Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة الحجر: الآية ٨٠ وفوقَ بيتِ الله. [قال:] وفي الباب عن أبي مَرْئد، وجابرٍ، وأنسٍ، [و] حديثُ ابنِ عمرَ إسنادُه ليس بذاك القوِيِّ، وقد تُكُلِّم في زيد بن جَبيرة من قِبَل حفظِه(١). وقد زاد علماؤنا: الدارَ المغصوبةَ، والكنيسةَ، والبِيعةَ، والبيتَ الذي فيه تماثيلُ، والأرضَ المغصوبةَ، أو موضعاً تَستقبِلُ فيه نائماً، أو وَجْهَ رجلٍ، أو جداراً عليه نجاسةٌ. قال ابنُ العربيِّ(٢): ومن هذه المواضعِ ما مُنِعَ لحقٌّ الغير، ومنه ما مُنِعَ لحقٌّ اللهِ تعالى، ومنه ما مُنِعَ لأَجْلِ النجاسةِ المحقَّقة أو لغلبتِها؛ فما مُنِعَ لأجلِ النجاسةِ إن فُرِشَ فيه ثوبٌ طاهرٌ كالحمَّامِ والمقبرة فيها أو إليها، فإنَّ ذلك جائزٌ في ((المدوَّنة))(٣). وذكر أبو مصعبٍ عنه الكراهةَ. وفرَّق علماؤنا بين المقبرةِ القديمةِ والجديدةِ لأجلِ النجاسة، وبين مقبرةٍ المسلمينَ والمشركينَ؛ لأنها دارُ عذابٍ، وبقعةُ سَخَطٍ؛ كالحِجر. وقال مالكٌ في ((المجموعة)): لا يُصلِّي في أعطانِ الإبلِ وإِن فَرش ثوباً. كأنَّه رأى لها علَّتين: الاستتارَ بها، ونفارَها، فتُفسِد على المصلِّي صلاتَه، فإن كانت واحدةً فلا بأسَ؛ كما كان النبيُّ # يفعل؛ في الحديثِ الصحيح (٤). وقال مالكٌ: لا يصلّ على بساطٍ فيه تماثيلُ إلا من ضرورةٍ. وكَرِه ابنُ القاسم الصلاةَ إلى القِبْلةِ فيها تماثيلُ، وفي الدارِ المغصوبة، فإن فعل أجزأه. وذكر بعضُهم عن مالكِ أنَّ الصلاةَ في الدارِ المغصوبةِ لا تُجزئ. قال ابنُ العربيّ(٥): وذلك عندي بخلافِ الأرض، فإنَّ الدارَ لا تُدخَل إلا بإذنٍ، والأرضَ وإن كانت مِلكاً فإنَّ المسجديَّة فيها قائمةٌ لا يُبطِلها المِلكُ. (١) سنن الترمذي (٣٤٦) و(٣٤٧)، وما بين حاصرتين منه. وسيرد الكلام عليه. (٢) في أحكام القرآن ١١٢٢/٣، وما قبله منه. (٣) ٧٦/١ . (٤) أخرجه البخاري (٥٠٧)، ومسلم (٥٠٢) عن ابن عمر، عن النبي ﴿ أنه كان يُعرِّض راحلته فيُصلِّي إليها، قلت: أفرأيت إذا هبَّت الركاب؟ قال: كان يأخذ هذا الرحل فيعدِّله، فيصلِّي إلى آخرته، أو قال: مؤخّره. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله. (٥) في أحكام القرآن ١١٢٢/٣ . ٢٤٢ سورة الحجر: الآية ٨٠ قلت: الصحيحُ - إن شاء اللهُ - الذي يدل عليه النظرُ والخَبَرِ أنَّ الصلاةَ بكلِّ موضعٍ طاهرٍ جائزةٌ صحيحةٌ. وما رُويَ من قوله ﴾: ((إنَّ هذا وادٍ به شيطانٌ))(١) وقد رواه معمر عن الزهريِّ فقال: ((واخرجوا عن المَوْضِع الذي أصابتكم فيه الغفلةُ))(٢). وقولِ عليٍّ: نهاني رسولُ الله ﴾ أن أصلِّيَ بأرضٍ بابل؛ فإنها ملعونةٌ. وقولِه عليه السلام حين مرَّ بالحِجْر من ثمودَ: ((لا تَدخُلوا على هؤلاءِ المعذَّبين إلا أنْ تكونوا باكِيْنَ)) ونهِهِ عن الصلاةِ في معاطنِ الإبلِ (٣)، إلى غير ذلك مما في هذا الباب، فإنَّه مردودٌ إلى الأصول المجتمع عليها، والدلائلِ الصحيح مجيئها. قال الإمام الحافظ أبو عمر (٤): المختار عندنا في هذا البابِ أنَّ ذلك الوادي وغيرَه مِن بِقاع الأرضِ جائزٌ أن يُصلَّى فيها كلِّها ما لم تكن فيها نجاسةٌ متيقَّنَةٌ تَمنع من ذلك، ولا معنى لاعتلالِ من اعتلَّ بأن موضعَ النومِ عن الصلاة موضعُ شيطانٍ، وموضعٌ ملعونٌ لا يجب أن تقام فيه الصلاةُ. وكلُّ ما رُوي في هذا الباب من النهي عن الصلاةِ في المقبرة، وبأرضٍ بابل، وأعطانِ الإبل، وغيرِ ذلك مما في هذا المعنى، كلُّ ذلك عندنا منسوخٌ ومدفوعٌ بعموم قولِهِ ﴾: ((جُعلت ليَّ الأرضُ كلُّها مسجداً وطهوراً))(٥)، وقولِهِ ﴾ مخبراً أنَّ ذلك من فضائله ومما خُصَّ به. وفضائلُه عند أهلِ العلم لا يجوز عليها النَّسْخُ ولا التبديلُ ولا النقصُ، قال ◌ِ﴾: ((أوتيتُ خمساً))(٦) وقد روي: ستاً(٧)، وقد روي: ثلاثاً(٨)، و: أربعاً (٩)، وهي تنتهي (١) أخرجه بهذا اللفظ مالك في الموطأ ١٤/١ عن زيد بن أسلم مرسلاً وهو عند مسلم ٦٨٠ (٣١٠) بنحوه. (٢) أخرجه أبو داود (٤٣٦) من حديث أبي هريرة ، إلا أنه قال: ((وتحولوا)) بدل: ((واخرجو)). (٣) سلفت هذه الأحاديث قريباً. (٤) في التمهيد ٥/ ٢١٧ - ٢١٨. (٥) سلف ٢٥٨/٤ . (٦) هو الحديث السابق. (٧) أخرجه مسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﴾. (٨) أخرجه مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة ﴾. (٩) أخرجه أحمد (١٣٦١) من حديث علي ﴾. ٢٤٣ سورة الحجر: الآية ٨٠ إلى أزيدَ من تسع(١)، قال فيهن: ((لم يُؤْتَهُنَّ أحدٌ قبلي: بُعِثْتُ إلى الأحمرِ والأسودِ، ونُصرت بالرُّعْبِ، وجُعلت أمتي خيرَ الأُمم، وأُحِلَّت ليَ الغنائم، وجُعلت ليَ الأرضُ مسجداً وَطَهوراً، وأُوتيتُ الشفاعةَ، وبُعثتُ بجوامعِ الكَلِم، وبينا أنا نائمٌ أُتِيْتُ بمفاتيحِ الأرضِ، فوضعتْ في يدي، وأُعطيتُ الكوثر، وخُتم بي النبيون)). رواها جماعةٌ من الصحابة(٢). وبَعضُهم يَذكُر بعضَها، ويَذكُر بعضُهم ما لم يذكُر غيرُه، وهي صحاح كلَّها. وجائزٌ على فضائله الزيادةُ، وغيرُ جائزٍ فيها النقصانُ؛ ألا ترى أنه كان عبداً قبل أنْ يكون نبيًّا، ثم كان نبيًّا قبل أنْ يكون رسولاً؛ وكذلك روي عنه(٣). وقال: ((ما أَدري ما يُفعَل بي ولا بكم)) ثم نزلت: ﴿﴿ِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾(٤) [الفتح: ٢]. وسمع رجلاً يقول له: يا خيرَ البريَّة؛ فقال: ((ذاك إبراهيم)»(٥)، وقال: ((لا يقولنَّ أحدكم: أنا خيرٌ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى)) (٦)، وقال: ((السيد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام))(٧) ثم قال بعد ذلك كلّه: ((أنا (١) في (د) و(ظ): سبع، وينظر اعتقاد أهل السنة والجماعة ٨٦٢/٤ وما بعدها، وإكمال المعلم ٤٣٨/٢ ، وفتح الباري ٤٣٩/١ . (٢) رُويت هذه الفضائل في أحاديث متفرقة عن عدد من الصحابة في ((الصحيحين)) كما مرَّ آنفاً، دون قوله: ((وأعطيت الكوثر)) فقد أخرجه البزار (١٤٧/٣ كشف الأستار)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٤٤٣) من حديث أبي هريرة ﴾. وجوّد إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٩/٨. وينظر التمهيد ٢٢٣/٥، والاستذكار ٣٣٨/١ - ٣٣٩. (٣) أخرج عبد الرزاق ٢٠٥/٢ عن عطاء قال: وبينا النبي * يُعلِّم التشهد فقال رجل: وأشهد أن محمداً رسوله وعبده، فقال النبي #: قد كنت عبداً قبل أن أكون رسولاً، قل: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وينظر الاستذكار ٣٣٦/١ . (٤) أسباب النزول للواحدي ص ٤٠٣ - ٤٠٤ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) أخرجه مسلم (٢٣٦٩) من حديث أنس ﴾. (٦) أخرجه أحمد (٤١٩٧)، والبخاري (٣٤١٢) من حديث ابن مسعود (٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٠٠٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٩٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٨/٣ و٢٠٢/٨: فيه: نافع أبو هرمز، وهو ضعيف، أو: متروك. ٢٤٤ سورة الحجر: الآية ٨٠ سيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فَخْرُ))(١). ففضائلُهُ ﴾ لم تَزَلْ تزدادُ إلى أنْ قبضَه اللـهُ؛ فمن هاهنا قلنا: إنَّه لا يجوزُ عليها النَّسْخُ ولا الاستثناءُ ولا النقصانُ، وجائزٌ فيها الزيادةٌ(٢). وبقوله ﴾: ((جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجداً وطَهوراً» (٣) أجزنا الصلاةَ في المقبرةِ، والحمَّام، وفي كلِّ موضع من الأرض إذا كان طاهراً من الأنجاسِ (٤). وقال # لأبي ذرٍّ: ((حيثما أَدْرَكَتْكَ الصلاةُ فصَلِّ؛ فإنَّ الأرضَ كلَّها مسجدٌ)) ذكره البخاريُّ(٥)، ولم يَخُصَّ موضعاً من موضع. وأما مَن احتجَّ بحديثٍ ابنٍ وهبٍ قال: أخبرني يحيى بنُ أيوبَ، عن زيدِ بنِ جَبيرة، عن داودَ بنِ حُصَين، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ - حديث الترمذيِّ الذي ذكرناه(٦) - فهو حديث انفردَ به زيدُ بنُ جَبِيرة، وأنكروه عليه، ولا يُعرَف هذا الحديثُ مسنداً إلا برواية يحيى بنِ أيوبَ، عن زيدِ بنِ جَبيرة. وقد كتب الليثُ بنُ سعدٍ إلى عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ (٧) مولى ابنِ عمرَ يسأله عن هذا الحديث؟ فكتب إليه عبدُ الله بنُ نافعٍ: لا أعلم من حدَّث بهذا عن نافعٍ إلا قد قال عليه الباطل. ذكره الحُلْوانِيُّ عن سعيدِ بنِ أبي مريم، عن الليثِ، وليس فيه تخصيصُ مقبرةِ المشركينَ مِن غيرِها (٨). وقد رُويَ عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ قال: نهاني حبيبي # أن أُصلِّيَ في المقبرة، (١) أخرجه الترمذي (٣١٤٨)، وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري، وهو عند مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة دون قوله: ((ولا فخر)). (٢) التمهيد ٢١٨/٥ - ٢٢٠ . (٣) سلف ٢٥٨/٤ . (٤) التمهيد ٢٢٠/٥. (٥) في صحيحه (٣٤٢٥)، وأخرجه أيضاً مسلم (٥٢٠). (٦) وهو أن رسول الله # نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، ... الحدیث، وقد سلف قريباً. (٧) ليست في النسخ الخطية (في الموضعين)، والمثبت من (م)، والتمهيد ٢٢٦/٥ . (٨) التمهيد ٢٢٥/٥ - ٢٢٦. ٢٤٥ سورة الحجر: الآية ٨٠ ونهاني أن أُصلِّيَ في أرضٍ بابل؛ فإنَّها ملعونةٌ(١). وإسناده ضعيفٌ مجتمع على ضعفه، وأبو صالح الذي رواه عن عليٍّ هو سعيدُ بنُ عبدِ الرحمن الغِفاريُّ، مصريٌّ(٢) ليس بمشهورٍ، ولا يصحُّ له سماعٌ عن عليٍّ، ومَن دونَه مجهولون لا يُعرفون. قال أبو عمر (٣): وفي البابِ عن عليٍّ من قولِه غير مرفوع حديثٌ حسنُ الإسنادِ، رواه الفَضْلُ بنُ دُكَيْن قال: حدثنا المغيرةُ بنُ أبي الحُرِّ الكِنْديُّ، قال: حدَّثني أبو العَنْبَس حُجْرُ بنُ عَنْبَس قال: خرجنا مع عليٍّ إلى الحروريَّة، فلما جاوزنا سُورا(٤) وقع بأرضٍ بابلَ، قلنا: يا أميرَ المؤمنين أمسيتَ، الصلاةَ الصلاةَ؛ فأبى أن يُكلِّم أحداً. قالوا: يا أميرَ المؤمنين، قد أمسيت. قال: بلى، ولكن لا أُصلِّي في أرضٍ خَسَفَ اللهُ بها(٥). والمغيرة بنُ أبي الحُرِّ: كوفيٌّ ثقةٌ؛ قاله يحيى بنُ مَعين وغيرُه. وحُجر بن عنبس مِن كبارٍ أصحابٍ عليّ (٦). وروى الترمذيُّ (٧) عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ قال: قال رسولُ اللـه:﴾: ((الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلا المقبرةَ والحمَّامَ)). قال الترمذيُّ: رواه سفيانُ الثوريُّ، عن عمرو بنِ يحيى، عن أبيه، عن النبي ﴿ مُرْسلاً، وكأنَّه أثبتُ وأصحُ. (١) ذكره المصنف ص٢٣٩ من هذا الجزء بلفظ: ((لا تدخلوا أرض بابل فإنها ملعونة)). (٢) في النسخ: بصري، والتصويب من التاريخ الكبير للبخاري ٤٩١/٣، والجرح والتعديل للرازي ٣٩/٤-٤٠، والتمهيد ٢٢٤/٥ . (٣) في التمهيد ٢٢٣/٥ - ٢٢٤، وما قبلبه منه. (٤) في النسخ: سوريا، والمثبت من التمهيد ٢٢٤/٥، قال الحموي في معجم البلدان ٢٧٨/٣: سُورًا: موضع بالعراق من أرض بابل. (٥) هكذا أورده ابن عبد البر في التمهيد ٢٢٤/٥، وأخرجه