Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة النحل: الآيات ٣٠ - ٣٥
لأنهم ما آمنوا بها، ولكنَّ امتناعَهم عن الإيمان أَوجبَ عليهم العذاب، فأُضيف ذلك
إليهم، أي: عاقبتهم العذاب. ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِزَّ﴾ أي: أصرُّوا على الكفر،
فأتاهم أمرُ الله، فهلكوا. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بتعذيبهم وإهلاكِهم، ولكن ظلموا
أنفسَهم بالشرك(١).
قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ قيل: فيه تقديمٌ وتأخير، التقدير: كذلك
فعلَ الذين من قبلهم فأصابهم سيئاتُ ما عملوا، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسَهم
يظلمون، فأصابهم عقوباتُ كفرهم وجزاءُ الخبيث من أعمالهم (٢). ﴿وَحَافَ بِهِم)
أي: أحاطَ بهم ودار. ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِمُونَ﴾ أي: عقاب استهزائِهم (٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِنْ شَيْءٍ نَّعْنُ
وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِ مِن شٍَّ كَذَلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَهَلْ عَلَى
اُلُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ (٥)﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ﴾ أي:
شيئاً، و((مِن)) صلة. قال الزجَّاج(٤): قالوه استهزاءً، ولو قالوه عن اعتقادٍ لكانوا
مؤمنين. وقد مضى هذا في سورة الأنعام(٥) مبيّناً معنَى وإعراباً، فلا معنى للإعادة.
﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِزَّ﴾ أي: مثل هذا التكذيبِ والاستهزاءِ فعلَ مَن كان
قبلهم بالرسل، فأُهلكوا. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ أي: ليس عليهم إلَّا
(١) زاد المسير ٤٤٤/٤ - ٤٤٥ .
(٢) ينظر تفسير البغوي ٦٨/٣، وتفسير الرازي ٢٦/٢٠.
(٣) تفسير الرازي ٢٦/٢٠.
(٤) في معاني القرآن ٣/ ١٩٧ .
(٥) ١٠٢/٩.

٣٢٢
سورة النحل: الآيات ٣٥ - ٣٧
التبليغُ، وأمَّا الهدايةُ؛ فهي إلى الله تعالى(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَ فِى كُلّ أُمٍّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ
الطَّاغُوتِّ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم ◌َنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِبْرُواْ فِ الْأَرْضِ
ج
فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِيِنَ
٣٦
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَ فِى كُلِّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ أي: بأنِ اعبدوا
اللهَ ووحّدوه.﴿ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتٌ﴾ أي: اتركوا كُلَّ معبودٍ دون الله، کالشیطانِ
والكاهن والصنم، وكلَّ مَن دعا إلى الضَّلالِ. ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: أَرشده إلى
دينِه وعبادته (٢). ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾ أي: بالقضاء السَّابق عليه حتى
مات على كفره(٣)، وهذا يردُّ على القَدَريَّة؛ لأنهم زعموا أنَّ الله هدى الناسَ كلَّهم
ووقَّقهم للهدى، واللهُ تعالى يقول: ﴿فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
ج
الضَّلَلَةُ﴾ وقد تقدَّم هذا في غيرِ موضع (٤). ﴿فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾ أي: فسيروا معتبرين
في الأرض. ﴿فَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: كيف صار آخرُ أمرِهم إلى
الخرابِ والعذابِ والهلاك(٥).
قوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِضِ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُ وَمَا لَهُم مِّن
نَّصِرِينَ (@)
قوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِضِ عَلَى هُدَنهُمْ﴾ أي: إن تطلب يا محمدُ بجُهدك هداهم؛
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُ﴾ أي: لا يُرشد مَن أضلَّهُ، أي: مَن سبق له مِن الله
(١) ينظر تفسير أبي الليث ٢٣٥/٢، وزاد المسير ٤٤٥/٤ .
(٢) ينظر تفسير أبي الليث ٢٣٥/٢، والمحرر الوجيز ٣٩٢/٣، والوسيط ٦٢/٣، والبغوي ٦٨/٣.
(٣) تفسير البغوي ٦٨/٣ .
(٤) ينظر ١٠/ ٤٨١ - ٤٨٢.
(٥) الوسيط ٦٢/٣، وتفسير البغوي ٦٨/٣.

٣٢٣
سورة النحل: الآية ٣٧
الضلالةُ؛ لم يهده(١). وهذه قراءةُ ابن مسعود، وأهلِ الكوفة (٢). فـ((يَهْدِي)) فعلٌ
مستقبَل، وماضيه هَدَى. و((مَن)) في موضعٍ نصب بـ ((يهدي)). ويجوزُ أن يكونَ هَدَى
يَهْدي بمعنى اهتدى يهتدي، رواه أبو عبيد عن الفراء(٣) قال: كما قُرئَ: ((أمّن لا
يَهْدِي إلَّا أَنْ يُهْدَى)) [يونس: ٣٥] بمعنى يهتدي. قال أبو عبيد: ولا نعلم أحداً روى هذا
غير الفراء، وليس بمثَّهم فيما يحكيه. النحاس: حُكيَ لي عن محمد بن يزيد: كأنَّ
معنى ((لَا يَهْدي مَن يُضِلّ)): مَن عَلِم ذلك منه، وسبقَ ذلك له عنده، قال: ولا يكون
يهدي بمعنى يهتدي إلَّا أن يكون يُهْدي أو يُهْدَى(٤). وعلى قولِ الفراء ((يَهْدي)) بمعنى
يهتدي، فيكون ((مَن)) في موضع رفع، والعائدُ إلى ((مَن)) الهاء المحذوفة من الصِّلةِ،
والعائدُ إلى اسم ((إنَّ) الضمير المستكِنَّ في ((يُضِلُّ))(٥). وقرأ الباقون: ((لا يُهْدَى)) بضم
الياء وفتح الدال(٦)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، على معنى: مَن أَضلَّه الله لم يهدِه
هادٍ، دليلُه قوله: ﴿مَن يُعْلِلِ اَللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] و(مَن)) في موضع رفعٍ
على أنه اسم ما لم يُسَمَّ فاعله(٧)، وهي بمعنى الذي، والعائدُ عليها من صلتِها
محذوف(٨)، والعائد على اسم إنَّ مِن ((فإنَّ الله)) الضمير المستكِنُّ في ((يُضلُّ». ﴿وَمَا
لَهُمْ مِن نَّصِينَ﴾ تقدَّم معناه(٩).
(١) ينظر الطبري ٢١٧/١٤، والوسيط ٦٢/٣، والمحرر الوجيز ٣٩٢/٣.
(٢) السبعة ص٣٧٢، والتيسير ص١٣٧، وتفسير الطبري ٢١٧/١٤ - ٢١٨، والمحرر الوجيز ٣٩٢/٣.
(٣) في معاني القرآن ٩٩/٢ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٦٥/٤ - ٦٦، وما قبله منه.
(٥) الحجة لأبي علي الفارسي ٦٤/٥، والمحرر الوجيز ٣٩٢/٣.
(٦) وهم: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر. السبعة ص٣٧٢ ، والتيسير ص١٣٧ .
(٧) ينظر الطبري ٢١٨/١٤، ومعاني القرآن للفراء ٩٩/٢، وحجة القراءات ص٣٨٩.
(٨) الحجة لأبي علي الفارسي ٥/ ٦٤ .
(٩) ينظر ١٥٦/٥ و ١٩٨ و ٤٧٥ .

