Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة النحل: الآية ٨
زاد؛ فعليه كِراءُ الزيادة إن سلمت، وإنْ هلكت ضَمِن.
وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور: عليه الكِراء والضمان. قال ابن المنذر(١): وبه
نقول.
وقال ابن القاسم: إذا بلغ المکتري الغاية التي اکتری إلیھا، ثم زاد ميلاً ونحوه،
أو أميالاً أو زيادة كثيرة فعطِبت الدابة؛ فلربِّها كراؤه الأول؛ والخيارُ في أخذه کِراءَ
الزائد بالغاً ما بلغ، أو قيمةً الدابة يوم التعدِّي.
ابن المؤَّاز: وقد روي أنه ضامنٌ ولو زاد خُطوة. وقال ابن القاسم عن مالك في
زيادة الميل ونحوه: وأما ما يعدل الناس إليه في المرحلة فلا يضمن (٢).
وقال ابن حبيب عن ابن الماجِشُون وأَضْبَغ: إذا كانت الزيادة يسيرة، أو جاوز
الأمدَ الذي تكاراها إليه بيسير، ثم رجع بها سالمةً إلى موضعٍ تكاراها إليه فماتت، أو
ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها إليه؛ فليس له إلا كِراءُ الزيادةِ، کردِّه لِمَا
تسلَّف من الوديعة. ولو زاد كثيراً مما فيه مقام الأيام الكثيرة التي يتغيَّر في مثلها
سوقها؛ فهو ضامن، كما لو ماتت في مجاوزة الأمد أو المسافة؛ لأنه إذا كانت زيادة
يسيرة مما يُعلم أن ذلك مما لم يُعِنْ على قتلها، فهلاكها بعدَ ردِّها إلى الموضع
المأذون له فيه كهلاك ما تسلَّف من الوديعة بعد ردّه لا محالة، وإن كانت الزيادةُ
كثيرةً؛ فتلك الزيادةُ قد أعانت على قتلها(٣).
الخامسة: قال ابن القاسم وابن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّلَ
وَالِْغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُهَا وَزِينَةٌ﴾ فجعلَها للركوب والزينة، ولم يجعلها للأكل؛ ونحوه
عن أشهب(٤). ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز أكلُ لحوم الخيل والبغال والحمير؛ لأن
(١) في الإشراف ٢١١/١ .
(٢) ينظر النوادر والزيادات ١١٨/٧ .
(٣) ينظر النوادر والزيادات ٧/ ١١٧ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٢/٣. والموطأ ٢/ ٤٩٧ .

٢٨٢
سورة النحل: الآية ٨
الله تعالى لَمَّا نصَّ على الركوب والزينة دلَّ على أنَّ ما عداه بخلافه. وقال في
الأنعام: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾ مع ما امتنَّ اللهُ منها من الدِّفِ والمنافع، فأباح لنا أكلَها
بالذكاة المشروعة فيها.
وبهذه الآية احتجَّ ابنُ عباس والحَكَمُ بنُ عُتَيْبَة، قال الحَكُم: لحومُ الخيل حرامٌ
في كتاب الله، وقرأ هذه الآية والتي قبلها وقال: هذه للأكل، وهذه للركوب(١).
وسُئل ابنُ عباس عن لحوم الخيل فكرهها، وتلا هذه الآية وقال: هذه للركوب،
وقرأ الآية التي قبلها: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ فِيهَا رِفْهٌ وَمَنَفِعُ﴾ ثم قال: هذه
للأكل(٢). وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعيّ ومجاهد وأبو عبيد
وغيرهم(٣)، واحتجُّوا بما خرَّجه أبو داود والنَّسائي والدَّارَقُظْنيّ وغيرُهم عن صالح
ابن يحيى بن المِقْدام بن مَعْدِیکرِب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد: أنَّ
رسولَ الله ﴿ نَهَى يومَ خَيْبَر عن أكلِ لحوم الخيلِ والبغالِ والحمیرِ، وکلِّ ذي ناب من
السِّباع أو مِخْلَب من الطير. لفظ الدَّارَقُظْنِيّ(٤). وعند النَّسائي(٥) أيضاً عن خالد بن
الوليد أنه سمع النبيَّ # يقول: ((لا يَحِلُّ أَكْلُ لُحومِ الخيلِ والبغالِ والحمير)).
وقال الجمهور من الفقهاء والمحدِّثين: هي مباحة. ورُوي عن أبي حنيفة. وشَذَّت
طائفةٌ فقالت بالتحريم؛ منهم الحَكّم كما ذكرنا، ورُوي عن أبي حنيفة. حكى الثلاث
روايات عنه الرُّويانِيُّ في بحر المذهب على مذهب الشافعيِّ.
قلت: الصحيح الذي يدلُّ عليه النظرُ والخبرُ جوازُ أكلِ لحوم الخيل، وأنَّ الآيةَ
(١) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٤ .
(٢) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٣ و١٧٤ .
(٣) ينظر التمهيد ١٠/ ١٢٧.
(٤) سنن الدارقطني (٤٧٦٩) و(٤٧٧٠)، وأبو داود (٣٧٩٠)، والنسائي في المجتبى ٢٠٢/٧ ، وفي
الكبرى (٤٨٢٥)، وابن ماجه (٣١٩٨). وهو في مسند أحمد (١٦٨١٧). وإسناده ضعيف.
(٥) في المجتبى ٧/ ٢٠٢، وفي الكبرى (٤٨٢٤).

