينظر تفسير الطبري ٥٢٨/١٤، وتهذيب اللغة ٢٩٢/١٥. والحديث سلف ٤٩/٦.
(٧) وكذلك الطبري في تفسيره ٤/ ٥٣٢ .
(٨) نقله عنه البغوي ١٠٩/٣ لكن وقع في مطبوعه: أبو عبيدة.
(٩) الوجيز على هامش مراح لبيد ٤٧٥/١، وزاد المسير ١٩/٥.
(١٠) الوسيط ١٠١/٣.

٤٨
سورة الإسراء: الآيات ١٦ - ١٩
وحلَّق بأصبعِه الإبهام والتي تليها. قالت: فقلتُ: يا رسول الله، أنَهلِكُ وفينا
الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كَثُرَ الخبث)). وقد تقدَّم الكلام في هذا الباب(١)، وأنَّ
المعاصي إذا ظهرتْ ولم تُغيَّرْ كانت سبباً لهلاك الجميع، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِّكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَيًّا
بَصِيرًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوْجٌ﴾ أي: كم من قومٍ كفروا حلَّ بهم
البَوار. يخوِّف كفَّار مكة(٢). وقد تقدَّم القول في القرون في أوّل سورة الأنعام(٣)،
والحمد لله. ﴿وَكَفَى بِّكَ بِذُنُبٍ عِبَادِهِهِ خَيْا بَصِيرًا﴾ ((خبيراً)): عليماً بهم. ((بَصِيراً)): يُبصر
أعمالهم. وقد تقدّم(٤).
قوله تعالى: ﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ
جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا (٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿مِّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ يعني الدنيا، والمراد: الدارُ العاجلة، فعبَّرَ
بالنعت عن المنعوت. ﴿عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدٌ﴾ أي: لم نُعطِه منها إلا ما
نشاء، ثم نؤاخذه بعمله، وعاقبتُه دخولُ النار(٥). ﴿مَذْمُومًا مَّدْخُورًا﴾ أي: مُطرَداً مُبعَداً
من رحمة الله(٦). وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المُداجين، يلبسون
الإسلام والطاعة؛ لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يُقبَلُ ذلك العملُ منهم
(١) ٩ / ٤٨٧ .
(٢) الوسيط ٣/ ١٠١.
(٣) ٣٢٤/٨ - ٣٢٥.
(٤) ٣٣٦/٨ معنى الخبير، و٢٦١/٢ معنى البصير.
(٥) زاد المسير ٢٠/٥.
(٦) الوسيط ١٠١/٣، وتفسير البغوي ١٠٩/٣.

٤٩
سورة الإسراء: الآيات ١٨ - ٢٢
في الآخرة، ولا يُعطَون في الدنيا إلا ما قُسم لهم. وقد تقدَّم في ((هود))(١) أنَّ هذه
الآية تُقيِّدُ تلك الآيات المُطلَقة، فتأمَّلْه.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ﴾ أي: الدار الآخرة. ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: عمِلَ لها عملَها
من الطاعات. ﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ لأن الطاعات لا تُقبَلُ إلا من مؤمن. ﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ
سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ أي: مقبولاً غير مردود(٢). وقيل: مضاعفاً (٣)؛ أي: تُضاعف لهم
الحسنات إلى عشر، وإلى سبعين، وإلى سبع مئة ضعف، وإلى أضعافٍ كثيرة؛ كما
رُوي عن أبي هريرة وقد قيل له: أسمعتَ رسولَ الله ﴾ يقول: ((إنَّ الله لَيَجْزي على
الحسنة الواحدة ألفَ ألفِ حسنة))؟ فقال سمعته يقول: ((إنَّ الله ليَجْزي على الحسنة
الواحدة ألفَي ألفِ حسنة)) (٤).
قوله تعالى: ﴿كُلَّا تُّمِدُ هَؤُلَاءٍ وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءٍ رَيَِّكُ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا
﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
لَّا تَجْعَلْ مَعَ الَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَنَقْعُدَ مَذْمُومًا تَخْذُولًا
قوله تعالى: ﴿كُلَّا تُّمِدُ هَؤُلاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَيٌِّ﴾ أعلمَ اللهُ تعالى أنه یرزق
المؤمنين والكافرين(٥). ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ تَخْظُورًا﴾ أي: محبوساً ممنوعاً؛ من حَظَر
يَحْظُر حَظْراً وحِظاراً (٦).
ثم قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍّ﴾ في الرزق والعمل؛ فمِنْ مُقِلٌ
ومكثر (٧). ﴿وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبِرُ نَّفْضِيلًا﴾ أي: للمؤمنين؛ فالكافر وإن وُسِّعَ
(١) ٨٥/١١ - ٨٦ .