٣٢٤
سورة النحل: الآية ٣٨
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ
حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ هذا تعجيبٌ من صنعهم، إذ أقسموا
بالله، وبالغوا في تغليظ اليمين بأنَّ الله لا يبعثُ مَن يموت(١). ووجهُ التعجيب أنهم
يُظهرون تعظيمَ الله فيُقسمون به ثم يُعجِّزونه عن بَعثِ الأموات. وقال أبو العالية: كان
لرجلٍ من المسلمين على مشرك دينٌ فتقاضاه، وكان(٢) في بعض كلامِه: والذي
أرجوه بعد الموت إنه لكذا، فأقسم المشركُ بالله: لا يبعثُ الله مَن يموت. فنزلت
الآية. وقال قتادة: ذُكر لنا أنَّ ابن عباس قال له رجل: يا ابن عباس، إنَّ ناساً يزعمون
أن عليًّا مبعوثٌ بعدَ الموت قَبْل الساعة، ویتأوَّلون هذه الآية. فقال ابنُ عباس: گذب
أولئك! إنَّما هذه الآيةُ عامةٌ للناس، لو كان عليّ مبعوثاً قبلَ القيامة؛ ما نكحنا نساءَه،
ولا قَسمنَا ميراثه(٣).
﴿بَلَ﴾ هذا ردٌ علیھم، أي: بلی لیبعثنھم (٤) . ﴿وھدًا عَلید حقًّا﴾ مصدر مؤگِّد؛
لأن قولَه ((يبعثهم))(٥) يدلُّ على الوعد، أي: وعد البعث وعداً حقًّا (٦). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مبعوثون. وفي البخاري(٧) عن أبي هريرة عن النبيِّ ﴾: ((قال الله
تعالى: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبُه
إيَّايَ، فقولُه: لن يعيدني كما بدأني، وأما شتمه إيَّايَ فقوله: اتخذ الله ولداً. وأنا
(١) الوسيط ٦٢/٣ .
(٢) في (ظ): وقال.
(٣) أخرج الطبري ٢١٩/١٤ - ٢٢١ أثر أبي العالية وقتادة، وينظر زاد المسير ٤٤٦/٤ - ٤٤٧، والمحرر
الوجيز ٣٩٣/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٩٣/٣، والكشاف ٤٠٩/٢ .
(٥) يعني القول المقدر، كما ذكر قبل.
(٦) ينظر المحرر الوجيز ٣٩٣/٣، والكشاف ٤٠٩/٢، والوسيط ٦٢/٣ - ٦٣.
(٧) برقم (٤٩٧٤)، وهو عند أحمد (٨٢٢٠).

٣٢٥
سورة النحل: الآيات ٣٨ - ٤٠
الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُوّا أحد)). وقد تقدَّم، ويأتي(١).
قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ اُلَّذِينَ كَفَرُوَا أَنَهُمْ كَانُوا
كَذِبِينَ
قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَمّ﴾ أي: ليُظهِرَ لهم. ﴿الَّذِى يَخْلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: من أمر
البعث. ﴿وَلِيَعْلَمَّ الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ بالبعث وأقسموا عليه(٢) ﴿أَنَّهُمْ كَانُوْ كَذِبِينَ﴾ وقيل:
المعنى ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً؛ ليبيِّنَ لهم الذي يختلفون فيه. والذي اختلف فيه
المشركون والمسلمون أمورٌ: منها البعثُ، ومنها عبادةُ الأصنام(٣)، ومنها إقرار قومٍ
بأن محمداً حقٌّ ولكن منعَهم من اتباعِه التقليدُ، كأبي طالب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْنَا لِّشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
أعلمهم سهولةً الخلق علیه، أي: إذا أردنا أن نبعثَ مَن یموت، فلا تعبَ علینا
ولا نصبَ في إحيائهم، ولا في غير ذلك ممَّا نُحدثه؛ لأنَّا إنَّما نقولُ له: كن،
فيكون(٤). قراءةُ ابن عامر والكسائيّ: ((فيكونَ)) نصباً عطفاً على ((أن نقول)). وقال
الزَجَّاج: يجوز أن يكون نصباً على جواب ((كن))(٥). الباقون بالرفع على معنى فهو
يكون(٦). وقد مضى القولُ فيه في ((البقرة)) مستوفّى (٧). وقال ابنُ الأنباريِّ: أوقعَ لفظَ
الشيءٍ على المعلومِ عندَ الله قبلَ الخلق؛ لأنه بمنزلةٍ ما وُجِد وشوهد(٨).
(١) سلف ٣٣٣/٢، وسيرد عند تفسير الآية (٩٣) من مريم، والآية (٥٧) من الأحزاب.
(٢) ينظر الطبري ٢٢١/١٤ .
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٩٨/٣ - ١٩٩.
(٤) تفسير الطبري ٢٢٢/١٤، ومعاني القرآن للزجاج ١٩٨/٣.
(٥) معاني القرآن وإعرابه ١٩٨/٣، وأنكر النحاس في إعراب القرآن ٣٩٦/٢ قول الزجاج هذا؛ لأنه
إخبار لا يجوز فيه الجواب.
(٦) السبعة ص٣٧٣، والتيسير ص ١٣٧ .
(٧) ٣٣٨/٢.
(٨) زاد المسير ٤/ ٤٤٧، ولم ينسبه لابن الأنباري.