٢٨٣
سورة النحل: الآية ٨
والحديثَ لا حجَّةَ فيهما لازمةٌ. أَمَّا الآية فلا دليل فيها على تحريم الخيل؛ إذ لو دلَّت
عليه لدلَّت على تحريم لحوم الحُمُر، والسورة مكية، وأيُّ حاجة كانت إلى تجديد
تحريم لحوم الحُمر عَامَ خَيْبَر؛ وقد ثبت في الأخبار تحليلُ الخيل على ما يأتي.
وأيضاً لَمَّا ذَكَر تعالى الأنعام؛ ذَكَرَ الأغلبَ من منافعها وأهمَّ ما فيها، وهو حمل
الأثقال والأكل، ولم يذكرِ الركوبِ ولا الحرثَ بها ولا غير ذلك مصرَّحاً به، وقد
تُركبُ ويُحرث بها؛ قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا
تَأْكُونَ﴾ [غافر: ٧٩]. وقال في الخيل: ﴿لِتَرَّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ فذكر أيضاً أغلبَ منافعها
والمقصودَ منها، ولم يذكر حمل الأثقال عليها، وقد تحمل كما هو مشاهد، فلذلك
لم يذكر الأكل. وقد بيَّنه نبيُّه عليه الصلاة والسلام الذي جُعل إليه بيانُ ما أُنزل عليه
على ما يأتي(١)، ولا يلزم من كونها خُلقت للركوب والزينة ألَّ تؤكل، فهذه البقرة قد
أنطقها خالقُها الذي أنطق كلَّ شيء فقالت: إنما خُلقتُ للحرث(٢). فيلزم مَن عَلَّل أنَّ
الخيلَ لا تؤكلُ لأنها خُلقت للركوب؛ ألَّا تؤكل البقرُ لأنها خُلقت للحرث، وقد
أجمع المسلمون على جواز أكلها، فكذلك الخيل بالسُّنَّة الثابتة فيها؛ روى مسلم من
حديث جابر قال: نَهَى رسولُ الله ◌ِ﴾ يومَ خَيْبَرَ عن لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ، وأَذِنَ في
لُحومِ الخيلِ (٣). وقال النسائيُّ (٤): عن جابر: أطعَمَنا رسولُ اللـه ﴾ يومَ خيبر لحومَ
الخيلِ، ونهانا عن لُحومِ الحُمُر. وفي رواية(٥) عن جابر قال: كُنَّا نأكلُ لحومَ الخيلِ
على عهد رسولِ الله ﴾.
فإن قيل: الروايةُ عن جابر بأنهم أكلوها في خَيْبَر حكايةُ حالٍ، وقضيَّةٌ في عَيْن،
(١) عند تفسير الآية ٤٤ من هذه السورة.
(٢) تقدم ص ٢٧٧ من هذا الجزء.
(٣) صحيح مسلم (١٩٤١). وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٨٩٠)، والبخاري (٤٢١٩).
(٤) في المجتبى ٧/ ٢٠١، وفي الكبرى (٤٨٢١) و(٤٨٢٢).
(٥) في المجتبى ٧/ ٢٠١، وفي الكبرى (٤٨٢٣).

٢٨٤
سورة النحل: الآية ٨
فيحتمل أن يكونوا ذبحوا لضرورةٍ، ولا يُحتجُّ بقضايا الأحوال(١).
قلنا: الروايةُ عن جابر وإخبارُه بأنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد
رسولِ الله ﴿ يُزيل ذلك الاحتمال، ولئن سلَّمناه؛ فمعَنا حديث أسماء قالت: نَحَرْنا
فرساً على عهدِ رسولِ الله ﴾ ونحن بالمدينة فأكلناه؛ رواه مسلم(٢). وكلُّ تأويلٍ من
غير ترجيح في مقابلة النصِّ فإنما هو دعوى، لا يُلتفت إليه ولا يُعرَّج عليه.
وقد رَوَى الدَّار قطنيّ(٣) زيادةً حسنةً ترفع كلَّ تأويل في حديث أسماء، قالت
أسماء: كان لنا فرسٌ على عهد رسول الله ﴾ أرادت أن تموت، فذبحناها فأكلناها.
فَذَبْحُها إنما كان لخوف الموت عليها لا لغير ذلك من الأحوال. وبالله التوفيق.
فإن قيل: حيوان من ذوات الحوافر؛ فلا يؤكلُ كالحمار؟
قلنا: هذا قياس الشَّبَه، وقد اختلف أرباب الأصول في القول به، ولئن سلَّمناه؛
فهو منتقض بالخنزير؛ فإنه ذو ظِلْف، وقد بايَنَ ذوات الأظلاف، وعلى أنَّ القياسَ إذا
كان في مقابلة النصِّ فهو فاسدُ الوضع لا التفات إليه.
قال الطبريّ(٤): وفي إجماعهم على جواز ركوبٍ ما ذُكر للأكل دليلٌ على جوازِ
أكلِ ما ذُكر للركوب.
السادسة: وأما البغال فإنها تُلحق بالحمير. إن قلنا: إنَّ الخيلَ لا تؤكل؛ فإنها
تكون متولِّدة من عينين لا يؤكلان. وإن قلنا: إنَّ الخيل تؤكل، فإنها عينٌ متولدةٌ من
مأكولٍ وغيرِ مأكول، فغلب التحريمُ على ما يلزم في الأصول(٥). وكذلك ذبح المولود
بين كافرين، أحدُهما من أهل الذكاة، والآخر ليس من أهلها؛ لا تكون ذكاءً، ولا
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٢/٣ .
(٢) في صحيحه (١٩٤٢). وأخرجه أيضاً أحمد (٢٦٩١٩)، والبخاري (٥٥١٠).
(٣) في سننه (٤٧٨٤).
(٤) في تفسيره ١٧٦/١٤.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٣/٣ .

٢٨٥
سورة النحل: الآية ٨
تحلُّ به الذبيحة. وقد مضى في ((الأنعام))(١) الكلام في تحريم الحُمُر، فلا معنى
للإعادة. وقد علل تحریم أکل الحمار بأنه أبدی جوهرہ الخبيث، حیث نزا على ذكر
وتلوَّط؛ فسُمِّي رِجساً(٢).
السابعة: في الآية دليلٌ على أنَّ الخيلَ لا زكاةَ فيها؛ لأنَّ الله سبحانه مَنَّ علینا
بما أباحنا منها، وكرَّمنا به من منافعها، فغير جائزٍ أن يلزم فيها كلفة إلا بدليل. وقد
رَوَى مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يَسَار، عن (٣) عِرَاك بن مالك، عن
أبي هريرة أنَّ رسول الله ﴿ قال: (لَيْسَ على المُسْلمِ فِي عَبْدِهِ ولا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ)(٤).
ورَوَى أبو داود، عن أبي هريرة، عن رسول اللـه# قال: ((لَيْسَ في الخَّيْلِ
والرَّقيقِ زكاةٌ، إلا زكاةَ الفِظْرِ في الرقيقِ))(٥)؛ وبه قال مالكٌ والشافعيُّ والأوزاعيُّ
والليثُ وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إنْ كانت إناثاً كلُّها أو ذكوراً وإناثاً،
ففي كلِّ فرسٍ دينارٌ إذا كانت سائمة، وإنْ شاء قوَّمها فأخرج عن كلِّ مئتي درهم
خمسةَ دراهم (٦). واحتجَّ بأثرٍ عن النبيِّ ﴾ أنه قال: ((في الخيلِ السَّائمةِ في كلِّ فَرَسٍ
(١) ٩ /٨٦ - ٨٧ .
(٢) نوادر الأصول ص١٣٢ .
(٣) في (د) و(ظ): وعن. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٢٣/١٧: هكذا هذا الحديث في الموطأ عند
جماعة الرواة ... وهذا الحديث أخطأ فيه يحيى بن يحيى، كخطئه في الحديث الذي قبله سواء، وأدخل
بين سليمان وعراك بن مالك واواً، فجعل الحديث لعبد الله بن دينار وعراك، وهو خطأ غير مشكل،
وهذان الموضعان مما عُدَّ عليه من غلطه في الموطأ، والحديث محفوظ في الموطآت كلها وغيرها:
لسليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، وهما تابعان نظيران، وعراك أسنُّ من سليمان، وسليمان عندهم
أفقه، وكلاهما ثقة جلیل عالم.
(٤) موطأ مالك ١/ ٢٧٧ . وأخرجه أيضاً أحمد (٧٢٩٥)، والبخاري (١٤٦٣)، ومسلم (٩٨٢).
(٥) سنن أبي داود (١٥٩٤) وفي إسناده: عبيد الله، عن رجل، عن مكحول. قال ابن عبد البر في التمهيد
١٣٦/١٧ : هذه الزيادة جاءت في هذا الحديث كما ترى، ولا ندري من الرجل الذي رواها عن
مكحول، وإنما كنا نعرف هذه الزيادة لجعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك؛ هذا إن صحت عنه أيضاً ...
وهذا لم يجئ به غير جعفر بن ربيعة، إلا أنه قد رُوي بأسانيد معلولة كلها، فاحتج بهذه الزيادة بعض
من ذهب مذهب العراقيين.
(٦) ينظر التمهيد ٢١٥/٤ .