عبد الرزاق (١٦٢٣)، وابن أبي شيبة ٣٧٧/٢ ، ومن طريقه البغدادي في تاريخ بغداد ٢٧٤/٨ بنحوه. قال ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٢٣١/٢: إسناده حسن. اهـ وسلف مرفوعاً قريباً. (٦) التمهيد ٢٢٤/٥ . (٧) في السنن (٣١٧). ٢٤٦ سورة الحجر: الآية ٨٠ قال أبو عمر (١): فسقط الاحتجاجُ به عند من لا يَرَى المرسلَ حجَّةً، ولو ثبت كان الوجهُ ما ذكرنا. ولسنا نقولُ كما قال بعضُ المنتحِلين لمذهبِ المدنيين: إنَّ المقبرةَ في هذا الحديثِ وغيرِهِ أُرِيدَ بها مقبرةُ المشركينَ خاصَّةً؛ فإنَّه قال: ((المقبرةَ والحمامَ)) بالأَلِفِ واللَّام؛ فغيرُ جائز أن يُرَدَّ ذلك إلى مقبرةٍ دون مقبرةٍ، أو حمَّامٍ دون حمَّامٍ بغير توقيفٍ عليه، فهو قولٌ لا دليلَ عليه من كتابٍ ولا سُنَّة ولا خبرٍ صحيحٍ، ولا مدخلَ له في القياس، ولا في المعقول، ولا دَلَّ عليه فحوى الخطاب، ولا خُرِّجَ عليه الخبرُ. ولا يخلو تخصيصُ مَنْ خصَّ مقبرةَ المشركين مِن أحدٍ وجهين: إما أن يكونَ مِن أَجْلِ اختلافِ الكفّار إليها بأقدامهم، فلا معنى لخصوص المقبرةِ بالذِّكْر؛ لأنَّ كلَّ موضعٍ هم فيه بأجسامِهم وأقدامِهم فهو كذلك، وقد جَلَّ رسولُ اللهِ # أن يَتكلَّم بما لا معنى له. أو يكون مِن أَجْلِ أنَّها بقعةُ سُخْطٍ، فلو كان كذلك ما كان رسولُ الله ﴾ لَبْنِيَ مسجِدَه في مقبرةِ المشركين، وينبِشها، ويسوِّيها، ويَبْنِي عليها(٢). ولو جاز لقائلٍ أن يَخُصَّ مِن المقابرِ مقبرةً للصلاة فيها، لكانت مقبرةُ المشركين أولى بالخصوصِ والاستثناءِ مِن أَجْلِ هذا الحديث. وكلُّ مَن كَره الصلاةَ في المقبرةِ لم يَخُصَّ مقبرةً مِن مقبرةٍ؛ لأنَّ الأَلِفَ واللَّام إشارةٌ إلى الجنسِ لا إلى معهودٍ، ولو كان بين مقبرةِ المسلمين والمشركين فَرْقٌ لبيَّنِهِ ﴾ ولم يُهْمِلْه؛ لأنَّه بُعِثَ مبيِّناً. ولو ساغَ لجاهلٍ أن يقول: مقبرةُ كذا؛ لجاز لآخَرَ أن يقول: حمَّامُ كذا؛ لأنَّ في الحدیثِ المقبرةَ والحمَّامَ. وكذلك قوله: المزبلةَ والمجزرةَ؛ غيرُ جائزٍ أن يُقال: مزبلةُ كذا، ولا مَجْزَرةُ كذا، ولا طريقُ كذا؛ لأنَّ التحكّم في دين الله غيرُ جائزٍ(٣). وأَجمع العلماءُ على أنَّ التيمُّمَ على مقبرةِ المشركينَ إذا كان الموضع طيّباً طاهراً (١) التمهيد ٢٢٥/٥ - ٢٢٧. (٢) التمهيد ٢٢٦/٥ - ٢٢٧ . (٣) التمهيد ٢٢٣/٥ - ٢٢٤ . ٢٤٧ سورة الحجر: الآية ٨٠ نظيفاً جائزٌ. وكذلك أجمعوا على أنَّ مَن صلَّى في كنيسةٍ أو بِيعةٍ على موضعٍ طاهرٍ، أنَّ صلاته ماضيةٌ جائزةٌ(١). وقد تقدَّم هذا في سورة براءة(٢). ومعلومٌ أنَّ الكنيسةَ أقربُ إلى أن تكونَ بقعةَ سُخْطٍ مِن المقبرة؛ لأنَّها بُقعةٌ يُعصى اللهُ ويُكفَر به فيها، وليس كذلك المقبرةُ (٣). وقد وردت السُّنَّةُ باتخاذِ البِيَعِ والكنائسِ مساجدَ. روى النَّسائيُّ(٤) عن طَلْقِ بنِ عليّ قال: خرجنا وَفْداً إلى النبيِّ :﴿ فبايَعْناه وصَلَّينا معه، وأَخبرناه أنَّ بأرضنا بِيعةً لنا، وذكر الحديثَ. وفيه: «فإذا أَتيتم أرضَكم، فاكسروا بِيعتَكُم واتَّخِذوها مسجداً)). وذكر أبو داود(٥) عن عثمانَ بنِ أبي العاص أنَّ النبيَّ :﴿ أَمَرِه أن يَجعل مسجدَ الطائفِ حيث كانت طواغيتُهم. وقد تقدَّم في ((براءة)). وحَسْبُك بمسجدِ النبيِّ # الذي أُسِّس على التقوى مبيناً في مقبرةٍ المشركين؛ وهو حجَّة على كلِّ من كَره الصلاةَ فيها. وممن كره الصلاةَ في المقبرة، سواء كانت لمسلمينَ أو مشركينَ؛ الثوريُّ، وأبو حنيفةً، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ وأصحابُهم. وعند الثوريِّ: لا يُعيد. وعند الشافعيِّ: أَجزأَه إذا صلَّى في المقبرة في موضع ليس فيه نجاسةٌ؛ للأحاديث المعلومة(٦) في ذلك، ولحديث أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((صَلُّوا في بيوتِكم ولا تتخذوها قبوراً))(٧)، ولحديث أبي مَرْئَدِ الغَنوِيِّ عن النبيِّ :﴿ أَنَّه قال: ((لا تُصَلُّوا إلى القبورِ، ولا تَجلسوا عليها))(٨). وهذان حديثانِ ثابتانٍ مِن جهةِ الإسناد، ولا حجَّة فيهما؛ (١) التمهيد ٢٢٩/٥. (٢) عند الآية (١٠٧). (٣) التمهيد ٢٢٧/٥ . (٤) في المجتبى ٣٨/٢. (٥) في السنن (٤٥٠)، وسلف ٨/ ٢٥٥ . (٦) في (د) و(ز): المعلولة، وكذا جاء في التمهيد ٢٢٩/٥ . (٧) أخرجه مسلم (٧٧٧) (٢٠٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٨) أخرجه مسلم (٩٧٢) (٩٨). ٢٤٨ سورة الحجر: الآيتان ٨٠ - ٨١ لأنَّهما محتملانٍ للتأويل، ولا يَجبُ أن يمتنع من الصلاةِ في كلِّ موضعٍ طاهرٍ إلا بدليلٍ لا يحتمل تأويلاً. ولم يُفرِّق أحدٌ مِن فقهاءِ المسلمين بين مقبرةٍ المسلمين والمشركين إلَّا ما حكيناه مِن خَطَل (١) القولِ الذي لا يُشتَغل بمثله، ولا وجْهَ له في نظر، ولا في صحيحٍ أَثَرٍ (٢). وثامنها(٣): الحائطُ يُلقَى فيه النَّتْنُ والعَذِرَةُ لِيُكْرَمِ(٤)، فلا يُصلَّى فيه حتى يُسقَى ثلاثَ مرَّات؛ لما رواه الدارقطنيُّ عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ # في الحائط يُلقَى فيه العِذَرةُ والنّتْنُ قال: ((إذا سُقي ثلاثَ مرَّات، فَصَلِّ فيه)). وخرَّجه أيضاً من حديث نافعٍ عن ابنِ عمرَ أنَّه سُئل عن هذه الحيطانِ التي تُلقَى فيها العَذِراتُ وهذا الزِّبْلُ: أُيَصلَّى فيها؟ فقال: إذا سُقِيَتْ ثلاثَ مرَّات، فَصَلِّ فيها. رَفَع ذلك إلى النبيِّ﴾. اختلفا في الإسناد(٥)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَءَانِّيْنَهُمْ مَايَدِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٨١ قوله تعالى: ﴿وَءَانِيْنَهُمْ ءَايَتِنَا﴾ أي: بآياتِنا. كقوله: ﴿َائِنَا غَدَآءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي: بغدائِنا. والمراد: الناقَةُ، وكان فيها آياتٌ جَمَّةٌ: خروجُها مِن الصخرة، ودُنُوُّ نِتاجِها عند خروجِها، وعِظَمُها حتى لم تُشْبهها ناقةٌ، وكثرةُ لبنِها حتى تكفيهم جميعاً(٦). ويحتمل أنه كان لصالح آياتٌ أُخَرُ سوى الناقةِ، كالبئرِ وغيرِه(٧). ﴿فَكَانُواْ عَنّهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي: لم يعتبروا. (١) الخَطَّل: المنطق الفاسد المضطرب. الصحاح (خطل). (٢) التمهيد ٢٢٩/٥ - ٢٣٠. (٣) كذا في النسخ، ولم يذكر السابعة. (٤) كَرَمَ أرضَه كَرَماً: دَمّلَها (أي: أصلحها) بالسِّرقين، فزكت وطابت. معجم متن اللغة (كرم). (٥) الدارقطني (٨٨٠) و(٨٨١). (٦) الوسيط ٥٠/٣، وزاد المسير ٤١١/٤. (٧) تفسير البغوي ٥٦/٣ . ٢٤٩ سورة الحجر: الآيات ٨٢ - ٨٦ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُنَّا مَامِنِينَ مُصْبِحِينَ (٨) فَآَ أَغْنَى عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ النَّحْتُ في كلام العرب: البَرْيُ والنَّجْر. نَحَتَه يَنْحِتُه - بالكسر - نحتاً، أي: بَرَاه. والنُّحاتة: البُراية. والمِنْحَت: ما يُنْحَتُ به (١). وفي النزيل: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أي: تَنْجُرون وتَصْنعون. فكانوا يتخذونَ من الجبال بيوتاً لأنفسِهم بشدّة قوَّتهم. ﴿ءَامِينَ﴾ أي: مِن أن تَسْقُطَ عليهم أو تَخْرَب. وقيل: آمنين مِن الموتِ. وقيل: مِن العذابِ(٢). ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصِْحِينَ﴾ أي: في وقت الصبحِ، وهو نصبٌ على الحال. وقد تقدَّم ذِكْرُ الصيحةِ في هود والأعراف(٣). ﴿فَآ أَغْنَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من الأموالِ والحُصُون في الجبال، ولا ما أُعْطُوه مِن القوَّة(٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيِنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقُّ وَإِنَ السَّاعَةَ لَئِيَّةٌ فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ٨٥ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ٨٦ قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا يَنَهُمَآَ إِلَّ بِآلْحَقِّ﴾ أي: للزوالِ والفَناء. وقيل: أي: لأجازيَ المحسنَ والمُسِيْءَ(٥)؛ كما قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَئِيَّةٌ﴾ أي: لكائنةٌ فيُجزَى كلٌّ بعملِه. ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِلَ﴾ مثلُ: ﴿وَأَهْجُرْهُمْ حَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] أي: تجاوز عنهم يا محمَّد، واغْفُ عفواً حسناً؛ ثم نُسِخَ بالسيف(٦). قال قتادةُ: نسخه قولُه: ﴿فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ (١) الصحاح (نحت). (٢) النكت والعيون ١٦٩/٣ . (٣) ١٥٦/١١ و٢٧١/٩ - ٢٧٢. (٤) ينظر زاد المسير ٤١٢/٤، وتفسير الرازي ٢٠٥/١٩. (٥) ينظر تفسير البغوي ٥٦/٣ . (٦) ينظر النكت والعيون ٣/ ١٧٠، وتفسير الرازي ٢٠٦/١٩. ٢٥٠ سورة الحجر: الآيات ٨٥ -٨٧ ثَقِفْتُوهُمْ﴾ (١) [النساء: ٩١]. وأنَّ النبيَّ ﴾ قال لهم: ((لقد جئتكم بالذَّبْح، وبُعثتُ بالحصادِ، ولم أبعث بالزراعة))؛ قاله عكرمةُ ومجاهدٌ(٢). وقيل: ليس بمنسوخٍ، وأنَّه أمر بالصَّفْح في حقِّ نفسِه فيما بينه وبينهم. والصَّفحُ: الإِعراض؛ عن الحسنِ وغيرِه(٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ﴾ أي: المقدِّر للخَلْقِ والأخلاق. ﴿ اَلْعَلِيمُ﴾ بأهل الوفاقٍ والنفاق. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ اختلف العلماءُ في السبع المثاني؛ فقيل: الفاتحةُ؛ قاله عليٍّ بنُ أبي طالب، وأبو هريرة، والربيعُ بنُ أنس، وأبو العالية، والحسنُ وغيرُهم(٤)، ورُويَ عن النبيِّ :﴿ مِن وجوهٍ ثابتةٍ، مِن حديث أَبَيِّ بنِ كعبٍ، وأبي سعيدِ بنِ المُعَلَّى. وقد تقدَّم في تفسير الفاتحةِ(٥). وخرَّج الترمذيُّ مِن حديثِ أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه﴾: «الحمدُ للهِ أمّ القرآنِ، وأمُّ الكتابِ، والسَّبْعُ المثاني)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهذا نصٌّ، وقد تقدَّم في الفاتحة(٦). وقال الشاعر: نَشَدْتُكم بمُنْزِلِ القرآنِ أمِّ الكتابِ السبعِ مِن مَثَاني(٧) وقال ابنُ عباسٍ: هي السَّبْعُ الظُّوَل: البقرةُ، وآل عمران، والنِّساءُ، والمائدةُ، (١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٠٦/١٤، وأورده النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٨٢/٢. (٢) النكت والعيون ٣/ ١٧٠، وأخرجه أيضاً ابن سعد ١٠٥/١ عن مجاهد، والطبري في تفسيره ١٤/ ١٠٧ عن سفيان بن عيينة، وهو ضعيف لإرساله. (٣) النكت والعيون ٣/ ١٧٠ . (٤) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره ١١٦/١٤، وينظر النكت والعيون ٣/ ١٧٠، وزاد المسير ٤١٣/٤ . (٥) سلف ١٦٦/١ - ١٦٧ . (٦) الترمذي (٣١٢٤)، وسلف ١/ ١٧٢. (٧) أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن ص ٣٥٤/١، والماوردي في النكت والعيون ٢٦/١ و١٧٠/٣ ولم ینسباه. ٢٥١ سورة الحجر: الآية ٨٧ والأنعامُ، والأَعرافُ، والأَنفالُ والتوبةُ معاً؛ إذ ليس بينهما التسميةُ(١). روى النَّسائيُّ(٢): حدَّثنا