٣٢٦
سورة النحل: الآيتان ٤٠ - ٤١
وفي الآية دليلٌ على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه لو كان قولُه: ((كن)) مخلوقاً؛
لاحتاج إلى قولٍ ثانٍ، والثاني إلى ثالثٍ، وتسلسل وكان مُحالاً(١).
وفيها دليلٌ على أن الله سبحانه مريدٌ لجميع الحوادثِ كلِّها خيرِها وشرِّها نفعِها
وضرِّها، والدليلُ على ذلك أنَّ مَن يرى في سلطانِهِ ما يكرهه ولا يريده، فلأحدِ
شيئين: إمَّا لكونه جاهلاً لا يدري، وإمَّا لكونه مغلوباً لا يطيق، ولا يجوز ذلك في
وَصِفِه سبحانه، وقد قام الدليلُ على أنه خالقٌ لاكتساب العباد(٢)، ويستحيل أن يكون
فاعلاً لشيءٍ وهو غيرُ مريد له؛ لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودِنا
وإرادتنا، فلو لم يكنِ الحقُّ سبحانه مريداً لها؛ لكانتْ تلك الأفعالُ تحصل من غير
قصدٍ، وهذا قولُ الطبيعيين(٣)، وقد أجمعَ الموحّدون على خلافِه وفسادِه.
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُوِّثَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ
وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبُرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٤١
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قد تقدَّم في ((النِّساء)) معنى
الهجرة(٤)، وهي تركُ الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله، وتركُ
السيئات. وقيل: ((في)) بمعنى اللام، أي: لِله. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلُواْ﴾ أي: عُذّبوا في
اللـه(٥). نزلت في صُهَيب وبلال وخبَّاب وعمَّار، عذَّبهم أهل مكةً حتى قالوا لهم ما
أرادوا، فلما خلَّوهم هاجروا إلى المدينة، قاله الكَلْبيُّ(٦). وقيل: نزلت في أبي جَنْدل
ابن سهيل. وقال قتادة: المرادُ أصحابُ محمد﴾، ظلمهم المشركون بمكةً،
(١) تفسير الرازي ٢٠/ ٣٢.
(٢) ينظر تفسير الرازي ١٤٩/٢٦ و٢٤٦ - ٢٤٧.
(٣) في النسخ الخطية: الطبائع، والمثبت من (م).
(٤) ٧ / ٦٥ .
(٥) تفسير البغوي ٦٩/٣ .
(٦) النكت والعيون ١٨٩/٣.

٣٢٧
سورة النحل: الآية ٤١
وأخرجوهم حتى لحقَ طائفةٌ منهم بالحبشة، ثم بؤَّأهم الله تعالى دارَ الهجرة، وجعلَ
لهم أنصاراً من المؤمنين (١). والآيةُ تعمُّ الجميع.
﴿لَنُوِّئَنَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ﴾ في الحسنة ستةُ أقوال:
الأوَّل: نزولُ المدينة، قاله ابنُ عباس والحسن والشَّعْبيُّ وقَتادة.
الثاني: الرزقُ الحسن، قاله مجاهد.
الثالث: النصرُ على عدوّهم، قاله الضخَّاك.
الرابع: أنه لسانُ صدق، حكاه ابن جُريج (٢).
الخامس: ما استَولَوا عليه من فتوحِ البلاد، وصار لهم فيها من الولايات.
السادس: ما بقي لهم في الدنيا من الثناءٍ، وما صار فيها لأولادهم من
الشرف(٣). وكلُّ ذلك اجتمعَ لهم بفضل الله، والحمد لله.
﴿وَلَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ﴾ أي: ولأجرُ دارِ الآخرة أكبر، أي: أكبر من أن يعلمه أحدٌ
قبل أن يشاهدَه، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَيْتَ نَفِيَا وَمُلَكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠].
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كان هؤلاءِ الظالمون يعلمون ذلك. وقيل: هو
راجعٌ إلى المؤمنين. أي: لو رأَوا ثوابَ الآخرة وعاينوه؛ لعلِموا أنه أكبرُ من حسنةٍ
الدنيا(٤). ورُويَ أنَّ عمرَ بن الخطاب كان إذا دفعَ إلى المهاجرين العطاءَ قال: هذا
ما وَعدكم اللهُ في الدنيا، وما ادَّخرَ لكم في الآخرة أكثرُ، ثم تلا عليهم هذه الآيَةِ(٥).
(١) زاد المسير ٤٤٨/٤، وأخرج القولين الطبري ٢٢٣/١٤ و٢٢٥. وأبو جندل بن سهيل: اسمه عبد
الله، كان من السابقين إلى الإسلام، وممَّن عُذِّب بسبب إسلامه، استشهد باليمامة وهو ابن ثمان
وثلاثين سنة. الإصابة ١١/ ٦٤ - ٦٥ .
(٢) كذا في النسخ، وفي النكت والعيون ١٨٨/٣، والكلام منه: ابن جرير، ونسبه في زاد المسير ٤٤٨/٤
إلى مجاهد، وهو في تفسيره ٣٤٧/١ .
(٣) النكت والعيون ١٨٨/٣ - ١٨٩.
(٤) ينظر تفسير الرازي ٣٤/٢٠ .
(٥) النكت والعيون ١٨٩/٣، وأخرجه الطبري ٢٢٤/١٤ - ٢٢٥.

٣٢٨
سورة النحل: الآيات ٤٢ - ٤٤
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَّلُونَ
قيل: ﴿الَّذِينَ﴾ بدلٌ من ((الذين)) الأوّل. وقيل: مِن الضمير في ((لَنُبَوِّئَنَّهُمْ))(١)
وقيل: هم الذين صَبروا على دينهم (٢). ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوََّلُونَ﴾ في كل أمورهم(٣).
وقال بعضُ أهلِ التحقيق: خيارُ الخلق مَن إذا نابَه أمرٌ صبر، وإذا عجزَ عن أمرٍ
توكّل؛ قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَّوَكَّلُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمَّ فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
يَلْبَيْنَتِ وَالزُّبُرِّ وَأَنْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ
كُتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ (٣)
إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَفَكَّرُونَ (@)
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَتِهِم﴾ قراءةُ العامة: ((يُوحَى))
بالياء وفتح الحاء. وقرأ حفص عن عاصم: ((نُوحِي إليهم)) بنون العَظَمةِ، وكسرِ
الحاء(٤). نزلتْ في مشركي مكةَ حيثُ أنكروا نبوَّةَ محمدٍ ﴿ وقالوا: اللهُ أعظمُ من أن
يكونَ رسوله بشراً، فهلًا بعث إلينا مَلَكاً (٥)، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ﴾ إلى الأمم الماضية يا محمد ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ آدميين.
﴿فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ قال سفيان: يعني مؤمني أهلِ الكتاب(٦). ﴿إِن كُتُمْ لَا
تَعْلَمُونٌ ﴾ يُخبرونكم أنَّ جميع الأنبياء كانوا بشراً. وقيل: المعنى: فاسألوا أهلَ
الكتاب، فإن لم يؤمنوا، فهم معترفونَ بأنَّ الرسل كانوا من البشر(٧). رُوِيَ معناه عن
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٦/٢.
(٢) تفسير الرازي ٣٥/٢٠ .
(٣) ينظر تفسير الطبري ٢٢٦/١٤.
(٤) السبعة ص٣٧٣، والتيسير ص ١٣٠.
(٥) أسباب النزول للواحدي ص٢٨٤ - ٢٨٥ .
(٦) أخرجه الطبري ٢٢٧/١٤ بنحوه عن سفيان عن الأعمش.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ .

٣٢٩
سورة النحل: الآيتان ٤٣ - ٤٤
ابنِ عباس ومجاهد(١). وقال ابنُ عباس: أهلُ الذكرِ: أهلُ القرآن(٢). وقيل: أهل
العلم (٣)، والمعنى متقاربٌ.
﴿بَلْيَغْنَتِ وَالزُّبُرِ﴾ قيل: ((بالبينات)) متعلق بـ ((أرسلنا)). وفي الكلام تقديمٌ وتأخير،
أي: ما أرسلنا من قبلكَ بالبينات والزُّبُر إلَّا رجالاً - أي: غير رجال، فـ ((إلَّا)) بمعنى
غير، كقوله: لا إله إلا الله، وهذا قولُ الكلبيِّ(٤) - نوحِي إليهم. وقيل: في الكلام
حذفٌ دلَّ عليه: ((أرسلنا))، أي: أرسلناهم بالبيناتِ والزبر(٥). ولا يتعلق ((بِالبيِّنَاتِ))
بـ ((أرسلنا)) الأوَّل على هذا القول؛ لأنَّ ما قبل ((إلَّا)) لا يعملُ فيما بعدها، وإنما يتعلقُ
بـ ((أرسلنا)) المقدَّرة، أي: أرسلناهم بالبيِّنات. وقيل: مفعول بـ ((تعلمون)) والباء
زائدة (٦)، أو نُصب بإِضمار أعني(٧)، كما قال الأعشى:
وليس مُجِيراً إن أتى الحيَّ خائفٌ
ولا قائلاً إلَّا هو المتعيَّبا(٨)
أي: أعني المتعيِّب. والبينات: الحُجَج والبراهين. والزُّبُر: الكتب. وقد تقدَّم في
آل عمران(٩). ﴿وَأَنْآَ إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني: القرآن. ﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في
هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولِك وفعلِك؛ فالرسول 8# مبيِّن عن الله
عزَّ وجلَّ مرادَه ممَّا أَجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة، وغير ذلك مما لم
(١) أخرجه الطبري عنهما ١٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢) أخرجه الطبري ٢٢٨/١٤ - ٢٢٩ عن ابن زيد، وهو كذلك في النكت والعيون ١٨٩/٣، وزاد المسير
٤٤٩/٤، وزاد نسبته ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٥/٣ لابن جبير.
(٣) أخرجه الطبري ٢٨٨/١٤ عن أبي جعفر.
(٤) أورده الطبري ٢٢٩/١٤ - ٢٣٠، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٥/٣ دون نسبة.
(٥) نسبه الرازي في تفسيره ٣٧/٢٠ إلى الفراء.
(٦) الكشاف ٢ / ٤١١ .
(٧) تفسير الطبري ٢٣٠/١٤.
(٨) في ديوانه ص ١٦٣، وتفسير الطبري ١٤/ ٢٣٠ .
(٩) سلف ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧ .

٣٣٠
سورة النحل: الآيات ٤٣ - ٤٧
يفصِّلْه. وقد تقدَّم هذا المعنى مستوفّى في مقدِّمة الكتاب(١)، والحمد لله. ﴿ وَلَعَلَّهُمْ
يَنَفَكَّرُونَ﴾ فيتَّعظون.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخِْفَ اللّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ بَأْنِيَهُمُ
الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ
٤٦
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِمُ (®)﴾
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ أي: بالسيئات، وهذا وعيدٌ للمشركين
الذين احتالوا في إبطال الإسلام . ﴿أَنْ يَخِْفَ اللّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ قال ابن عباس: كما
خُسِفَ بقارون(٢)، يقال: خَسفَ المكانُ يَخِف خُسوفاً: ذهب في الأرض، وخسف
اللهُ به الأرضَ خَسْفاً(٣)، أي: غاب به فيها، ومنه قوله: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِ الْأَرْضَ﴾
[القصص: ٨١]. وخَسَف هو في الأرض وخُسِف به. والاستفهامُ بمعنى الإنكار، أي:
يجب ألَّا يأمَنوا عقوبةً تَلحقهم كما لحقت المكذِّبين(٤). ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ
لَا يَشْعُرُونَ﴾ كما فعل بقوم لوطٍ وغيرِهم. وقيل: يريد يومَ بدر(٥)؛ فإنهم أُهلكوا ذلك
اليوم، ولم يكن شيءٌ منه في حسابهم.
﴿أَقْ بَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّيِهِمْ﴾ أي: في أسفارهم وتصرُّفهم؛ قاله قتادة (٦). ﴿فَمَا هُم
بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: مسابقين الله ولا فائتيه. وقيل: ((في تَقَلَّبِهِم)): على فراشهم أينما
كانوا(٧). وقال الضخَّاك: بالليل والنهار(٨).
(١) ١/ ٦٤ - ٦٨ .
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٦٤/٣ دون نسبة، وذكره عن ابن عباس ابن الجوزي ٥٩/٣ في تفسير قوله
تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَلْقَائِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن ◌َّمْتِ أَرْبُلِكُمْ﴾ من سورة الأنعام.
(٣) في النسخ: خسوفاً، والمثبت من الصحاح (خسف) والكلام منه.
(٤) الوسيط للواحدي ٣/ ٦٤ .
(٥) ذكره الواحدي في الوسيط ٦٤/٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٣٤.
(٧) ينظر الوسيط ٦٤/٣.
(٨) معاني القرآن للنحاس ٦٩/٤، وزاد المسير ٤٥١/٤، وأخرجه الطبري ٢٣٤/١٤ عن ابن جريج.

٣٣١
سورة النحل: الآيات ٤٥ - ٤٧
﴿أَوْ بَأْخُذَهُمْ عَى تَّخَوْفٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أي: على تنقُّصٍ من
أموالهم ومواشيهم وزروعِهم (١). وكذا قال ابنُ الأعرابي: أي: على تنقُّص من
الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم كلَّهم.
وقال الضحاك: هو من الخوف؛ المعنى: يأخذ طائفةً ويَدَعُ طائفةٌ، فتخاف
الباقيةُ أن يَنزلَ بها ما نزل بصاحبتها(٢). وقال الحسن: ((على تَخَوُّفٍ)) أن يأخذ القرية
فتخافه القرية الأخرى(٣)، وهذا هو معنى القولِ الذي قبله بعينه، وهما راجعان إلى
المعنى الأوَّل، وأنَّ التخوُّف التنقُّصُ؛ تخوَّفه: تنقَّصه، وتخوَّفه الدهرُ وتخوَّنه، بالفاء
والنون؛ بمعنّى؛ يقال: تخوَّنني فلانٌ حَقِّي: إذا تنقَّصك(٤). قال ذو الرُّمَّة:
لا بل هو الشوق مِن دارٍ تَخوَّنها
مَرَّا سحابٌ ومَرًّا بارِحٌ تَرِبُ(٥)
وقال لبید :
تخوَّنها نزولي وارتحالي
أي: تنقَّص لحمَها وشحمَها(٦).
وقال الهيثم بن عَدِيٍّ: التخوُّف، بالفاء: التنقُّص، لغةٌ لأَزدٍ شَنُوءة (٧). وأنشد:
سلاسلَ في الحلوق لها صليلُ(٨)
تخوُّفُ غَذْرِهم مالي وأُهدي
(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨ بنحوه. وينظر معاني القرآن للنحاس ٦٩/٤ - ٧٠.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٦٩/٤، وأخرجه الطبري ٢٣٨/١٤.
(٣) النكت والعيون ١٩٠/٣ .
(٤) ينظر تهذيب اللغة ٧/ ٥٨٣ ، والصحاح (خون).
(٥) ديوانه ١٩/١، والبارح: الريح الحارة في الصيف. القاموس (برح).
(٦) الصحاح (خون)، وبيت لبيد في ديوانه ص٧٦ (بشرح الطوسي) وصدره: عُذافِرةٌ تَقَمَّصُ بالرُّدافى. وهو
في وصف ناقته. والعذافرة: الضخمة القوية الشديدة. تقمص: تنزو به. الرادفى: راكبها الذي يرتدف
خلف الراكب. قاله الطوسي.
(٧) تفسير الطبري ٢٣٥/١٤، وزاد المسير ٤٥١/٤ .
(٨) هو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٦٠، وغريب الحديث لإبراهيم الحربي ٨٣٥/٢، وتفسير =

٣٣٢
سورة النحل: الآيات ٤٥ - ٤٧
وقال سعيد بن المسيب: بينما عمر بنُ الخطاب على المنبر قال: يا أيها
الناس، ما تقولون في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَى تَخَوْفٍ﴾ فسكت الناسُ، فقال
شيخٌ من بني هُذَيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين، التخوُّف: التنقُّص. فخرج رجل
فقال: يا فلان، ما فعل دَيْنُك؟ قال: تخوَّفته، أي: تنقَّصته؛ فرجع فأخبر عمر، فقال
عمر: أتعرف العربُ ذلك في أشعارهم؟ قال: نعم؛ قال شاعرنا أبو كبِيرِ الهُذَليُّ
يصف ناقةً تنقَّصَ السيرُ سنامَها بعد تَمْكِه واكتنازه:
تخوَّفَ الرَّحْلُ منها تامِكاً قَرِداً كما تحوَّفَ عُودَ النَّبْعة السَّفَنُ(١)
فقال عمر: يا أيها الناس، عليكم بديوانكم شعرِ الجاهلية؛ فإنَّ فيه تفسيرَ كتابكم
ومعاني كلامكم(٢).
تَمَّكَ السَّنامُ يَتْمُكُ تَمْكاً، أي: طال وارتفع، فهو تامِك. والسَّفَن والمِسْفن: ما
يُنْجَر به الخشب(٣).
وقال اللَّيث بن سعد: ((على تخوُّفٍ)) على عَجَل(٤). وقيل: على تقريع بما قدَّموه
من ذنوبهم، وهذا مرويٌّ عن ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: ((على تخوّف)) أن يعاقب
= الطبري ٢٣٥/١٤، والفائق ٢٩٩/١ دون نسبة، والبيت الذي قبله: ألام على الهجاء وكل يوم
يلاقيني من الجيران غولُ. وقوله: سلاسل، يعني قوافي.
(١) هكذا نسبه هنا، وكذا في تفسير البيضاوي ٣/ ١٨٢، ونسبه الأزهري في تهذيب اللغة ٧/ ٥٩٤ لابن
مقبل، وهو في ديوانه ص ٤٠٥ ، ونسبه في الصحاح (خوف، سفن) لذي الرُّمَّة، ونسبه الزمخشري في
الكشاف ٤١١/٢ وفي أساس البلاغة ص١٧٨ إلى زهير، ونسبه البكري في سمط اللآلي ص٧٣٨ لقعنب
ابن أمٌّ صاحب، ونسبه الأصفهاني في الأغاني في ترجمة حماد الراوية لابن مزاحم الثمالي، وأورده
الطبري ١٤/ ٢٣٥ ولم ينسبه.
(٢) أخرجه الطبري ٢٣٦/١٤ عن رجل، عن عمر بنحوه. وينظر الكشاف ٤١١/٢، والمحرر الوجيز
٣٩٦/٣، وتفسير الرازي ٣٩/٢٠.
(٣) ينظر الصحاح (تمك) و(سفن)، والقَرِد: الذي يركب بعضه بعضاً. والنبع: شجر تتخذ منه القِسِيّ.
الصحاح (قرد) و(نبع).
(٤) النكت والعيون ١٩٠/٣.

سورة النحل: الآيات ٤٥ - ٤٨
٣٣٣
أو يتجاوز(١).
﴿فَإِنَّ رَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِمٌ﴾ أي: لا يُعاجِل، بل يُمْهِل.
قوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ
وَالشَّمَآيَلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ
٤٨)
قرأ حمزة والكِسائيُّ وخلفٌ ويحيى والأعمش ﴿تَرَوْا﴾ بالتاءُ(٢)؛ على أنَّ
الخطاب لجميع الناس. الباقون بالياء؛ خبراً عن الذين يمكرون السيئات؛ وهو
الاختيار. ﴿مِن شَىءٍ﴾ يعني: من جسم قائم له ظلٌّ من شجرة أو جبل؛ قاله ابن عباس.
وإن كانت الأشياء كلُّها سميعةً مطيعةً لله تعالى.
﴿يَنَّفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب وغيرُهما بالتاء(٣)؛ لتأنيث الظُّلال.
الباقون بالياء، واختاره أبو عبيد. أي: يميل من جانب إلى جانب، ويكون أولَ النهار
على حال ويتقلَّص، ثم يعود في آخر النهار على حالةٍ أخرى، فدورانُها وَمَيّلانُها من
موضعٍ إلى موضعٍ سجودُها، ومنه قيل للظِلِّ بالعَشِيِّ: فَيْءٌ؛ لأنه فاء من المغرب إلى
المشرق، أي: رجع. والفَيْءُ: الرجوع(٤)، ومنه ﴿حَّ تَفَِّ إِلَى أَمْرِ اَلِّ﴾
[الحجرات: ٩]. رُويَ معنى هذا القول عن الضحاك وقتادة وغيرهما(٥)، وقد مضى هذا
المعنى في سورة الرعد (٦). وقال الزجَّاج (٧): يعني سجودَ الجسم، وسجودُه انقيادُه
(١) أخرجهما الطبري ١٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٢) قراءة حمزة والكسائي في السبعة ص ٣٧٣، والتيسير ص١٣٨، وقراءة خلف في النشر ٣٠٤/٢،
وقراءة الأعمش في إتحاف فضلاء البشر ص٣٥١ .
(٣) قراءة أبي عمرو في السبعة ص٣٧٤، والتيسير ص١٣٨، وقراءة يعقوب في النشر ٣٠٤/٢.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٧١ .
(٥) أخرجه عنهما الطبري ٢٣٩/١٤ - ٢٤٠.
(٦) ص٤٥ من هذا الجزء.
(٧) في معاني القرآن ٢٠٢/٣ .