(٢) زاد المسير ٢٠/٥ .
(٣) الوسيط ١٠١/٣.
(٤) لم نقف عليه.
(٥) نقله في الوسيط ١٠١/١ - ١٠٢ عن الزجاج، ولفظ الجلالة أثبتت من (ظ)، والوسيط.
(٦) الوسيط ١٠٢/١.
(٧) زاد المسير ٢١/٥ .

٥٠
سورة الإسراء: الآيات ٢٠ - ٢٤
عليه في الدنيا مرة، وقُتِّر على المؤمن مَرَّةً، فالآخرة لا تُقسم إلا مرةً واحدةً
بأعمالهم، فمن فاته شيءٌ منها لم يستدرِكُه فیھا.
وقوله: ﴿لَّا تَّجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الخطاب للنبي ﴾، والمراد أمته (١). وقيل:
الخطاب للإنسان(٢). ﴿فَنَفْعُدَ﴾ أي: تبقى(٣). ﴿مَذْمُومًا تَّخْذُولًا﴾ لا ناصرَ لكَ ولا
وَلِيًّا (٤).
قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلََّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندََ
اُلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَ تَقُل لَُّمَا أُنِي وَلَ نَهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا
كَرِيمًا (٣) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبَِّانِ
(٢٤)
صَغِيرًا
فيه ستّ عشرة مسألة:
الأولى: ﴿قَضَى﴾ أي: أمرَ وألزمَ وأوجب(٥). قال ابن عباس والحسن وقتادة:
وليس هذا قضاء حُكُم، بل هو قضاء أمر(٦). وفي مصحف ابن مسعود: ((ووصَّى))
وهي قراءة أصحابه وقراءةُ ابنِ عباس أيضاً وعليٍّ وغيرهما، وكذلك عند أُبَيِّ بن
كعب(٧). قال ابن عباس: إنما هو ((ووصَّى ربُّكَ)) فالتصقت إحدى الواوين فقُرِئتْ:
((وقضى ربك)) إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحدٌ(٨). وقال الضحاك: تصحّفت
(١) الوسيط ١٠٢/٣، والمحرر الوجيز ٤٤٧/٣، وزاد المسير ٢١/٥.
(٢) الوجيز على هامش مراح لبيد ٤٧٦/١، ومجمع البيان ٣/١٥.
(٣) تفسير أبي الليث ٢٦٤/٢ .
(٤) الوسيط ١٠٢/٣، وزاد المسير ٢١/٥، ومجمع البيان ٣/١٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٤٤٧/٣ .
(٦) ينظر النكت والعيون ٢٣٧/٣، ومجمع البيان ٣٦/١٥ .
(٧) المحرر الوجيز ٤٤٧/٣، وعنده ((النخعي)) بدل ((علي))، لكن الرازي نقل هذه القراءة في تفسيره ٢٠/
١٨٤ عن علي، وهي قراءة شاذة.
(٨) تفسير الرازي ٢٠/ ١٨٤.

٥١
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
على قومِ ((وصى بقضى)) حين اختلطتِ الواوُ بالصادِ وقْتَ كَتْبِ المصحف. وذكر أبو
حاتم عن ابن عباس مثلَ قول الضحاك. وقال عن ميمون بن مهران أنه قال: إنَّ على
قول ابن عباس لنوراً؛ قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَأَلَّذِىّ
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابنُ عباس قال ذلك، وقال:
لو قلنا هذا لطعَنَ الزنادقةُ في مصحفنا(١). ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم:
القضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى
رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق، كقوله: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ
سَمََاتٍ فِى يَوْمَيْنٍ﴾ [فصلت: ١٢] يعني: خلقهن. والقضاء بمعنى الحكم، كقوله تعالى:
﴿فَقْضِ مَآ أَنَتَ قَاضٌٍ﴾ [طه: ٧٢] يعني: احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ،
كقوله: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسَّنَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] أي: فُرِغَ منه، ومنه قوله تعالى:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ تَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾
[الجمعة:١٠]. والقضاء بمعنى الإرادة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧]. والقضاء بمعنى العهد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ
إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾(٢) [القصص: ٤٤].