٢٨٦
سورة النحل: الآية ٨
دينارٌ))(١)، وبقوله:﴿: ((الخيلُ ثلاثةٌ ... )) الحديث، وفيه: ((ولم يَنْسَ حَقَّ اللهِ في رِقابها
ولا ظُهورِها))(٢).
والجواب عن الأوَّل؛ أنه حديث لم يروِه إلا غَوْرك السَّعْدي، عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر. قال الدَّارَقُظْنِيّ(٣): تفرَّد به غورك عن جعفر، وهو
ضعيف جداً، ومَنْ دونَه ضعفاء.
وأما الحديث؛ فالحق المذكور فيه هو الخروج عليها إذا وقع النَّفيرُ، وتعيَّن بها
لقتال العدوِّ؛ إذا تعيّن ذلك عليه، ويَحمل المنقطعينَ عليها إذا احتاجوا لذلك، وهذا
واجبٌ عليه إذا تعيَّن ذلك، كما يتعيَّن عليه أن يُطعمَهم عند الضرورة، فهذه حقوقُ
الله في رقابها.
فإن قيل: هذا هو الحقُّ الذي في ظهورها، وبقي الحقُّ الذي في رقابها .
قيل: قد رُوي: ((لا يَنسَى حقَّ الله فيها)). ولا فرق بين قوله: ((حقُّ الله فيها)) أو:
(في رقابها وظهورها)) فإن المعنى يرجع إلى شيء واحد؛ لأن الحقَّ يتعلَّق بجملتها.
وقد قال جماعة من العلماء: إنَّ الحقَ هنا حُسْنُ مِلْكها، وتعهُّدُ شبعها،
والإحسانُ إليها، وركوبُها غير مشقوق عليها؛ كما جاء في الحديث: ((لا تتخذوا
ظُهورَها كَراسِيَّ)»(٤). وإنما خصَّ رقابَها بالذكر؛ لأنَّ الرقابَ والأعناق تستعار كثيراً
في مواضع الحقوقِ اللازمة، والفروضِ الواجبة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَتِْرُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وكثر عندهم استعمالُ ذلك واستعارتُه، حتى جعلوه في
(١) أخرجه الدار قطني (٢٠١٩)، والطبراني في الأوسط (٧٦٦١)، والبيهقي ١١٩/٤ من حديث جابر بن
عبد الله رضي الله عنهما. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٩/٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه
الليث بن حماد وغورك، وكلاهما ضعيف.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٥٦٣)، والبخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة ﴾.
(٣) في سننه عقب (٢٠١٩).
(٤) أخرجه أحمد (١٥٦٢٩) من حديث معاذ بن أنس الجهني بلفظ: ((ولا تتخذوها كراسيَّ لأحاديثكم .. )).

٢٨٧
سورة النحل: الآية ٨
الرِّباع(١) والأموال؛ ألا ترى قول كُثَيِّر:
غَلِقتْ لِضَحْكَته رِقابُ المالِ(٢)
غَمْرُ الرداءِ إذا تبسَّمَ ضاحكاً
وأيضاً؛ فإنَّ الحيوان الذي تجب فيه الزكاةُ له نصابٌ من جنسه، ولَمَّا خرجتٍ
الخيلُ عن ذلك؛ عَلِمْنا سقوطَ الزكاةِ فيها.
وأيضاً؛ فإيجابُه الزكاةَ في إناثها منفردةٌ دون الذكور؛ تناقض منه، وليس في
الحديث فصلٌ بينهما. ونقيس الإناثَ على الذكور في نفي الصدقة؛ بأنه حيوان مُفْتَنَّی
لنسله، لا لدرِّه، ولا تجبُ الزكاةُ في ذكوره، فلم تجب في إناثه، كالبغال
والحمير(٣). وقد رُويّ عنه أنه لا زكاة في إناثها وإن انفردت كذكورها منفردة، وهذا
الذي عليه الجمهور.
قال ابن عبد البر(٤): الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيحٌ من حديث الزُّهرِيِّ
وغيرِه. وقد رُويَ من حديث مالك، رواه عنه جُوَيرية، عن الزهري: أنَّ السائبَ بنَ
يزيد قال: لقد رأيت أبي يُقوِّم الخيلَ، ثم يدفعُ صدقتها إلى عمر(٥). وهذا حجةٌ لأبي
حنيفة وشيخِه حمادٍ بنِ أبي سليمان، لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار أوجب الزكاةً
في الخيل غيرهما. تفرَّد به جُوَيرِية عن مالك؛ وهو ثقة.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَزِينَةٌ﴾ منصوبٌ بإضمار فعل؛ المعنى: وجعلها زينة.
وقيل: هو مفعول من أجله(٦). والزينة: ما يُتزيَّن به، وهذا الجمال والتزيين وإنْ كان
(١) الرباع؛ جمع الرَّبْع: المنزل ودار الإقامة، وربع القوم: محلتهم. النهاية (ربع).
(٢) التمهيد ٢١٠/٤، وما قبله منه. وشعر كثير في ديوانه ص ٢٩٥ . وقوله: غمر الرداء: كثير المعروف،
سخيّ. وقوله (غلقت): استحقت. القاموس (غمر، غلق).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٥/٣.
(٤) في التمهيد ٢١٧/٤ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦٨٨٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦/٢.
(٦) أي: وللزينة. مشكل إعراب القرآن ١/ ٤١٧ .

