Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة إبراهيم: الآيات ٢٨ - ٣٠ مشركو قريش، وأنَّ الآية نزلت فيهم. عن ابن عباس وعليٍّ وغيرهما (١). وقيل: نزلت في المشركين الذين قاتلوا النبي # يوم بدر(٢). قال أبو الظُّفَيل: سمعت عليًّا ﴾ يقول: هُمْ قريشٌ الذين نُحِروا يوم بدر(٣). وقيل: نزلت في الأفْجَرَيْن من قريش بني مخزوم وبني أمية، فأما بنو أمية فمُتِّعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم فأُهلكوا يوم بدر. قاله علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما (٤). وقول رابع: أنهم مُتنصِّرة العرب جَبَلة بن الْأَيْهَم وأصحابه حين لُطِم(٥)، فجعل له عمرُ القصاصَ بمثلها، فلم يرضَ، وأَنِفَ، فارتدَّ مُتنصِّراً، ولَحِقَ بالروم في جماعةٍ من قومه. عن ابن عباس وقتادة(٦). ولمَّا صار إلى بلد الروم ندِمَ فقال: وما كان فيها لو صَبَرْتُ لها ضَرَرْ تَنصَّرتِ الأشرافُ من عارٍ لَظمةٍ وبِعتُ لها العينَ الصحيحةَ بالْعَوَرْ تَكنَّفني منها لَجَاجٌ وَنَخْوةٌ ولم أُنكرِ القولَ الذي قاله عُمرْ فيا ليتَني أرعى المَخاضَ ببلدةٍ وقال الحسن: إنها عامةٌ في جميع المشركين(٧). ﴿وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ أي: أنزلوهم. قال ابن عباس: هم قادة المشركين يوم بدر(٨). ((أَحَلَّوا قَوْمَهُمْ)) أي: الذين اتبعوهم (١) أخرجه الطبري ٦٧١/١٣ - ٦٧٢ عن علي ﴾. (٢) أخرجه الطبري ٦٧٢/١٣ عن علي ﴾، و ٦٧٣/١٣ عن ابن عباس ﴾. (٣) ذكره بهذا اللفظ البغوي ٣٥/٣، وأخرجه عنه النسائي في الكبرى (١١٢٠٣) والطبري ١٣ / ٦٧١ بلفظ: هم کفار قریش یوم بدر. (٤) أخرجه الطبري ٦٦٩/١٣ - ٦٧٠ عن عمر﴾، و٦٧٠/١٣، والحاكم ٣٥٢/٢ والواحدي في الوسيط ٣١/٣ عن علي ، وأورده في زاد المسير ٣٤٤/٤ عن عمر وعلي رضي الله عنهما. (٥) في (ظ): لطم رجلاً، وهي رواية أخرى في قصته أنه لطم رجلاً وفرَّ من القصاص، ينظر مختصر تاريخ دمشق ٣٦٨/٥-٣٧٤، والبداية والنهاية ٢٦٣/١١-٢٦٩، ونهاية الأرب للنويري ٣١١/١٥-٣١٥ . (٦) هو في النكت والعيون ١٣٦/٣، عن ابن عباس وحده، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٧/٣ مختصراً، وقال: لم يُرد ابن عباس أنها فيه نزلت؛ لأن نزول الآية قبل قصته، وإنما أراد أنها تحصر من فعل جبلة إلى يوم القيامة. (٧) النكت والعيون ١٣٦/٣، وزاد المسير ٣٤٤/٤. (٨) معاني القرآن للنحاس ٥٣٢/٣، ونسبه الماوردي في النكت والعيون ١٣٦/٣ لقتادة، وهو أحد الأقوال في شرح قوله: الذين بدلوا نعمة الله كفراً. وأخرجه الطبري ١٣/ ٦٧٥ و٦٧٦ وعن أبي مالك وقتادة. ١٤٢ سورة إبراهيم: الآيات ٢٨ - ٣٠ ﴿َدَارَ الْبَوَارِ﴾ قيل: جهنم. قاله ابن زيد. وقيل: يوم بدر. قاله عليّ بن أبي طالب ومجاهد. والبوار: الهلاك (١)؛ ومنه قول الشاعر: غداةَ الحرب إذْ خِيفَ البَوارُ(٢) فلم أَرَ مثلَهِمْ أبطالَ حَرْبٍ ﴿جَهَنََّ يَصْلَوْنَهَا﴾ بيَّن أنَّ دار البوار جهنم كما قال ابن زيد، وعلى هذا لا يجوز الوقف على ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾؛ لأن جهنّمَ منصوبةٌ على الترجمة عن ((دار البوار))، فلو رفعَها رافعٌ بإضمارٍ (٣)، على معنى: هي جهنم، أو بما عادَ من الضمير في (يَصْلَونها))؛ لَحَسُنَ الوقف على ((دار البوار))(٤). ﴿وَبِْسَ الْقَرَارُ﴾ أي: المستقرّ. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أصناماً عبدوها، وقد تقدَّم في ((البقرة))(٥). ﴿ لَيُضِلُواْ عَن سَبٍِ﴾ أي: عن دينه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، وكذلك في الحج: ﴿لِيَضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾(٦) [الآية: ٩]، ومثله في (لقمان)) [الآية: ٦]، و((الزمر)) [الآية: ٨]، وضَمَّها الباقون على معنى: لِيُضِلُّوا الناسَ عن سبيله، وأما من فتح فعلى معنى أنهم هم يَضِلَّون عن سبيل الله على اللزوم، أي: عاقبتهم إلى الإضلال والضلال، فهذه لام العاقبة(٧). ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾ وعيدٌ لهم، وهو إشارةٌ إلى تقليل ما هم فيه من ملاذُ الدنيا؛ إذ هو منقطع. ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أي: مَردَّكم ومرجِعَكم إلى عذاب جهنم. (١) الصحاح (بور). (٢) النكت والعيون ١٣٦/٣ - ١٣٧، وقول ابن زيد أخرجه الطبري ١٣ / ٦٧٧ - ٦٧٨. (٣) في (ظ): بإضمار مبتدأ. (٤) الإيضاح في الوقف والابتداء لابن الأنباري ٢/ ٧٤١ . (٥) ٣٤٧/١. (٦) السبعة ص٢٦٧، والتيسير ص١٣٤ . (٧) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٨/٣ أنها لام العاقبة على القراءة بفتح الياء، وأنها لام ((كي)) على القراءة بضمها، وينظر ما سلف في تفسير الآية (٨٨) من ((يونس)). ١٤٣ سورة إبراهيم: الآية ٣١ قوله تعالى: ﴿قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَئِيَةٌ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ قوله تعالى: ﴿قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: إنَّ أهل مكة بدَّلوا نعمةَ الله بالكفر، فقُلْ لمن آمنَ وحقَّق عبوديته أن ﴿يُقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾ يعني: الصلوات الخمس، أي: قُلْ لهم: أقيموا، والأمر معه شرطٌ مُقدَّر، تقول: أطِعِ اللهَ يُدخِلْكَ الجنة؛ أي: إن أطعتَه يُدخِلْكَ الجنة. هذا قول الفراء(١). وقال الزجّاج(٢): ((يُقيموا)) مجزومٌ بمعنى اللام، أي: ليقيموا، فأُسقِطَتِ اللامُ؛ لأنَّ الأمر دلَّ على الغائب بـ ((قل)). قال: ويَحتملُ أن يُقال: ((يُقيموا)) جوابُ أمرٍ محذوف؛ أي: قُلْ لهم: أقيموا الصلاةَ يُقيموا الصلاةَ(٣). ﴿وَيُنفِقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَِّيَّةٌ﴾ يعني: الزكاة. عن ابن عباس وغيره(٤). وقال الجمهور: السِّرُّ ما خَفيَ، والعلانيةُ ما ظهر. وقال القاسم بن يحيى: إنَّ السِّرَّ التطوعُ، والعلانيةَ الفرض(٥). وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة)) مجوَّداً عند قوله: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىَّ﴾ [الآية: ٢٧١](٦). ﴿مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا ◌ِظَلُ﴾ تقدَّم في ((البقرة)) أيضاً(٧). و((خِلالٌ)) جمع خُلَّة، كقُلَّة وقِلال. قال: فلستُ بمَقْليٍّ الخِلالِ ولا قالٍ (٨). (١) بمعناه في معاني القرآن له ٢/ ٧٧ . ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٨/٣ عن سيبويه قوله: هو جواب شرط مقدر يتضمنه صدر الآية، تقديره: إن تقل لهم أقيموا يقيموا. (٢) في معاني القرآن له ٢/ ١٦٢ . (٣) وهو أيضاً قول المبرد في المقتضب ٢/ ٨٤، ونقله عنه مكي في مشكل إعراب القرآن ٤٠٥/١ - ٤٠٦ . (٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٨٠ . (٥) النكت والعيون ١٣٧/٣ . (٦) ٣٥٩/٤. (٧) ٢٥٩/٤ - ٢٦٢. (٨) عجز بيت لامرئ القيس، وصدره: صرفتُ الهوى عنهنَّ من خشية الردى، وهو في ديوانه ص٣٥ . ١٤٤ سورة إبراهيم: الآيات ٣٢ - ٣٤ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِ الْبَحْرِ بِأَثْرِهُ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ ﴿٨ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اَلَيْلَ وَالتَّهَارَ وَءَاتَنْكُمْ مِّنِ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ ٣٣ الْإِنسَانَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ ) قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ﴾ أي: أبدَعَها واخترَعَها على غير مثالٍ سبق. ﴿وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السَّحاب ﴿مَّهَ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَّتِ﴾ أي: من الشجر ثمرات ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِفٍ﴾ تقدَّم معناه في ((البقرة))(١). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَدَرَ﴾ يعني: البحار العذبة؛ لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا، والبحار المالحة؛ لاختلاف المنافع من الجهات. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنٍ﴾ أي: في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، والدُّؤوب: مرور الشيء في العمل على عادةٍ جارية. وقيل: دائبين في السير امتثالاً لأمر الله، والمعنى: يجريان إلى يوم القيامة لا يَفتُران. رُوي معناه عن ابن عباس(٢). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الََّّلَ وَاَلنَّهَارَ﴾ أي: لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار، كما قال: ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. قوله تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُم مِّن ◌َكُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي: أعطاكم من كل مسؤولٍ سألتُموه شيئاً؛ فحذف عن الأخفش(٣). وقيل: المعنى: وآتاكم من كلِّ ما سألتموه، ومن كلِّ ما لم تسألوه، فحذف، فلم نسأله شمساً ولا قمراً، ولا كثيراً من نعمه التي ابتدأَنا بها. وهذا كما قال: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١](٤)، على ما يأتي. (١) ٢ / ٤٩٤ . (٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٦٣/٢، والوسيط للواحدي ٣٢/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٣٦٤/٤ . (٣) في معاني القرآن له ٢/ ٦٠٠ . (٤) نقله ابن الجوزي في زاد المسير ٣٦٤/٤ - ٣٦٥ عن ابن الأنباري. ١٤٥ سورة إبراهيم: الآيات ٣٢ - ٣٦ وقيل: (مِن)) زائدة، أي: آتاكم كلَّ ما سألتُموه(١). وقرأ ابن عباس والضخَّاك وغيرُهما: ((وآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ)) بالتنوين (ما سأَلْتُمُوه))(٢)، وقد رُويَتْ هذه القراءة عن الحسن والضخّاك وقتادة؛ هي على النفي، أي: من كلِّ لم(٣) تسألوه، كالشمس والقمر وغيرهما (٤). وقيل: من كلِّ شيء ما سألتُموه، أي: الذي ما سألتموه(٥). ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أي: نِعَمَ الله ﴿لَا تُصُوهَا﴾ ولا تطيقوا عَذَّها، ولا تقوموا بحصرها؛ لكثرتها(٦)، كالسَّمع والبصر وتقويم الصُّوَر، إلى غير ذلك من العافية والرزق، نِعَمِّ لا تحصى، وهذه النّعم من الله، فَلِمَ تبدلون نِعَمَ الله بالكفر؟! وهلا استعنتُم بها على الطاعة؟ !. ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الإنسان لفظ جنس، وأراد به الخصوص (٧). قال ابن عباس: أراد أبا جهل(٨). وقيل: جميع الكفار. قوله تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ إِنْزَهِيُ رَبٍّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَ أَنْ ثَّعْبُدَ اْأَصْنَامَ ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَّبِعَنِىِ فَإِنَّهُ مِىِّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ إِنْزَهِيُمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ يعني: مكة. وقد مضى (١) الوسيط للواحدي ٣٢/٣ . (٢) المحتسب ٣٦٣/١، وهي قراءة شاذة. (٣) قبلها في (م) زيادة ((ما)). (٤) زاد المسير ٣٦٥/٤، وأخرجه الطبري ٦٨٥/١٣ عن الضحاك وقتادة. (٥) ذكره الزجاج في معاني القرآن ١٦٣/٣. (٦) ينظر تفسير البغوي ٣٦/٣، وزاد المسير ٣٦٥/٤ . (٧) قال