فإذا كان القضاء يَحتمِلُ هذه المعاني فلا يجوز إطلاقُ القول بأنَّ المعاصي بقضاء
الله؛ لأنه إن أُريدَ به الأمرُ فلا خلافَ أنه لا يجوز ذلك؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمرُ بها،
فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجلٌ إلى الحسن فقال: إنَّه طلَّقَ
امرأتَه ثلاثاً. فقال: إنك قد عصيتَ ربَّكَ وبانَتْ منك زوجتُك. فقال الرجل: قضى اللهُ
ذلك عليَّ. فقال الحسن وكان فصيحاً: ما قضى اللهُ ذلك. أي: ما أمرَ اللهُ به، وقرأ
هذه الآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِنَّهُ﴾ (٣).
(١) المحرر الوجيز ٤٤٧/٣ .
(٢) ينظر معنى القضاء في مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص ٦٧٤ - ٦٧٥ .
(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٤٢، وكلمة ((زوجتك)) أثبتت منه ومن نسخة (ظ).

٥٢
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
الثانية: أمر اللهُ سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل بِرَّ الوالدين مقروناً بذلك، كما
قَرَن شُكرَهما بشكره فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾، وقال:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾(١) [لقمان: ١٤]. وفي ((صحيح البخاري)) عن
عبد الله قال: سألتُ النبيَّ﴾: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله عزَّ وجلَّ؟ قال: ((الصلاةُ
على وقتها)) قال: ثم أيّ؟ قال: ((ثم بِرُّ الوالدين)) قال: ثم أيّ؟ قال: ((الجهاد في
سبيل الله))(٢) فأخبر أنَّ بِرَّ الوالدين أفضلُ الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم
دعائم الإسلام. ورتّب ذلك بـ ((ثُمَّ) التي تُعطي الترتيب والمهلة.
الثالثة: من البِرِّ بهما والإحسانِ إليهما ألَّا يتعرَّضَ لسَبِّهما ولا يَعُقُّهما؛ فإن ذلك
من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة، ففي ((صحيح مسلم)) عن عبد الله
ابن عمرو أنَّ رسول الله ﴾ قال: ((إن من الكبائر شَتْمَ الرجلِ والديه)) قالوا: يا رسول
الله، وهل يَشْتُم الرجلُ والديه؟ قال: ((نعم؛ يَسبُّ الرجلُ أبا الرجلِ، فَيَسُبُّ أباه،
ويَسُبُّ أُمَّه، فِيسُبُّ أُمَّه))(٣).
الرابعة: عقوق الوالدين مخالفتُهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن بِرَّهما
موافقتُهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدُهما ولدَهما بأمرٍ وجبت
طاعتُهما فیه، إذا لم یکن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبیل
المباح في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوب. وقد ذهب بعض الناس إلى أنَّ
أَمْرَهما بالمباح يُصيِّره في حقِّ الولد مندوباً إليه، وأمْرَهما بالمندوب یزیده تأكيداً في
نَذْبِيَّته.
الخامسة: روى الترمذي عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأةٌ أُحِبُّها، وكان أبي
يكرهُها، فأمرني أن أُطلِّقَها، فأبَيْتُ، فذكرتُ ذلك للنبيِّ # فقال: ((يا عبد الله بن
(١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٨٤/٣، وأحكام القرآن للجصاص ١٩٦/٣.
(٢) صحيح البخاري (٥٢٧)، وأخرجه أحمد (٣٨٩٠)، ومسلم (٨٥).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١١٨٦/٣، والحديث في صحيح مسلم (٩٠)، وأخرجه أحمد (٦٥٢٩).

٥٣
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
عمر، طَلِّقِ امرأتَكَ)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(١).
السادسة: روى الصحيح عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ # فقال: مَنْ
أحَقُّ الناسِ بحُسْنٍ صحابتي؟ قال: ((أمُّك)) قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ((ثم أمُّك)) قال: ثمَّ
مَنْ؟ قال: ((ثمَّ أمك)) قال: ثمَّ مَنْ؟ قال: ((ثمَّ أبوك))(٢). فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ
محبةَ الأم والشفقةَ عليها ينبغي أن تكون ثلاثةَ أمثال محبة الأب؛ لذكر النبيِّ# الأمَّ
ثلاث مرات، وذِكْرِ الأب في الرابعة فقط. وإذا تُؤصِّل هذا المعنى شهد له العِيان؛
وذلك أنَّ صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون
الأب، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب. ورُوي عن مالكِ أنَّ رجلاً قال له: إن أبي
في بلد السودان، وقد كتب إليَّ أن أقدم عليه، وأمِّي تمنعني من ذلك، فقال له: أطِعْ
أباك، ولا تَعْصِ أُمَّك. فدلَّ قول مالك هذا أن بِرَّهما متساوٍ عنده. وقد سُئِلَ الليثُ عن
هذه المسألة فأمره بطاعة الأم، وزعم أنَّ لها ثُلثي البر(٣). وحديث أبي هريرة يدل
على أن لها ثلاثة أرباع البر، وهو الحجة على من خالف (٤). وقد زعم المحاسبي في
((كتاب الرعاية) له أنه لا خلاف بين العلماء أنَّ للأم ثلاثة أرباع البرِّ، وللأب
الربع(٥)؛ على مقتضى حديث أبي هريرة ﴾. والله أعلم.
