Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة النحل: الآية ٧٢ أن النبيَّ ﴾ كانَ يكونُ في مَهْنةِ أهلِه، فإذا سمع الأذانَ خرج (١). وهذا قولُ مالك: ويُعيْنُها(٢). وفي أخلاقِ النبيِّ﴾ أنه كان يخصِفُ النعلَ، ويَقُمُّ البيتَ، ويَخِيطُ الثوب(٣). وقالت عائشةُ وقد قيل لها: ما كان يعملُ رسولُ اللـه# في بيتهِ؟ قالت: كان بشراً من البشرِ يَفْلي ثوبَه، ويحلبُ شاتَه، ويخدُم نفسَه(٤). الخامسة: وينفقُ على خادمةٍ واحدة، وقيل: على أكثر، على قدرِ الثروةِ والمنزلة. وهذا أمرٌ دائرٌ على العرفِ الذي هو أصلٌ من أصولِ الشريعة، فإنَّ نساءً الأعرابِ وسكانِ البوادي يخلُمنَ أزواجهنَّ في استعذابِ الماءِ وسياسةِ الدواب، ونساءً الحواضرِ يخدُم المُقِلُّ منهم زوجته فيما خفَّ ويُعينُها، وأمَّا أهلُ الثروةِ فيُخدِمون(٥) أَزواجهنَّ ويترفهنَ معهم إذا كان لهم منصبُ ذلك؛ فإنْ كان أمراً مشكلاً شَرطتْ عليه الزوجةُ ذلك، فتُشهِدُ أنه قد عرفَ أنَّها ممَّن لا تخدمُ نفسَها، فالتزمَ (٦) إخدامَها، فينفذُ ذلك، وتنقطعُ الدعوى فيه(٧). قوله تعالى: ﴿وَرَزَّقَّكُمْ مِنَ الَّتِبَتِ﴾ أي: من الثمارِ والحبوبِ والحيوان. ﴿أَفَيِالْبَطِلٍ﴾ يعني: الأصنام؛ قاله ابنُ عباس(٨). ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ قراءةُ الجمهورِ بالياء، وقرأَ أبو عبد الرحمن بالتاء(٩). ﴿وَيِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ أي: بالإسلامِ. ﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾(١٠). (١) أخرجه البخاري (٦٧٦). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٥١ . (٣) أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي ص ٢٠ - ٢١ و ٦٢ ، من حديث عائشة. (٤) أخرجه الترمذي في الشمائل (٣٣٦). (٥) في النسخ الخطية: فيخدمن، والمثبت من (م)، وأحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٥٠. (٦) في (ظ): فللقوم. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٥٠ . (٨) النكت والعيون٢٠٣/٣، وتفسير الرازي ٨١/٢٠، وزاد المسير ٤٧٠/٤ (٩) المحرر الوجيز ٤٠٨/٣ . (١٠) الوسيط ٧٤/٣، والنكت والعيون ٢٠٣/٣، وزاد المسير ٤/ ٤٧٠. ٣٨٢ سورة النحل: الآيات ٧٣ - ٧٥ قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٣) فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ اَلسَّمَوَتِ﴾ يعني: المطر. ﴿وَاْأَرْضِ﴾ يعني: النبات(١). ﴿شَيًا﴾ قال الأخفشُ(٢): هو بدلٌ من الرزقِ. وقال الفرَّاء (٣): هو منصوبٌ بإيقاعِ الرزقِ عليه، أي: يعبدون ما لا يملكُ أن يرزقَهم شيئاً. ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: لا يقدرون على شيءٍ، يعني: الأصنام. ﴿فَلَا تَضْرِيُواْ لِلَّهِ اْأَمْثَالُ﴾ أي: لا تُشبِّهوا به هذه الجمادات؛ لأنه واحدٌ قادر لا مثل له(٤). وقد تقدَّم. قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَنْ زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَاً وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ Vo فیه خمسُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ نبّه تعالى على ضلالةِ المشركين، وهو مُنتظَمِّ بما قبلَه من ذكرِ نِعمِ الله عليهم، وعدمٍ مثلِ ذلك من آلهتهم. ((ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً)) أي: بَيَّن شَبَهاً، ثم ذكر ذلك فقال: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ أي: كما لا يستوي عندكم عبدٌ مملوك لا يقدرُ من أمرِهِ على شيء، ورجلٌ حُرٍّ قد رُزِق رزقاً حسناً، فكذلك أَنا وهذه(٥) الأصنام. فالذي هو مثالٌ في هذه الآية هو عبدٌ بهذه الصفةِ مملوكٌ لا يقدرُ على شيءٍ من المال، ولا من أمرٍ نفسه، وإنَّما هو مسخَّرٌ بإرادةٍ سيدِه(٦). ولا يلزمُ من (١) تفسير أبي الليث ٢٤٣/٢ . (٢) في معاني القرآن له ٢/ ٦٠٧ . (٣) في معاني القرآن له ٢/ ١١٠، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٠٣/٢ . (٤) تفسير الطبري ١٤/ ٣٠٥، والوسيط ٧٤/٣، والمحرر ٤٠٩/٣، وزاد المسير ٤٧١/٤. (٥) في (ظ): وعبدة. (٦) تفسير الطبري ٣٠٧/١٤ و٣٠٩ و٣١١، وزاد المسير ٤/ ٤٧٢ . ٣٨٣ سورة النحل: الآية ٧٥ الآيةِ أنَّ العبيدَ كلَّهم بهذه الصفةِ؛ فإنَّ النكرةَ في الإثباتِ لا تقتضي الشمولَ عندَ أهلٍ اللسان كما تقدَّم، وإنما تفيدُ واحداً (١)، فإذا كانت بعدَ أمرٍ أو نهيٍ أو مضافةً إلى مصدرٍ، كانت للعموم الشيوعي(٢)، كقوله: أَعتِقْ رجلاً، ولا تُهِن رجلاً، والمصدر كإعتاق رقبةٍ، فَأَيَّ رجلٍ أعتقَ فقد خرجَ عن عهدةِ الخطاب، ويصحُّ منه الاستثناءُ. وقال قتادة (٣): هذا المثلُ للمؤمنِ والكافرِ. فذهبَ قتادةُ إلى أنَّ العبدَ المملوك هو الكافرُ؛ لأنَّه لا ينتفعُ في الآخرة بشيءٍ من عبادتِهِ، وإلى أنَّ معنى ((وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً)) المؤمنُ. والأولُ عليه الجمهورُ من أهلِ التأويل. قال الأَصَمُّ (٤): المرادُ بالعبدِ المملوكُ الذي ربَّما يكون أشدَّ من مولاه أسْراً(٥)، وأنضرَ وجهاً، وهو لسيدِه ذليلٌ لا يقدرُ إلا على ما أَزِنَ له فيه؛ فقال الله تعالى ضرباً للمثال: أي: فإذا كان هذا شأنَكُم وشأنَ عبيدِكم، فكيفَ جَعلتم أحجاراً أمواتاً(٦) شركاءَ لله تعالى في خلقِه وعبادته، وهي لا تعقلُ ولا تسمعُ؟ !. الثانية: فَهِمَ المسلمون من هذه الآية ومما قبلها نقصانَ رتبةِ العبدِ عن الحرِّ في المِلْك، وأنه لا يملكُ شيئاً وإن مُلِّكَ. قال أهلُ العراق: الرِّقُّ ينافي المِلكَ(٧)، فلا يملكُ شيئاً البتةَ بحال، وهو قولُ الشافعيِّ في الجديد، وبه قال الحسنُ وابنُ سِيرين. ومنهم مَن قال: يملكُ؛ إلا أنه ناقصُ المِلك؛ لأنَّ لسيدِه أن ينتزعَه منه أيَّ وقتٍ شاء، وهو قولُ مالك ومَنِ اتبعه، وبه قال الشافعيُّ في القديم، وهو قولُ أهلِ (١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٣/٣ . (٢) في النسخ الخطية: الشرعي، والمثبت من (م). (٣) أخرجه عنه الطبري في تفسيره ٣٠٧/١٤ - ٣٠٨ . (٤) نقله عنه الكيا الهراسي في أحكام القرآن ٤/ ٢٤٤ . (٥) الأسر: الخَلْق. الصحاح (أسر). (٦) في (م): مواتاً، والمثبت من النسخ الخطية، وأحكام القرآن للهراسي ٤/ ٢٤٤ . (٧) المبسوط ٤/ ١٥٠ . : ٣٨٤ سورة النحل: الآية ٧٥ الظاهر، ولهذا قال أصحابُنا: لا تجبُ عليه عبادةُ الأموالِ من زكاةٍ وكفَّارات، ولا من عباداتِ الأبدانِ ما يقطعُه عن خدمةِ سيدِه؛ كالحجِّ والجهاد وغيرِ ذلك. وفائدةُ هذه المسألةِ أنَّ سيدَه لو مَلَّكه جاريةً، جازَ له أن يطأَها بمِلكِ اليمين، ولو مَلَّكه أربعينَ من الغنم، فحالَ عليها الحولُ، لم تجب على السيدِ زكاتُها؛ لأنَّها مِلكُ غيرِهِ، ولا على العبدِ؛ لأنَّ مِلكَه غير مستقرًّ. والعراقيُّ يقولُ: لا يجوزُ له أن يطأ الجاريةَ، والزكاةُ في النصاب واجبةٌ على السيدِ كما كانت(١). ودلائلُ هذه المسألةِ للفريقين في كتبٍ الخلاف. وأدلُّ دليلٍ لنا قولُه تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] فسوَّى بينَ العبدِ والحرِّ في الرزقٍ والخلق. وقال عليه الصلاة والسلامُ: ((من أعتقَ عبداً وله مالٌ ... ))(٢) فأضافَ المال إليه. وكان ابنُ عمر يَرى عبدَه يتسرَّى في مالِهِ فلا يعيبُ عليه ذلك(٣). ورُوي عن ابنِ عباس أنَّ عبداً له طلَّق امرأته طلقتين، فأمره أن يرتجعَها بمِلكِ اليمين(٤)؛ فهذا دليلٌ على أنَّه يملكُ ما بيدِه، ويفعلُ فيه ما يفعلُ المالكُ في مِلكِه ما لم يَنتزِعْه سيدُه. واللهُ أعلم. الثالثة: وقد استدلَّ بعض العلماء بهذه الآية على أنَّ طلاقَ العبدِ بيد سيده، وعلى أنَّ بيع الأمةِ طلاقُها، معوِّلاً على قولِه تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾. قال: فظاهرُه يفيدُ أنه لا يقدر على شيءٍ أصلاً، لا على المِلكِ ولا على غيرِه، فهو على عمومِه، إلا أن يدلَّ دليل على خِلافِه. وفيما ذكرناه عن ابنِ عمرَ وابنِ عباس ما يدلُّ على التخصيص(٥). والله تعالى أعلم. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٣/٣ - ١١٥٤، والإشراف على مذاهب العلماء ١٣٠/٤ - ١٣١. (٢) أخرجه البخاري (٢٤٩٢)، ومسلم (١٥٠٣)، من حديث أبي هريرة. (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢٨٣٦)، والبيهقي ٧/ ١٥٢ . (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٤٣). (٥) ينظر الاستذكار ٢٩٢/١٧ - ٢٩٣. ٣٨٥ سورة النحل: الآية ٧٥ الرابعة: قال أبو منصور(١) في عقيدته: الرزقُ ما وقعَ الاغتذاء به. وهذه الآيةُ تردُّ هذا التخصيصَ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. و﴿ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وغير ذلك من قولِ النبيِّ ﴾: ((جُعِل رزقي تحتَ ظِلِّ رُمْحِي))(٢) وقولِه: ((أرزاقُ أُمتي في سنابكِ خيلِها، وأَسِنةِ رماحِها))(٣). فالغنيمةُ كلُّها رزق، وكلُّ ما صحَّ به الانتفاعُ فهو رزقٌ، وهو مراتبُ: أعلاها ما يُغذي. وقد حصَر رسولُ اللـه # وجوهَ الانتفاعِ في قوله: ((يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي، وهل لكَ من مالِك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأَبليتَ، أو تَصدَّقت فأمضيت))(٤). وفي معنى اللباسِ يدخلُ الركوبُ وغيرُ ذلك(٥). وفي ألسنةِ المحدِّثين: السَّماعُ رزقٌ(٦)، يعنون سماعَ الحديث، وهو صحيحٌ. الخامسة: قولُه تعالى: ﴿وَمَن زَّزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾: هو المؤمنُ؛ يطيعُ الله في نفسِه وماله. والكافرُ لمَّا لم ينفق في الطاعةِ؛ صار كالعبدِ الذي لا يملكُ شيئاً. ﴿هَلْ يَسْتَونَ﴾ أي: لا يستوون(٧)، ولم يقل: يستويان؛ لمكانٍ ((مَن)؛ لأنه اسم مبهمٌ يصلحُ للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث. وقيل: ((إنّ عبداً مملوكاً))، ((ومن رزقناه) أُريدَ بهما الشُّيوعُ في الجنس. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هو مستحقٌّ للحمدِ دون ما يعبدون من (١) محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، كان من كبار العلماء، له كتاب التوحيد، والمقالات، وتأويلات القرآن، وغيرها (ت ٣٣٣هـ). الجواهر المضية ٣/ ٣٦٠ - ٣٦١ . (٢) سلف ١٦٠/١٠، وهو ضعيف. (٣) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٢٥٥)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٣٥/٥، عن مكحول، مرسلاً. (٤) أخرجه أحمد (١٦٣٠٥) و(١٦٣٠٦)، ومسلم (٢٩٥٨) من حديث عبد الله بن الشِّخِير ﴾. (٥) المحرر الوجيز ٣٠٩/٣ - ٣١٠. (٦) المجاز والمجيز لأبي طاهر السلفي ٧٥/١ و ٨٠ . (٧) تفسير الطبري ١٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨. ٣٨٦ سورة النحل: الآيتان ٧٥ -٧٦ دونِه؛ إذ لا نعمةَ للأصنام عليهم من يدٍ ولا معروف، فتُحمَد عليه، إنَّما الحمدُ الكامل لله؛ لأنه المنعمُ الخالق. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أكثرُ المشركين ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الحمد لي، وجميعَ النعمة مني. وذكرَ الأكثرَ وهو يريدُ الجميع(١)، فهو خاصٍّ أُريد به التعميمُ. وقيل: أي: بل أكثرُ الخلقِ لا يعلمون، وذلك أنَّ أكثرَهم المشركون. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلاَ تَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَى مَوْلَئُهُ أَيْنَمَا يُوَجِهَةٌ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا تَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ هذا مَثَلٌ آخر ضَربه الله تعالى لنفسه وللوثَن(٢)، فالأبكمُ الذي لا يقدرُ على شيءٍ هو الوثنُ، والذي يأمُر بالعدل هو الله تعالى؛ قاله قَتادة وغيره(٣). وقال ابنُ عباس: الأبكمُ عبد كان لعثمانَ ﴾، وكان يَعرِضُ عليه الإسلامَ فيأبى، ويأمر بالعدل عثمانُ(٤). وعنه أيضاً: أنه مَثَلٌ لأبي بكر الصدِّيق ومولّى له كافر. وقيل: الأبكم أبو جهل، والذي يأمرُ بالعدل عَمَّار بنُ ياسر العَنْسِيّ(٥)، وعَنْس، بالنون: حيٍّ من مَذْحِج، وكان حليفاً لبني مخزوم رهطِ أبي جهل، وكان أبو جهل يُعذّبه على الإسلام، ويعذب أمَّه سُمَيَّة، وكانت مولاةً لأبي جهل، وقال لها ذاتَ يوم: إنَّما آمنتٍ بمحمد؛ لأنك تُحبِّينَه لجمالِه، ثم طَعنها بالرمحِ في قُبُلِها فماتت، فهي أوَّل شهيدٍ مات في الإسلام(٦)، رحمَها الله. من كتابٍ النقاش وغيرِه. وسيأتي هذا في آيةِ الإكراه (٧) مبيّناً إن شاء الله تعالى. (١) الوسيط ٧٥/٣ . (٢) تفسير الطبري ٣٠٩/١٤، والنكت والعيون ٢٠٤/٣ . (٣) أخرجه الطبري في التفسير ١٤/ ٣١٠ عن قتادة، و٣١١/١٤ عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٣١١/١٤ - ٣١٢، والواحدي في الوسيط ٧٥/٣. (٥) ينظر البحر المحيط ٥١٩/٥ - ٥٢٠ . (٦) السيرة الحلبية ٤٨٣/١، والأوائل للعسكري ٣١٢/١. (٧) الآية ١٠٦ من هذه السورة. ٣٨٧ سورة النحل: الآية ٧٦ وقال عطاء: الأبكمُ أُبَيُّ بنُ خلَف، كان لا ينطقُ بخير. ﴿وَهُوَ كَلُّ عَى مَوْلَنْهُ﴾ أي: قومِه؛ لأنه كان يُؤذيهم ويؤذي عثمانَ بنَ مَظْعُون(١). وقال مقاتل: نزلتْ في هاشم(٢) بنِ عمرو بنِ الحارث، كان كافراً قليلَ الخير يعادي النبيَّ﴾. وقيل: إنَّ الأبكم الكافرُ، والذي يأمرُ بالعدلِ المؤمنُ جملةً بجملة؛ روي عن ابنِ عباس(٣)، وهو حَسَن؛ لأنه يَعُمُّ. والأبكمُ: الذي لا نطقَ له. وقيل: الذي لا يعقل. وقيل: الذي لا يسمعُ ولا يبصر(٤). وفي التفسيرِ: إنَّ الأبكم هاهنا الوثنُ. بَيَّن أنه لا قدرةَ له ولا أمر، وأنَّ غيرَه ينقلُه ويَنْحِتُه، فهو كَلٌّ عليه. واللهُ الآمرُ بالعدل، الغالبُ على كل شيءٍ. وقيل: المعنى ((وهو كَلٌّ على مولاه)) أي: ثِقْلٌ على وَلِيِّه وقرابتِهِ، ووبالٌ على صاحبِهِ وابنٍ عمه(٥). وقد يُسمَّى اليتيم كَلَّا؛ لثقلِه على مَن يَكفُّلُه؛ ومنه قولُ الشاعر: إذا كان عظمُ الكَلِّ غِيرَ شديدٍ(٦) أكُولٌ لمالِ الكَلِّ قبلَ شبابِه والكَلُّ أيضاً: الذي لا ولدَ له ولا والد(٧). والكَلُّ: العيالُ، والجمع الكُلُول(٨)؛ يقال منه: كَلَّ السكينُ يَكِلُّ كَلَّ، أي: غَلُظت شفرتُه فلم يَقطع. (١) زاد المسير ٤٧٣/٤ - ٤٧٤ . (٢) كذا في النسخ وتفسير البغوي ٧٨/٣ والخبر فيه، ولعله هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث القرشي العامري، ذكره ابن إسحاق في المؤلفة ممن أعطاه النبي # دون المئة من غنائم حنين. الإصابة ١٠ /٢٥٠. (٣) النكت والعيون ٢٠٤/٣ . (٤) معاني القرآن للزجاج ٢١٣/٣ . (٥) مجاز القرآن ٣٦٤/١، وتفسير السمر قندي ٢٤٣/٢ . (٦) المحرر الوجيز ٣/ ٤١١، والبيت في العين ٢٧٩/٥، وتهذيب اللغة ٤٤٦/٩، واللسان (كلل) دون نسبة. (٧) تهذيب اللغة ٩/ ٤٤٦ . (٨) العين ٢٧٩/٥. ٣٨٨ سورة النحل: الآيتان ٧٦ . ٧٧ ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ قرأ الجمهورُ: (يُوَجِّههُ))، وهو خطّ المصحف؛ أي: أَينما يرسلُه صاحبه لا يأتِ بخير؛ لأنه لا يَعرف ولا يَفهم ما يقال له، ولا يُفهم عنه. وقرأ يحيى بن وَثّاب: ((أينما يُوَجَّهُ)) على الفعلِ المجهول. وروي عن ابنٍ مسعود(١) أيضاً: ((تُوَجِّهه)(٢) على الخطاب. ﴿هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِّ وَهُوَ عَلَى صِرٍَ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هل يستوي هذا الأبكمُ، ومَن يأمرُ بالعدل على الصِّراطِ المستقيم؟ !. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَمْجِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٣)﴾ قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدَّم معناه. وهذا متصلٌ بقولِه: ﴿إِنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: شرعُ التحليلِ والتحريم إنَّما يَحسُن ممَّن يُحيطُ بالعواقبِ والمصالحِ، وأنتم أيُّها المشركون لا تُحيطون بها؛ فلِمَ تتحكّمون؟ !. ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَتَجِ الْبَصَرِ﴾ وتُجازَوْن فيها بأعمالِكم. والساعةُ هي الوقتُ الذي تقومُ فيه القيامة؛ سُمِّيت ساعةً؛ لأنَّها تفجأُ الناسَ في ساعة، فيموتُ الخلقُ بصيحة. واللَّمْحُ: النظرُ بسرعة؛ يقال: لَمَحه لَمْحاً ولَمَحاناً (٣). ووجهُ التأويلِ أنَّ الساعة لمَّا كانت آتيَةً ولابدَّ، جُعِلت من القربِ كلمح البصرِ(٤). وقال الزَّجاجُ(٥): لم يُرِدْ أنَّ الساعة تأتي في لمح البصر، وإنَّما وَصفَ سرعةَ القدرةِ على الإتيانِ بها؛ أي: يقول للشيءٍ: كن، فيكون. وقيل: إنَّما مَثَّل بلمح البصر؛ لأنَّه يلمحُ السماءَ مع (١) بعدها في (ز): وعن ابن مسعود. (٢) في النسخ: توجه، والمثبت من المحرر الوجيز ٤١١/٣، والكلام منه، وقد نصَّ على أنها بهاءين أبو حيان في البحر المحيط ٥٢٠/٥ . وينظر القراءات الشاذة ص٧٣، والمحتسب ١١/٢. (٣) تفسير الرازي ٨٨/٢٠، والوسيط ٣/ ٧٥ . (٤) المحرر الوجيز ٤١١/٣، وزاد المسير ٤ / ٤٧٤ . (٥) في معاني القرآن له ٢١٤/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة تفسير أبي الليث السمر قندي ٢٤٤/٢. ٣٨٩ سورة النحل: الآيتان ٧٧ - ٧٨ ما هي عليه من البعدِ من الأرض. وقيل: هو تمثيلُ للقربِ؛ كما يقول القائل: ما السَّنةُ إلا لحظةٌ، وشبهِه. وقيل: المعنى: هو عندَ الله كذلك لا عندَ المخلوقين؛ دلیلُه قولُه: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَثَرَهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦-٧]. ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ليس ((أو)) للشكِّ بل، للتمثيلِ بأَيُّهما أراد الممثَّل(١). وقيل: دخلتْ لشكِّ المخاطب. وقيل: ((أو)) بمنزلة بل(٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقدَّم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَئِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحُكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَلِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ذكر أنَّ من نعمه أنْ أخرجكم من بطون أمَّهاتكم أطفالاً لا عِلْمَ لكم بشيء. وفیه ثلاثة أقاويل: أحدها: لا تعلمون شيئاً مما أُخِذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم. الثاني: لا تعلمون شيئاً مما قضى عليكم من السعادة والشقاء(٣). الثالث: لا تعلمون شيئاً من منافعكم. وتَمَّ الكلام، ثمَّ ابتدأ فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْدَةُ﴾ أي: التي تعلمون بها وتدركون؛ لأنَّ الله جعل(٤) ذلك لعباده قبل إخراجهم من البطون، وإنَّما أعطاهم ذلك بعد ما أخرجهم(٥)، أي: وجعل لكم السمْعَ لتسمَعوا به الأمر والنهي، والأَبصارَ لتبصروا بها آثارَ صُنعه، والأَفئدةَ لِتَصِلُوا بها إلى معرفته. (١) في (ظ): المثل. (٢) تفسير السمر قندي ٢٤٤/٢، والمحرر الوجيز ٤١١/٣ . (٣) في (د) و(ظ): الشقاوة. (٤) في (ز) و(ف): لا أنَّ الله جعل، وفي (ظ): لا أن جعل ذلك، والمثبت من (د) و(م)، وهو الصواب. (٥) تفسير الطبري ٣١٥/١٤، ومعنى قوله: وإنما أعطاهم ذلك ... ، أي: أعطاهم العلم والعقل بعدما أخرجهم من بطون أمهاتهم، وينظر تفسير البغوي ٧٩/٣ . ٣٩٠ سورة النحل: الآيتان ٧٨ - ٧٩ والأفئدةُ: جمع الفؤاد؛ نحو غُراب وأَغربة(١). وقد قيل: في ضمن قوله: ((وجعل لَكُمُ السَّمْعَ)): إثبات النطق؛ لأنَّ من لم يسمع لم يتكلّم، وإذا وُجِدت حاسَّة السمع وُجِد النطق. وقرأ الأعمش وابن وَثَّاب وحمزة: ((إِمِّهاتكم)) هنا وفي النُّور والزُّمَر والنَّجم (٢)، بكسر الهمزة والميم. وأمَّا الكسائي فكسرَ الهمزة وفتح الميم؛ وإنَّما كان هذا للإتباع. الباقون بضمِّ الهمزة وفتح الميم على الأصل(٣). وأصل الأُمَّهات: أُمَّات، فزيدت الهاء تأكيداً، كما زادوا هاءً في أهرقتُ الماء؛ وأصله: أرقت (٤). وقد تقدَّم هذا المعنى في ((الفاتحة))(٥). ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: تشكرون نعمَه. الثاني: يعني تبصرون آثارَ(٦) صَنْعته؛ لأنَّ إبصارَها يؤدي إلى الشكر. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْطَيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوِّ الشَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا أَّدْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوِّ الشَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ قرأ يحيى بن وَثّاب والأعمشُ وابن عامر وحمزة ويعقوب: ((تروا)) بالتَّاء على الخطاب، واختاره أبو عبيد. الباقون: بالياء؛ على الخبر(٧). (١) معاني القرآن للزجاج ٢١٤/٣ . (٢) الآية (٦١) من سورة النور. والآية (٦) من سورة الزمر، والآية (٣٢) من سورة النجم. (٣) السبعة ص٢٢٨، والتيسير ص٩٤، غير أن قراءتي حمزة والكسائي المذكورتين هما في حالة الوصل؛ لإتباع الكسرة الكسرة. وأما قراءة الأعمش؛ فهي بحذف الهمزة مع كسر الميم المشددة كما قيدها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١١/٣ . (٤) معاني القرآن للزجاج ٢١٤/٣ . (٥) ١٧٣/١، وينظر ٦/ ١٧٧. (٦) في (ظ): آيات. (٧) القراءة عن ابن عامر وحمزة في التيسير ص١٣٨، وعن يعقوب في النشر ٣٠٤/٢، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١١/٣ إلى طلحة بن مصرف والأعمش وابن هرمز. ٣٩١ سورة النحل: الآيتان ٧٩ - ٨٠ ﴿مُسَخََّتٍ﴾: مُذَلَّلاتٍ لأمر الله تعالى؛ قاله الكلبي. وقيل: ((مسخراتٍ)): مُذَلَّلاتٍ لمنافعكم. ﴿فِي جَوِّ السَّمَآءِ﴾ الجوُّ: ما بين السماء والأرض، وأضاف الجَوَّ إلى السماء؛ لارتفاعه عن الأرض. وفي قوله: ((مسخراتٍ)» دليلٌ على مُسَخّرٍ سَخَّرها، ومُدَبِرٍ مَكَّتها من التصرُّف. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ في حال القبض والبسط والاصطفاف، بيَّن لهم كيف يعتبرون بها على وحدانيته . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَّيَتٍ﴾ أي: علاماتٍ وعِبراً ودلالات. ﴿لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ﴾ بالله وبما جاءت به رسلُهم. قوله تعالى: ﴿وَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنِ جُلُودِ الْأَنْعَمِ بُيُنَا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَئاً وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ ﴾﴾ فیه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ﴾ معناه: صيَّر. وكلُّ ما علاك فأظلَّك؛ فهو سقف وسماء، وكلُّ ما أَقَلَّك فهو أرض، وكلُّ ما سترَك من جهاتك الأربع فهو جدار؛ فإذا انتظمتْ واتصلت فهو بيت(١). وهذه الآيةُ فيها تعديدُ نِعَم الله تعالى على النَّاس في البيوت، فذكر أولاً بيوتَ المدن، وهي التي للإقامة الطويلة(٢). وقوله: ﴿سَكنًا﴾ أي: تسكنون فيها، وتهدأُ جوارحُكم من الحركة، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره؛ إلّا أنَّ القولَ خُرِّج على الغالب، وعدَّ هذا في جملة النِّعم؛ فإنَّه لو شاء خلق العبد مضطرباً أبداً كالأفلاك، لكان ذلك كما خلق وأراد، ولو خلَقه ساكناً كالأرض، لكان كما خلَق وأراد، ولكنَّه أوجدَه خلقاً يتصرَّفُ للوجهین، (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٥٥. (٢) المحرر الوجيز ٤١٢/٣ . ٣٩٢ سورة النحل: الآية ٨٠ ويختلفُ حاله بين الحالتين، وردّده كيف وأين. والسَّكَنُ مصدرٌ يوصفُ به الواحد والجمع. ثم ذكرَ تعالى بيوتَ النُّقلة والرِّحلة(١) وهي: الثانية: فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنِ جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ أي: من الأنطاع والأَدَمِ(٢). ﴿بُونَ﴾ يعني الخيام والقِباب يَخِفُّ عليكم حَمْلُها في الأسفار(٣). ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ الظَّعْن: سير البادية في الانتجاع(٤) والتحوُّل من موضعٍ إِلى موضع(٥)؛ ومنه قول عنترة (٦): ظعنَ الذين فراقَهم أتوقَّعُ وجرى ببينهم الغرابُ الأبقعُ والظعن: الهودج أيضاً(٧)؛ قال: ألا هل هاجَك الأَظعانُ إذْ بانوا وإِذْ جادَت بوشكِ البَيْنِ غِرْبانٌ(٨) وقُرِئ بإسكان العين وفتحها(٩) كالشَّعْرِ والشَّعَر. وقيل: يحتمل أن يعمَّ به (١٠) بيوت الأدَم وبيوت الشعر وبيوت الصوف؛ لأنَّ هذه (١) المحرر الوجيز ٤١٢/٣، وذكر الألوسي في روح المعاني ٢٠٥/١٤ أن ((سكن)) بمعنى مسكون وأنه ليس بمصدر كما ذهب إليه ابن عطية، والنُّقْلة: الاسم من الانتقال من موضع إلى موضع. (٢) الأنطاع جمع يطع، وهو بساط من أديم، والأَدَم جمع أديم، وهو الجلد. (٣) الوسيط للواحدي ٧٦/٣، وتفسير البغوي ٧٩/٣ . (٤) أي: طلب الكلا في موضعه. (٥) مجمع البيان ١٠٨/١٤ . (٦) ديوانه ص٤٨ . (٧) الذي في المعاجم: الظعينة: الهودج، تهذيب اللغة ٢/ ٣٠٠، والصحاح ولسان العرب (ظعن). (٨) ذكره ابن رشيق في العمدة ٣٠٣/٢. بلفظ: وإذ صاحت بشطُّ البين. بدل: وإذ جادت بوشك البين. (٩) قرأ بإسكان العين: عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر، وبفتحها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو. السبعة ص٣٧٥، والتيسير ص١٣٨ . (١٠) في (د): يحتمل أنهم بيوت، وفي (م): يحتمل أن يعم بيوت، وفي (ظ): يحتمل أن تعم به بيوت، والمثبت من (ز) و(ف)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٤١٢/٣، والكلام منه. ٣٩٣ سورة النحل: الآية ٨٠ من الجلود؛ لكونها نابتةً(١) فيها؛ نحا إلى ذلك ابن سَلام. وهو احتمالٌ حسن، ويكون قوله ((ومنْ أَضْوَافِهَا)) ابتداءُ كلام(٢)، كأنَّه قال: جعل أثاثاً؛ يريد الملابس والوطاء، وغير ذلك؛ قال الشاعر: أهاجتْكَ الظعائنُ يوم بانوا بذي الزِّيِّ الجميل من الأثاثِ(٣) ويحتمل أنْ يريد بقوله: ((من جلود الأنعام)) بيوتَ الأَدَم فقط كما قدمناه أولاً. ويكون قوله: ((ومن أصوافها)) عطفاً على قوله: ((من جلود الأنعام))؛ أي: جعل بيوتاً أيضاً. قال ابن العربي(٤): وهذا أمرٌ انتشر في تلك الديار، وعَزَبت(٥) عنه بلادُنا، فلا تُضرب الأخبِيّة عندنا إلَّا من الكَثَّان والصُّوف، وقد كان للنبيِّ ﴿ قُبَّةٌ من أَدَم(٦)، وناهيك من أدَم الطائف غلاءً في القيمة(٧)، واعتلاءً في الصِّفة(٨)، وحُسناً في البشرة، ولم يَعُدَّ ذلك ﴿ تَرَفاً، ولا رآه سَرَفاً؛ لأنه مما امتنَّ الله سبحانه من نعمته، وأذنَ فيه من متاعه، وظهرت وجوهُ منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنسُ الإنسان. (١) في النسخ: ثابتة، والمثبت من المحرر الوجيز ٣/ ٤١٢ ، والكلام منه. (٢) في المحرر الوجيز: عطف على قوله: ((من جلود الأنعام))، وسيذكر المصنف هذا الإعراب عندما يفسر جلود الأنعام ببيوت الأدم فقط، وينظر الدر المصون ٧/ ٢٧٣ - ٢٧٤ . (٣) البيت لمحمد