Indexed OCR Text
Pages 1-20
الخَامْعُ أَحْكَامِ القُرآنِ 2 وَاَلُيِّنُ لمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ القُرْقَانِ تَأليفُ أَبِيِ عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِبْنِ أَحْمَد بْنِ أَبِي بَكِ القُرُيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحقِيْق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التربيّ شَارَكَ في تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء محمّد أنَ صْطَف الخنّ محمد معتز كريم الذين الجُزْءُ الْثَالِثُ عَشْرٌ مؤسسة الرسالة E الْخَافِعُ ء أَحْكَارِالْقُرآنِ وَالمُبَيِّنُ مَا تَضَّنَهُ مِنَ السّنّةِ وَآَيِ الْقُرْقَانِ جميع الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م موسسة ! حالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت- لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩ -٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah PUBLISHERS BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460 Email:Resalah@Cyberia.net.Ib تفسير سورة الإسراء هذه السورة مكية، إلا ثلاث آيات: قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُّونَكَ﴾ [الآية: ٧٦] نزلت حين جاء رسولَ الله ﴾ وَفْدُ ثَقيف، وحين قالتِ اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِی مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجِْى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الآية: ٨٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ الآية [٦٠]. وقال مقاتل: وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ=﴾ الآية [١٠٧]. وقال ابن مسعود ﴾ في بني إسرائيل والكهف: إنهنَّ من العِتاق الأول، وهُنَّ مِن تِلادي؛ يريد: من قديم كسبه(١). بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَةِ قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِثُرِيَهُ مِنْ ءَايَئِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) فيه ثمان(٢) مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ﴾ ((سبحان)»: اسمٌ موضوعٌ موضِعَ المصدر، وهو غير مُتمكّن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يَجْرِ منه فِعْلٌ، ولم ينصرفْ؛ لأنَّ في آخره زائدتين، تقول: سبَّحتُ تسبيحاً وسُبحاناً، مثل: كفَّرتُ اليمين تكفيراً وكُفراناً(٣). ومعناه: التنزيهُ والبراءة لله عزَّ وجلَّ من كلِّ (١) المحرر الوجيز ٤٣٤/٣، وأثر ابن مسعود أخرجه البخاري (٤٧٣٩) وفيه زيادة: ومريم وطه والأنبياء. (٢) كذا في جميع النسخ، والملاحظ أن المسائل ست. (٣) ينظر مشكل إعراب القرآن ٤٢٧/١، والمحرر الوجيز ٤٣٥/٣، وتفسير الرازي ١٤٥/٢٠. ٦ سورة الإسراء: الآية ١ نقص. فهو ذكرُ تعظيم(١) لله تعالى لا يصلح لغيره؛ فأمَّا قول الشاعر: سبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ أقول لمَّا جاءني فَخْرُهُ فإنما ذكره على طريق النادر(٢). وقد روى طلحة بن عبيد الله الفَيَّاض أحدُ العشرة أنه قال للنبيِّ﴾: ما معنى سبحانَ الله؟ فقال: ((تنزيهُ اللهِ من كلِّ سوء)»، والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه، إذ لم يَجْرِ من لفظه فِعْلٌ، وذلك مثل: قَعَدَ القُرْفُصاءَ، واشتملَ الصَّمَّاء، فالتقدير عنده: أُنزِّهُ اللهَ تنزيهاً، فوقع (سبحان الله)) مكانَ قولِكَ: تنزيهاً(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ ((أسرى)) فيه لغتان: سرى وأسرى(٤)، كسقى وأسقى، كما تقدّم(٥). قال: تُزْجِي الشَّمالَ عليه جامِدَ البَرَدِ أسْرتْ عليه من الجَوْزاء سارِيَةٌ وقال آخر: أسْرَتْ إليَّ ولم تكن تَسْري حَيٍّ النَّضِيرةَ ربَّةَ الخِدْرِ فجمع بين اللغتين في البيتين(٦). والإسراء: سير الليل؛ يقال: سَرَيت مَسْرَى وسُرَى، وأسريتُ إسراءً؛ قال الشاعر: وليلةٍ ذاتِ نَدّى سَرَيْتُ ولم يَلِتْني من سُراها لَيْتُ(٧) (١) في جميع النسخ: عظيم، والتصويب من النكت والعيون. (٢) النكت والعيون ٢٢٣/٣، والبيت قائله الأعشى الكبير، وقد سلف ١/ ٤١٢. (٣) المحرر الوجيز ٤٣٥/٣، والحديث سلف ٤١٢/١ . (٤) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٣١١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٣١/٢. (٥) ١٣٥/٢ . (٦) سلف هذا الكلام ١٨٢/١١، والبيت