السابعة: لا يختصُّ بِرُّ الوالدين بأن يكونا مُسلِمَين، بل إن كانا كافِرَین یَبَرُّهما
ويُحسنُ إليهما إذا كان لهما عهد؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنِكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَرِكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ﴾(٦) [الممتحنة: ٨]. وفي ((صحيح البخاري)) عن
(١) سنن الترمذي (١١٨٩)، وأخرجه - أيضاً - بهذا اللفظ أحمد (٥٠١١).
(٢) صحيح البخاري (٥٩٧١)، وصحيح مسلم (٢٥٤٨). وأخرجه أحمد (٨٣٤٤).
(٣) ينظر إكمال المعلم ٥/٨.
(٤) ينظر المفهم ٥٠٨/٦ .
(٥) قول المحاسبي في الرعاية ص١٠٢: فليبدأ العبد بحاجة والدته؛ لأن برَّها مقدَّمٌ في سنة النبي ﴾،
واجتماع العلماء على تقديمها في البر والطاعة على الوالد.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١١٨٦/٣ .

٥٤
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
أسماء قالت: قَدِمتْ أمّي وهي مشركةٌ في عهد قريشٍ ومُدَّتهم إذ عاهدوا النبيَّ 8* مع
أبيها، فاستفتيتُ النبيَّ ﴿، فقلتُ: إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وهي راغبةٌ أفأَصِلُها؟ قال: ((نعم
صِلي أُمَّكِ)). وروى أيضاً عن أسماء قالت: أتتني أمّي راغبةً في عهد النبيِّ ﴾،
فسألتُ النبيَّ ◌َ﴾: أأَصِلُها؟ قال: ((نعم)). قال ابن عيينة: فأنزل الله عزَّ وجلَّ فيها: ﴿لَا
يَنْهَنَكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ اٌلِيِنِ﴾. الأوّل معلَّق والثاني مسند(١).
الثامنة: من الإحسان إليهما والبِرِّ بهما إذا لم يتعيَّنِ الجهادُ ألَّا يُجاهِدَ إلَّا بإذنهما.
روى الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ # يستأذِنُه في الجهاد
فقال: ((أحَيٍّ والداك؟)) قال: نعم. قال: ((ففيهما فجاهِدْ)). لفظ مسلم(٢). في غير
الصحيح قال: نعم، وتركتُهما يبكيان. قال: ((اذهَبْ فأضحِكْهما كما أبكيتَهما))(٣).
وفي خبرٍ آخر أنه قال: ((نومُكَ مع أبويك على فراشهما يُضاحِكانك ويُلاعبانك أفضلُ
لكَ من الجهاد معي)). ذكره ابن خُوَيْز منداد. ولفظ البخارِي في كتاب بِرِّ الوالدين (٤):
أخبرنا أبو نُعَيم، أخبرنا سفيان، عن عطاء بن السَّائب، عن أبيه، عن عبد الله بن
عَمرو قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ◌َ﴾ يُبايعه على الهجرة، وتَرَكَ أبويه يبكيان، فقال:
((ارجِعْ إليهما فأضحِكْهما كما أبكيتَهما)). قال ابن المنذر: في هذا الحديث النَّهيُ عن
الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقَعِ النَّفير، فإذا وقعَ وجبَ الخروجُ على الجميع،
وذلك بَيِّنٌ في حديث أبي قتادة أنَّ رسول الله # بعث جيش الأمراء ... ؛ فذكر قصة
زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رَوَاحة، وأنَّ مُنادي رسول الله # نادی بعد
ذلك: أنِ الصلاةُ جامعة، فاجتمع الناسُ فحمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: ((أيها
الناس، اخرجوا فأمِدُّوا إخوانَكم ولا يتخلَّفَنَّ أحدٌ)) فخرج الناسُ مُشاةً وركباناً في حَرِّ
(١) صحيح البخاري (٥٩٧٨) مسنداً، و(٥٩٧٩) معلَّقاً. وأخرجه مسنداً أحمد (٢٦٩١٥)، ومسلم
(١٠٠٣).
(٢) صحيح البخاري (٣٠٠٤)، وصحيح مسلم (٢٥٤٩): (٥)، وأخرجه أحمد (٦٧٦٥).