بن نمير الثقفي كما في مجاز القرآن ٣٦٥/١، والكامل ٧٨٦/٢، والأغاني ١٩٦/٦، وهو في المجاز بلفظ: بذي الرئي. وذكر هذه الرواية الطبري في تفسيره ٣١٨/١٤. والرئي: المظهر. اللسان (رأي). (٤) في أحكام القرآن ٣/ ١١٥٥ . (٥) في (د) و(ز) و(ف) وأحكام القرآن: وعريت، والمثبت من (م) و(ظ) ونسخة كما في حاشية أحكام القرآن. (٦) أخرج البخاري (٣١٧٦) عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي # في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم فقال: اعدد ستاً ... الحديث. (٧) قوله: في القيمة، من (م) وأحكام القرآن. (٨) في (م): الصنعة. والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لأحكام القرآن. ٣٩٤ سورة النحل: الآية ٨٠ ومن غريب ما جرى أنِّي زُرت بعض المتزهِّدين من الغافلين مع بعض المحدِّثين، فدخلنا عليه في خباء كَتَّان، فعرضَ عليه صاحبي المحدِّثُ أنْ يحملَه إلى منزله ضيفاً، وقال: إنَّ هذا موضعٌ يكثر فيه الحَرُّ، والبيتُ أرفق بك، وأطيب لنفسي فيك؛ فقال: هذا الخِباءُ لنَا كثير، وكان في صنعنا (١) من الحقير؛ فقلت: ليس كما زعمت! فقد كان لرسول الله # - وهو رئيسُ الزُّهاد - قُبَّةٌ من أَدَم طائفيٍّ، يسافرُ معها، ويستظلُّ بها؛ فبُهت، ورأيتُه على منزلة من العِيِّ، فتركته مع صاحبي وخرجت عنه(٢). الثالثة(٣): قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ أَذِن اللهُ سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووَبَر الإبل وشعر المعز، كما أَذِن في الأعظم، وهو ذبحُها وأكلُ لحومها(٤)، ولم يذكر القطن والكتّان؛ لأنَّه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به، وإنَّما عدَّد عليهم ما أنعم به عليهم، وخوطبوا فيما عَرفوا بما فهموا. وما قام مقامَ هذه، ونابَ منابها؛ فيدخلُ في الاستعمال والنعمة مدخلَها؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيُزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَرِ﴾ [النور: ٤٣]، فخاطبهم بالبَرَد لأنَّهم كانوا يعرفون نزولَه كثيراً عندهم، وسكتَ عن ذكر الثلج؛ لأنَّه لم يكن في بلادهم، وهو مثلُه في الصِّفة والمنفعة، وقد ذكرهما النبيُّ # معاً في التطهير فقال: ((اللَّهُمَّ اغسلني بماءٍ وثلج وبَرَد»(٥). قال ابن عباس: الثلجُ: شيءٌ أبيضُ ينزل من السماء، وما رأيته قَطّ. وقيل: إنَّ تَرْكَ ذكر القُطْن والكَتَّان؛ إنَّما كان إعراضاً عن السَّرَف(٦)؛ إذْ مَلْبسُ (١) في (د): صنفنا، وفي أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٦/٣: صنفها. والمثبت من (ز) و(ظ) و(ف) و(م). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٥/٣ - ١١٥٦. (٣) في (ز): الرابعة. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٦/٣ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٨/٣، وسلف الحديث بنحوه ١/ ١٨٠، وهو في الصحيحين. (٦) في (م): الترف. ٣٩٥ سورة النحل: الآية ٨٠ عباد الله الصالحين إنَّما هو الصُّوف. وهذا فيه نظر، فإنَّه سبحانه يقول: ﴿يَِّىّ ءَادَمَ قَّ أَنْنَا عَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] حسبما تقدَّم بيانه في ((الأعراف))(١). وقال هنا: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ﴾، فأشارَ إلى القطن والكَتَّان في لفظة ((سرابيل)). والله أعلم (٢). و﴿أَثَنَا﴾ قال الخليل: متاعاً منضماً بعضه إلى بعض؛ من أَثَّ: إذا كثر(٣). قال: وفَرْعٍ يَزِينُ المَثْنَ أسودَ فاحمِ أَثيثٍ كقِنْوِ النخلةِ المُتَعَشْكِلِ(٤) ابن عباس: ((أَثَاثاً)): ثياباً. وقد تقدَّم(٥). وتضمَّنت هذه الآيةُ جوازَ الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كلِّ حال، ولذلك قال أصحابنا: صوفُ الميتة وشعرُها طاهرٌ يجوز الانتفاعُ به على كلِّ حال، ويُغسَل مخافةَ أنْ يكون عَلِق به وَسَخٌ، وكذلك روت أمُّ سلمة عن النبيِّ # أنَّه قال: ((لا بأس بمَسْكِ(٦) الميتة إذا دُبغ، وصوفِها وشعرِها إذا غُسل))(٧)؛ لأنَّه مما لا يَحُلُّه الموت، وسواء كان شعرَ ما يؤكل لحمه أو لا، كشعر ابنِ آدم والخنزير، فإنَّه طاهرٌ كلُّه؛ وبه قال أبو حنيفة(٨)، ولكنَّه زاد علينا فقال: القَرْن والسِّنُّ والعظم مثلُ الشعر؛ (١) ٩ /١٨٦. (٢) المحرر الوجيز ٤١٢/٣ . (٣) ينظر مجمل اللغة ٧٨/١، وتفسير الطبري ٣١٨/١٤، وزاد المسير ٤٧٧/٤، وتفسير الرازي ٩٢/٢٠. (٤) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٦ بلفظ: يُغَشِّي المتن. قال شارحه: الفرع: الشعر الطويل. والفاحم: شديد السواد كالفحم. والأثيث: الكثير النبات. والقنو: العذق. والمتعثكل: المتداخل لکثر ته. (٥) أورده الواحدي في الوسيط ٣/ ٧٦ بنحوه. وسيرد قولٌ ثان لابن عباس في المسألة العاشرة. والقول أن الأثاث بمعنى الثياب. سلف في المسألة الثانية. (٦) في (د) و(م): بجلد، والمثبت من (ز) و(ظ) و(ف) وهما بمعنى. (٧) سلف ٢٧/٣، وينظر أحكام القرآن للجصاص ١٢١/١، والأوسط ٢٧٢/٢ - ٢٧٣، والمنتقى للباجي ١٣٧/٣. (٨) ينظر الأوسط لابن المنذر ٢/ ٢٨٠، والمبسوط ٢٠٢/١ - ٢٠٤. ٣٩٦ سورة النحل: الآية ٨٠ قال: لأنَّ هذه الأشياءَ كلَّها لا روح فيها، فلا تَنْجس بموت الحيوان. وقال الحسن البَصْرِيُّ والليثُ بنُ سعد والأوزاعِيُّ: إنَّ الشعور كلَّها نجسةٌ، ولكنها تَطهر بالغسل. وعن الشافعي ثلاثُ روايات: الأولى: طاهرةٌ لا تنجس بالموت. الثانية: تنجس. الثالثة: الفرق بين شعر ابنِ آدم وغيره، فشعرُ ابنِ آدم طاهر، وما عداه نجس(١). ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَسْوَافِهَا﴾ الآية. فمَنَّ علينا بأنْ جعل لنا الانتفاعَ بها، ولم يخصَّ شعر الميتة من المُذَكّاة، فهو عموم إلَّا أنْ يمنع منه دليل. وأيضاً فإنَّ الأصلَ كونُها طاهرةً قبل الموت بإجماع، فمن زعم أنَّه انتقل إلى نجاسة، فعليه الدليل. فإنْ قيل قوله(٢): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ﴾ [المائدة: ٣]، وذلك عبارةٌ عن الجملة. قلنا: نخصُّه(٣) بما ذكرنا؛ فإنَّه منصوصٌ عليه في ذكر الصوف، وليس في آيتكم ذكره صريحاً، فكان دليلنا أوْلى. والله أعلم(٤). وقد عوَّل الشيخُ الإمام أبو إسحاق إمامُ الشافعية ببغداد على أنَّ الشعرَ جزءٌ متصلٌ بالحيوان خِلْقة، فهو يَنْمِي بنمائه، ويتنجَّس بموته كسائر الأجزاء. وأُجِيبَ بأنَّ النَّماء ليس بدليلٍ على الحياة؛ لأنَّ النباتَ ينمِي، وليس بحَيٍّ. وإذا عوَّلوا على النماء المتصلِ لِمَا على الحيوان؛ عوَّلنا نحن على الإبانة التي تدلُّ على عدم الإحساس الذي يدلُّ على عدم الحياة(٥). وأما ما ذكره الحنفيُّون في العظم والسنِّ والقَرْن أنَّه مثل الشعر، فالمشهور عندنا أنَّ ذلك نجس کاللحم. وقال ابنُ وهب مثلَ قول أبي حنيفة. (١) المفهم ٤٦٢/٤، وينظر المجموع ٢٨٩/١ - ٢٩١. (٢) لفظة: قوله. من (م). (٣) في (د) و(ز): خصه. (٤) ينظر أحكام القرآن للجصاص ١٢١/١. والمنتقى للباجي ١٣٧/١. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٨/٣ . ٣٩٧ سورة النحل: الآية ٨٠ ولنا قول ثالث: هل تُلْحق أطراف القرون والأظلاف بأصولها أو بالشعر؟ قولان. وكذلك الشّعرِيُّ من الریش؛ حكمه حكم الشعر، والعظميُّ منه حكمه حکمه(١). ودليلنا قوله ﴿: ((لا تنتفعوا من الميتة بشيء))(٢). وهذا عامٌّ فيها وفي كل جزءٍ منها، إلَّا ما قامَ دليلُه؛ ومن الدليل القاطع على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُخْي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وقال: ﴿ وَأَنْفُرْ إِلَى الْمِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقال: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظََّمَ لَتْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال: ﴿أَوِذَا كُنَّا عِظَمًا تَخِرَةَ﴾ [النازعات: ١١]، فالأصلُ هي العظام، والروح والحياة فيها كما في اللَّحم والجلد. وفي حديث عبد الله بن عُكَيم: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَب))(٣). فإن قيل: قد ثبت في الصحيح أنَّ النبيَّ # قال في شاة ميمونة: ((ألا انتفعتم بجلدها؟))، فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتةٌ؟! فقال: ((إنما حَرُم أكلها))(٤). والعظم لا یؤکل. قلنا: العظمُ يؤكل، وخاصَّةً عظم الجمل الرضيع والجَدْي والطير، وعظمُ الكبير يُشوى ويؤكل. وما ذكرناه قبلُ يدُلُّ على وجود الحياة فيه، وما كان طاهراً بالحياة ويستباحُ بالذَّكاة؛ ينجس بالموت. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: ﴿مِّن جُلُودِ الْأَنْعَمِ﴾ عامٌّ في جلد الحيِّ والميت، فيجوز (١) ينظر المفهم ٤ / ٤٦٢ . (٢) أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٦٨/١، وابن حبان في صحيحه (١٢٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٥/١، وهو أحد روايات حديث عبد الله بن عُكيم الذي سيذكره المصنف بعده . (٣) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٨٧٨٠)، وأبو داود (٤١٢٧)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي ٧/ ١٧٥، وابن ماجه (٣٦١٣) وابن حبان (١٢٧٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن. غير أن الحديث مضطرب كما ذكر ابن عبد البر في التمهيد ١٦٤/٤، والحازمي في الاعتبار ص٣٩، وعبد الله بن عُكيم لا يُعرف له سماع من النبي # كما في التاريخ الكبير للبخاري ٣٩/٥ . (٤) أخرجه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو عند أحمد (٢٣٦٩). ٣٩٨ سورة النحل: الآية ٨٠ الانتفاعُ بجلود الميتة وإنْ لم تدبغ؛ وبه قال ابنُ شهاب الزهريُّ والليثُ بن سعد. قال الطحاويُّ(١): لم نجد عن(٢) أحدٍ من الفقهاء جوازَ بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلَّا عن الليث. قال أبو عمر (٣): يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين، وأمَّا ابن شهاب فذلك عنه صحيح، وهو قول أباه جمهورُ أهل العلم. وقد رُويَ عنهما خلافُ هذا القول، والأولُ أشهر. قلت: قد ذكر الدَّارقطنيُّ في ((سننه)) حدیث یحیی بن أيوب عن يونس وعُقيل عن الزهريِّ(٤)، وحديثَ بقية عن الزُّبيدي، وحديث محمد بن كثير العبديّ وأبي سلمة المِنْقَريّ عن سليمان بن كثير عن الزهريّ(٥)، وقال في آخرها: هذه أسانيد صحاح. السادسة(٦): اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دُبغ هل يطهر أم لا ؛ فذكر ابنُ عبد الحكم عن مالك ما يُشبه مذهب ابن شهاب في ذلك. وذكره ابن خُوَيْزِ مَنْداد في کتابه عن ابن عبد الحکم أيضاً. قال ابن خُوَیْزِمَنْداد: وهو قول الزهريّ واللیث. قال: والظاهر من مذهب مالك ما ذكره ابن عبد الحكم، وهو أنَّ الدِّباغَ لا يُطهّر جلدَ الميتة، ولكنْ يُبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة، ولا يُصلَّى عليه ولا يؤكل فيه(٧). وفي ((المدوّنة)) (٨) لابن القاسم: من اغتصب جلدَ ميتةٍ غيرَ مدبوغ فأتلفه؛ كان (١) في مختصر اختلاف العلماء ١٦٠/١ - ١٦١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ١٥٦/٤ . (٢) في (د) و(ز) و(ظ): عند، والمثبت من (ف) و(م) وهو الموافق للتمهيد. (٣) في التمهيد ١٥٦/٤. (٤) سنن الدار قطني (٩٨)، وهو حديث ابن عباس في الصحيحين الذي ذكره المصنف آخر المسألة الثالثة عن شاة ميمونة . (٥) سنن الدارقطني (١٠١) (١٠٢) بنحو ما قبله. (٦) كذا في النسخ، ولم يرد فيها: الخامسة. (٧) التمهيد ١٥٦/٤ - ١٥٧. (٨) ٣٦٦/١٤. ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ٤/ ١٥٧. ٣٩٩ سورة النحل: الآية ٨٠ عليه قيمته. وحكى أنَّ ذلك قول مالك. وذكر أبو الفرج أنَّ مالكاً قال: من اغتصبَ لرجلٍ جلدَ ميتةٍ غير مدبوغ؛ فلا شيء عليه. قال إسماعيل: إلَّا أنْ يكون لمجوسيّ(١). وروى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك جوازَ بيعه، وهذا في جلد كلِّ ميتةٍ إلّا الخنزيرَ وحده؛ لأنَّ الذَّكاة لا تعمل فيه، فالدِّاغُ أولى (٢). قال أبو عمر(٣): وكلُّ جلدٍ ذُكِّي؛ فجائزٌ استعماله للوضوء وغيره. وكان مالكٌ يكره الوضوء في إناء جلدِ الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله، ومرَّةً قال: إنَّه لم يكرهه إلّا في خاصَّة نفسه، ويكره الصلاةَ علیه وبيعه، وتابعه على ذلك جماعةٌ من أصحابه. وأمَّا أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته؛ لقول رسول الله ﴾: ((أيُّما إهابٍ دبغ فقد طهر)»(٤). وعلى هذا أكثرُ أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث، وهو اختيارُ ابن وهب(٥). السابعة: ذهبَ الإمام أحمد بن حنبل إلى أنَّه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شيءٍ وإنْ دُبغت؛ لأنَّها كلحم الميتة. والأخبارُ بالانتفاع بعد الدباغ تردّ قولَه. واحتجَّ بحديث عبد الله بن عكيم - رواه أبو داود (٦) - قال: قُرِئ علينا كتابُ رسول الله # بأرض جهينة، وأنا غلامٌ شابٌّ: ((ألَّا تستمتعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَب)). وفي رواية: ((قبلَ موته بشهر)(٧). رواه القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عُكيم، قال: حدثنا مَشيخةٌ لنا أنَّ النبيَّ ﴾ (١) التمهيد ١٥٧/٤، والاستذكار ٣٤١/١٥ وأبو الفرج هو عمرو بن محمد، وإسماعيل هو ابن إسحاق. (٢) ينظر الاستذكار ٣٤٠/١٥ و٣٤٩، وعقد الجواهر الثمينة لابن شاس ٣١/١، والمفهم ٤٦٣/٤. (٣) في الكافي ١٦٣/١. (٤) أخرجه أحمد (١٨٩٥)، ومسلم (٣٦٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وسلف ٢٦/٣ . (٥) التمهيد ١٧٢/٤، والكافي ١٦٣/١. (٦) في سننه (٤١٢٧)، وسلف ص ٣٩٧ من هذا الجزء. (٧) سنن أبي داود (٤١٢٨). ٤٠٠ سورة النحل: الآية ٨٠ کتبَ إليهم(١). قال داود بنُ عليّ: سألتُ یحیی بنَ مَعین عن هذا الحدیث فضعَّفه، وقال: لیس بشيء، إنَّما يقول: حدثني الأشياخ. قال أبو عمر (٢): ولو كان ثابتاً لاحتملَ أنْ يكون مخالفاً للأحاديث المروية عن ابن عباس، وعائشة، وسلمة بن المُحَبِّق، وغيرهم (٣)، لأنَّه جائزٌ أنْ يكون معنى حديث ابن عُكيم أنْ لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ قبل الدباغ؛ وإذا احتملَ ألَّا يكون مخالفاً فليس لنا أن نجعلَه مخالفاً، وعلينا أنْ نستعمل الخبرين ما أمكن، وحديثُ عبد الله بن عكيم وإنْ كانَ قبلَ موت النبيِّ # بشهر كما جاء في الخبر؛ فيمكن أنْ تكونَ قصَّةُ ميمونة وسماعُ ابن عباس منه: ((أيُّما إهابٍ دبغ فقد طهر» قبلَ موته بجمعةٍ، أو دون جمعة، والله أعلم(٤). الثامنة: المشهورُ عندنا أنَّ جلدَ الخنزير لا يدخل في الحديث، ولا يتناوله العموم، وكذلك الكلب عند الشافعيِّ. وعند الأوزاعي وأبي ثور: لا يطهر بالدِّباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه(٥). (١) هي إحدى روايات حديث عبد الله بن عُكيم السالف، وقد أخرج هذه الرواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٢٤١)، وابن حبان (١٢٧٩)، وذكره المصنف آخر المسألة الثالثة، ونقلنا ثمة عن ابن عبد البر أنه حديث مضطرب. (٢) في التمهيد ١٦٤/٤ - ١٦٥ وما قبله منه. (٣) حديث ابن عباس هوفي شاة ميمونة، وسلف آخر المسألة الثالثة، وهو في الصحيحين، وحديث عائشة أخرجه أبو داود (٤١٢٤) والنسائي في المجتبى ١٧٤/٧، والكبرى (٤٥٥٦)، وابن ماجه (٣٦١٢) ولفظه عند النسائي: سئل النبي # عن جلود الميتة فقال: ((دباغها طهورها)). وحديث سلمة بن المحبق أخرجه أبو داود (٤١٢٥)، والنسائي في المجتبى ١٧٣/٧، والكبرى (٤٥٥٥) ولفظه عند أبي داود أن رسول الله ﴾ في غزوة تبوك أتى على بيت فإذا قربةً معلقةٌ، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة فقال: ((دباغها طهورها)). وسلمة بن المحبّق يكنى أبا سنان، له رواية، وسكن البصرة. الإصابة ٢٣٥/٤ . (٤) التمهيد ١٦٤/٤ - ١٦٥، والاستذكار ٣٤٦/١٥. (٥) التمهيد ١٧٦/٤. وينظر المفهم ٤٦٣/٤، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١٦١.