عليُّ بنُ حُجْر، أخبرنا شَريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباسٍ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ﴾ قال: السَّبْعُ الطُّوَل. وسمِّيت مثانيّ؛ لأنَّ العِبَرَ والأَحكامَ والحدودَ ثُنِّيت فيها. وأَنكر قومٌ هذا، وقالوا: أُنزلت هذه الآيةُ بمكّة، ولم يَنزِل مِنَ الُوَل شيء إذ ذاك. وأُجيب بأنَّ اللـه تعالى أَنزل القرآن إلى السماءِ الدُّنيا، ثم أَنزله منها نجوماً، فما أَنزله إلى السماء الدُّنيا فكأنَّمَا آتَاه محمداً :﴿ وإنْ لم يَنزِل عليه بَعْدُ(٣). وممَّن قال إنَّها السَّبْعُ الٌوَل: عبدُ اللهِ بنُ مسعود، وعبدُ اللهِ بنُ عُمر، وسعيدُ بنُ جبير، ومجاهدٌ(٤). وقال جريرٌ(٥) : مُضِيعاً للمفَصَّل والمثاني جزى اللهُ الفرزدقَ حين يُمْسِي وقيل: المثاني: القرآنُ كلُّه؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣]. هذا قولُ الضحاكِ وطاوس وأبي(٦) مالكِ، وقاله ابنُ عباس(٧). وقيل له: مثاني؛ لأنَّ الأَنباءَ والقَصَص ثُنِّيت فيه (٨). وقالت صفيَّة بنتُ عبدٍ المطلب ترثي رسولَ اللهِ ﴾: فقد كان نوراً ساطعاً يُهتَدی به يُخَصُّ بتنزيل المثاني المعظّم(٩) (١) المحرر الوجيز ٣٧٣/٣، وتفسير الرازي ٢٠٨/١٩. (٢) المجتبى ٢/ ١٤٠، وأخرجه أيضاً أبو داود (١٤٥٩)، وسلف ١/ ١٧٥. (٣) ينظر تفسير السمر قندي ٢٢٤/٢، وزاد المسير ٤١٤/٤، وتفسير الرازي ٢٠٨/١٩. (٤) أخرج قولهم الطبري في التفسير ١٤ / ١٠٧ - ١٠٩. (٥) ديوانه ص٤٦٦ ، وفيه: لحى، بدل: جزى. (٦) في (د) و(ز) و(م): وأبو: والمثبت من (ظ). (٧) أخرج قولهم الطبري في التفسير ١٢٠/١٤ - ١٢١، وينظر النكت والعيون ١٧٠/٣ - ١٧١، وزاد المسير ٤١٤/٤ . (٨) ينظر تفسير الطبري ١٢٥/١٤، والنكت والعيون ١٧١/٣، والمحرر الوجيز ٣٧٣/٣. (٩) أورده الماوردي في النكت والعيون ١٧١/٣ . ٢٥٢ سورة الحجر: الآيتان ٨٧ - ٨٨ أي: القرآن. وقيل: المراد بالسَّبْعِ المثاني: أقسامُ القرآن؛ من الأَمْرِ والنهي، والتبشيرِ والإنذار، وضَرْبِ الأمثال، وتعديد نِعَم، وأنباءِ قرونٍ؛ قاله زيادُ بنُ أبي مريمَ(١). والصحيحُ الأوَّلُ؛ لأنه نصٌّ. وقد قدَّمنا في الفاتحة(٢) أنَّه ليس في تَسْميتها بالمثاني ما يَمنع من تسميةٍ غيرِها بذلك؛ إلا أنَّه إذا وَرَدَ عن النبيِّ #؛ وثَبَتَ عنه نصّ في شيءٍ لا يَحتمل التأويلَ؛ كان الوقوفُ عنده(٣). قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ فيه إضمارٌ، تقديرُه: وهو أنَّ الفاتحةَ القرآنُ العظيمُ؛ لاشتمالها على ما يتعلَّق بأصولِ الإسلام. وقد تقدَّم في الفاتحة (٤). وقيل: الواو مُقْحَمة، التقدير: ولقد آتيناكَ سبعاً مِن المثاني القرآن العظيم(٥). ومنه قولُ الشاعر : إلى المَلِكِ الْقَرْمِ وابنِ الهُمامِ وليثِ الكَّتِيبةِ في المُزْدَحَمْ(٦) وقد تقدَّم عند قوله: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضََّلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ (٧) [البقرة: ٢٣٨]. قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ فيه مسألتان: (١) النكت والعيون ١٧١/٣، وأخرجه عنه الطبري في التفسير ١١٩/١٤ - ١٢٠، وينظر زاد المسير ٤/ ٤١٤ . (٢),١/ ١٧٥ . (٣) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ١٢١. (٤) ١/ ١٧٣ . (٥) تفسير البغوي ٥٦/٣ . (٦) لم نقف على قائله، وأورده ابن الأنباري في الإنصاف في مسائل الخلاف ٤٦٩/٢، والزمخشري في الكشاف ١/ ١٣٣، والبغدادي في خزانة الأدب ١/ ٤٥١ و١٠٧/٥ و٩١/٦ ولم ينسبوه. (٧) ١٨١/١، عند القول التاسع في تعيين الصلاة الوسطى. ٢٥٣ سورة الحجر: الآية ٨٨ الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ المعنى: قد أَغْنَيْتُكَ بالقرآنِ عما في أيدي الناسِ، فإنَّه: ((ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن))(١)؛ أي: ليس منَّ مَن رأَى أنَّه ليس يَغْنَى بما عندَه مِن القرآن حتى يطمحَ بصرُه إلى زخارفِ الدنيا، وعنده معارفُ المولى(٢). يقال: إنه وافى سَبْعُ قوافلَ من البُصْرَى(٣) وأَذْرِعاتٍ(٤) ليهودِ قُريظةً والنَّضِيرِ في يومٍ واحدٍ، فيها البَزُّ(٥) والطَّيْبُ والجوهرُ وأمتعةُ البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموالُ لنا؛ لتقوَّينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ﴾ أي: فهي خيرٌ لكم من القوافلِ السَّبْع، فلا تَمُدُّنَّ أعينَكم إليها(٦). وإلى هذا صار ابنُ عُيينةَ، وأَورد قولَه عليه الصلاة والسلام: ((ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن) أي: مَن لم يَسْتَغْنِ به(٧). وقد تقدَّم هذا المعنى في أوّل الكتاب(٨). ومعنى: ﴿أَزْوَجًا مِّنْهُمْ﴾ أي: أمثالاً في النِّعَم، أي: الأغنياءُ بعضُهم أمثالُ بعضٍ في الغِنَى، (٩) فهم أزواجٌ(٩). الثانية: هذه الآيةُ تقتضي الزّجَرَ عن التشوُّف إلى متاع الدنيا على الدَّوام، وإقبالَ العبدٍ على عبادةٍ مولاه. ومثله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيِّنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْيَوِ اُلُّنْيَاَ لِفْتِنَهُمْ فِيَةٍ﴾ الآية [طه: ١٣١]. وليس كذلك؛ فإنه روي عن النبيِّ ﴾ أنَّه قال: (١) سلف ١/ ٢١ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢٤/٣ - ١١٢٥. (٣) من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران. معجم البلدان ١/ ٤٤١ . (٤) بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمَّان. معجم