٢٨٨
سورة النحل: الآية ٨
من متاع الدنيا؛ فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه؛ قال النبيُّ﴾: ((الإِبلُ عِزَّ لأهلها،
والغَتَمُ بركةٌ، والخيلُ في نَواصِيها الخَيرُ)). خرَّجِه البَرْقانيُّ وابنُ ماجه في السنن. وقد
تقدَّم في الأنعام(١).
وإنما جمع النبيُّ # العِزَّ في الإبل؛ لأنَّ فيها اللباسَ والأكلَ واللَّبَنَ والحَمْلَ
والغزْو؛ وإنْ نَقَصَها الكَرُّ والفَرُّ. وجعل البركة في الغنم لِمَا فيها من اللباسِ والطعام
والشرابٍ وكثرةٍ الأولاد؛ فإنها تلد في العام ثلاث مرّات، إلى ما يتبعه من السَّكِينة،
وتحمل صاحبَها عليه من خفضٍ الجناح ولينِ الجانب؛ بخلاف الفَدَّادين(٢) أهل
الوَبَر. وقرنَ النبيُّ # الخيرَ بنواصي الخيلِ بقية الدهر؛ لِمَا فيها من الغنيمة المستفادة
للكسب والمعاش، وما يوصل إليه من قهرِ الأعداء، وغَلَبِ الكفار، وإعلاء كلمة الله
تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال الجمهور: من الخلق. وقيل: من أنواع
الحشرات والهوامِّ في أسافل الأرض والبرِّ والبحر، مما لم يَرَه البشرُ، ولم يسمعوا
به. وقيل: ((ويخلق ما لا تعلمون)) مما أعدَّ اللهُ في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها،
مما لم تَرَه عينٌ، ولم تسمع به أذن، ولا خَطَرَ على قَلبٍ بشر(٣).
وقال قتادة والسُّدِّي: هو خَلْقُ السُّوسِ في الثياب، والدودِ في الفواكه (٤). ابن
عباس: عين تحت العرش؛ حكاه الماوَرْدِيّ(٥).
الثعلبي: وقال ابن عباس: عن يمين العرش نهرٌ من النور مثل السماوات السبع
(١) سنن ابن ماجه (٢٣٠٥) من حديث عروة البارقي، وتقدم في آل عمران ٥٤/٥ .
(٢) الفدادون: كثيرو الإبل، كان إذا ملك أحدهم المئتين من الإبل إلى الألف؛ قيل له: فداد. النهاية
(فدد).
(٣) تفسير الطبري ١٤/ ١٧٦ - ١٧٧ .
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٦٣ .
(٥) في النكت والعيون ١٨٠/٣.

٢٨٩
سورة النحل: الآية ٨
والأرضين السبع والبحر السبع سبعين مرَّة، يدخله جبريلُ كلَّ سَحَرٍ فيغتسلُ، فيزداد
نوراً إلى نوره، وجمالاً إلى جماله، وعِظَماً إلى عِظَمه، ثم ينتفضُ، فيُخرج اللهُ من
كلِّ ريشةٍ سبعين ألف قطرة، ويخرج من كلِّ قطرة سبعةُ آلاف مَلَك، يدخل منهم كلَّ
يوم سبعون ألف مَلَك إلى البيت المعمور، وفي الكعبة سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى
يوم القيامة(١).
وقول خامس: وهو ما رُويَ عن النبيِّ#: ((إنها أرضٌ بيضاء، مسيرة الشمس
ثلاثين يوماً، مشحونة خلقاً لا يعلمون أنَّ الله تعالى يُعصَى في الأرض)). قالوا : يا
رسول الله، مِن ولد آدم؟ قال: ((لا يعلمون أنَّ الله خلق آدمَ)). قالوا: يا رسول الله،
فأين إبليس منهم؟ قال: ((لا يعلمون أنَّ الله خلق إبليس))، ثم تلا: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ ذكره الماوردي(٢).
قلت: ومن هذا المعنى ما ذكر البيهقي عن الشعبي قال: إنَّ لله عباداً من وراء
الأندلس، كما بيننا وبين الأندلس، ما يرون أنَّ الله عصاه مخلوقٌ، رَضْراضهم(٣)
الدُّرُّ والياقوت، وجبالُهم الذهب والفضة، لا يحرثون ولا يزرعون ولا يعملون
عملاً، لهم شجرٌ على أبوابهم لها ثمر؛ هي طعامهم، وشجرٌ لها أوراقٌ عراض؛ هي
لباسهم. ذكره في بدء الخلق من كتاب الأسماء والصفات(٤). وخرّج من حديث
موسى بن عقبة، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال:
قال رسول الله﴿: ((أُذِنَ لي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكِ من ملائكة الله من حَمَلَةِ العرش، ما
بين شَخْمةٍ أُذنِه إلى عاتقِهِ مسيرةُ سبع مئة عامٍ» (٥).
(١) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ٥٧، وفيما يورده الثعلبي من مثل هذه الأخبار نظر.
(٢) في النكت والعيون ١٨١/٣، وليس في ذلك خبر صحيح.
(٣) الرضراض: الحصى، أو صغارها. القاموس (رضض).
(٤) حديث (٨٣٠). وهو مقطوع على الشعبي، وفي متنه نظر. ثم إن في إسناده القاسم بن سلمان، لم يذكر
في الرواة عنه إلا علي بن ثابت، كما في التاريخ الكبير ٧/ ١٦٥، فهو في عداد المجهولين.
(٥) الأسماء والصفات (٨٤٦). وأخرجه أيضاً أبو داود في سننه (٤٧٢٧). قال ابن حجر في فتح الباري
٨/ ٦٦٥: إسناده على شرط الصحيح.

٢٩٠
سورة النحل: الآية ٩
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآءٍ وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ
أَجْمَعِينَ أ
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ اُلْسَبِيلِ﴾ أي: على الله بيانُ قصدِ السبيل، فحذف
المضافَ؛ وهو البيان. والسبيلُ: الإسلامَ، أي: على الله بيانُه بالرسل والحجج
والبراهين. وقَصْدُ السبيلِ: استعانةُ الطريق؛ يقال: طريقٌ قاصد، أي: يؤدِّي إلى
المطلوب.
﴿وَمِنْهَا جَآَبِرٌ﴾ أي: ومنَ السبيل جائر، أي: عادلٌ عن الحقِّ، فلا يهتدى به؛
ومنه قول امرئ القيس(١):
قَصْدُ السبيلِ ومنه ذو دَخْلٍ
ومنَ الطريقةِ جائرٌ وهُدّى
وقال طَرَفة(٢):
عَدَوْلِيَّةٌ أو مِن سَفِينٍ ابنِ يامٍِ يَجُورُ بها الملَّاحُ طَوْراً ويَهتدِي
العَدَوْلِيَّة: سفينةٌ منسوبة إلى عَدَوْلَى؛ قرية بالبحرين. والعَدَوْلِيُّ: المَلَاح؛ قاله في
الصحاح(٣). وفي التنزيل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ﴾
[الأنعام: ١٥٣] وقد تقدَّم(٤).
وقيل: المعنى: ومنهم جائرٌ عن سبيلِ الحقِّ، أي: عادلٌ عنه فلا يَهتدي إليه.
وفيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الأهواء المختلفة؛ قاله ابنُ عباس(٥). الثاني: مِلَلُ
الكفر من اليهودية والمجوسية والنصرانية(٦).
(١) ديوانه ص٢٣٨ .
(٢) ديوانه ص ٢٠ .
(٣) (عدل).
(٤) ٩ / ١١٥ .
(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٩ - ١٨٠ .
(٦) نسبه الواحدي في الوسيط ٥٨/٣ للكلبي.