الزجاج في معاني القرآن ١٦٤/٣ : هذا اسم جنسٍ يقصد به الكافر خاصةً. (٨) زاد المسير ٣٦٥/٤ . ١٤٦ سورة إبراهيم: الآيتان ٣٥ - ٣٦ في ((البقرة))(١). ﴿وَأَجْتُبْنِىِ وَيَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ﴾ أي: اجعلني جانباً عن عبادتها(٢). وأراد بقوله: ((بنيَّ) بنيه من صُلْبه(٣)، وكانوا ثمانية، فما عبدَ أحدٌ منهم صنماً (٤). وقيل: هو دعاءٌ لمن أراد الله أن يدعوَ له. وقرأ الجَحْدَريُّ وعيسى ((وَأَجْنِبْني)) بقطع الألف(٥)، والمعنى واحد؛ يقال: جَنَبْتُ ذلك الأمر، وأجنَبْتُه وجَنَّبْتُهُ إِيَّاه، فتجانَبَه واجتَنَبه، أي: تركَه(٦). وكان إبراهيم التَّيْميُّ يقول في قصصه: مَنْ يأمنُ البلاءَ بعد الخليل حين يقول: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ كما عبدَها أبي وقومي(٧)؟! قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ لمَّا كانت سبباً للإضلال أضافَ الفعل إليهنَّ مجازاً؛ فإنَّ الأصنام جماداتٌ لا تفعل(٨). ﴿فَمَن تَّعَنِ﴾ في التوحيد ﴿فَإِنَّهُ مِنَِّ﴾ أي: من أهل ديني. ﴿وَمَنْ عَصَانِ﴾ أي: أصرَّ على الشِّرك ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ قيل: قال هذا قبل أن يُعرِّفَه اللهُ أنَّ اللهَ لا يغفِرُ أن يُشرَكَ به. وقيل: غفورٌ رحيمٌ لمن تاب من معصيته قبل الموت. وقال مقاتل بن حيَّان: ((وَمَنْ عَصَانِي)) فيما دون الشرك (٩). (١) ٢ /٣٨٢. (٢) زاد المسير ٤/ ٣٦٥ . (٣) المحرر الوجيز ٣٤٠/٣، والوسيط ٣٣/٣، وتفسير البغوي ٣٦/٣. (٤) وقد أخرج الطبري ٦٨٧/١٣ عن مجاهد أن الله استجاب لإبراهيم دعوته في ولده، فلم يعبد أحدٌ من ولده صنماً بعد دعوته. (٥) المحتسب ٣٦٣/١، وهي قراءة شاذة. (٦) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٦٤/٣، والمحرر الوجيز ٣٤١/٣، وتفسير البغوي ٣٦/٣، والصحاح (جنب). (٧) أخرجه عنه الطبري ٦٨٧/١٣ - ٦٨٨ دون قوله: كما عبدها أبي وقومي. (٨) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٦٤/٣، وتفسير أبي الليث ٢٠٨/٢، والوسيط للواحدي ٣٣/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٣٦٥/٤، وجاء في (ظ) و(ف): لا تعقل. (٩) الأقوال الثلاثة في الوسيط للواحدي ٣٣/٣، وتفسير البغوي ٣٦/٣، وزاد المسير ٣٦٥/٤، والقول الأول لمقاتل بن سليمان، والتعليل الذي أورده بعده لابن الأنباري، والقول الثاني للسدي. ١٤٧ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ قوله تعالى: ﴿رَبََّآَ إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٌ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ ٧ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ فيه ستُّ مسائل: الأولى: روى البخاريُّ عن ابن عباس: أولُ ما اتَّخذَ النِّساءُ المِنْطَقَ من قِبل أمِّ إسماعيل، اتخذت مِنْطَقاً لتُعفِّيَ أَثَرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيمُ وبابنِها إسماعيلَ وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دَوْحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد - وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء - فوضعَهُما هنالك، ووضع عندهما جِراباً فيه تَمَرٌ، وسِقاءً فيه ماءٌ، ثم قفَّى إبراهيمُ منطلقاً، فَتَبِعَتْه أمُّ إسماعيلَ، فقالت: يا إبراهيمُ، أينَ تذهبُ وتترُكُنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفِتُ إليها، فقالت له: آللهُ أمرَكَ بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يُضيِّعُنا. ثم رجعَتْ، فانطلقَ إبراهيمُ حتى إذا كان عند الثَِّيَّة حيث لا يَرونه، استقبلَ بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْع﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾. وجعلتْ أمُّ إسماعيل تُرضعُ إسماعيل وتشربُ من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ ما في السِّقاء؛ عطِشتَ وعَطِشَ ابنُها، وجعلت تنظر إليه يَتَلوَّى - أو قال: يَتَلَبَّط - فانطلقَتْ كراهيةَ أن تنظرَ إليه، فوجدتِ الصَّفا أقربَ جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلتِ الواديَ تنظرُ هل ترى أحداً، فلم ترَ أحداً، فهبطت من الصَّفا، حتى إذا بلغتِ الواديَ، رفَعتْ طَرَفَ دِرْعِها، ثم سعَتْ سعيَ الإنسانِ المجهود، حتى (١) جاوزتِ الوادي، ثم أتتِ المَرْوةَ فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحداً، فلم ترَ أحداً، ففعلت ذلك سبعَ مرات. قال ابن عباس: قال النبيُّ﴾: ((فذلِكَ سعيُ الناسِ بينهما)). فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: صهٍ - تريدُ (١) المثبت من (ظ)، وصحيح البخاري، وفي غير (ظ): ثم. ١٤٨ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ نفسَها - ثم تسمَّعتْ، فسمِعَتْ أيضاً، فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندكَ غَواث. فإذا هي بالمَلَكِ عند موضع زمزمَ، فَبَحَث بعَقِبِهِ - أو قال: بجناحه - حتى ظهرَ الماءُ، فجعلت تُحَوِّضُه وتقول بيدها هكذا، وجعلَتْ تغرِفُ من الماء في سِقائها وهو يفورُ بعد ما تغرِفُ. قال ابن عباس: قال النبيُّ﴾: ((يرحَمُ اللهُ أَمَّ إسماعيل، لو تركَتْ زمزَمَ - أو قال: لو لم تغرِفْ من الماء - لكانت زمزَمُ عيناً مَعِيناً)). قال: فشرِبَتْ وأرضعَتْ ولدَها، فقال لها المَلَكُ: لا تخافي الضَّيْعةَ، فإنَّ هاهنا بيتَ اللهِ؛ يَبنيه هذا الغلامُ وأبوه، وإنَّ اللهَ لا يُضيّعُ أهلَه. وذكر الحديث بطوله(١). مسألة: لا يجوز لأحدٍ أن يتعلَّق بهذا