٣٣٤
سورة النحل: الآية ٤٨
وما يُرَى فيه من أَثَرِ الصَّنْعة، وهذا عامٌّ في كلِّ جسم.
ومعنى ﴿وَهُمَّ دَخِرُونَ﴾ أي: خاضعون صاغرون. والدُّخور: الصَّغار والذُّلُّ. يقال:
دَخَر الرجلُ، بالفتح؛ فهو داخِر، وأَدخره اللـهُ(١). وقال ذو الرُّمَّة:
ومُنْجَحِرٌ في غير أرضك في جُحْرٍ
فلم يبقَ إلَّا داخرٌ في مُخَيّسٍ
كذا نسبه الماورديُّ لذي الرُّمَّة، ونسبه الجوهريُّ للفرزدق(٢) وقال: المُخَيّس:
اسم سجنٍ كان بالعراق، أي: موضع التذلُّل. وقال:
أمَا تراني كَيِّساً مُكّيّسا بَنَيْتُ بعدَ نافعِ مُخَيِّسَا (٣)
ووحَّد اليمينَ في قوله: ((عنِ الْيَمينِ)) وجمعَ الشمالَ؛ لأنَّ معنى اليمين وإن كان
واحداً الجمعُ. ولو قال: عن الأيمان والشمائل، واليمين والشمائل، أو اليمين
والشمال، أو الأيمان والشمال، لجاز؛ لأن المعنى للكثرة. وأيضاً فمن شأن العرب
إذا اجتمعت علامتان في شيءٍ واحد أن تجمعَ إحداهما وتُفْردَ الأخرى، كقوله
تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمٌ﴾ [البقرة: ٧]، وكقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ
الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ولو قال: على أسماعهم، وإلى الأنوار، لجاز.
ويجوز أن يكون ردُّ اليمين على لفظ ((ما)) والشمائل على معناها (٤). ومثل هذا في
الكلام کثیر. قال الشاعر:
الواردون وتَيْمٌ في ذُرَا سَبٍَ قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميسِ(٥)
(١) الصحاح (دخر).
(٢) النكت والعيون ١٩١/٣، والصحاح (خيس). والبيت في ديوان ذي الرمة ٩٧٩/٢ .
(٣) قائله علي بن أبي طالب كما في العقد الفريد ١٨٣/٤، وجمهرة الأمثال ٧٩/١، واللسان (خيس).
وجاء فيه: نافع؛ هو سجن بالكوفة كان غير مستوثق البناء، وكان من قصب، فكان المحبوسون يهربون
منه، وقيل: إنه نقب وأفلت منه المحبَّسون، فهدمه علي ﴾، وبنى المخيَّس لهم من مدر.
(٤) ينظر تفسير البغوي ٧١/٣ .
(٥) قائله جرير، وهو في ديوانه ص ٢٥٢، والشطر الأول فيه: تدعوك تيم وتيم في قرى سبأ. أراد أنهم
أسرى، وفي أعناقهم أطواق من جلد الجواميس.

٣٣٥
سورة النحل: الآيات ٤٨ - ٥٠
ولم يقل: جلود.
وقيل: وحَّد اليمين؛ لأن الشمس إذا طلعت وأنت متوجّه إلى القِبلة، انبسط الظلُّ
عن اليمين، ثم في حال يميل إلى جهة الشمال، ثم حالات، فسمَّاها شمائل.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ مِنْ دَابَةٍ وَالْمَلَتِكَةُ
وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٤ يَخَافُونَ رَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الأَرْضِ مِن دَائَةٍ﴾ أي: من كل ما
يَدِبُّ على الأرض. ﴿وَالْمَلَكَةُ﴾ يعني: الملائكة الذين في الأرض، وإنما أفردهم
بالذِّكر لاختصاصهم بشرف المنزلة، فميَّزهم من صفة الدبيب بالذِّكر وإن دخلوا فيها؛
كقوله: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَفْلٌ وَرَُّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. وقيل: لخروجهم من جملة مَن يَدِبُّ،
لِمَا جعل الله لهم من الأجنحة، فلم يدخلوا في الجملة، فلذلك ذُكروا(١). وقيل:
أراد ((ولِلهِ يسجد ما في السماواتِ)) من الملائكة والشمس والقمر والنجوم والرياح
والسحاب، ((وما فِي الأرضِ مِن دابةٍ)) وتسجد ملائكةُ الأرض(٢). ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْرُونَ﴾
عن عبادة ربِّهم. وهذا ردٌّ على قريش حيث زعموا أنَّ الملائكة بناتُ اللـه.
ومعنى ﴿يَخَافُونَ رَّهُم مِّن فَوْفِهِمْ﴾ أي: عقابَ ربِّهم وعذابَه؛ لأنَّ العذابَ المُهلِكَ
إنما ينزل من السماء. وقيل: المعنى: يخافون قدرةَ ربِّهم التي هي فوق قدرتهم؛ ففي
الكلام حذف(٣). وقيل: معنى ((يخافون ربهم مِن فوقِهِم)) يعني الملائكة، يخافون
ربَّهم؛ وهي من فوق ما في الأرض من دابَّة ومع ذلك يخافون؛ فلَأنْ يخافَ مَن
دونَهم أولى؛ دليلُ هذا القولِ قولُه تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ يعني: الملائكة(٤).
(١) النكت والعيون ١٩٢/٣.
(٢) ينظر تفسير البغوي ٧١/٣، والمحرر الوجيز ٣٩٩/٣.
(٣) ينظر النكت والعيون ١٩٢/٣، والوسيط للواحدي ٦٥/٣، والمحرر الوجيز ٣٩٩/٣.
(٤) ينظر الوسيط للواحدي ٣/ ٦٥.