٢٩١
سورة النحل: الآيتان ٩ - ١٠
وفي مصحف عبد الله: ((ومِنكم جائر))، وكذا قرأ عليٍّ: ((ومنكم)) بالكاف(١).
وقيل: المعنى: وعنها جائر، أي: عن السبيل. فـ ((مِن)) بمعنى عن.
وقال ابن عباس: أي: مَن أراد اللهُ أن يهديَه سهَّل له طريقَ الإيمان، ومَن أراد
أن يضلَّه ثَقَّلَ عليه الإيمانَ وفروعَه.
وقيل: معنى ((قَصْدُ السبيل)): مسيركم ورجوعكم.
والسبيل واحدة بمعنى الجمع، ولذلك أنَّث الكناية فقال: ((ومنها))، والسبيل
مؤنثة في لغة أهل الحجاز(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بيَّن أن المشيئة لله تعالى، وهو
يصحّح ما ذهب إليه ابن عباس في تأويل الآية، ويردُّ على القَدَرية ومَن وافقها؛ كما
تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٍ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ
فِيهِ تُِيمُونَ
الشراب ما يُشرب، والشجر معروف. أي: يُنبت من الأمطار أشجاراً وعروشاً
ونباتاً. و﴿ُِيمُونَ﴾: ترعون إبلكم؛ يقال: سامت السائمة تسوم سَوْماً، أي: رعت،
فهي سائمة. والسَّوَام والسائم بمعنّى، وهو المال الراعي. وجمع السائم والسائمة:
سوائم. وأسمتُها أنا، أي: أخرجتها إلى الرَّغْي، فأنا مُسِيم وهي مُسامة وسائمة. قال:
أَوْلَى لك ابنَ مُسِيمَةِ الأَجْمالِ(٣)
(١) قراءة ابن مسعود أخرجها عبد الرزاق في تفسيره ٣٥٤/٢، والطبري ١٧٩/١٤. وقراءة علي ذكرها ابن
خالويه في القراءات الشاذة ص٧٢ ، والنحاس في معاني القرآن ٥٨/٤ . وقال السيوطي في الدر
المنثور ١١٢/٤ : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن علي أنه كان يقرأ
هذه الآية: فمنکم جائر.
(٢) ينظر معاني القرآن للأخفش ٦٠٥/٢ .
(٣) قائله الأخطل، وهو في ديوانه ص١٥٩، وصدره: مثل ابن بزعة أو كآخر مثله. وتقدم ٥/ ٥٢ .

٢٩٢
سورة النحل: الآيتان ١٠ - ١١
وأصل السَّوْم: الإبعاد في المرعَى(١).
وقال الزجاج(٢): أُخِذ من السُّومة، وهي العلامة، أي: إنها تؤثر في الأرض
علامات برعيها، أو لأنها تُعلَّم للإرسال في المرعَى.
قلت: والخيل المسوَّمة تكون المرعِيَّة. وتكون المُعَلَّمة. وقوله: ((مُسَوِّمِين))؛ قال
الأخفش: تكون مُعَلَّمين، وتكون مُرْسَلين؛ من قولك: سوَّم فيها الخيل، أي:
أرسلها، ومنه السائمة، وإنما جاء بالياء والنون؛ لأن الخيل سُوِّمت وعليها
ركبانها(٣).
قوله تعالى: ﴿يُثْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ
الثَّمَرَتِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
قوله تعالى: ﴿يُثْبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِّ﴾
قرأ أبو بكر عن عاصم: ((نُنبِت))؛ بالنون على التعظيم. العامة بالياء(٤)؛ على معنى:
ینبت الله لكم.
يقال: نَبَتَتِ الأرضُ وأَنْبَتْ بمعنَّى، ونَبَتَ البَقْلُ وأَنْبَتَ بمعنَى. وأنشد الفرّاء:
رأيتُ ذوِي الحاجاتِ حَوْلَ بيوتهم قَطِيناً [لهم] حتى إذا أَنْبتَ البَقْلُ(٥)
أي: نبت. وأَنبتَه اللهُ فهو منبوتٌ، على غير قياس. وأَنبتَ الغلامُ: نَبتتْ عانتُه.
ونَبَّتُّ الشجرَ: غرستُه؛ يقال: نَبِّتْ أَجَلَكَ بين عينيك. ونَبَّتُّ الصبيَّ تنبيتاً: رَبَيْتُهُ.
(١) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ١٨١.
(٢) في معاني القرآن ١٩٢/٣.
(٣) الصحاح (سوم). وينظر معاني القرآن للأخفش ٤٢٠/١ .
(٤) السبعة ص ٣٧٠، والتيسير ص١٣٧.
(٥) البيت لزهير، وهو في شرح ديوانه ص١١١، وما بين حاصرتين منه، ووقع في (م): بها. ولم نقف
عليه في معاني القرآن للفراء. والقطين: أهل الرجل وحَشّمه، أو الساكن النازل في الدار. شرح ديوان
زهير لثعلب ص١١١ .