البلدان ١٣٠/١، وتسمى الآن: دَرعا، وتبعد ١١٠ کم جنوبي دمشق. (٥) في (د) و(ظ) و(م): البر، والمثبت من (ز) ومصدر التخريج. (٦) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٢٨٢ ونسبه للحسين بن الفضل، وهو عند الزمخشري في الكشاف ٣٩٨/٢ دون نسبة. (٧) معاني القرآن للنحاس ٤١/٤، وتفسير الطبري ١٤/ ١٢٧. (٨) ٢١/١ - ٢٢. (٩) ينظر معاني القرآن للنحاس ٤١/٤، والنكت والعيون ١٧١/٣ . ٠٠ ٢٥٤ سورة الحجر: الآية ٨٨ ((حُبِّبَ إليَّ مِن دنياكُم النساءُ، والطِّبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة)) (١). وكان عليه الصلاة والسلام يتشاغلُ بالنساءِ جِبِلَّةَ الآدَمِيَّة، وتشوُّفَ الخِلْقَةِ الإنسانيةِ، ويحافظُ على الطَّيْبٍ، ولا تقرُّ له عينٌ إلا في الصلاة لدى مناجاةِ المولى، ويَرَى أنَّ مناجاته أَحری مِن ذلك وأَولی(٢). ولم يكن في دين محمد الرهبانيَّةُ والإقبالُ على الأعمالِ الصالحةِ بالكليّة كما كان في دينٍ عيسى، وإنما شَرَعَ اللهُ سبحانه حنيفيَّةً سمحةً خالصةً عن الحَرَج، خفيفةً على الآدميِّ، يأخذ من الآدميَّة بشهواتِها، ويَرجع إلى اللهِ بقلبٍ سليم. ورأى القرَّاء والمخلصون من الفضلاءِ الانكفافَ عن اللَّذات والخلوصَ لربِّ الأرضِ والسماوات اليومَ أَولى؛ لِمَا غَلَب على الدنيا مِن الحرام، واضْطُرَّ العبدُ في المعاشِ إلى مخالطةِ مَن لا تجوز مخالطتُه، ومصانعةٍ مَن تَحْرُم مصانعتُه، فكانت القراءةُ أفضلَ، والفرارُ عن الدنيا أصوبَ للعبِد وأعدلَ؛ قال#: ((يأتي على الناسِ زمانٌ يكون خيرُ مالِ المسلمِ غَنَماً يتبع بها شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القَطْرِ ؛ یَفِرُّ بدینِهِ مِن الفتن))(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ولا تَحزن على المشركينَ إن لم يُؤمِنوا. وقيل: المعنى: لا تَحزن على ما مُتِّعوا به في الدنيا؛ فَلَكَ في الآخرةِ أفضلُ منه. وقيل: لا تَحزن عليهم إن صاروا إلى العذابِ؛ فهم أهلُ العذاب(٤). ﴿وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أَلِنْ جانِبَكَ لمن آمَنَ بكَ وتواضَعْ لهم. وأصله أنَّ الطائرَ إذا ضَمَّ فَرْخَهُ إلى نفسِه بَسَطَ جناحَه ثم قَبَضَه على الفَرْخ، فجعل ذلك وصفاً لتقريبِ الإنسانِ أتباعَه. ويقال: فلانٌ خافضُ الجناح، أي: وقورٌ ساكنٌ. والجناحان (١) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٦١ - ٦٢، من حديث أنس. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢٥/٣، والكلام الآتي منه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢٥/٢، والحديث أخرجه البخاري (٣٦٠٠) عن أبي سعيد الخدري ه. (٤) ينظر تفسير السمر قندي ٢/ ٢٢٥، والنكت والعيون ١٧١/٣. ٢٥٥ سورة الحجر: الآيات ٨٨ - ٩٠ مِن ابنِ آدمَ: جانباه؛ ومنه ﴿وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَلِكَ﴾ [طه: ٢٢] وجناح الطائرِ: يدُه(١). وقال الشاعر: يَمُدُّ على أخي سَقَمِ جَناحا (٢) وحَسْبُكَ فتيةً لزعيمٍ قومٍ أي: تواضعاً ولِيناً. كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِينَ ٨٩١ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنَّ أَنَا النَّذِيُرُ الْمُبِينُ في الكلام حذف؛ أي: إني أنا النذيرُ المبينُ عذاباً، فحذف المفعول، إذ كان الإنذارُ يدلُّ عليه، كما قال في موضع آخر: ﴿أَنْذَرْتُّكُمْ صَبِقَةُ مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]. وقيل: الكاف زائدة، أي: أنذرتُكم ما أنزلنا على المقتسمِين؛ كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقيل: أنذرتُكم مثلَ ما أَنزلنا بالمقتسمِين(٣). وقيل: المعنى كما أَنزلنا على المقتسمِين، أي: مِن العذابِ وكفيناك المستهزئين، فاضْدَعْ بما تُؤمر، وأَعرض عن المشركين الذين بغَوْا، فإنَّا كفيناكَ أولئك الرؤساءَ الذين كُنْتَ تَلقى منهم ما تَلقی. واختلف في ((المُقْتَسِمِينَ)) على أقوالٍ سبعة: الأوّل: قال مقاتلٌ والفراءُ: هم سنَّةً عَشَرَ رجلاً بعثَهم الوليدُ بنُ المغيرة أيَّامَ الموسم، فاقتسموا أعقابَ مكّة وأنقابَها وفِجاجَها يقولون لمن سَلَكها: لا تغترُّوا بهذا الخارجِ فينا يدَّعي النبوَّةَ؛ فإنَّه مجنونٌ، وربَّما قالوا: ساحرٌ، وربَّما قالوا: شاعرٌ، وربَّما قالوا: كاهنٌ. وسُمُّوا المقتسمِين؛ لأنَّهم اقتسموا هذه الطرقَ، فأماتهم اللهُ شرَّ مِيتة، وكانوا نصبوا الوليدَ بنَ المغيرة حَكَماً على بابِ المسجد، فإذا سألوه عن (١) الصحاح ولسان العرب (خفض) و(جنح). (٢) كذا في النكت والعيون ١٧١/٣، وجاء في ديوان إبراهيم بن هرمة ص٨٨ قوله: وحسبُكَ تهمةً ببريء قومٍ يضمُّ على أَخي سَقَم جناحا (٣) ينظر الوسيط ٥٢/٣، وتفسير الرازي ٢١٢/١٩ . ٢٥٦ سورة الحجر: الآيات ٨٩ - ٩١ النبيِّ# قال: صَدَقَ أولئك(١). الثاني: قال قتادةُ: هم قومٌ من كفَّار قريشٍ؛ اقتسموا كتابَ اللهِ، فجعلوا بعضَه شعراً، وبعضَه سحراً، وبعضَه كهانةً، وبعضَه أساطيرَ الأوَّلين(٢). الثالث: قال ابنُ عباسٍ: هم أهلُ الكتابِ؛ آمنوا ببعضِه وكفَروا ببعضه(٣). وكذلك قال عكرمةُ: هم أهلُ الكتاب، وسُمُّوا مقتسمِين؛ لأنَّهم كانوا مستهزئينَ، فيقول بعضهم: هذه السورةُ لي، وهذه السورةُ لَّكَ. وهو القول الرابع. الخامس: قال قتادةُ: قسموا كتابَهم ففرَّقوه وبدَّدوه وحرَّفوه(٤). السادس: قال زيدُ بنُ أَسلَمَ: المرادُ: قومُ صالحٍ، تقاسموا على قتلِه فسُمُّوا مقتسمِين؛ كما قال تعالى: ﴿تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّنَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ (٥) [النمل: ٤٩]. السابع: قال الأخفشُ: هم قومٌ اقتسموا أيماناً تحالفوا عليها. وقيل: إنَّهم العاصُ بنُ وائلٍ، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةً، وأبو جهلٍ بنُ هشام، وأبو البَخْتَرِيِّ بنُ هشامٍ، والنَّضْرُ بنُ الحارثِ، وأميَّةُ بنُ خَلَف، ومنبِّه بنُ الحجَّاج؛ ذكره الماورديُّ(٦). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ هذه صفةُ المقتسمِين. وقيل: هو مبتدأٌ، وخبرُه: ﴿اَنَتْشَلَنَّهُمْ﴾(٧). (١) ينظر معاني القرآن للفراء ٩١/٢ - ٩٢، والنكت والعيون ١٧٢/٣، وتفسير البغوي ٥٨/٣، وتفسير الرازي ٢١١/١٩ - ٢١٢. (٢) النكت والعيون ٣/ ١٧٢، وأخرجه عنه الطبري في تفسيره ١٣٥/١٤، وذكره الرازي في تفسيره ٢١٢/١٩ ونسبه لمقاتل بن حيان. (٣) النكت والعيون ٣/ ١٧٢ . وسيأتي تخريج قوله تقريباً. (٤) النكت والعيون ٣/ ١٧٢، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ١٣١. (٥) النكت والعيون ٣/ ١٧٢ ونسبه إلى ابن زيد، وأخرجه عنه الطبري في تفسيره ١٣٢/١٤ - ١٣٣، وكذا ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤١٨/١٤ . (٦) في النكت والعيون ١٧٣/٣ . (٧) تفسير الرازي ٢١٣/١٩. ٢٥٧ سورة الحجر: الآية ٩١ وواحد العِضِين: عِضَة، من عضَّيتُ الشيءَ تعضِيةً، أي: فرَّقتُه؛ وكلُّ فرقةٍ عِضَة(١). وقال بعضُهم: كانت في الأصل عِضْوَة، فنقصت الواو، ولذلك جُمعت عِضِين؛ كما قالوا: عِزِين في جمع عِزَة، والأصل: عِزْوة. وكذلك ثُبَة وثِين(٢). ويرجع المعنى إلى ما ذكرناه في المقتسمين. قال ابن عباس: آمنوا ببعض وكفروا ببعض (٣). وقيل: فرَّقوا أَقاويلَهم فيه، فجعلوه كذباً، وسحراً، وكَهانة، وشِعراً. عَضَوْتُه، أي: قَرَّقْتُه(٤). قال الشاعر - هو رؤية -: وليس دينُ اللهِ بالمُعَضَّى(٥) أي: بالمفرَّق. ويقال: نقصانه الهاءُ، وأصله: عِضَهَة؛ لأنَّ العِضَةَ والعِضِينَ في لغة قريشٍ: السِّحرُ. وهم يقولون للساحر: عاضِه، وللساحرة: عاضِهة(٦). قال الشاعر: أَعوذُ بربِّي مِن النافِئا تِّ في عُقَدِ العاضِه المُعْضِهِ (٧) وفي الحديث: ((لَعَنَ رسولُ اللهِ ﴿ العاضِهة والمُسْتَعْضِهة))(٨)، وفُسِّر: الساحِرة والمستسجِرةُ(٩). والمعنى: أَكثَروا البُهْتَ على القرآن، ونوَّعوا الكذبَ فيه، فقالوا : (١) الوسيط ٥٢/٣، والنكت والعيون ١٧٣/٣. (٢) ينظر المحرر الوجيز ٣/ ٣٧٤، وتهذيب اللغة ١٣٠/١ - ١٣١، ولسان العرب (عضه). (٣) أخرجه البخاري (٤٧٠٥)، والطبري في تفسيره ١٣٥/١٤، والحاكم ٣٥٥/٢. (٤) الصحاح (عضه). (٥) ديوانه ص٨١ ، وبعده: إنَّ لنا مؤَّاسةٌ عِرَبْضا (٦) الصحاح (عضه). (٧) هو في غريب الحديث للهروي ٣/ ١٨١، وتهذيب اللغة ١٣٠/١، والصحاح واللسان (عضه) دون نسبة. (٨) أخرجه ابن عدي في التراجم الساقطة من الكامل ص١٠٧ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال ابن حجر في الكافي الشاف ص٩٤ : في إسناده: زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وهما ضعيفان. (٩) النهاية في غريب الحديث ٣/ ٢٥٥ . ٢٥٨ سورة الحجر: الآيات ٩١ - ٩٣ سحرٌ، وأَساطيرُ الأوَّلين، وأنَّه مفترَى، إلى غير ذلك. ونظيرُ عِضَة في النقصان: شَفَة، والأصل: شفَهَة، كما قالوا: سَنَة، والأصل: سَنْهة، فنقصوا الهاءَ الأصليّةَ، وأُثبتت هاءُ العلامَة وهي للتأنيثِ. وقيل: هو من العَضْه، وهي: النميمةُ. والعَضِيهةُ: البُهتانُ: وهو أن يعضه الإنسانَ ويقول فيه ما ليس فيه. يقال: عَضَهه عَضْهاً: رماه بالبهتان. وقد أعْضَهْتَ: أي: جِئْتَ بالبُهتان. قال الكسائيُّ: العِضَةُ: الكذبُ والبُهتانُ، وجمعها عِضُون؛ مثل عِزَة وعِزُون؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾(١). ويقال: عَضَوه، أي: آمنوا بما أَحبُّوا منه وكفروا بالباقي، فأَحبط كفرُهم إِيمانَهم. وكان الفرَّاءُ يذهب إلى أنَّه مأخوذٌ مِن العِضاه، وهي شجرُ الوادي، ويَخرج كالشَّوك(٢). قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْشَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (١) عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: لنَسئلنَّ هؤلاء الذين جَرَى ذِكْرُهم عمَّا عَملوا في الدنيا. وفي البخاريِّ(٣): وقال عِدَّةٌ مِن أهل العلم في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْعَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: عن لا إله إلا الله. قلت: وهذا قد رُويَ مرفوعاً، روى الترمذيُّ الحكيمُ(٤) قال: حدثنا الجَارود بنُ معاذ، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بنُ موسى، عن شَريك، عن ليث، عن بشير بن نَهِيك، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللـه# في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قال: ((عن قول: لا إله إلا الله))(٥). قال أبو عبد الله: معناه عندنا: عن (١) الصحاح (عضه). (٢) ذكر الفرَّاء في معاني القرآن ٢/ ٩٢ أن العضين في كلام العرب: السحر بعينه. وكذا نقله عنه الأزهري في تهذيب اللغة ١٣/١، والماوردي في النكت والعيون ١٧٤/٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٣٧٤ . (٣) في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب ١٨ ، قبل حديث (٢٦). (٤) في نوادر الأصول ص٢٤٦ - ٢٤٧ ، وهو أبو عبد الله الآتي ذكره. (٥) أخرجه الترمذي (٣١٢٦)، والطبري في تفسيره ١٣٩/١٤ - ١٤٠، وهو عند البخاري في التاريخ الكبير ٨٦/٢ و١٣٣/٨ . قال الترمذي: هذا حديث غريب. ٢٥٩ سورة الحجر: الآيتان ٩٢ - ٩٣ صِدْقٍ: لا إله إلا الله، ووفائِها؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى ذَكَر في تنزيلِه العملَ فقال: ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ولم يقل: عمَّا كانوا يقولون، وإن كان قد يجوز أن يكون القولُ أيضاً عملَ اللسانِ، فإنَّما المعنيُّ به ما يعرفه أهلُ اللغة أنَّ القولَ قولٌ، والعملَ عملٌ. وإنما قال رسولُ اللهِ ﴾: ((عن: لا إله إلا الله)) أي: عن الوفاءِ بها والصِّدْق لمقالِها. كما قال الحسنُ البصريُّ: ليس الإيمانُ بالتحلِّي ولا الدِّينُ بالتمِنِّي، ولكن ما وقَر في القلوبِ وصدَّقَتْه الأعمالُ. ولهذا(١) قال رسولُ اللهِ﴾: ((مَن قال: لا إله إلا الله مخلصاً؛ دخلَ الجنةَ)) قيل: يا رسولَ اللهِ، وما إخلاصُها؟ قال: ((أَنْ تَحجُزه عن محارم الله)). رواه زيدُ بنُ أَرقم(٢). وعنه أيضاً قال: قال رسول الله﴾: ((إنَّ اللهَ عَهِدَ إليَّ ألَّا يأتيَني أحدٌ مِن أمَّتي بلا إلهَ إلا اللهُ، لا يَخْلِطُ بها شيئاً؛ إلا وَجَبت له الجنَّةُ)) قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما الذي يخلط بلا إِلهَ إلا اللهُ؟ قال: ((حرصاً على الدنيا، وجَمْعاً لها، ومَنْعاً لها، يقولون قولَ الأنبياء، ويعملونَ أعمالَ الجبابرة)»(٣). وروى أنسُ بنُ مالكِ قال: قال رسول اللـه﴾: ((لا إله إلا الله تمنَع العبادَ مِن سَخَطِ اللهِ، ما لم يؤثروا صفقةَ دنياهم على دينهم، فإذا آثروا صفقةَ دنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله، رُدَّتْ عليهم، وقال اللهُ: كذبتُم)). أسانيدها في ((نوادر الأصول)) (٤). قلت: والآيةُ بعمومِها تدلُّ على سؤالِ الجميعِ ومحاسبتهم كافرِهم ومؤمِنهم، إلا (١) بعدها في (ز) و(د) و(م): ما، والمثبت من (ظ). (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٠٧٤) وفي الأوسط (١٢٥٧)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨/١ وقال: في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، وهو وضّاع. (٣) هو في نوادر الأصول ص٢٤٦، ولم نقف عليه عند غيره. (٤) ص٢٤٦ - ٢٤٧، والحديث أخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في الزهد ص ١٤٤ ، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٤٩٧). قال الرازي في العلل ١٢١/٢ - ١٢٢: هذا خطأ إنما هو سهيل عن مالك بن أنس عن النبي # مرسل. ٢٦٠ سورة الحجر: الآيات ٩٢ - ٩٥ مَن دخل الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ على ما بيَّنَّه في كتاب ((التذكرة))(١). فإن قيل: وهل يُسْأَلُ الكافرُ ويُحاسَب؟ قلنا: فيه خلافٌ، وذكرناه في ((التذكرة)(١). والذي يظهر سؤالُه؛ للآية وقولِه: ﴿وَقِفُوُضْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] وقولِه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦]. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُسْثَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] وقال: ﴿فَوَمَِذٍ لَّا يُشَكَلُ عَنَ ذَلْبِهِ* إِنسِّ وَلَا جَآَنَّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وقال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ تَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؟ قلنا: القيامةُ مواطنُ، فموطنٌ يكون فيه سؤالٌ وكلامٌ، وموطنٌ لا يكونُ ذلك فيه. قال عكرمةُ: القيامةُ مواطنُ، يُسْأَلُ في بعضِها، ولا يُسْأَلُ في بعضِها. وقال ابنُ عباسٍ: لا يَسْأَلُهم سؤالَ استخبارٍ واستعلام؛ هل عملتم كذا وكذا؛ لأنَّ اللهَ عالمٌ بكلِّ شيءٍ، ولكن يَسْأَلُهم سؤالَ تقريعٍ وتوبيخٍ، فيقول لهم: لِمَ عصيتُم القرآنَ، وما حجّتُكم فيه؟ واعتمد قُطْرُب هذا القولَ(٢). وقيل: ﴿لَنََّلَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني: المؤمنينَ المكلَّفين؛ بيانُه قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُشْئَلُنَّ يَؤْمَيِدٍ عَنِ الَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. والقول بالعموم أولى كما ذُكر. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِنَ ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِنَ ٢٥ قوله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: بالذي تُؤمَر به، أي: بلِّغ رسالةَ اللهِ جميعَ الخَلْقِ؛ لتقومَ الحُجَّةُ عليهم، فقد أَمَرَكَ اللهُ بذلك. والصَّدْعُ: الشَّقُّ. وتصدَّع القومُ، أي: تفرَّقوا، ومنه: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصَّذَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي: يتفرَّقون. وصَدَعْتُه فانْصَدَع: أي: انْشَقَّ. وأصلُ الصَّدْعِ: الفَرْق والشَّقُّ(٣). قال أبو ذُؤَيب (٤) يصف الحمارَ وأُتْنَه: (١) ص١٤٦ - ١٤٧ . (٢) ينظر تفسير الطبري ٤/ ١٤١ - ١٤٢، والبغوي ٥٨/٣ - ٥٩، وزاد المسير ٤١٩/٤ - ٤٢٠. (٣) ينظر الصحاح، وتهذيب اللغة ٢/ ٤ - ٦، ولسان العرب (صدع). (٤) هو: خويلد بن خالد، الهذلي، جاهلي إسلامي. والبيت في ديوان الهذليين ص٦ ، قال شارحه: الرِّبابة: خرقة تُغطّى بها القداح، ويقال: الرِّبابة هنا هي القداح، واليَسَر: الذي يضرب بها. ويَصْدع: يُقَرِّق ويصبح.