(٣) أخرجه أحمد (٦٤٩٠)، وأبو داود (٢٥٢٨)، والنسائي ١٤٣/٧، وابن ماجه (٢٧٨٢).
(٤) من كتاب الأدب المفرد (١٣).

٥٥
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
شديد(١). فدلَّ قوله: ((اخرجوا فأمِدُّوا إخوانكم)) أنَّ العذر في التخلّف عن الجهاد إنما
هو ما لم يقَعِ الَّفير، مع قوله عليه الصلاة والسلام: ((فإذا استُثْفِرُم فانْفِروا))(٢).
قلت: وفي هذه الأحاديث دليلٌ على أنَّ المفروض أو المندوبات متى اجتمعت
قُدِّمَ الأهمُّ منها. وقد استوفى هذا المعنى المحاسبيُّ في كتاب الرعاية.
التاسعة: واختلفوا في الوالِدَين المشرِكَيْن هل يخرج بإذنهما إذا كان الجهاد من
فروض الكفاية، فكان الثَّوري يقول: لا يغزو إلا بإذنهما. وقال الشافعي: له أن يغزو
بغير إذنهما(٣). قال ابن المنذر: والأجداد آباء، والجدَّات أمهاتٌ فلا يغزو المرء إلا
بإذنهم، ولا أعلم دلالةٌ تُوجِبُ ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات. وكان طاوس
يرى السَّعيَ على الأخوات أفضلَ من الجهاد في سبيل الله عزَّ وجلَّ.
العاشرة: من تمام بِرِّهما صِلة أهل وُدِّهما، ففي الصحيح عن ابن عمر قال:
سمعت رسول الله # يقول: ((إنَّ من أبَرِّ البِرِّ صلَةُ الرجلِ أهلَ وُدِّ أبيه بعد أن يُؤَلِّيَ)).
وروى أبو أُسَيد - وكان بَدْرِيًّا - قال: كنتُ مع النبيِّ # جالساً فجاءه رجلٌ من الأنصار
فقال: يا رسول الله، هل بقي من برِّ والدَيَّ من بعد موتهما شيءٌ أبَرُّهما به؟ قال:
((نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدِهما بعدَهما، وإكرامُ صديقِهما،
وصلةُ الرَّحِمِ التي لا رَحِمَ لك إلا من قبلهما، فهذا الذي بقيَ عليك)). وكان ﴿ يُهدي
لصدائقِ خديجة بِرًّا بها ووفاءً لها وهي زوجته، فما ظنُّكَ بالوالدين (٤).
(١) أخرجه أحمد (٢٢٥٥١)، والنسائي في الكبرى (٨١٩٢).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٩١)، والبخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣): (٨٥) ١٤٨٧/٣ من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما، وأحمد (١٥٣٠٦) من حديث صفوان بن أمية ، ومسلم (١٨٦٥) من حديث عائشة
رضي الله عنها.
(٣) إكمال المعلم ٨/ ٧ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٨٩/٣ - ١١٩٠، وحديث ابن عمر في صحيح مسلم (٢٥٥٢)،
وأخرجه أحمد (٥٦١٢). وأما حديث أبي أسيد فقد أخرجه أحمد (١٦٠٥٩)، وأبو داود (٥١٤٢)، وابن
ماجه (٣٦٦٤) من طريق أسيد بن علي، عن أبيه علي بن عبيد، عن أبي أسيد، به. إسناده ضعيف؛ =
:

٥٦
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا﴾ خصَّ
حالةَ الكِبَر لأنها الحالةُ التي يحتاجان فيها إلى بِرِّه؛ لتغيُّرِ الحال عليهما بالضَّعف
والكِبَر؛ فألزمه في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثرَ مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في
هذه الحالة قد صارا كَلَّا عليه، فيحتاجان أن يَليَ منهما في الكِبَر ما كان يحتاج في
صِغَرِه أن يَلِيا منه؛ فلذلك خَصَّ هذه الحالة بالذكر(١).