٣٣٦
سورة النحل: الآيتان ٥١ - ٥٢
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَّخِذُوَاْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَنَمِدٌ فَإِنََّىَ
فَارْهَبُونِ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اَللَّهُ لَا نَتَّخِذُوَاْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنٍ﴾ قيل: المعنى: لا تتخذوا اثنين
إلهين(١). وقيل: جاء قولُه: ((اثنينٍ)) توكيداً. ولمَّا كان الإله الحقُّ لا يتعدَّد، وأنَّ كل
مَن يتعدَّد فليس بإله، اقتصر على ذِكْرِ الاثنين؛ لأنَّه قصدَ نفيَ التعديد(٢). ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ
وَبَيْدٌ﴾ يعني ذاتَه المقدَّسة. وقد قام الدليل العقليُّ والشرعيُّ على وحدانيَّته حسبما تقدَّم
في ((البقرة)) بيانُهُ(٣)، وذكرناه في اسمه الواحدِ في ((شرح الأسماء)) (٤) والحمد لله.
﴿فَإِّنَىَ فَأَرْهَبُونٍ﴾ أي: خافون. وقد تقدَّم في (البقرة))(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيّرَ اللَّهِ نَثَّقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبَّأْ﴾ الدِّين: الطاعة والإخلاص.
و((وَاصِباً)) معناه دائماً؛ قاله الفرَّاء(٦)، حكاه الجوهريُّ(٧). وَصَبَ الشيءُ يَصِب
وُصوباً، أي: دام(٨). ووَصَبَ الرجل على الأمر: إذا واظبَ عليه. والمعنى: طاعةُ
اللهِ واجبةٌ أبداً. وممن قال: واصباً: دائماً: الحسنُ ومجاهد وقتادة والضحَّاك(٩).
ومنه قولُه تعالى: ﴿وَهُمْ عَذَابٌ وَاحِبُ﴾ [الصافات: ٩] أي: دائم. وقال الدُّؤَّلي:
بدمٍ يكون الدَّهرَ أَجمعَ واصبا (١٠)
لا أبتغي الحمدَ القليلَ بقاؤه
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٧/٢، والمحرر الوجيز ٣٩٩/٣.
(٢) ينظر المصدران السابقان.
(٣) ٤٨٨/٢ - ٤٨٩.
(٤) ص ١٦١ - ١٦٧ .
(٥) ٩/٢.
(٦) معاني القرآن ١٠٤/٢ .
(٧) الصحاح (وصب)، وما بعده منه.
(٨) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٧٢ .
(٩) النكت والعيون ١٩٣/٣، وأخرجه الطبري ٢٤٧/١٤ - ٢٤٩ .
(١٠) رواية عجزه في ديوانه ص٥٢ . هي كما في البيت التالي، وفيه أيضاً: لا أشتري، بدل: ما أبتغي.
وينظر التعليق التالي.

٣٣٧
سورة النحل: الآيات ٥٢ _ ٥٥
أنشد الغزنويُّ والثعلبيُّ وغيرهما :
يوماً بذمِّ الدهر أَجمعَ واصبا(١)
ما أبتغي الحمدَ القليلَ بقاؤه
وقيل: الوَصَب: التعبُ والإعياء(٢)، أي: تجب طاعة الله تعالى وإن تعب العبدُ
فيها. ومنه قول الشاعر:
لا يُمسِك الساقَ مِن أَيْنٍ ولا وَصَبٍ
ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ(٣)
وقال ابن عباس: ((واصباً)): واجباً. الفرَّاءُ والكلبي: خالصاً (٤).
﴿أَفَغَيَّرَ اَللَّهِ نَتَّقُونَ﴾ أي: لا ينبغي أن تتقوا غيرَ الله. فـ((غير)) نصب بـ ((تتقون)).
قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِن نَّعْمَلِ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهٍ تَجْتَرُونَ
ثُمَّ إِذَا كَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنَكُ بِرَيْهِمْ يُشْرِكُونَ (@ لِيَكْفُرُواْ بِمَآَ
(٥٣)
ءَانَيْنَهُمَّ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَلِ فَمِنَ اللهِ﴾ قال الفرَّاء(٥): ((ما)) بمعنى الجزاء،
(١) قوله: أنشد الغزنوي ... هذا الموضع، ليس في (د) و(ظ) و(ز)، والبيت في مجاز القرآن ٣٦١/١،
وتفسير الطبري ٢٤٧/١٤، والنكت والعيون ١٩٣/٣، وزاد المسير ٤٥٦/٤، والأغاني ٣٠٩/١٢ .
(٢) النكت والعيون ١٩٣/٣ .
(٣) قائله أعشى باهلة عامر بن الحارث أبو قحفان يرثي أخاه لأمه المنتشر بن وهب الباهلي. وهو في
الأصمعيات ص٩٠، والكامل ١٤٣١/٣، وتفسير الطبري ٢٤٧/١٤ . وفي جمهرة أشعار العرب
٧١٨/٢ - ٧١٩، والخزانة ١٩٧/١ كل شطر منه لبيت، وهما:
ولا يعض على شرسوفه الصفر
لا يتأرَّى لما في القِدر يرقُبه
ولا يزال أمام القوم يقتفر
لا يغمز الساق من أين ولا وصب
لا يتأرَّى: لا يتحبس ويتلبث. الشرسوف: طرف الضلع. الصفر: دويبة مثل الحية تكون في البطن تعتري
من به شدة الجوع. لا يغمز الساق: لا يجسُّها، يصف جَلَده وتحمُّله للمشاقِّ. الأين: الإعياء. الاقتفار:
اتباع الآثار. قاله البغدادي في الخزانة.
(٤) النكت والعيون ١٩٣/٣، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٢٤٩/١٤، وكلام الفراء في معاني القرآن
١٠٤/٢.
(٥) في معاني القرآن ٢/ ١٠٤.