في طرح ولده وعياله بأرضٍ مَضْيَعَةٍ؛ اتكالاً على العزيز الرحيم، واقتداءً بفعل إبراهيم الخليل، كما تقول غُلاةُ الصُّوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعلَ ذلك بأمر الله؛ لقولها(٢) في الحديث: آللهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. وقد رُويَ أنَّ سارة لمَّا غارت من هاجر بعد أن ولدت إسماعيل، خرجَ بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة، فرُوي أنَّه ركبَ البراقَ هو وهاجرُ والطّفلُ، فجاء في يومٍ واحدٍ من الشام إلى بطن مكة، وترك ابنَه وأمَتهِ هنالِكَ، وركب منصرفاً من يومه، فكان ذلك كلَّه بِوحي من الله تعالى، فلما ولَّى دعا بضمن هذه الآية(٣). الثانية: لمَّا أرادَ اللهُ تأسيسَ الحال، وتمهيدَ المقام، وخطّ الموضعِ للبيت المكرَّم، والبلد المحرَّم، أرسلَ المَلَك، فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء. وفي الصحيح: أنَّ أبا ذَرِّ ﴾ اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة، قال أبو ذَرٍّ: ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ زمزمَ، فسمِنتُ حتى تَكَسَّرتْ عُكِنُ بَظْني(٤)، وما أجد على كبدي سَخْفَةً (١) صحيح البخاري (٣٣٦٤). قوله: المِنْطَقُ: هو ما يُشَدُّ به الوسط. لِتُعَفِّي أثرها: لِتُخفي أثرها. الدَّوحة: الشجرة الكبيرة. السِّقاء: القربة الصغيرة. ثم قفٌّ إبراهيم: ولَّى راجعاً إلى الشام. يتلبَّطُ: يتمرَّغ ويضرب بنفسه الأرض. الإنسان المجهود: الذي أصابه الجهد، وهو الأمر المُشِقُّ. غَواث؛ بفتح أوله للأكثر، وجزاء الشرط محذوف، تقديره: فأغثني. تُحَوِّضُه: تجعله مثل الحوض. عيناً معيناً: ظاهراً جارياً على وجه الأرض. الضَّيعة: الهلاك. فتح الباري ٦/ ٤٠٠ - ٤٠٢ . (٢) في النسخ: لقوله، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١١١٢/٣، والكلام منه. (٣) المحرر الوجيز ٣٤١/٣، وينظر طبقات ابن سعد ١/ ١٥٠، وأخبار مكة للفاكهي ١٢٠/٥. (٤) في (د) و(ز) و(م): ((عكني))، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لمصادر التخريج القادمة. ١٤٩ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ جوع. وذكر الحديث(١). وروى الدَّارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول اللـه﴾: ((ماءُ زمزمَ لِما شُرِبَ له، إنْ شرِبْتَه تستشفي به؛ شفاكَ اللهُ، وإنْ شرِبْتَه لِشِبَعِكَ؛ أشبعَك اللهُ به، وإنْ شرِبْتَه لِقَطْعِ ظَمَئِكَ؛ قطعَه، وهي هَزْمةُ جبريل، وسُقْيا الله إسماعيل))(٢). وروى أيضاً(٣) عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شربَ من زمزمَ قال: اللهمَّ إني أسألُكَ علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. قال ابن العربي(٤): وهذا موجودٌ فيه إلى يوم القيامة لمن صحَّتْ نيَّتُه، وسلمَتْ طَوِيَّتُه، ولم يكن به مكذِّباً، ولا يشربُه مجرِّباً، فإنَّ الله مع المتوكلين، وهو يفضح المجرِّبین. وقال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي: وحدثني أبي رحمه الله قال: دخلتُ الطّوَاف في ليلةٍ ظلماء، فأخذني من البول ما شغلني، فجعلتُ أعتصر حتى آذاني، وخِفْتُ إن خرجتُ من المسجد أن أطأَ بعضَ تلك الأقدام، وذلك أيام الحج، فذكرتُ هذا الحديث، فدخلتُ زمزم فَتَضَلَّعْتُ منه، فذهب عني إلى الصباح(٥). ورُويَ (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١١٢/٣، والحديث أخرجه أحمد (٢١٥٢٥) ومسلم (٢٤٧٣)، والعُكّن جمع عُكْنة: وهي الطيُّ في البطن من السِّمَن. تكسَّرت: انثنت. السَّخْفة - بفتح السين وضمِّها: رِقة الجوع وضعفه. حاشية السندي على مسند أحمد. (٢) سنن الدارقطني (٢٧٣٩) وهو من طريق محمد بن حبيب الجارودي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعاً. قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٦٨/٢ : الجارودي صدوق، إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميدي وابن أبي عمر وغيرهما، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله. اهـ. لكن أول الحديث وهو قوله: ((ماء زمزم لما شرب له» رُوي من طرقٍ أخرى مرفوعة محتملة للتحسين بمجموعها، تُنظر في مسند أحمد (١٤٨٤٩) قوله: هزمة جبريل، أي: ضربها برجله فنبع الماء. النهاية (هزم). (٣) في سننه (٢٧٣٨). (٤) في أحكام القرآن ٣/ ١١١٢ . (٥) لم نقف عليه في المطبوع من نوادر الأصول. ١٥٠ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ عن عبد الله بن عمرو: إنَّ في زمزمَ عيناً من(١) الجنة من قِبَلِ الركن(٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيٌَّ﴾ (مِنْ)) في قوله تعالى: ((مِنْ ذُرِّيَّتي)) للتبعيض، أي: أسكنتُ بعضَ ذُرِّيَّتي، يعني: إسماعيلَ وأمَّه؛ لأن إسحاق كان بالشام(٣). وقيل: هي صلة، أي: أسكنتُ ذُرِّيَتي (٤). الرابعة: قوله تعالى: ﴿عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّم﴾ يدلُّ على أنَّ البيت كان قديماً على ما رُويَ قبل الطُّوفان، وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة(٥). وأضاف البيتَ إليه؛ لأنَّه لا يملِكُه غيرُه، ووصفه بأنه مُحرَّم، أي: يَحرُمُ فيه ما يُستباح في غيره من جماعٍ واستحلال(٦). وقيل: محرّم على الجبابرة، وأن تُنتهَكَ حرمتُه، ويُستخفَّ بحقِّه. قاله قتادة وغيره(٧). وقد مضى القول في هذا في ((المائدة))(٨). الخامسة: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾ خَصَّها من جملة الدِّين؛ لفضلها فيه، ومكانها منه، وهي عهد الله عند العباد؛ قال ﴾: ((خمس صلواتٍ كتبهنَّ اللهُ على العباد)). الحديث(٩). واللام في ((لِيُقيموا الصَّلاةَ)) لام كي، هذا هو الظاهر فيها (١٠)، وتكون متعلقةً (١) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: في. (٢) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٣٣٩ بنحوه، في قصة بدء زمزم دون نسبة. (٣) المحرر الوجيز ٣٤١/٣ . (٤) نقله العكبري في ((إملاء ما منَّ به الرحمن)) ٤٠٩/٣ عن الأخفش، وينظر زاد المسير ٣٦٦/٤ . (٥) ٣٨٦/٢ وما بعده. (٦) النكت والعيون ١٣٨/٣. (٧) المحرر الوجيز ٣٤٢/٣ . (٨) ٢٢٠/٨ - ٢٢٢. (٩) أخرجه أحمد (٢٢٦٩٣)، وأبو داود (٤٢٥)، والنسائي ١/ ٢٣٠، وابن ماجه (١٤٠١). (١٠) المحرر الوجيز ٣٤٢/٣. ١٥١ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ بـ ((أسكنتُ))(١)، ويصِحُّ أن تكون لام أمر، كأنه رغِب إلى الله أن يأتمنهم، وأن(٢) لإقامة الصلاة. یوفقهم السادسة: تَضمَّنت هذه الآية أنَّ الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها؛ لأن معنى ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾ أي: أسكنتَهم عند بيتك المحرم ليقيموا فيه. وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبيِّ ﴾؟ فذهب عامَّةُ أهل الأثر إلى أنَّ الصلاةَ في المسجد الحرام أفضلُ من الصلاة في مسجد الرسول :﴿ بمئة صلاة، واحتجُّوا بحديث عبد الله بن الزُّبير قال: قال رسول الله :﴿: ((صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاةٍ فيما سواه من المساجد، إلا المسجدَ الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من صلاةٍ في مسجدي هذا بمئة صلاة)). قال الإمام الحافظ أبو عمر (٣): وأسند هذا الحديث حبيبٌ المُعلِّم، عن عطاء بن أبي رَباح، عن عبد الله بن الزُّبير وجوَّده، ولم يُخلِّظ في لفظه ولا في معناه، وكان ثقةً. قال ابن أبي خَيْئَمة: سمعتُ يحيى بنَ مَعِين يقول: حبيبٌ المُعلِّم ثقة. وذكر عبد الله بن أحمد قال: سمعتُ أبي يقول: حبيبٌ المُعلِّم ثقة ما أصحَّ حديثَه! وسُئِلَ أبو زُرْعة الرازي عن حبيب المُعلِّم فقال: بصريٌّ ثقة. قلتُ: وقد خرَّجَ حديثَ حبيب المُعلِّم هذا عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله ابن الزبير، عن النبيِّ # الحافظُ أبو حاتم محمد بن حِبَّان(٤) التميمي البُستي في المسند الصحيح له(٥)، فالحديث صحيحٌ، وهو الحُجَّة عند التنازع والاختلاف، والحمد لله. (١) زاد المسير ٤/ ٣٦٧. (٢) قبلها في (ف) و(م) زيادة: أن يأتمنهم. (٣) هو ابن عبد البر، وكلامه في التمهيد ٢٥/٦ - ٢٦. (٤) في (د) و(م): حاتم، وهو خطأ. (٥) صحيح ابن حبان (١٦٢٠)، وهو عند أحمد (١٦١١٧). ١٥٢ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ قال أبو عمر: وقد رُويَ عن ابن عمر، عن النبيِّ # مثلُ حديث ابن الزُبير، رواه موسى الجُهَني، عن نافع، عن ابن عمر. وموسى الجُهني كوفيٌّ ثقة، أثنى عليه القَطّان وأحمد ويحيى وجماعتهم، وروى عنه شعبةٌ والثَّوريُّ ويحيى بن سعيد. وروى حكيم بن سيف، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﴾: ((صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجدَ الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من مئة ألفٍ فيما سواه)). وحكيم بن سيف هذا شيخٌ من أهل الرقّة، قد روی عنه أبو زُرْعة الرازيُّ، وأخذ عنه ابن وضَّاح، وهو عندهم شيخٌ صدوقٌ لا بأس به، فإن كان حِفِظَ فَهُما حديثان، وإلا فالقول قول حبيب المُعلِّم. وروى محمد بن وضَّاح، حدثنا يوسف بن عديٍّ، عن عمر بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﴾: ((صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاةٍ في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام، فإنَّ الصلاة فيه أفضل))(١). قال أبو عمر: وهذا كلَّه نصٌّ في موضع الخلاف قاطعٌ له عند من أُلْهِمَ رُشدَه، ولم تَمِلْ به عصبيَّتُه(٢). وذكر ابن حبيب عن مُطَرِّف، وعن أَصْبَغَ عن ابن وهب؛ أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبيِّ# على ما في هذا الباب(٣). (١) التمهيد ٢٧/٦ - ٣٠، وحديث ابن عمر الأول أخرجه أحمد (٥١٥٥)، ومسلم (١٣٩٥): (٥٠٩) من طريق موسى الجهني، به دون قوله: ((فإنه أفضل منه بمئة صلاة)). وحديث جابر أخرجه أحمد (١٤٦٩٤)، وابن ماجه (١٤٠٦) من طرق عن عبيد الله بن عمرو الرقي، به. وحديث ابن عمر الثاني أخرجه أحمد (٤٨٣٨) من طريق عبد الملك، به. (٢) لم نقف على قول ابن عبد البر هذا في هذه المسألة، إنما قاله في مسألة النية والقصد في الطهارة، ينظر التمهيد ١٠١/٢٢ . : (٣) التمهيد ٣٤/٦ . ١٥٣ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ وقدِ اتَّفق مالكٌ وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يُبْرَز لهما في كلِّ بلدٍ إلا مكةَ، فإنها تُصلَّى في المسجد الحرام(١). وكان عمر وعلي وابن مسعود وأبو الدَّرْداء وجابر يفضِّلون مكةً ومسجدَها، وهم أولى بالتقليد ممن بعدهم(٢). وإلى هذا ذهب الشافعيُّ، وهو قول عطاءٍ والمكيين والكوفيين(٣). ورُويَ مثلُه عن مالك؛ ذكر ابن وهب في ((جامعه)) عن مالك أنَّ آدمَ عليه السلام لمَّا أُهبِطَ إلى الأرض قال: يا ربِّ، هذه أحبُّ إليك أن تُعبدَ فيها؟ قال: بل مكة(٤). والمشهور عنه وعن أهل المدينة تفضيلُ المدينة، واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك، فطائفةٌ تقول: مكة، وطائفةٌ تقول: المدينة(٥). قوله تعالى: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَتِهِمْ﴾ الأفئدة جمع فؤاد: وهي القلوب، وقد يُعبَّر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر: إليكِ على طولِ المَدی لَصَبُورُ وإنَّ فؤاداً قادني بصَبابَةٍ(٦) وقيل: جمع وَفْد، والأصل أوفدة، فَقُدِّمتِ الفاءُ، وقُلِبَتِ الواوُ ياءً كما هي، فكأنَّه قال: واجعَلْ وفوداً من الناس تَهْوي إليهم(٧)، أي: تَنزع؛ يقال: هَوَى نحوَه: إذا مال، وهَوَتِ الناقةُ تَهوي هُوِيًّا، فهي هاويةٌ: إذا عَدَتْ عَدْواً شديداً كأنها في هواء بئر(٨)، وقوله: (تَهْوِي إِلَيْهِمْ)) مأخوذٌ منه. (١) التمهيد ٣١/٦. (٢) التمهيد ٣٤/٦. (٣) الاستذكار ٢٢٦/٧. (٤) التمهيد ٣١/٦. (٥) الاستذكار ٢٢٦/٧ . (٦) في (ظ) وزاد المسير ٣٦٧/٣: لصبابة. (٧) النكت والعيون ١٣٨/٣ . (٨) تهذيب اللغة ٦/ ٤٩١ . ١٥٤ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ قال ابن عباس ومجاهد: لو قال: ((أفئدةَ الناس)) لازدحمت علیه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس، ولكن قال: ((مِنَ النَّاس))، فهم المسلمون(١). فقوله: ﴿َهْوِىٌّ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تحِنُّ إليهم، وتحِنُّ إلى زيارة البيت(٢). وقرأ مجاهد: (تَهْوَى إليهم)) أي: تهواهم وتُجِلُّهم(٣). ﴿وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فاستجاب الله دعاءه، وأنبتَ لهم بالطائف سائرَ الأشجار، وبما يجلب إليهم من الأمصار. وفي ((صحيح البخاريِّ)) عن ابن عباس الحديثُ الطويلُ وقد ذكرنا بعضه: ((فجاء إبراهيمُ بعد ما تزوَّجَ إسماعيلُ يُطالِعُ تَرِكَتَه، فلم يجِدْ إسماعيل، فسألَ امرأتَه عنه، فقالت: خرجَ يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بِشَرِّ، نحن في ضيقٍ وشدة؛ فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقرَئي عليه السلام، وقولي له يُغيِّرْ عَتَبة بابه. فلمَّا جاء إسماعيلُ كأنه آنْس شيئاً، فقال: هل جاءكم مِنْ أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخٌ كذا وكذا، فسألني عنكَ فأخبرتُه، وسألني كيف عيشتُنا، فأخبرته أنَّا في جَهدٍ وشدة. قال: فهل أوصاكٍ بشيء؟ قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غَيِّرْ عَتَبةَ بابك. قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أُفارِقَكِ، الْحَقي بأهلك، فطلَّقها وتزوَّجَ منهم أخرى، فلبِثَ عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بَعدُ فلم يجِدْه، ودخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحنُ بخيرٍ وسَعةٍ، (١) أخرجه ابن أبي شيبة ١١٢/١٤، والطبري ٦٩٨/١٣ عن مجاهد بلفظ: لو قال: أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم، ولكنه: ﴿أَفْئِدَةٌ مِنَ النَّاسِ﴾. وأخرج الطبري ٦٩٨/١٣ عن سعيد بن جبير: لو قال: أفئدة الناس تهوي إليهم، لحجَّت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ﴾ فهم المسلمون، وينظر المحرر الوجيز ٣٤٢/٣، والوسيط للواحدي ٣٤/٣، والنكت والعيون ١٣٨/٣ . (٢) النكت والعيون ١٣٨/٣، وتفسير البغوي ٣٧/٣ . (٣) المحتسب ٣٦٤/١، والمحرر الوجيز ٣٤٢/٣، وزاد المسير ٣٦٨/٤. ١٥٥ سورة إبراهيم: الآية ٣٧ وأثنَتْ على الله. قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهمَّ بارِكْ لهم في اللحم والماء. قال النبيُّ :﴿: ((ولم يكن لهم يومئذٍ حَبٌّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه)). قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكة إلا لم يوافقاه. وذكر الحديث(١). وقال ابن عباس: قول إبراهيم: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾: سأل أن يجعلَ اللهُ الناسَ يَهوَون السُّكْنى بمكة، فيصير بيتاً مُحرَّماً (٢). وكلُّ ذلك كان والحمد لله، وأول من سكنه جُرْهُم. ففي البخاريِّ - بعد قوله: وإنَّ الله لا يُضيِّعُ أهلَه -: وكان البيتُ مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيولُ، فتأخذُ عن يمينه وعن شماله، وكانت كذلك(٣) حتى مرَّتْ بهم رُفقةٌ من جُرْهُم قافلين(٤) من طريق كَداء، فنزلوا بأسفلَ مكة، فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إنَّ هذا الطائرَ لَيَدُورُ على ماء، لَعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِئَّين، فإذا هُم بالماء، فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأمُّ إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنينَ لنا أن ننزِلَ عندَكِ؟ قالت: نعم، ولكن لا حقَّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبيُّ﴾: ((فألفى ذلكَ أمَّ إسماعيل وهي تُحِبُّ الأُنس)). فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهلُ أبياتٍ منهم، شَبَّ الغلامُ، وماتت أمُّ إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوَّجَ إسماعيلُ يطالع تَرِكَته. الحديث(٥). (١) صحيح البخاري (٣٣٦٤). وقوله: لا يخلو عليهما أحد ... الخ، يعني: ليس أحد يخلو على اللحم والماء بغير مكة إلا اشتكى بطنه. ينظر فتح الباري ٦/ ٤٠٥. (٢) النكت والعيون ١٣٩/٣. (٣) المثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في صحيح البخاري، وفي غير (ظ): وكذلك، بدل: وكانت كذلك. (٤) في صحيح البخاري: مقبلين، وكلاهما بمعنى. (٥) صحيح البخاري (٣٣٦٤). قوله: جُرهم: هو ابن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. والطائر العائف: هو الذي يحوم على الماء ويتردد ولا يمضي عنه. والجَرُّ: الرسول، وقد يُطلق على الوكيل وعلى الأجير. فتح الباري ٦/ ٤٠٣ . ١٥٦ سورة إبراهيم: الآيات ٣٨ - ٤١ قوله تعالى: ﴿رَيَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَغْفَى عَلَى اَللَّهِ مِن شَتْءٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَمَاءِ (١٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقُّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَِّ ﴿ رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّقِّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٥ رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ﴾ أي: ليس يخفى عليك شيء من أحوالنا. وقال ابن عباس ومقاتل: تعلم جميع ما أُخفيه وما أعلنه من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بوادٍ غير ذي زرع. ﴿وَمَا يَغْفَى عَلَى اَللَّهِ مِن شَىْءٍ فِ الأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ﴾ قيل: هو من قول إبراهيم. وقيل: هو من قول الله تعالى لمَّا قال إبراهيم: ﴿رَبَّنَاآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نَعْلِنٌ﴾ قال الله: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اَللَّهِ مِن شَيْءٍ فِ آلْأَرْضِ وَلَا فِ السَمَآءِ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ﴾ أي: على كِبَرَ سِنِّي وسِنِّ امرأتي؛ قال ابن عباس: ولد له إسماعيل وهو ابنُ تسع وتسعين سنة، وإسحاق وهو ابن مئةٍ واثنتي عشرة سنة. وقال سعيد بن جُبَير: بُشِّر إبراهيمُ بإسحاق بعد عشرٍ ومئةٍ سنة(٢). ﴿إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَِّ﴾. قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ﴾ أي: من الثابتين على الإسلام والتزام أحكامه. ﴿وَمِنْ ذُرِّيٌَّ﴾ أي: واجعَلْ من ذريتي من يُقيمِها. ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَلَِ﴾ أي: عبادتي كما قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((الدعاءُ مُخُّ العبادة)) وقد تقدم في ((البقرة))(٢). ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِي وَلَوَالِدَكَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: استغفرَ إبراهيمُ لوالديه قبل أن يثبُتَ عنده أنهما عَدُوَّان لله. قال القُشَيريُّ: ولا يبعدُ أن تكون أمُّه مسلمةً؛ لأنَّ اللهَ ذکر عُذره في استغفاره لأبيه دون أمه(٣). (١) تفسير البغوي ٣٨/٣ - ٣٩، وفيه: بشِّر إبراهيم إسحاق وهو ابن مئة وسبع عشرة سنة. (٢) ١٧٨/٣ بلفظ: ((الدعاء هو العبادة)) من حديث النعمان بن بشير. وأما الحديث بلفظ: ((الدعاء مخُ العبادة)» فقد أخرجه الترمذي (٣٣٧١) من حديث أنس بن مالك. (٣) ينظر تفسير البغوي ٣٨/٣. ١٥٧ سورة إبراهيم: الآيات ٣٨ - ٤٣ قلت: وعلى هذا قراءة سعيد بن جُبير: ((رَبِّ اغْفِرْ لي ولِوالِدي)) يعني أباه(١). وقيل: استغفر لهما طمعاً في إيمانهما(٢). وقيل: استغفر لهما بشرط أن يُسلما(٣). وقيل: أراد آدم وحوّاء(٤). وقد رُويَ أن العبد إذا قال: اللهمَّ اغفر لي ولوالديَّ، وكان أبواه قد ماتا كافِرَين، انصرفتِ المغفرةُ إلى آدم وحواء؛ لأنهما والدا الخلق أجمع. وقيل: إنه أراد ولديه إسماعيل وإسحاق، وكان إبراهيم النَّخَعي يقرأ: ((وَلِوَلَدَيَّ) يعني ابنَيه، وكذلك قرأ يحيى بن يَعْمَر، ذكره الماوردي والنحاس(٥) . ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: من أمة محمدٍ ﴾(٦). وقيل: للمؤمنين كلِّهم(٧). وهو أظهر. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ أي: يوم يقوم الناس للحساب. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَ اَللَّهَ غَفِلاَ عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوٍْ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرََّدُ إِلَّهِمْ طَرَفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ (٤٢ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ هَوَآءٌ (4) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَ اَللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ وهذا تسليةٌ للنبيّ ◌َ﴾ بعد أن عَجَّبَهُ(٨) من أفعال المشركين ومخالفتهم دين إبراهيم، أي: اصبِرْ كما صبر إبراهيم، وأَعلِم المشركينَ أنَّ تأخيرَ العذاب ليس للرضا بأفعالهم، بل سنَّةُ الله إمهال العصاة مدة. قال ميمون بن مِهْران: هذا وعيدٌ للظالم، وتعزيةٌ للمظلوم(٩). ﴿إِنَّمَا (١) المحتسب ٣٦٥/١. (٢) النكت والعيون ١٣٩/٣، وزاد المسير ٣٦٩/٤. (٣) الوجيز (بهامش مراح لبيد) ٤٣٨/١ . (٤) معاني القرآن للزجاج ١٦٥/٣، والنكت والعيون ١٣٩/٣، وزاد المسير ٣٦٩/٤. (٥) معاني القرآن للنحاس ٥٣٧/٣ والنكت والعيون للماوردي ١٣٩/٣. (٦) الوسيط للواحدي ٣٥/٣ . (٧) تفسير أبي الليث ٢/ ٢١٠، وتفسير البغوي ٣٩/٣. (٨) من (ظ)، وفي باقي النسخ: أعجبه. (٩) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٠٣ - ٧٠٤، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٦٣٦)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٨٣ - ٠٨٤ ١٥٨ سورة إبراهيم: الآيتان ٤٢ - ٤٣ يُؤَخِرُهُمْ﴾ يعني: مشركي مكة، يُمهِلُهم ويؤخِّرُ عذابَهم(١). وقراءة العامة ((يُؤَخِّرُهُمْ)) بالياء(٢)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾. وقرأ الحسن والسُّلَمي ورُويَ عن أبي عَمرٍو أيضاً: ((نُؤَخِّرُهُمْ)) بالنون للتعظيم (٣). ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ أي: لا تغمَضُ من هولِ ما تراه في ذلك اليوم. قاله الفراء. يقال: شَخَص الرجلُ بَصَرَه، وشَخَص البصرُ نفسُه، أي: سَما وطَمَح من هول ما يرى (٤). قال ابن عباس: تَشْخَصُ أبصارُ الخلائق يومئذٍ إلى الهواء؛ لشدة الحَيرةِ فلا يغمضون(٥). ١ ﴿مُهْطِينَ﴾ أي: مسرعين. قاله الحسن وقَتادة وسعيد بن جُبير(٦)، مأخوذٌ من أهطع يُهطع إهطاعاً: إذا أسرع. ومنه قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّعَ﴾ [القمر: ٨] أي: مسرعين. قال الشاعر: بدجْلةَ دَارُهُمْ ولقد أرَاهُمْ بدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ(٧) وقيل: المُهطع الذي ينظر في ذلِّ وخشوع، أي: ناظرين من غير أن يَطرِفوا. قاله ابن عباس(٨). وقال مجاهد والضحَّاك: ﴿مُهْطِينَ﴾ أي: مُديمي النظر(٩). وقال النحاس(١٠): والمعروف في اللغة أن يُقال: أهطعَ إذا أسرع. قال أبو عبيد: وقد (١) ينظر تفسير الطبري ٧٠٤/١٣، والوسيط ٣٥/٣، وتفسير أبي الليث ٢١٠/٢ . (٢) النشر ٢/ ٤٠٠، والسبعة ص٣٦٣ . (٣) المحرر الوجيز ٣٤٤/٣، وزاد المسير ٣٧٠/٤. (٤) ينظر تفسير البغوي ٣٩/٣، وتهذيب اللغة ٧٢/٧ . (٥) في (م) و(ظ): لا يرمضون، وفي (د): لا يرتمضون، والمثبت من الوسيط للواحدي ٣٥/٢ . (٦) النكت والعيون ١٣٠/٣، والوسيط ٣٥/٣، وزاد المسير ٤/ ٣٧٠، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٤٣/١، والطبري ١٣/ ٧٠٤ - ٧٠٥ عن قتادة. (٧) النكت والعيون ١٣٠/٣، والبيت ليزيد بن مُفرِّغ، وهو في ديوانه ص ١١٠، وفيه: ((أهلها)) بدل: ((دارهم). (٨) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٠٥ . (٩) أخرجه الطبري ٧٠٦/١٣ عنهما، ولفظ الضحاك بالمعنى. (١٠) في معاني القرآن ٥٣٨/٣ . ١٥٩ سورة إبراهيم: الآيتان ٤٢ - ٤٣ يكون الوجهان جميعاً، يعني: الإسراع مع إدامة النظر. وقال ابن زيد: المُهطع الذي لا يرفع رأسه(١). ﴿مُقِ رُءُوسِمْ﴾ أي: رافعي رؤوسهم ينظرون في ذُلِّ. وإقناعُ الرأس: رفعُه. قاله ابن عباس ومجاهد(٢). قال ابن عرفة والقُتَبيُّ وغيرهما: المُقْنِعُ: الذي يرفع رأسه، ويُقبِلُ ببصره على ما بين يديه، ومنه الإقناع في الصلاة(٣) وأقنعَ صوتَه: إذا رفعه. وقال الحسن: وجوه الناس يومئذٍ إلى السماء لا ينظر أحدٌ إلى أحد (٤). وقيل: ناكسي رؤوسهم(٥). قال المهدويُّ: ويقال: أقنعَ: إذا رفعَ رأسه، وأقنع: إذا طأطأً رأسَه ◌ِلَّةً وخُضوعاً، والآية محتملةٌ للوجهين (٦). وقاله المبرِّد(٧). والقول الأول أعرَفُ في اللغة؛ قال الراجز: أَنْغَضَ نَحْوي رَأْسَهُ وأَقْنَعا كأنَّما أَبْصَرَ شيئاً أَظْمَعا(٨) وقال الشَّمَّاخ یصِفُ إِيلاً : نَواجِذُهنَّ كالْحَدَأ الوَقِيعِ(٩) يُباكِرْنَ العِضاهَ بمُقْنَعَاتٍ يعني: برؤوسٍ مرفوعاتٍ إليها لتتناولهنَّ. ومنه قيل: مِقْنَعةٌ؛ لارتفاعها. ومنه قَنِعَ الرجلُ: إذا رَضِيَ، أي: رفع رأسَه عن السؤال. وقَنَع: إذا سأل، أي: أتى ما يتقنَّعُ (١) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٠٦ . (٢) أخرجه الطبري ٧٠٨/١٣ عنهما. (٣) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٣٣ . (٤) نقله عنه الواحدي في الوسيط ٣٥/٣، والبغوي في تفسيره ٣٩/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٧١/٤. (٥) نقله الماوردي في النكت والعيون ٣/ ١٤٠ عن المؤرِّج وقتادة. (٦) نقله عنه النحاس في معاني القرآن ٥٣٩/٣. (٧) في الكامل ٢/ ١٠٢٧ . (٨) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٤٤، والماوردي في النكت والعيون ١٤١/٣. (٩) ديوان الشماخ ص٢٢٠، قوله: والعِضاء: كل شجر يعظُم وله شوك، والحَدأُ جمع حَدأة: وهي الفأس ذات الرأسين. الصحاح (عضه) و(حداً). ١٦٠ سورة إبراهيم: الآيتان ٤٢ - ٤٣ منه. عن النحاس(١). وفَمٌّ مُقْنَعٌ، أي: معطوفةٌ أسنانُه إلى داخل. ورجل مُقنَّعٌ - بالتشديد - أي: عليه بَيْضَة. قاله الجوهري(٢). ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرَّفُهُمْ﴾ أي: لا ترجِعُ إليهم أبصارُهم من شدة النظر، فهي شاخصةُ النظر (٣). يُقال: طَرَفَ الرجلُ يَظْرِفُ طَرْفاً: إذا أطبق جَفْنَه على الآخر (٤)، فسُمِّيَ النظرُ طَرْفاً؛ لأنه به يكون(٥). والطَّرْفُ: العين؛ قال عَنْتَرةٍ (٦): حتَّى يُواري جارتي مَأُواها وَأَغُضُّ طَرْفي ما بَدَتْ لي جارتي وقال جمیل : وَأَقْصِرُ طَرْفي دُونَ جُمْلٍ كَرامةً لِجُمْلٍ ولِلظَّرْفِ الذي أنا قاصِرُهُ(٧) ﴿وَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ أي: لا تعي (٨) شيئاً من شدّة الخوف. ابن عباس: خاليةٌ من كلِّ خير(٩). السُّدِّيّ: خرجت قلوبهم من صدورهم، فتَشِبت في حلوقهم(١٠). وقال مجاهد ومُرَّة وابن زيد: خاويةٌ خَرِبةٌ مُنخرقةٌ؛ ليس فيها خيرٌ ولا عقل، كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هَواءٌ. وقاله ابن عباس(١١). (١) في معاني القرآن ٣/ ٥٤٠ . (٢) في الصحاح (قنع). (٣) الوسيط للواحدي ٣٥/٣، وتفسير البغوي ٣٩/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٣٧١/٤. (٤) الصحاح (طَرِفَ). (٥) النكت والعيون ١٤١/٣ . (٦) في ديوانه ص٧٦ . (٧) لم تقف عليه في ديوانه، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١٤١/٣ . (٨) تحرفت في النسخ إلى: تغني، والتصويب من معاني القرآن للزجاج ١٦٦/٣، ومعاني القرآن للنحاس ٥٤٠/٣، وتفسير البغوي ٣٩/٣، وزاد المسير ٣٧١/٤ . (٩) أخرجه الطبري ٧١١/١٣ . (١٠) ذكره عنه بنحوه أبو الليث في تفسيره ٢/ ٢١٠، وهو قول قتادة أخرجه عنه عبد الرزاق في تفسيره ٣٤٣/١، والطبري ٧١٣/١٣، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣٧١/٤ . (١١) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٣/ ٧١٠ - ٧١٢ بألفاظٍ مقاربة.