وأيضاً فطول المكث للمرء يوجب الاستثقالَ للمرء عادةً، ويحصل الملل ويكثر
الضجر فيظهر غضبُه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما بدالَّة البُنوَّة وقِلَّة
الديانة، وأقلُّ المكروه ما يُظهره بتنفسه المتردّد من الضجر، وقد أُمِرَ أن يقابلهما
بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن كل عيب(٢)، فقال: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُنٍ وَلَا
تَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾:
((رَغِمَ أنْفُه، رغِمَ أنفُه، رغِمَ أنفُه)) قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: ((مَنْ أدركَ والديه عند
الكِبَر أحدَهما أو كلَّيْهما ثم لم يَدخُلِ الجنة))(٣). وقال البخاري في كتاب بر الوالدين:
حدثنا مُسدَّد، حدثنا بشر بن المُفَضَّل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد(٤)
المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ # قال: ((رَغِمَ أنفُ رجلٍ ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ
عليَّ، رَغِمَ أنفُ رجلٍ أدرك أبويه عند الكِبَرِ أو أحدَهما فلم يُدخِلاه الجنة، ورَغِمَ
أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ ثم انسلخَ قبل أن يُغْفَرَ له)). حدثنا ابن أبي أُوَيْس، حدثني
أخي، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن هلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن
عُجْرَة السالمي، عن أبيه قال: إنَّ كعبَ بنَ عُجْرة قال: قال النبيُّ﴾:
= قال الذهبي في الميزان ١٤٤/٣: علي بن عبيد لا يُعرف. وأما حديث الإهداء لصدائق خديجة، فقد
أخرجه أحمد (٢٤٣١٠)، والبخاري (٣٨١٦)، ومسلم (٢٤٣٤) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٥٣/٢ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٨٦/٣.
(٣) صحيح مسلم (٢٥٥١)، وأخرجه أحمد (٨٥٥٧).
(٤) قبلها في (م) زيادة كلمة ((أبي).

٥٧
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
((أحضروا المنبر)) فلمَّا خرجَ رَقيَ إلى المنبر، فرقيَ في أول درجةٍ منه قال: آمين، ثم
رقيَ في الثانية فقال: آمين، ثم لمَّا رقيَ في الثالثة قال: آمين، فلما فرغ ونزل من
المنبر قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كُنَّا نسمعه منك؟ قال:
((وسمِعْتُموه؟)) قلنا: نعم. قال: ((إنَّ جبريل عليه السلام اعترض قال: بَعُدَ من أدركَ
رمضان فلم يُغْفَرْ له، فقلتُ: آمين، فلما رَقِيتُ في الثانية قال: بَعُدَ من ذُكِرتَ عنده
فلم يُصَلِّ عليكَ، فقلتُ: آمين، فلمَّا رقيتُ في الثالثة قال: بَعُدَ من أدركَ عنده أبواه
الكِبَر أو أحدُهما فلم يُدخِلاه الجنةَ، قلتُ: آمين)). حدثنا أبو نُعيم، حدثنا سلمة بن
وَرْدان، سمعتُ أنساً ﴾ يقول: ارتقى رسولُ اللـه ◌َ﴾ على المنبرِ درجةً فقال: آمين،
ثم ارتقى درجةً فقال: آمين، ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال: آمين، ثم استوى وجلس،
فقال أصحابه: يا رسول الله، علامَ أمَّنْتَ؟ قال: ((أتاني جبريل عليه السلام فقال:
رَغِمَ أنفُ من ذُكِرتَ عنده فلم يُصَلِّ عليك، فقلتُ: آمين، ورَغِمَ أنفُ من أدركَ أبويه
أو أحدَهما فلم يدخُلِ الجنةَ، فقلتُ: آمين)) الحديث(١).
فالسعيد الذي يُبادر اغتنام فرصة بِرِّهما؛ لئلا تفوتَه بموتهما فيندم على ذلك.
والشقيُّ من عقَّهما، لا سيما مَنْ بلغه الأمرُ بيرُّهما.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَّقُل لَّهُمَا أُنٍ﴾ أي: لا تقُلْ لهما ما يكون فيه أدنى
تبرُّم(٢). وعن أبي رجاء العُطارِدي قال: الأُفُّ: الكلامُ القَذَع الرديء الخفيّ. وقال
مجاهد: معناه: إذا رأيتَ منهما في حالِ الشَّيَخِ الغائطَ والبولَ الذي رأياه منك في
الصغر فلا تَقْذَرْهما وتقول: أُف. والآية أعمُّ من هذا(٣). والأُتُّ والتُّفُّ: وسخ
(١) لم نقف على هذه الأحاديث في المطبوع من كتاب الأدب المفرد للبخاري، وقد أخرج حديث كعب بن
عجرة في كتابه التاريخ الكبير ٧/ ٢٢٠ بهذا الإسناد. وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه إسماعيل القاضي
في فضل الصلاة على النبي (١٦) عن مسدد، به. وأخرجه أحمد (٧٤٥١) من طريق آخر عن
عبد الرحمن بن إسحاق، به. وأما حديث أنس فأخرجه إسماعيل القاضي أيضاً (١٥) عن عبد الله بن
مسلمة، عن سلمة بن وردان، به.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٣٤/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٤٨/٣، وأثر مجاهد أخرجه الطبري ٥٤٥/١٤ .