٢٩٣
سورة النحل: الآيتان ١١ - ١٢
والمَنْبِتُ: موضع النبات؛ يقال: ما أحسنَ نابِتَةَ بني فلان، أي: ما تَنْبُتُ عليه أموالُهم
وأولادُهم. وَنَبَتَتْ لهم نابتةٌ: إذا نشأ لهم نَشْءٌ صغار. وإنَّ بني فلان لَنابِتَةُ شَرِّ.
والنَّوابتُ من الأحداث: الأغمار. والنّبِيتُ: حيٍّ من اليمن. واليَنْبُوتُ: شجر؛ كلُّه
عن الجوهريّ(١).
﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ جمع زيتونة. ويقال للشجرة نفسها: زيتونة، وللثمرة: زيتونة. وقد
مضى في سورة الأنعام(٢) حكمُ زكاة هذه الثمار، فلا معنى للإعادة.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ الإنزالِ والإنباتِ ﴿لَآَيَةٌ﴾ أي: دلالةً ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتُ
بِأَمْرِؤُهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَأَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَاَلنَّهَارَ﴾ أي: للسكون والأعمال؛ كما قال:
﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُمُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُ فِيهِ وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣].
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتُ بِأَتْرِةٍ﴾ أي: مُذَلَّلات لمعرفة الأوقات، ونضج
الثمار والزرع، والاهتداء بالنجوم في الظلمات.
وقرأ ابن عامر وأهل الشام: ﴿والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ﴾ بالرفع على
الابتداء والخبر. الباقون بالنصب عطفاً على ما قبله. وقرأ حفص عن عاصم برفع
((والنجومُ))، ((مسخراتٌ)) خبرُه(٣).
وقُرئ: ((والشمسَ والقمرَ والنجومَ)) بالنصب، ((مسخراتٌ)) بالرفع(٤)، وهو خبر
ابتداء محذوف، أي: هي مسخرات. وهي في قراءة مَن نَصَبها حالٌ مؤكدة؛ كقوله:
(١) في الصحاح (نبت).
(٢) ص٥٣ وما بعدها من هذا الجزء.
(٣) السبعة ص ٣٧٠، والتيسير ص ١٣٧ .
(٤) لم نقف على هذه القراءة.

٢٩٤
سورة النحل: الآية ١٣
﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: عن الله
ما نَبَّههم عليه، ووفَّقهم له.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ
لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ﴾ أي: وسخّر ما ذرأ في الأرض لكم.
(ذَرَأَ)) أي: خَلَق. ذرأَ اللهُ الخلقَ، يذرؤهم ذَرْءاً: خَلَقَهم، فهو ذارئ؛ ومنه
الذُّرِّيَّة، وهي نَسْلُ الثَّقَلين، إلَّ أنَّ العربَ تركت هَمْزَها، والجمع: الذراريّ(١).
يقال: أنمى الله ذَرْأَك وذَرْوَك، أي: ذرِّيَّتك(٢). وأصلُ الذَّرْوِ والذَّرْءِ: التفريقُ عن
جَمْعٍ. وفي الحديث: ذَرْءُ النارِ (٣)، أي: إنَّهم خُلِقُوا لها.
الثانية: ما ذرأه الله سبحانه؛ منه مسخَّرٌ مذلَّلٌ كالدواب والأنعام والأشجار
وغيرها، ومنه غير ذلك. والدليل عليه ما رواه مالك في الموطأ (٤) عن كعب الأحبار
قال: لولا كلماتٌ أقولهنَّ لجعلتني يهودُ حماراً. فقيل له: وما هنَّ؟ فقال: أعوذ بوجهِ
اللهِ العظيمِ الذي ليس شيءٌ أعظمَ منه، وبكلمات الله التامّات التي لا يجاوزهنَّ بَرِّ
ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلِّها ما علمتُ منها وما لم أعلم، مِن شرِّ ما خَلَقَ
وبَرَأ وذَرَأ.
(١) الصحاح (ذرأ).
(٢) تهذيب اللغة ٣/١٥ .
(٣) أخرجه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور ١٤١/٣ - عن ابن عباس موقوفاً، قال: (إن الله ضرب
بيمينه على منكب آدم، فخرج منه مثل اللؤلؤ في كفه، فقال: هذا للجنة، وضرب بيده الأخرى على
منكبه الشمال، فخرج منه سواد مثل الحمم فقال: هذا ذرء النار). وأورد أبو عبيد في غريب الحديث
٣٢٨/٣ أن عمر كتب إلى خالد بن الوليد ... وإني أظنكم آل المغيرة ذرء النار.
(٤) ٢/ ٩٥١ - ٩٥٢ .

٢٩٥
سورة النحل: الآيتان ١٣ - ١٤
وفيه عن يحيى بن سعيد أنه قال: أُسْرِي برسولِ الله ﴾، فرأَى عفريتاً منَ الجنّ
يطلبه بشُعلة من نار، الحديث، وفيه: وشرِّ ما ذَرَأَ في الأرض(١). وقد ذكرناه وما في
معناه في غير هذا الموضع(٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ُخْلِمَا أَلْوَنُهُ﴾ ((مختلِفاً)) نصبٌ على الحال. و «ألوانُه»:
هيئاتُه ومناظرُه، يعني الدوابَّ والشجرَ وغيرَها.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: في اختلاف ألوانها. ﴿لَآيَةٌ﴾ أي: لعبرة. ﴿لِّقَوْمٍ
يَذَّكَّرُونَ﴾ أي يتَّعظون ويعلمون أنَّ في تسخيرِ هذه المكوّناتِ لَعلامات على وحدانية
الله تعالى، وأنه لا يَقْدِرُ على ذلك أحدٌ غیرُه.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَا وَتَسْتَخْرِبُواْ
مِنْهُ ◌ِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْقُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ،
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
فيه تسع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ تسخيرُ البحرِ هو تمكينُ البشرِ
من التصرُّفِ فيه، وتذليلُه بالركوب والإِرفاءِ(٣) وغيرِهِ، وهذه نعمة من نِعَمِ اللهِ علينا،
فلو شاء سلَّطه علينا وأغرقنا. وقد مضى الكلام في البحر وفي صيده(٤). وسمَّاه هنا
لحماً.
واللحومُ عند مالك ثلاثةُ أجناس: فلحمُ ذواتِ الأربع جنسٌ، ولحمُ ذواتِ
(١) موطأ مالك ٢/ ٩٥٠ - ٩٥١، وأخرجه من طريقه النسائي في السنن الكبرى (١٠٧٢٦)، وابن عبد البر
في التمهيد ١١٢/٢٤.
(٢) سيأتي عند تفسير الآية ٣٩ من سورة النمل.
(٣) قال في الصحاح (رفأ): أرفأت السفينة: قربتها من الشط، وذلك الموضع مُرفأ، وأرفأت إليه: لجأت.
(٤) ينظر ٩٠/٢ و٢٠٨/٨.