الأول قائله النابغة الذبياني، والبيت الثاني قائله حسان بن ثابت. (٧) ينظر النكت والعيون ٢٢٤/٣، والبيت نسبه ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ١٥٣ إلى رؤبة بن العجاج، ولم نقف عليه في ديوانه، ونسبه أبو علي القالي في أماليه ٢/ ٢٤٤ إلى ابن الأعرابي. ٧ سورة الإسراء: الآية ١ وقيل: أسرى: سار من أوّل الليل، وسرى: سار من آخره، والأوّل أعرف(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ قال العلماء: لو كان للنبيِّ﴾ اسمٌ أشرفُ منه لسمَّاه به في تلك الحالة العلِيَّة. وفي معناه أنشدوا : يعرِفُه السامعُ والرَّائي يا قومٍ قلبي عند زهراءِ فإنَّه أشرفُ أسـمائي 13 0 لا تَدْعُني إلَّا بيا عبدَها وقد تقدَّم(٢). قال القُشَيْرِيُّ: لمَّا رفعه الله تعالى إلى حضرته السَّنَّة، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسمَ العبودية تواضعاً للأمة. الرابعة: ثبت الإسراء في جميع مصنَّفات الحديث، ورُوي عن الصحابة في كلِّ أقطار الإسلام، فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقَّاش ممن رواه عشرين صحابياً (٣). روى الصحيح عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله ﴿ قال: ((أُتيتُ بالبُراقِ وهو دابَّةٌ أبيَضُ [طويلٌ] فوق الحمار ودون البغل، يضع حافِرَه عند منتهى طَرْفِه - قال - فركبتُه حتى أتيتُ بيت المقدس - قال - فربطتُه بالحَلْقِ التي تَرْبط بها الأنبياء - قال - ثم دخلتُ المسجدَ فصليتُ فيه ركعتين، ثم خرجتُ، فجاءني جبريلُ عليه السلام بإناءٍ من خمرٍ وإناءٍ من لبنٍ، فاخترتُ اللَّبنَ، فقال جبريل: اخترتَ الفِطْرَة - قال - ثم عَرَجَ بنا إلى السماء ... )) وذكر الحديث(٤). ومما ليس في الصحيحين ما خرَّجِه الآجُرِّيُّ والسَّمَرْ قَنْديُّ(٥)، قال الآجُرِّيُّ عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ في قوله تعالى: (١) سلف هذا الكلام ١١/ ١٨٢. (٢) ٣٤٩/١ من غير نسبة. (٣) المحرر الوجيز ٤٣٤/٣. (٤) صحيح مسلم (١٦٢) (٢٥٩) وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أحمد (١٢٥٠٥). (٥) الآجري في الشريعة (١٠٢٧)، وأبو الليث السمرقندي في تفسيره ٢٥٨/٢، ولم يذكر إسناده، أما الآجري فرواه من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري؛ به. أبو هارون العبدي: اسمه عمارة بن جُوين، وهو متروك، ومنهم من كذّبه. تهذيب التهذيب ٢٠٧/٣ - ٢٠٨ . ٨ سورة الإسراء: الآية ١ ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَلَهُ﴾ قال أبو سعيد: حدثنا رسول اللـه ﴾ عن ليلةَ أُسْرِيَ به، قال النبيُّ ﴾: «أُتِيتُ بدايَّةٍ هي أشبَهُ الدوابِّ بالبغل، له أُذُنانِ مضطربتان (١)، وهو البُراق الذي كانتٍ الأنبياءُ تركبُه قبلُ، فركبتُه، فانطلقَ تقَعُ يداه عند منتهى بصَرِهِ، فسمعتُ نداءً عن يميني: يا محمد، على رِسْلِكَ حتى أسألَكَ، فمضَيتُ ولم أُعَرِّجْ عليه، ثم سمعتُ نداءً عن يساري: يا محمد، على رِسْلِكَ، فمضَيتُ ولم أُعَرِّجْ عليه، ثم استقبلَتْني امرأةٌ عليها من كلِّ زينة الدنيا، رافعةً يدَيها تقول: على رِسْلِكَ حتى أسألَكَ، فمضَيتُ ولم أُعَرِّجْ، ثم أتيتُ بيت المقدس الأقصى، فنزلتُ عن الدابة، فأوثقتُه في الحَلْقة التي كانتِ الأنبياء تُوثِقُ بها، ثم دخلتُ المسجدَ وصلَّيتُ فيه، فقال لي جبريل عليه السلام: ما سمعتَ يا محمد؟ فقلتُ: سمعتُ نداءً عن يميني: يا محمد، على رِسْلِكَ حتى أسألَكَ، فمضَيتُ ولم أُعَرِّجْ، فقال: ذلك داعي اليهود، ولو وقفتَ لتهوَّدَتْ أمَّتُكَ - قال - ثم سمعتُ نداءً عن يساري: على رِسْلِكَ حتى أسألَكَ، فمضَيتُ ولم أُعَرِّج عليه، فقال: ذلك داعي النصارى، أمَا إنَّكَ لو وقفتَ لتنصَّرتْ أمَّتُكَ - قال - ثم استقبلَتْني امرأةٌ عليها من كلِّ زينة الدنيا، رافعةً يدَيها تقول: على رِسْلِكَ، فمضَيتُ ولم أُعَرِّجْ عليها، فقال: تلكَ الدنيا لو وقفتَ لاخترتَ الدنيا على الآخرة - قال - ثم أُتِيتُ بإناءين أحدُهما فيه لبنٌ والآخرُ فيه خمرٌ، فقيل لي: خُذْ فاشرَبْ أَّهما شئتَ، فأخذتُ اللبنَ فشرِبْتُه، فقال لي جبريل: أصبْتَ الفِظْرة، ولو أنَّكَ أخذْتَ الخمرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ، ثم جاء بالمعراج الذي تعرُجُ فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسنُ ما رأيتُ، ألم (٢) تروا إلى الميت كيف يُحِدُّ بصرَه إليه؟ فعُرِجَ بنا حتى انتهينا إلى(٣) باب السماء الدنيا، فاستفتحَ جبريلُ، فقيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومَنْ معك؟ (١) في النسخ الخطية: يخطر فان، وفي (م): يضطربان، والمثبت من الشريعة للآجري. (٢) في (م): أو لم. (٣) في (م): أتينا، وفي النسخ الخطية سقطت كلمة إلى، والمثبت من الشريعة. ٩ سورة الإسراء: الآية ١ قال: محمد. قيل(١): وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم. ففتحوا لي، وسلَّموا عليَّ، وإذا مَلَكٌ يحرسُ السماءَ يُقال له: إسماعيل، معه سبعون ألف مَلَك، مع كلِّ مَلَكِ مئة ألف - قال - ﴿وما يعلم جُنُودَ رَبِّك إلا هو .. ﴾ [المدثر: ٣١] - وذكر الحديث إلى أن قال - ثم مضينا إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون بن عمران المُحَبِّ في قومه، وحولَه تَبَعْ كثيرٌ من أمته - فوصفَه النبيُّ :﴿ وقال - طويلُ اللِّحية، تكاد لِحِيتُه تضرِبُ في سُرَّته، ثم مضينا إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى، فسلم عليَّ ورحَّب بي - فوصفه النبيُّ ﴾ فقال - رجلٌ كثير الشعر لو (٢) كان عليه قميصان خرجَ شعرُه منهما ... )) الحديث. وروى البزَّار(٣) أنَّ رسول الله ﴿ أُتِيَ بفرسٍ فحملَ عليه، كلُّ خُطوةٍ منه أقصى بَصرِه ... وذكر الحديث. وقد جاء في صفة البُراق من حديث ابن عباس قال قال رسول الله: ((بينا أنا نائمٌ في الحِجْر إذ أتاني آتٍ فحرَّكني برِجْلِه، فأتبعتُ الشخصَ فإذا هو جبريل عليه السلام قائمٌ على باب المسجد معه دابَّةٌ دون البغل وفوق الحمار، وجهُها وجهُ إنسان، وخُقُّها خُفُّ حافر، وذَنَبُها ذنبُ ثور، وعُرْفُها عُرْفُ الفرس، فلما أدناها مني جبريل عليه السلام نفرَتْ ونفشَتْ عُرْفَها، فمسحها جبريل عليه السلام وقال: يا بُرْقةُ، لا تَنْفِري من محمد، فواللهِ ما ركبَكِ مَلكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ أفضلُ من محمدٍ ﴾ ولا أكرمُ على الله منه. قالت: قد علمتُ أنه كذلك، وأنه صاحبُ الشفاعة، وإني أُحِبُّ أن أكون في شفاعته. فقلت: أنتِ في شفاعتي إن شاء الله تعالى ... )) الحديث(٤). (١) في (م): قالوا، وفي النسخ الخطية: قال، والمثبت من الشريعة. (٢) في (م): ولو. (٣) كما في ((كشف الأستار)) (٥٥) من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره، عن أبي هريرة، مرفوعاً. أبو جعفر الرازي سيئ الحفظ. تهذيب التهذيب ٥٠٣/٤ . ثم إن الربيع رواه على الشك، فيحتمل أن يكون عن رجلٍ مبهم. (٤) ذكر الطبرسي في مجمع البيان ٩/١٦ بعضه، وذكر صاحب السيرة الحلبية ٧٨/٢ بأن الثعلبي رواه في تفسیره بسند ضعيف. ١٠ سورة الإسراء: الآية ١ وذكر أبو سعيد عبد الملك بن محمد النَّيْسابوري(١) عن أبي سعيد الخُدريِّ قال: لمَّا مرَّ النبيُّ # بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة قال: ((مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح الذي وُعِدْنا أن نراه فلم نَرَهُ إلَّ الليلة - قال - فإذا فيها مريمُ بنت عمران لها سبعون قصراً من لؤلؤٍ، ولِأُمِّ موسى بن عمران سبعون قصراً من مرجانةٍ حمراءَ مُكلَّلةٍ باللؤلؤ، أبوابُها وأسِرَّتُها من عِرْقٍ واحد، فلما عَرَجَ المعراج إلى السماء الخامسة - وتسبيحُ أهلها: سُبحانَ مَنْ جمَعَ بين الثلج والنار، من قالها مرةً واحدةً كان له مثلُ ثوابِهم - استفتحَ البابَ جبريلُ عليه السلام، ففُتِحَ له، فإذا هو بكهلٍ لم يُرَ قَظُ كَهْلٌ أجملَ منه، عظيمُ العينين، تضرِبُ لحيتُه قريباً من سُرَّته، قد كاد أن تكون شَمْطةٌ(٢)، وحوله قومٌ جلوسٌ يقصُّ عليهم، فقلتُ: يا جبريل، من هذا؟ قال: هارون المُحَبُّ في قومه ... )) وذكر الحديث. فهذه نبذةٌ مختصرةٌ من أحاديث الإسراء خارجةٌ عن الصحيحين، ذكرها أبو الربيع سليمان بن سَبُع بكمالها في كتاب ((شفاء الصدور))(٣) له. ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السِّير أن الصلاة إنما فُرضَتْ على النبيِّ ﴾ بمكةَ في حين الإسراء حين عُرِجَ به إلى السماء. واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة، وهل كان إسراءً بروحه أو جسده، فهذه ثلاث مسائل تتعلَّق بالآية، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها، وهي أهمُّ من سَرْد تلك الأحاديث، وأنا أذكر ما وقفتُ عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى: فأما المسألة الأولى: وهي هل كان إسراءً بروحه أو جسده؛ اختَلفَ في ذلك (١) هو أبو سعيد الواعظ الحافظ، صاحب كتاب ((شرف المصطفى))، توفي سنة ٤٠٦ هـ. كشف الظنون ١٠٤٥/٢ ٠ (٢) من الشَّمَط: وهو بياض شعر الرأس يخالطه سواده. الصحاح (شمط). (٣) قال صاحب مشارع الأشواق: وقفت عليه - يعني كتاب ((شفاء الصدور)) - في نحو أربعة أسفار، يشتمل على أحاديث في فضائل الأعمال، وضع فيه مؤلفه من عجائب الغرائب أصولاً وفروعاً، جمع فيه وادَّعى، وأودع أحاديث عريةً عن الإسناد. كشف الظنون ٢/ ١٠٥٠ . ١١ سورة الإسراء : الآية ١ السلف والخلف، فذهبت طائفةٌ إلى أنه إسراءٌ بالروح، ولم يفارِقْ شخصُه مضجَعَه، وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق، ورؤيا الأنبياء حقٌّ. ذهب إلى هذا معاوية وعائشة، وحُكيَ عن الحسن وابن إسحاق. وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظةً إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واحتجُوا بقوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ فجعل المسجدَ الأقصى غايةً الإسراء. قالوا: ولو كانوا الإسراء بجسده إلى زائدٍ على المسجد الأقصى لذكره، فإنه كان يكون أبلغَ في المدح. وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراءً بالجسد وفي اليقظة، وأنه ركب البراقَ بمكة، ووصل إلى بيت المقدس وصلَّى فيه ثم أُسْرِيَ بجسده. وعلى هذا تدلُّ الأخبارُ التي أشرنا إليها والآية. وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، ولا يُعدَلُ عن الظاهرِ والحقيقةِ إلى التأويلِ إلا عند الاستحالة، ولو كان مناماً لقال: بروح عبده، ولم يقُلْ: بعبده. وقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَى﴾ [النجم: ١٧] يدلُّ على ذلك، ولو كان مناماً لما كانت فيه آيةٌ ولا معجزة، ولَما قالت له أُمّ هانئ: لا تُحدِّثِ الناسَ فيُكذِّبوك، ولا فُضِّلَ أبو بكر بالتصديق، ولَما أمكنَ قريشاً التشنيعُ والتكذيب، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتدَّ أقوامٌ كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر(١)، وقد قال له المشركون: إن كنتَ صادقاً فخبِّرنا عن عِيرنا أين لقِيتَها؟ قال: «بمكان كذا وكذا مررتُ عليها، ففزعَ فلانٌ، فقيل له: ما رأيتَ يا فلان؟ قال: ما رأيتُ شيئاً، غيرَ أنَّ الإبل قد نفرت)). قالوا: فأخبِرْنا متى تأتنا العير؟ قال: ((تأتيكم يومَ كذا وكذا)). قالوا: أيَّةَ ساعة؟ قال: ((ما أدري، طلوعُ الشمس من هاهنا أسرع أم طلوعُ العِيرِ من ها هنا)). فقال رجلٌ: ذلك اليوم، هذه الشمس قد طلعت. وقال رجلٌ: هذه عِيركم قد طلعت. واستخبروا النبيَّ # عن صفة بيت المقدس، فوصفَه لهم، ولم يكن رآه قبل ذلك(٢). روى الصحيح عن أبي هريرة قال: قال (١) الشفا للقاضي عياض ٣٥٩/١ و٣٦٠ و٣٦٢ و٣٦٣، والمحرر الوجيز ٤٣٤/٣ - ٤٣٥ مع تقديم وتأخير وإدخال كلام بعضهما في بعض. وقول أم هانئ أخرجه ابن سعد ٢١٥/١. (٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (٧١٤٢)، والبيهقي في الدلائل ٣٥٥/٢-٣٥٧ من حديث شداد بن أوس، وقال: إسناده صحيح. ١٢ سورة الإسراء: الآية ١ رسول اللـه﴾: ((لقد رأيتُني في الحِجْرِ وقريشٌ تسألني عن مَسْرايَ، فسألَتْني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثْبِتْها، فكُرِبْتُ كَرْباً ما كُرِبتُ مثلَه قطٌ - قال - فرفعه اللهُ لي أنظرُ إليه، فما سألوني عن شيءٍ إلا أنبأتُهم به)) الحديث(١). وقد اعتُرِضَ قولُ عائشة ومعاوية: ((إنما أُسرِيَ بنَفْس رسول الله ﴾)) بأنها كانت صغيرةً لم تُشاهِد، ولا حدَّثَتْ عن النبيِّ﴾. وأما معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غيرَ مشاهدٍ للحال، ولم يُحدِّث عن النبيِّ ﴾(٢). ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على كتاب ((الشفاء))(٣) للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء. وقد احتجَّ لعائشة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىّ أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [الآية ٦٠ من هذه السورة] فسمّاها رؤيا. وهذا يردُّه قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ ولا يُقال في النوم: أسرى(٤). وأيضاً فقد يقال لرؤية العين: رؤيا، على ما يأتي بيانُه في هذه السورة. وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الإسراء كان بالبدن، وإذا ورد الخبرُ بشيءٍ هو مُجوَّزٌ في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريقَ إلى الإنكار، ولا سيما في زمن خرق العوائد، وقد كان للنبيِّ# معارجُ، فلا يبعُدُ أن يكون البعض بالرؤيا، وعليه يُحمل قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح: ((بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان)) الحديث(٥). ويَحتمِلُ أن يُرَدَّ من الإسراء إلى نوم. والله أعلم. المسألة الثانية: في تاريخ الإسراء، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضاً، واختُلِفَ في ذلك على ابن شهاب؛ فروى عنه موسى بن عُقبة أنَّه أُسرِيّ به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت: تُوفِّيت (١) صحيح مسلم (١٧٢). (٢) المحرر الوجيز ٤٣٥/٣. (٣) ٣٤٣/١ - ٣٧٤. (٤) الشفاء ١/ ٣٦٨ . (٥) صحيح البخاري (٣٢٠٧)، وصحيح مسلم (١٦٤) من حديث مالك بن صعصعة، وأخرجه أحمد (١٧٨٣٣). ١٣ سورة الإسراء: الآية ١ خديجةُ قبل أن تُفرَضَ الصلاة. قال ابن شهاب: وذلك بعد مبعث النبيِّ# بسبعة أعوام. وروى عنه الوَقَّاصيُّ قال: أُسْرِي به بعد مبعثه بخمس سنين(١). قال ابن شهاب: وفُرِضَ الصيام بالمدينة قبل بدر، وفُرضَتِ الزكاةُ والحجُّ بالمدينة، وحُرِّمتٍ الخمرُ بعد أُحُد. وقال ابن إسحاق: أُسريَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وقد فشا الإسلام بمكة وفي(٢) القبائل. وروى عنه يونس ابن بكير قال: صلَّتْ خديجةُ مع النبيِّ ﴾(٣). وسيأتي. قال أبو عمر(٤): وهذا يدلُّكَ على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام؛ لأنَّ خديجةً قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بثلاث، وقيل: بأربع. وقول ابن إسحاق مخالفٌ لقول ابن شهاب، على أنَّ ابن شهاب قد اختُلِفَ عنه كما تقدَّم. وقال الحَرْبِيُّ: أُسرِيَ به ليلة سبع وعشرين من(٥) ربيع الأول(٦) قبل الهجرة بسنة (٧). وقال أبو بكر محمد بن عليّ بن القاسم الذهبي في تاريخه: أُسريّ به من مكة إلى بيت المقدس، وعُرِجَ به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً. قال أبو عمر (٨): لا أعلم أحداً من أهل السير قال ما حكاه الذهبي، ولم يُسْنِذْ قولَه إلى أحدٍ ممَّن يُضافُ إليه هذا العِلمُ منهم، ولا رَفعه إلى من يُحتَجّ به عليهم. (١) التمهيد لابن عبد البر ٨/ ٥٠ - ٥١، وقد أسند رواية موسى بن عقبة، وأما رواية يونس فقد تابعه عليها معمر بن راشد فيما أخرجه ابن سعد ١٨/٨ . (٢) في (م) و(د) و(ز): في. (٣) التمهيد ٥١/٨ - ٥٢، وأسند قول الزهري. (٤) في التمهيد ٥٢/٨ - ٥٣ . (٥) بعدها في (م) كلمة شهر، وهي ليست في النسخ الخطية. (٦) في (م): الآخرة، وفي (د) و(ز) و(ف): الآخر، والمثبت من (ظ) ومن التمهيد، وينظر طبقات ابن سعد ٢١٤/١ . (٧) التمهيد ٤٩/٨ . (٨) في التمهيد ٤٨/٨ . ١٤ سورة الإسراء: الآية ١ المسألة الثالثة: وأما فرض الصلاة وهيئتُها حين فرضت، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعةِ أهل السِّيَر أنَّ الصلاة إنما فُرِضتْ بمكةً ليلةَ الإسراء حين عُرِجَ به إلى السماء، وذلك منصوصٌ في الصحيح وغيره، وإنما اختلفوا في هيئتها حين فُرِضَتْ؛ فِرُويَ عن عائشة رضي الله عنها أنها فُرِضَتْ ركعتين ركعتين، ثم زِيدَ في صلاة الحضر فأُكمِلَتْ أربعاً، وأُقِرَّتْ صلاةُ السفر على ركعتين. وبذلك قال الشَّعْبِيُّ وميمون ابن مِهْران ومحمد بن إسحاق(١). قال الشَّعبيُّ: إلا المغرب(٢). قال يونس بن بكير: وقال ابن إسحاق: ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبيَّ * حين فُرِضَتْ عليه الصلاةُ - يعني في الإسراء - فهمزَ له بعقِبه في ناحية الوادي فانفجرت عينُ ماءٍ، فتوضَّأ جبريلُ ومحمدٌ ينظر عليهما السلام، فوَضَّأَ وجهَه، واستنشقَ، وتمضمض، ومسح برأسه وأُذنيه ورجليه إلى الكعبين، ونضحَ فرجَه، ثم قام يُصلِّي ركعتين بأربع سجدات، فرجع رسول اللـه ﴾ وقد أقرَّ اللهُ عينَه، وطابَتْ نفسُه، وجاءه ما يُحِبُّ من أمر الله تعالى، فأخذ بيد خديجة، ثم أتى بها العين، فتوضأ کما توضّأ جبریل، ثم رکی رکیتین وأربع سجداتٍ هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يُصلِّان سواء(٣). ورُويَ عن ابن عباس أنها فُرِضَتْ في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين. وكذلك قال نافع بن جُبَير والحسن بن أبي الحسن البصري، وهو قولُ ابنِ جُرَيج، وروي عن النبيِّ # ما يوافِقُ ذلك(٤). ولم يختلفوا في أنَّ جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة (١) التمهيد ٣٣/٨، وحديث عائشة أخرجه بنحوه البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥). (٢) التمهيد ٨/ ٤٧ . (٣) التمهيد ٨/ ٥٢. (٤) وهو قوله#: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة)) وأخرجه أحمد (١٩٠٤٧)، والترمذي (٧١٥) واللفظ له، وابن ماجه (١٦٦٧) من حديث أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب. ١٥ سورة الإسراء: الآية ١ الإسراء عند الزوال، فعلَّم النبيَّ ◌َ # الصلاة ومواقيتها(١). وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المُهاجِر قال: سمعتُ ميمون بن مِهْرانَ يقول: كان أوَّل الصلاة مثنى، ثم صلَّى رسول اللـه ﴾ أربعاً فصارت سُنَّة، وأُقِرَّتِ الصلاةُ للمسافر، وهي تمام. قال أبو عمر(٢): وهذا إسنادٌ لا يُحتَجُّ بمثله، وقوله: ((فصارت سُنَّة)) قولٌ منكر، وكذلك استثناءُ الشعبيِّ المغربَ وحدَها ولم يذكُرِ الصبح قولٌ لا معنى له. وقد أجمعَ المسلمون أنَّ فرض الصلاة في الحضر أربعٌ إلا المغربَ والصُّبحَ، ولا يَعرِفون غيرَ ذلك عملاً ونقلاً مستفيضاً، ولا يضرُّهُمُ الاختلافُ فيما کان أصلُ فرضِها. الخامسة: قد مضى الكلام في الأذان في ((المائدة))(٣) والحمد لله. ومضى في ((آل عمران))(٤) أنَّ أوَّلَ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض المسجدُ الحرام، ثم المسجدُ الأقصى، وأنَّ بينهما أربعين عاماً من حديث أبي ذَرّ، وبناءُ سليمان عليه السلام المسجد الأقصى ودعاؤه له من حديث عبد الله بن عمرو، ووجهُ الجمع في ذلك، فتأمَّلْه هناك فلا معنى للإعادة. ونذكر هنا قوله#: ((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس)). خرَّجه مالك من حديث أبي هريرة(٥). وفيه ما يدلُّ على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد؛ لهذا قال العلماء: من نذرَ صلاةً في مسجد لا يصِلُ إليه إلا برحلةٍ وراحلةٍ فلا يفعل، ويصلِّي في مسجده، إلا في الثلاثة المساجد المذكورة، فإنه من نذرَ صلاةٌ (١) التمهيد ٣٣/٨ - ٣٤. (٢) في التمهيد ٨/ ٤٧ - ٤٨ بعد أن ذكر تلك الرواية. (٣) ٥٩/٨ - ٧٤ . (٤) ٢٠٦/٥ وما بعدها. (٥) الموطأ ١٠٨/١ - ١٠٩، وأخرجه من طريقه أحمد (٢٣٨٤٨)، ولفظه: ((لا تُعمَلُ المَطيُّ إلا إلى ثلاثة مساجد))، ووقع في رواية مالك هذه أن أبا هريرة رواه عن بصرة بن أبي بصرة الغِفاري، فتعقَّبها ابن عبد البر في الاستيعاب ٣٩/٢ - ٤٠ فقال: إنما الحديث لأبي هريرة، وأظنُّ الوهم جاء فيه من يزيد بن الهاد - يعني شيخ مالك - والله أعلم. ١٦ سورة الإسراء: الآيتان ١ - ٢ فيها خرج إليها. وقد قال مالك وجماعةٌ من أهل العلم فيمن نذر رِباطا في ثَغْرٍ يَسُدُّه: فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط؛ لأنه طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ (١). وقد زاد أبو البَخْتَرِيِّ في هذا الحديث: مسجد الجند، ولا يصِحُ وهو موضوع(٢)، وقد تقدَّم في مقدِّمة الكتاب(٣). السادسة: قوله تعالى: ﴿إِلَى الْسَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ سُمِّيَ الأقْصى لِبُعْدِ ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعدَ مسجدٍ عن أهل مكة في الأرض يُعّمُ بالزيارة، ثم قال: ﴿ الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ﴾ قيل: بالثمار وبمجاري الأنهار. وقيل: بمن دُفِنَ حولَه من الأنبياء والصالحين؛ وبهذا جعله مقدَّساً. وروى معاذ بن جبل عن النبيِّ# أنه قال: ((يقول الله تعالى: يا شامُ، أنتِ صِفْوَتي من بلادي، وأنا سائقٌ إليكِ صفوتي من عبادي)» (٤). ﴿لِتُرِيَكُ مِنْ ءَايَِّنَاً﴾ هذا من باب تلوين الخطاب. والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس، وإسراؤه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلةٍ وهو مسيرة شهر، وعروجُه إلى السماء، ووصفُه الأنبياء واحداً واحداً (٥)، حسبما ثبت في (صحيح مسلم)) وغيره(٦). ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ تقدّم(٧). قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِّبَنِىّ إِسَّْهِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا ﴾﴾ أي: كَرَّمْنا محمداً ﴾ بالمعراج، وأكرَمْنا موسى بالكتاب: وهو التوراة(٨). (١) الاستذكار ٤١/٢ . (٢) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٣٨/٢٣ وليس في إسناده أبو البختري، وإنما فيه محمد بن خالد الجندي والمثنى بن الصباح، ثم قال ابن عبد البر: هذا حديث منكر لا أصل له، ومحمد بن خالد الجندي والمثنى بن الصباح متروكان، ولا يثبت من جهة النقل. (٣) ١٢٥/١ - ١٢٦، والذي تقدم ليس الحديث، وإنما الكلام على أبي البختري. (٤) أخرجه الديلمي في فردوس الأخبار (٨١٢٥). (٥) النكت والعيون ٢٢٦/٣ - ٢٢٧ . (٦) وقد تقدم في أول السورة. (٧) ٢٦٢/٢ و٣٩٦. (٨) الوسيط ٩٦/٣، وزاد المسير ٦/٥. ١٧ سورة الإسراء: الآيتان ٢ - ٣ ﴿وَجَعَلْنَهُ﴾ أي: ذلك الكتاب. وقيل: موسى(١). وقيل: معنى الكلام: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً وآتى موسى الكتاب، فخرج من الغيبة إلى الإخبار عن نفسه جلَّ وعزَّ(٢). وقيل: إنَّ معنى سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً، معناه: أسرينا، يدلُّ عليه ما بعده من قوله: ﴿لِتُرِيَهُ مِنْ مَئِنَا﴾ فحمل ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ على المعنى. ﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ﴾ قرأ أبو عمرو: ((يتخذوا)) بالياء. الباقون بالتاء(٣). فيكون من باب تلوين الخطاب. ﴿وَكِيلًا﴾ أي: شريكاً. عن مجاهد. وقيل: كفيلاً بأمورهم. حكاه الفراء. وقيل: ربًّا يتوكَّلون عليه في أمورهم. قاله الكلبي(٤). وقال الفراء(٥): كافياً. والتقدير: عهدنا إليه في الكتاب ألا تتخذوا من دوني وكيلاً. وقيل: التقدير: لئلا تتَّخذوا(٦). والوكيل: من يُوكّل إليه الأمر(٧). قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا أي: يا ذرية من حملنا، على النداء. قاله مجاهد، ورواه عنه ابن أبي نَجيح(٨). والمراد بالذرية كلُّ من احتج عليه بالقرآن، وهم جميع مَن على الأرض؛ ذكره المهدوِيُّ. وقال المَا وَرْدِيُّ(٩): يعني: موسى وقومه من بني إسرائيل. والمعنى: يا ذريةً من حملنا مع نوحٍ لا تُشركوا. وذكر نوحاً ليذكِّرهم نِعمة الإنجاء من الغرق على (١٠) آبائهم(١٠). (١) النكت والعيون ٢٢٧/٣، والمحرر الوجيز ٤٣٦/٣. (٢) ينظر الوسيط ٩٦/٣، وزاد المسير ٦/٥. (٣) السبعة ص٣٧٨ ، والتيسير ص١٣٩ . (٤) النكت والعيون ٢٢٧/٣، وقول مجاهد أخرجه الطبري ١٤/ ٤٥٠ . (٥) في معاني القرآن له ١١٦/٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤١٤ . (٧) تفسير البغوي ١٢٤/٣ . (٨) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٢٠ . (٩) في النكت والعيون ٢٢٨/٣ . (١٠) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٣٠/٣. ١٨ سورة الإسراء: الآية ٣ وروى سفيان، عن حُميد، عن مجاهد أنه قرأ: ((ذَرِّيَّة)) بفتح الذال وتشديد الراء والياء. وروى هذه القراءة عامر بن عبد الواحد، عن زيد بن ثابت. ورُوي عن زيد بن ثابت أيضاً ((ذِرِّية)) بكسر الذال وشَدِّ الراء(١). ثم بيَّن أن نوحاً كان عبداً شكوراً يشكر الله على نعمه، ولا يرى الخير إلا من عنده. قال قتادة: كان إذا ليِسَ ثوباً قال: بسم الله، فإذا نزعه قال: الحمد لله. كذا روى عنه معمر (٢). وروى معمر عن منصور عن إبراهيم قال: شُكْرهُ إذا أكلَ قال: بسم الله، فإذا فرغَ من الأكل قال: الحمد لله(٣). قال سلمان الفارسي: لأنه كان يحمَدُ الله على طعامه(٤). وقال عمران بن سليم(٥): إنما سُمِّي نوحاً عبداً شكوراً؛ لأنه كان إذا أكل قال: الحمدُ لله الذي أطعمني ولو شاء لأجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء لأظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء لأعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء لأحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني الأذى ولو شاء لحبسه فيّ (٦). ومقصود الآية: إنكم من ذرية نوحٍ وقد كان عبداً شكوراً، فأنتم أحقُّ بالاقتداء به دون آبائكم الجُمَّال. وقيل: المعنى: أنَّ موسى كان عبداً شكوراً إذْ جعله اللهُ تعالى من ذرية نوح(٧). وقيل: يجوز أن يكون ((ذرية)) مفعولاً ثانياً لـ ((تتخذوا))، ويكون قولُه: ((وكيلاً)) يُرادُ به الجمعُ، فيسوغُ ذلك في القراءتين جميعاً، أعني الياءَ والتاءَ في ((تتخذوا)). ويجوز أيضاً في القراءتين جميعاً أن يكون ((ذريةً)) بدلاً من قوله: ((وكيلاً))؛ لأنه بمعنى (١) سلف ٣٦٨/٢ من قراءتي زيد بن ثابت، ووقع هنا في (م): عامر بن الواحد. (٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٧٣/١ - ٣٧٤، والطبري ٤٥٤/١٤، وعندهما: ((أخلقه)) بدل ((نزعه)). (٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد ص٦١ . (٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٥٢ - ٤٥٣، والحاكم ٣٦٠/٢، والبيهقي في الشعب (٤٤٧١). (٥) هو قاضٍ من قضاة حمص، قال فيه مكحول الشامي: ما نزل الشام قاضٍ مثله. التاريخ الكبير ٦/ ٤١٢ . (٦) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤ . (٧) النكت والعيون ٢٢٨/٣ . ١٩ سورة الإسراء: الآيتان ٣ - ٤ الجمع، فكأنه قال: لا تتَّخِذوا ذريةَ من حملنا مع نوح. ويجوزُ نصبُها بإضمار أعني وأمدَحُ، والعرب قد تنصِبُ على المدح والذَّمِّ. ويجوز رفعُها على البدل من المضمر في ((تَتَّخذوا)) في قراءة من قرأ بالياء، ولا يحسُنُ ذلك لمن قرأ بالتاء؛ لأنَّ المخاطبَ لا يُبدَلُ منه الغائب(١). ويجوزُ جَرُّها على البدل من بني إسرائيل في الوجهين. فأما ((أنْ)) من قوله: ((ألا تتخذوا)) فهي على قراءة من قرأ بالياء في موضعٍ نصبٍ بحذف الجار، التقدير: هديناهم لئلا يتَّخذوا. ويصلُحُ على قراءة التاء أن تكون زائدةً، والقولُ مضمَرٌ كما تقدَّم. ويصلُحُ أن تكون مفسِّرةً بمعنى أي، لا موضع لها من الإعراب، وتكون ((لا)) للنهي، فيكون خروجاً من الخبر إلى النهي(٢). قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِىَ إِسْرَهِيلَ فِ الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوَّا كَبِيرًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ فِىِ الْكِنَبِ﴾ وقرأ سعيد بن جُبير وأبو العالية: ((فِي الكتب)) على لفظ الجمع(٣). وقد يرِدُ لفظ الواحد ويكون معناه الجمع، فتكون القراءتان بمعنى واحد. ومعنى ((قَضَينا)»: أعلمنا وأخبرنا. قاله ابن عباس (٤). وقال قتادة: حكمنا (٥). وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه(٦). وقيل: قضينا أوحينا(٧)؛ ولذلك قال: ((إلى بني إسرائيل)). وعلى قول قتادة يكون ((إلى)) بمعنى (١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٢٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤١٤/٢، ومشكل إعراب القرآن ٤٢٧/١-٤٢٨، والبيان ٨٦/٢، وزادوا وجهاً آخر، وهو النصب على النداء لمن قرأ: ((تتخذوا)) بالتاء. (٢) مشكل إعراب القرآن ٤٢٨/١ - ٤٢٩، وزاد وجهاً ثالثاً لمن قرأ: ((تتخذوا)) بالتاء، وهو أن تكون (أن) في موضع نصب، و(لا) زائدة، والمعنى: كراهة أن تتخذوا. (٣) القراءات الشاذة ص٧٤ - ٧٥ . (٤) زاد المسير ٥/ ٧ . (٥) النكت والعيون ٢٢٨/٣ . (٦) ينظر تهذيب اللغة ٢١٣/٩ . (٧) معاني القرآن للزجاج ٢٢٧/٣، والوسيط ٣/ ٩٧. ٢٠ سورة الإسراء: الآيتان ٤-٥ على، أي: قضينا عليهم وحكمنا. وقاله ابن عباس أيضاً. والمعنِيُّ بالكتاب: اللوحُ المحفوظُ (١). ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ وقرأ ابن عباس: (لَتُفْسَدُنَ)). عيسى الثَّقفي: (لَتَفْسُدُنَّ). والمعنى في القراءتين قريب؛ لأنَّهم إذا أُفسِدوا فسدوا(٢). والمراد بالفساد: مخالفةُ أحكام التوراة(٣). ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يريدُ أرضَ الشام وبيتَ المقدس وما والاها(٤). ﴿مَرَّتَيْنِ وَلَعْلُنَّ﴾ اللام في (لتُفسِدُنَّ ولتَعْلُنَّ)) لام قسم مُضمَرٍ كما تقدَّم(٥). ﴿عُوَا كَبِيرًا﴾ أراد التكبرَ والبَغْيَ والطغيانَ والاستطالةَ والغَلبَةَ والعدوان. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئِهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْهِكُمْ عِبَادًا لَّنَّا أُوْلِىِ بَأْسِ شَدِيدٍ فَاسُواْ خِلَلَ الذِّيَائِّ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُوْلَنْهُمَا﴾ أي: أُولَى المرَّتين من فسادهم(٦). ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ﴾: هم أهل بابل، وكان عليهم بُخْتَنَصَّر في المرة الأولى حين كذَّبوا إرمياء وجرحوه وحبسوه. قاله ابن عباس وغيره (٧). وقال قتادة: أرسلَ عليهم جالوتَ فقتلهم، فهو وقومُه أولو بأسٍ شديد(٨). وقال مجاهد: جاءهم جندٌ من فارس يتجسَّسون أخبارهم ومعهم بُختَنَصَّر، فوَعَى حديثَهم من بين أصحابه، ثم رجعوا إلى فارس ولم يكن قتال، وهذا في المرة الأولى(٩)، فكان منهم جَوْسٌ (١) زاد المسير ٥/ ٧. (٢) المحتسب ١٤/٢ . وهما قراءتان شاذتان .. (٣) الوسيط ٩٧/٣، وزاد المسير ٧/٥. (٤) تفسير البغوي ١٠٦/٣ . (٥) ١١٦/١٢. (٦) النكت والعيون ٢٢٩/٣. (٧) تفسير الطبري ١٤/ ٤٧٢ - ٤٧٥ من رواية سعيد بن جبير. (٨) أخرجه بنحوه الطبري ١٤ / ٤٧٢ . (٩) أخرجه الطبري ١٤ / ٤٧٦ .