٥٨
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
الأظفار(١). ويُقال لكل ما يُضجر ويُستثقل: أُفّ له(٢). قال الأزهري: والتُّفُّ أيضاً:
الشيء الحقير(٣). وقُرِئ: ((أُفِّ)) منوَّناً مخفوضاً، كما تُخفض الأصواتُ وتُنَوَّن،
تقول: صَهٍ ومَهٍ. وفيه عشر لغات: أُفَّ، وأُفُّ، وأُفّ، وأُنَّا وأُفٍّ، وأُفِّ، وأُقَّه، وإنْ
لك (بكسر الهمزة)، وأُف (بضم الهمزة وتسكين الفاء)، وأُفاً (مخففة الفاء)(٤). وفي
الحديث: ((فألقى طرف ثوبه على أنفه ثم قال: أف أف))(٥). قال أبو بكر: معناه:
استقذارٌ لما شَمَّ. وقال بعضهم: معنى أُفٍّ: الاحتقار والاستقلال، أُخِذَ من الأَفَف:
وهو القليل(٦). وقال القُتَبيُّ: أصله نَفْخُكَ الشيءَ يَسقط عليك من رمادٍ وترابٍ وغيرِ
ذلك، وللمكان تريد إماطة شيء لتقعد فيه؛ فقيلت هذه الكلمة لكل مُستثقَلٍ (٧). وقال
أبو عمرو بن العلاء: الأُفُّ: وسخٌ بين الأظفار، والتُّفُّ: قُلامتها. وقال
الزجَّاجِ(٨): معنى أُفّ: النَّتْن. وقال الأصمعيُّ: الأُفُّ: وسخ الأذن، والتُّفُّ: وسخ
الأظفار؛ فكثر استعمالُه حتى ذُكِرَ في كلِّ ما يُتأذَّى به (٩). ورُويَ من حديث علي بن
أبي طالب قال: قال رسول الله ﴾: «لو علمَ اللهُ من العقوق شيئاً أرداً من ((أُفّ))
لذكره، فليعمَلِ البارُّ ما شاء أن يعمل، فلن يَدخُلَ النار، وليعمَلِ العاقُّ ما شاء أن
(١) ينظر زاد المسير ٢٤/٥ - ٢٥. وقد فرَّق أهل اللغة بينهما، ومن ذلك قول الليث والأصمعي: الأُقُّ:
وسخ الأذن، والتُّ: وسخ الأظفار. تهذيب اللغة ١٤/ ٢٥٥ و ٥٨٩/١٥ .
(٢) قاله ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص١١١ .
(٣) لم نقف عليه في تهذيب اللغة، وقد قاله الزجاج في معاني القرآن ٢٣٤/٣، والنحاس في معاني
القرآن ٤ / ١٤٠.
(٤) نقلها ابن الجوزي في زاد المسير ٢٣/٥ - ٢٤ عن ابن الأنباري.
(٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٢٠ من حيث أم سلمة رضي الله عنها. وفي إسناده عمار بن علثم، قال
البخاري في التاريخ الكبير ٢٧/٧ : لا يُتابع على حديثه.
(٦) نقله ابن الجوزي في زاد المسير ٢٤/٥ عن ابن الأنباري.
(٧) تأويل مشكل القرآن ص ١١١ .
(٨) في معاني القرآن ٢٣٤/٣ .
(٩) نقله عنه الأزهري في تهذيب اللغة ٥٨٩/٥ .

٥٩
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
يعمل فلن يَدخُلَ الجنة))(١). قال علماؤنا: وإنما صارت قولة ((أف)) للأبوين أرداً
شيءٍ؛ لأنه رفضَهما رفْضَ كفرِ النعمة، وجَحْدِ التربية، ورَدِّ الوصية التي أوصاه في
التنزيل. و((أفّ)) كلمةٌ مقولةٌ لكلِّ شيءٍ مرفوض؛ ولذلك قال إبراهيم لقومه: ﴿أُفٍ لَّكُتُ
وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٦٧] أي: رَفْضٌ لكم ولهذه الأصنام معكم.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَهُرْهُمَا﴾ النَّهْر: الزجر والغِلظة(٢). ﴿وَقُل لَّهُمَا
فَوْلاً كَرِيمًا﴾ أي: لَيِّناً لطيفاً (٣)، مثل: يا أبتاه ويا أُمَّاه، من غير أن يُسمِّيهما
ويُكَنِيهما قاله عطاء(٤). وقال أبو الهدَّاج(٥) التُّجيبيّ: قلتُ لسعيد بن المسيِّب: كلُّ ما
في القرآن من برِّ الوالدين قد عرفتُه إلا قوله: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ما هذا القول
الكريم. قال ابن المسيِّب: قولُ العبد المذنبِ للسيدِ الفَظّ الغليظ(٦).