٢٩٦
سورة النحل: الآية ١٤
الريش جنسٌ، ولحمُ ذواتِ الماء جنسٌ. فلا يجوز بيعُ الجنس من جنسه متفاضلاً،
ويجوز بيعُ لحم البقر والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلاً، وكذلك لحم الطير
بلحم البقر والوحش والسمك يجوز متفاضلاً.
وقال أبو حنيفة: اللحوم كلُّها أصنافٌ مختلفة كأصولها؛ فلحمُ البقر صنفٌ،
ولحمُ الغنم صنفٌ، ولحمُ الإبل صنفٌ، وكذلك الوحش مختلِفٌ، وكذلك الطير،
وكذلك السمك، وهو أحد قولي الشافعيّ. والقولُ الآخر: أنَّ الكلَّ من النَّعَم والصيد
والطير والسمك جنسٌ واحد لا يجوز التفاضل فيه. والقول الأوَّل هو المشهور من
مذهبه عند أصحابه.
ودليلُنا هو أنَّ الله تعالى فرَّق بين أسماء الأنعام في حياتها فقال: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٌ
مِنَ الضَّأْنِ آَثْتَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنٍ﴾ ثم قال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَغَرِ اثْنَيْنِ﴾
[الأنعام: ١٤٣-١٤٤]، فلمَّا أنْ أَمَّ(١) الجميع إلى اللحم قال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
اٌلْأَنْعَمِ﴾ [المائدة: ١] فجمعَها بِلحم واحدٍ لتقارب منافعها، كتقارب لحم الضأن
والمعز. وقال في موضع آخر: ﴿وَمِ لَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]، وهذا جَمْعُ طائرٍ
الذي هو الواحد، لقوله تعالى: ﴿وَلَا طَبْرِ يَطِيُ ◌ِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فجَمَعَ لحمَ
الطيرِ كلِّه باسم واحد، وقال هنا: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ فجمعَ أصنافَ السمكِ بذکرٍ واحد،
فکان صغاره ککبارِه في الجمع بينهما.
وقد رُوي عن ابن عمر أنه سُئل عن لحم المَعْز بلحم الكباش: أشيءٌ واحد؟
فقال: لا(٢). ولا مخالف له، فصار كالإجماع، والله أعلم.
ولا حجة للمخالف في نهيه عن بيع الطعام إلَّ مِثْلاً بِمِثْل؛ فإنَّ الطعامَ في
الإطلاق يتناولُ الحنطةَ وغيرها من المأكولات، ولا يتناول اللحمَ؛ ألا تَرَى أنَّ
(١) أي قصد.
(٢) لم نقف عليه.

٢٩٧
سورة النحل: الآية ١٤
القائلَ إذا قال: أكلتُ اليومَ طعاماً؛ لم يَسْبِقِ الفهمُ منه إلى أكلِ اللحم، وأيضاً فإنه
مُعارَض بقوله:﴿: ((إذا اخْتَلفَ الجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيفَ شِئْتُم))(١) وهذان جنسان، وأيضاً
فقد اتفقنا على جوازٍ بيع اللحم(٢) بلحم الطير متفاضلاً، لا لعلَّةِ(٣) أنه بَيْعُ طعام لا
زكاةً له بِيعَ بلحمٍ ليس فيه الزكاة، كذلك بيع السمك بلحم الطير متفاضلاً(٤).
الثانية: وأما الجرادُ فالمشهور عندنا جوازُ بيع بعضه ببعض متفاضلاً. وذُكر عن
سُخْنون أنه يَمنع من ذلك، وإليه مال بعضُ المتأخرين ورآه مما يدّخر(٥).
الثالثة: اختلف العلماء فيمَن حلف ألَّا يأكلَ لحماً؛ فقال ابن القاسم: يحنَثُ
بكلِّ نوعٍ من هذه الأنواع الأربعة. وقال أشهب في المجموعة: لا يحنث إلَّا بأكل
لحوم الأنعام دون الوحش وغيره، مراعاةً للعُرف والعادة، وتقديماً لها على إطلاق
اللفظ اللغويّ(٦)، وهو أحسن.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني به اللؤلؤَ والمَرْجان؛
لقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّلُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢](٧).
وإخراج الحِلية إنما هي فيما عرف من المِلْح فقط. ويقال: إنَّ في الزمرد بحرياً.
(١) أخرجه الربيع في مسنده ص١٥٣ عن ابن عباس مرفوعاً، وتمامه: ((إلا ما نهيتكم عنه)). وأورده ابن عبد
البر في التمهيد ١٨٢/١٩. وأورده الآمدي في الإحكام ٢٢٩/٣ بلفظ: ((البر بالبر)) إلى قوله: ((فإذا
اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد)). وأخرج نحوه أحمد (٢٢٧٢٧)، ومسلم (١٥٨٧) (٨١) من
حديث عبادة بن الصامت ولفظه: ((الذهب بالذهب ... فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان
بداً بید».
(٢) في (ظ): اللبن، بدل: بيع اللحم.
(٣) لفظة: لا، من (د). ووقع في (ظ): لعلة فيه.
(٤) ينظر المنتقى ٢٦/٥ - ٢٨، والاستذكار ١١٢/٢٠ - ١١٤.
(٥) ينظر المنتقى ٢٦/٥ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٥/٣.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٦/٣ .

٢٩٨
سورة النحل: الآية ١٤
وقد خُطِّئ الهُذَليُّ في قوله في وصف الدرَّة:
على وجهها ماء الفرات يَدوم
فجاء بها من دُرَّة لطّمِيّة
فجعلها من الماء الحلو (١).
فالحلية حقٌّ، وهي نِحْلَةُ اللهِ تعالى لآدمَ وولدِه. خُلق آدمُ وتُوِّجَ وكُلِّلَ بإكليلٍ
الجنة، وخُتم بالخاتم الذي ورثه عنه سلیمانُ بنُ داود صلوات الله عليهم، وكان يقال
له: خاتم العِزِّ، فیما رُوي.
الخامسة: امتنَّ اللهُ سبحانه على الرجال والنساء امتناناً عامًّا بما يخرج من
البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حَرَّم الله تعالى على الرجال الذهب
والحرير(٢).
رَوَى الصحيحُ عن عمرَ بنِ الخطاب قال: قال رسول اللـه﴾: ((لا تَلْبَسُوا
الحريرَ، فإنَّه مَنْ لَبِسَهُ في الدنيا؛ لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخرة))(٣). وسيأتي في سورة الحج
الكلام فيه إن شاء الله (٤).
وروى البخاريُّ عن ابن عمر: أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ انَّخذَ خاتماً مِنْ ذَهَبٍ، وجَعَلَ
فَصَّهُ ممَّا يَلِي باطنَ كَفِّهِ، ونَقَشَ فيه: محمدٌ رسولُ الله؛ فاتَّخَذَ الناسُ مِثْلَه، فلما رآهم
(١) المحرر الوجيز ٣٨٣/٣. وما قبله منه، والبيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ص٥٧ ،
ولفظه :
يدوم الفرات فوقها ويموج
فجاء بها ما شئت من لطمية
وكذلك ذكره صاحب اللسان (فرت) وقال: ليس هنالك فرات؛ لأن الدر لا يكون في الماء العذب،
وإنما يكون في البحر. قال في تاج العروس (لطم): درَّة لَطَمية: منسوبة إلى اللطائم؛ وهي الأسواق
التي تباع فيها العطريات، وقد سئل الأصمعي: هل تكون الدرة في سوق المسك؟ فقال: تحمل معهم
في عيرهم. وقيل: لطمية: في عير لطمية. وقيل: لطمية: نسبتها إلى التطام البحر عليها بأمواجها.
(٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٦/٣.
(٣) صحيح البخاري (٥٨٣٠)، وصحيح مسلم (٢٠٦٩) (١١) واللفظ له. وهو في مسند أحمد (٩٢) بنحوه.
(٤) عند تفسير الآية ٢٣ منها.