٣٣٨
سورة النحل: الآيات ٥٣ - ٥٥
والباء في ((بكم)) متعلّقةٌ بفعل مضمَر، تقديره: وما يكن بكم. ﴿مِّن نِِّمَقٍ﴾ أي: صحةٍ
جسمٍ وَسَعة رزق وولد، فمن الله (١). وقيل: المعنى: وما بكم من نعمةٍ فمن الله هي.
﴿ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ الفُّرُ﴾ أي: السّقمُ والبلاء والقَحْط.
﴿فَإِلَيْهِ تَّْتَرُونَ﴾ أي: تَضِجُون بالدُّعاء. يقال: جَارِ يَجْأَرِ جُواراً. والجُؤار مثلُ
الخُوار؛ يقال: جَأَرَ الثورُ يَجْأَر، أي: صاح. وقرأ بعضهم: ((عجلاً جسَداً لَهُ جُؤَارٌ)»
[طه: ٨٨]؛ حكاه الأخفش. وجَأَرَ الرجلُ إلى الله، أي: تضرَّع بالدعاء(٢). وقال
الأعشى يصف بقرةً:
فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة وكان النكير أن تُضِيفَ وتجأرا(٣)
﴿ثُمَّ إِذَا كَفَ الغُّرَ عَنْكُمْ﴾ أي: البلاء والسقم. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
بعد إزالة البلاء وبعد الجوار. فمعنى الكلام التعجيبُ من الإشراك بعد النجاةِ من
الهلاك، وهذا المعنى مكرَّر في القرآن، وقد تقدَّم في ((الأنعام)) و((يونس))، ويأتي في
(سبحان)) وغيرِها (٤). وقال الزجَّاج(٥): هذا خاصٌّ بمن كفر.
﴿يَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْتَهُمْ﴾ أي: ليجحدوا نعمةَ الله التي أنعم بها عليهم مِن كَشْف
الضُّرِّ والبلاء. أي: أشركوا ليجحدوا، فاللام لام ((كي)). وقيل: لام العاقبة (٦). وقيل:
(لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ)) أي: ليجعلوا النعمة سبباً للكفر(٧)، وكلُّ هذا فعلٌ خبيثٌ؛ كما
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٠٤/٣ .
(٢) الصحاح (جأر).
(٣) البيت في ديوان النابغة الجعدي ص٤١، ونسبه إليه سيبويه في الكتاب ٥٦٣/٣، والبغدادي في
الخزانة ٣١٧/٣ (دار صادر) وقال: وصف النابغة الجعدي به بقرة وحشية أكل السبعُ ولدّها فطافت،
وروي: أقامت ثلاثة أيام وثلاث ليال تطلبه، ولا إنكار عندها ولا غناء إلا الإضافة، وهي الجزع
والإشفاق والجوار. اهـ وشطره الأول في الديوان: فجالت على وحشيِّها مستتبَّة.
(٤) تقدم ٤١٢/٨ - ٤١٣ و٤٦٤/١٠ - ٤٦٥، ويأتي عند تفسير الآية (٦٧) من الإسراء.
(٥) في معاني القرآن ٣/ ٢٠٤ .
(٦) تفسير البغوي ٣/ ٧٢ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٧٣ .

٣٣٩
سورة النحل: الآيات ٥٣ - ٥٧
قال :
والكفرُ مَخْبَثَةٌ لنفس المُنْعِمِ (١)
﴿فَتَمَتَّعُواْ﴾ أمرُ تهديد. وقرأ عبد الله(٢): ((قل(٣) تمتعوا)). ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
أي: عاقبةَ أمركم.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَا رَزَقْتَهُمُّ تَاللَّهِ لَتْتَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ
تَفْتَرُونَ
(٥٦
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْتَهُمْ﴾ ذكر نوعاً آخرَ من جهالتهم،
وأنهم يجعلون لِمَا لا يعلمون أنه يضرُّ وينفع - وهي الأصنام - شيئاً من أموالهم
يتقرَّبون به إليه؛ قاله مجاهدٌ وقتادة(٤) وغيرهما. فـ ((يعلمون)) على هذا للمشركين.
وقيل: هي للأوثان، وجرى بالواو والنون مَجرى مَن يعقل(٥)، فهو ردٌّ على ((ما))،
ومفعولُ ((يعلم)) محذوف، والتقدير: ويجعل هؤلاء الكفارُ للأصنام التي لا تعلم شيئاً
نصيباً. وقد مضى في ((الأنعام)) تفسيرُ هذا المعنى في قوله: ﴿فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعِْهِمْ
وَهَذَا لِشُرَّكَآَيْنَا﴾ (٦) [الآية: ١٣٦]. ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: ﴿قَالَلَّهِ لَتُعَلُنَّ﴾
وهذا سؤالُ توبيخ. ﴿عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أي: تختلقونه من الكذب على الله أنَّه أمركم
بهذا.
CV
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ أَلْبَتِ سُبْحَتَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ
قوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ لِلّهِ اَلْبَتِ﴾ نزلت في خُزاعة وكِنانة؛ فإنَّهم زعموا أنَّ
(١) البيت لعنترة، وصدره: نُبِّئتُ عَمراً غير شاكرٍ نعمتي. وهو في ديوانه ص٢٨، والخزانة ٣٣٦/١.
والكفر هنا: الجحد. ومَخبئة، بفتح الميم: من الخُبث. قاله البغدادي.
(٢) في (د): ووعد الله، وفي (ز): وواعد الله.
(٣) في (ف): قال. ولم نقف على القراءة.
(٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٥٣ عنهما.
(٥) ينظر زاد المسير ٤٥٨/٤ .
(٦) ٣٦/٩ - ٣٨.

٣٤٠
سورة النحل: الآيتان ٥٧ - ٥٨
الملائكة بناتُ اللـه (١)، فكانوا يقولون: أَلحِقوا البناتِ بالبنات. ﴿سُبْحَنَةٌ﴾ نزَّه نفسَه
وعظّمها عما نسبوه إليه من اتخاذ الأولاد.
﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: يجعلون لأنفسهم البنينَ ويأنفون من البنات. وموضع
((ما)) رفعٌ بالابتداء، والخبر ((لهم)). وتمَّ الكلامُ عند قوله: ((سبحانه))(٢). وأجاز
الفرَّاءِ(٣) كونَها نصباً، على تقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون. وأنكره الزجَّاج(٤)
وقال: العرب تستعمل في مثل هذا: ويجعلون لأنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِلْأُنَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُيُشِّرَ أَحَدُهُم ◌ِآلْأُنثَى﴾ أي: أُخبر أحدُهم بولادة بنت. ﴿ظَلَّ
وَجْهُمُ مُسْوَدًا﴾ أي: متغيِّراً، وليس يريد السَّوادَ الذي هو ضدُّ البياض، وإنما هو كنايةٌ
عن غَمِّه بالبنت. والعرب تقول لكل مَن لقي مكروهاً: قد اسودَّ وجهُه غَمَّا وحزناً؛
قاله الزجَّاجِ(٥). وحكى الماورديُّ(٦) أنَّ المراد سوادُ اللون، قال: وهو قولُ الجمهور.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ممتلئٌّ من الغَمِّ. وقال ابن عباس: حزين. وقال الأخفش: هو
الذي يَكظِم غيظه فلا يُظهرُه. وقيل: إنه المغموم الذي يُطْبِق فاه فلا يتكلّم من الغَمِّ؛
مأخوذٌ من الكِظامة، وهو شِدُّ فَمِ القِرْبة؛ قاله عليٍّ بنُ عيسى(٧). وقد تقدَّم هذا المعنى
في سورة يوسف(٨).
(١) الوسيط للواحدي ٦٧/٣، وتفسير البغوي ٧٣/٣، وزاد المسير ٤٥٨/٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٨/٢.
(٣) في معاني القرآن له ٢/ ١٠٥ .
(٤) في معاني القرآن له ٢٠٦/٣ .
(٥) في معاني القرآن ٢٠٦/٣ .
(٦) النكت والعيون ١٩٤/٣، وما قبله منه.
(٧) النكت والعيون ١٩٤/٣، وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٢٥٦/١٤ .
(٨) ٤٣٢/١١ .