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ هذه استعارة
في الشفقة والرحمة بهما، والتذلُّلُ لهما تذلُّلَ الرعيةِ للأمير، والعبيدِ للسادة - كما
أشار إليه سعيد بن المُسيِّب ــ وضَرَبَ خَفْضَ الجناح ونصبَه مثلاً لجناح الطائر حين
ينتصب بجناحه لولده. والذُّلُّ: هو اللين(٧).
وقراءة الجمهور بضمِّ الذال، من ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّةٌ ومَذَلَّةً فهو ذالٌّ وذليلٌ. وقرأ
(١) أخرجه أبو الليث في تفسيره ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥ من حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما، وفي إسناده
أصرم بن حوشب، وهو متروك، واتهمه بعضهم بالوضع. ميزان الاعتدال ١/ ٢٧٢ .
(٢) ينظر الوسيط ١٠٤/٣.
(٣) الوسيط ١٠٤/٣، وزاد المسير ٢٥/٥ .
(٤) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ١١٠ لكن عزاه إلى مجاهد، وذكره الرازي في تفسيره ١٩٠/٢٠ وعزاه إلى
عمر بن الخطاب .
(٥) في النسخ: ابن البداح، والتصويب من المصادر وكتب التراجم.
(٦) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٤٩، أبو الهداج مجهول، تفرد بالرواية عنه حرملة بن عمران، وترجم له
البخاري في الكنى ص٨١ ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٩/ ٤٥٥ ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا
تعديلاً، وذكره ابن حبان في ثقاته ٦٦٧/٦ على عادته في توثيق المجاهيل.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١١٨٦/٣.

٦٠
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
سعيد بن جُبير وابن عباس وعروة بن الزبير ((الذِّلَ)) بكسر الذال، ورُويت عن
عاصم (١)؛ من قولهم: دابَّةٌ ذَلول بينة الذِّل، والذِّلُ في الدوابِّ المنقادُ السهلُ دون
الصعب، فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسانُ نفسَه مع أبويه في خير ذِلَّة، في
أقواله وسكناته ونظره، ولا يُحِدَّ إليهما بصرَه، فإن تلك هي نظرة الغاضب.
الخامسة عشرة: الخطاب في هذه الآية للنبيِّ # والمرادُ به أُمَّتُه؛ إذ لم يكن له
عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت أبوان. ولم يذكر الذَّلَّ في قوله تعالى: ﴿وَلَخْفِضْ
جَنَامَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] وذكره هنا بحسب عِظَم الحقِّ وتأكيده.
و((مِن)) في قوله: ((مِنَ الرَّحْمةِ)) لبيان الجنس، أي: إنَّ هذا الخفض يكون من
الرحمة المستكِنَّة في النفس، لا بأن يكون ذلك استعمالاً، ويصِحُّ أن يكون لانتهاء
الغاية، ثم أمر تعالى عبادَه بالترخُّم على آبائهم والدعاء لهم(٢)، وأنْ ترحَمهما كما
رَحِماك، وتَرْفُقَ بهما كما رَفَقا بك؛ إذ وَلِياك صغيراً جاهلاً محتاجاً، فآثراك على
أنفسِهما، وأسهرا ليلَهما، وجاعا وأشبعاك، وتعرَّيا وكَسَواك، فلا تجزيهما إلا أن
يبلغا من الكِبَر الحدَّ الذي كنتَ فيه من الصِّغَر، فتَلي منهما ما وَلِيا منك، ويكون لهما
حينئذٍ فضل التقدُّم(٣). قال: ((لا يَجْزِي ولدٌ والداً إلا أن يجِدَه مملوكاً فيشترِيَه
فيُعْتِقَه))(٤). وسيأتي في سورة ((مريم))(٥) الكلام على هذا الحديث.
السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿كما رَبَّنِ﴾ خصَّ التربية بالذكر ليتذكرَ العبدُ شفقة
الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيدَه ذلك إشفاقاً لهما وحناناً عليهما، وهذا كلُّه في
الأبوين المؤمنين. وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي
(١) المحرر الوجيز ٤٤٩/٣، والقراءات الشاذة ص٧٦.
(٢) المحرر الوجيز ٤٤٩/٣ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١١٨٦/٣ - ١١٨٧.
(٤) أخرجه أحمد (٧١٤٣)، ومسلم (١٥١٠) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٥) عند تفسير الآية (٩٣).