٢٩٩
سورة النحل: الآية ١٤
قدِ اتَّخَذُوها رَمَى به، وقال: (لَا أَلْبَسُهُ أبداً)). ثمَّ اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ، فَاتَّخَذَ الناسُ
خواتيمَ الفِضَّة. قال ابنُ عمر: فَلبِسَ الخاتمَ بعد النبيِّ # أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم
عثمان، حتى وَقَعَ من عثمانَ في بئر أرِيس(١). قال أبو داود(٢): لم يختلفِ الناسُ على
عثمانَ حتى سَقَطَ الخاتمُ من يده.
وأجمع العلماء على جواز التختم بالوَرِق على الجملة للرجال. قال الخطابيُ(٣):
وكُرِه للنساء التختمُ بالفضة؛ لأنه من زِيِّ الرجال، فإنْ لم يجدْنَ ذهباً فليصفِّرنه
بزعفران أو بشبهه.
وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ الرجالِ خاتمَ الذهب؛
إلا ما رُوي عن أبي بكر بن عبد الرحمن(٤) وخَّاب، وهو خلافٌ شاذٌّ، وكلٌّ منهما لم
يبلغهما النهي والنسخ(٥). والله أعلم.
وأما ما رواه أنسُ بن مالك أنه رَأَى في يَدِ رسول الله ﴾ خاتماً من وَرِقٍ يوماً
واحداً، ثم إنَّ الناس اصطنعوا الخواتمَ من وَرِقٍ ولبِسوها، فطَرَحَ رسولُ الله ◌ِ﴾
خاتَمه، فطرح الناسُ خواتيمهم - أخرجه الصحيحان واللفظ للبخاريّ(٦) - فهو عند
(١) صحيح البخاري (٥٨٦٦). وأخرجه أيضاً أحمد (٦٣٣١)، ومسلم (٢٠٩١).
(٢) في سننه عقب الحديث (٤٢١٨).
(٣) في معالم السنن ١٩٠/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة المفهم ٤١١/٥ .
(٤) كذا نقل المصنف عن أبي العباس القرطبي في المفهم ٤٠٨/٥، والكلام للقاضي عياض في إكمال
المعلم ٦/ ٦٠٣ ، وفيه: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكذلك أورده من قبله ابن عبد البر في
التمهيد ١٠٩/١٧؛ قال: وقد روي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه كان يتختم بالذهب.
قال: وهذا - إن صح عنه أو عن غيره - فلا معنى له لشذوذه ... وجائز أن لا يبلغه الخبر بالنهي عن ذلك.
(٥) ينظر المفهم ٤٠٨/٥. وأخرج أحمد (٤٠٢٥)، والبخاري (٤٣٩١) الحديث عن خباب مطولاً، وفيه:
ثم التفت (أي: ابن مسعود) إلى خباب وعليه خاتم من ذهب فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال:
أما إنك لن تراه عليَّ بعد اليوم، فألقاه. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٠١/٨: ولعل خباباً كان
يعتقد أن النهي عن لبس الرجال خاتم الذهب للتنزيه، فنبهه ابن مسعود على تحريمه، فرجع إليه مسرعاً.
(٦) صحيح البخاري (٥٨٦٨)، ومسلم (٢٠٩٣) (٦٠). وهو في مسند أحمد (١٢٦٣١).

٣٠٠
سورة النحل: الآية ١٤
العلماء وَهَمٌّ من ابن شهاب؛ لأنَّ الذي نَبَذَ رسولُ الله # إنما هو خاتم الذهب. رواه
عبد العزيز بن صُهيب وثابت وقتادة عن أنس، وهو خلاف ما رَوَى ابنُ شهاب عن
أنس، فوجب القضاءُ بالجماعة على الواحد إذا خالفها، مع ما يشهد للجماعة من
حديث ابن عمر(١).
السادسة: إذا ثبتَ جوازُ التختم للرجال بخاتم الفضة والتحلِّي به، فقد كره ابنُ
سِيرين وغيرُه من العلماء نقشَه، وأن يكون فيه ذكرُ الله. وأجاز نقشَه جماعةٌ من
العلماء(٢).
ثم إذا نقش عليه اسمَ اللهِ أو كلمةً حِكْمةٍ أو كلماتٍ من القرآن، وجعله في
شماله، فهل يدخل به الخلاء ويستنجي بشماله؟ خفَّفه سعيدُ بن المُسيِّب ومالك(٣).
قيل لمالك: إن كان في الخاتم ذِكْرُ اللهِ، ويلبسه في الشمال، أيستنجي به؟ قال:
أرجو أن يكون خفيفاً (٤). ورُوي عنه الكراهة، وهو الأَوْلى(٥). وعلى المنع من ذلك
أكثرُ أصحابِهِ.
وقد رَوَى هَمَّام، عن ابن جُرَيج، عن الزُّهري، عن أنس قال: كانَ رسولُ الله ﴾
إذا دَخَلَ الخَلاءَ وَضَعَ خَاتمه(٦). قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن
ابن ◌ُريج، عن زياد بن سعد، عن الزُّهري، عن أنس: أَنَّ النبيَّ # اتَّخذ خاتماً من
وَرِق، ثم ألقاه. قال أبو داود: لم يحدِّث بهذا إلَّ هَمَّام(٧).
(١) ينظر الاستذكار ٣٥٤/٢٦، والمفهم ٤١٢/٥ - ٤١٣ .
(٢) ينظر الاستذكار ٣٦٠/٢٦.
(٣) المفهم ٥/ ٤١١ .
(٤) الاستذكار ٣٦٠/٢٦.
(٥) المفهم ٥/ ٤١١ .
(٦) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي في المجتبى ١٧٨/٧، وفي الكبرى (٩٤٧٠)،
وابن ماجه (٣٠٣). قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال النسائي: هذا الحديث غير محفوظ.
(٧) سنن أبي داود عقب الحديث (١٩). وينظر تلخيص الحبير ١٠٧/١ - ١٠٨.