Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة الرعد: الآيات ١٢ - ١٤ وسادسها: شديد الغضب؛ قاله وهب بن مُنَبِّهِ. وسابعها: شديد الهلاك بالمَخْل، وهو القَخْط؛ قاله الحسن أيضاً. وثامنها: شديد الحيلة؛ قاله قَتَادة(١). وقال أبو عبيدة مَعْمَر: المِحَال والمُمَاحَلة: المُمَاكّرة والمُغالبة(٢)، وأنشد للأعشی: فرعُ نَبْعِ يَهْتَزُّ في غُصُنِ الْمَجْ ـدِ كثيرُ النَّدَى شديدُ المِحالِ(٣) وقال آخر: أَعَدَّ له الشَّغَازِبَ والمِحَالًا(٤) ولَبَّسَ بَيْنَ أقوَامٍ فكُلٌ وقال عبد المطلب: نَعُ رَحْلَهُ فَامْنَغْ حِلاَلَك لاهُمَّ إِنَّ الْعَبدَ يَمْـ ومِحالُهم عَذْواً مِحَالك(٥) لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ قوله تعالى: ﴿لَمُ دَعْوَةُ الَْقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كُنَّهِ إِلَى الْمَآءِ لِبَلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِفِةٍ، وَمَا دُعَةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَلٍ قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةٌ لَلَقٍ﴾ أي: لله دعوةُ الصدق(٦). قال ابن عباس وقَتَادُ (١) النكت والعيون ١٠٢/٣، وأخرج أغلب هذه الأقوال الطبري ٤٨٣/١٣ - ٤٨٤. (٢) ينظر تفسير البغوي ١١/٣، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن له ٣٢٥/١: ((شديد المحال)) أي: العقوبة والمكر والنكال، وقد سلف بعضه. (٣) مجاز القرآن ٣٢٥/١، وهو في ديوان الأعشى ميمون بن قيس ص٥٧ ، وهو فيهما برواية: غزير الندى. ووقع في النسخ الخطية: عظيم المحال، وهي رواية الطبري للبيت ٤٨٣/١٣ . (٤) مجاز القرآن ٣٢٦/١، وقائله ذو الرمَّة، وهو في ديوانه ١٥٤٤/٣ برواية: السِّفارة والمحالا. قال أبو نصر الباهلي شارح الديوان: اللَّيْس: الاختلاط. والسفارة: الصلح بين القوم. ويروى: الشغازب، أي: الكيد والخصومة. والمحال: الجدال. (٥) سيرة ابن هشام ٥١/١، والحيوان للجاحظ ١٩٨/٧ - ١٩٩، وسلف البيت الأول ٨٣/٢. ووقع في (د) و(م): المرء، بدل: العبد، وهو موافق لما في كتاب الحيوان. قوله: حِلالك بكسر الحاء: القوم المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم. النهاية (حلل). (٦) تفسير البغوي ٣/ ١٢ . : ٤٢ سورة الرعد: الآية ١٤ وغيرهما: لا إله إلا الله(١). وقال الحسن: إن الله هو الحق، فدعاؤه دعوةُ الحق(٢). وقيل: إنَّ الإخلاص في الدعاء هو دعوةُ الحق؛ قاله بعضُ المتأخِّرين. وقيل: دعوةُ الحق: دعاؤه عند الخوف؛ فإنه لا يُدْعى فيه إلا إيَّاه، كما قال: ﴿ضَلَّ مَن تَّدْعُونَ إِلَّ إِنَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٧]؛ قال الماوَرْديُّ(٣): وهو أَشْبهُ بسياق الآية؛ لأنه قال: ﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ﴾ يعني الأصنامَ والأوثان ﴿لَا يَسْتَجِبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ﴾ أي: لا يُجيبون لهم دعاءً، ولا يسمعون لهم نداء ﴿إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِتَّلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِهِ﴾ ضرب الله عزَّ وجلَّ الماءَ مثلاً لإيَاسهم(٤) من الإجابة لدعائهم؛ لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يُدركه مَثَلاً بالقابض الماءَ باليد؛ قال: فأصبحت مما(٥) كان بَيْني وبینھا من الودِّ مثلَ القائِضِ الماءَ باليدِ (٦) وفي معنى هذا المَثَل ثلاثةُ أَوْجُه: أحدها: أنَّ الذي يدعو إلهاً من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فِيه من بعيد - يريد تَناوُلَه ولا يقدر عليه - بلسانه، ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبداً؛ لأنَّ الماء لا يستجيب، وما الماءُ ببالغ إليه؛ قاله مجاهد. الثاني: أنه كالظمآن الذي يرى خيالَه في الماء وقد بسط كفَّه فيه ليبلغ فاه وما هو (١) أخرجه عنهما الطبري ٤٨٥/١٣ - ٤٨٦. (٢) ذكره الواحدي في الوسيط ١١/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٣١٧/٤. (٣) في النكت والعيون ١٠٣/٣ . (٤) في النسخ: ليأسهم، والمثبت من النكت والعيون. قال صاحب كتاب العين ٣٣١/٧: يئست منه يأساً، وآيَسْتُ فلاناً إياساً. وتقول: أياسته فاستيأس، والمصدر منه: إياس. (٥) في (م): فيما. (٦) النكت والعيون ١٠٣/٣، ونسبه فيه الماوردي لأبي الهذيل، وهو دون نسبة في مجاز القرآن ٣٢٧/١، وتفسير الطبري ٤٨٨/١٣ . ونسبه صاحب الأغاني ١٣٩/٧ لأبي دهبل الجمحي برواية: سوى ذكرها كالقابض، بدل: من الود مثل القابض. ٤٣ سورة الرعد: الآية ١٤ ببالغه؛ لكذب ظنِّه، وفساد تَوَهُّمِه؛ قاله ابن عباس. الثالث: أنه كباسطِ كفِّه إلى الماء ليقبض عليه فلا يحصل(١) في كفِّه شيءٌ منه. وزعم الفراء أنَّ المراد بالماء هاهنا البئر؛ لأنها معدنٌ للماء، وأنَّ المَثَل: كَمَن مدَّ يده إلى البئر بغير رِشاء(٢)، وشاهِدُه قولُ الشاعر: فإِنَّ الماءَ ماءُ أَبِي وجَدِّي وبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وذُو طَوَيْتُ(٣) قال عليٍّ﴾: هو كالعطشان على شفة البئر، فلا يبلغُ قعر البئر، ولا الماءُ يرتفع إليه (٤). ومعنى («إلَّا كباسِط)): إلا كاستجابة باسط كفَّيه إلى الماء، فالمصدرُ مضافٌ إلى الباسط، ثم حذف المضاف، وفاعلُ المصدرِ المضافِ مرادٌ في المعنى وهو الماء، والمعنى: إلا كإجابة باسط كفّيه إلى الماء(٥)، واللامُ في قوله: ((ليَبْلُغَ فاهُ» متعلِّقةٌ بالبَسْط. وقولُه: ((وما هو ببالغه)) كنايةٌ عن الماء، أي: وما الماءُ ببالغ فاه. ويجوز أن يكون ((هو)) كناية عن الفم، أي: ما الفمُ ببالغِ الماء (٦). ﴿َوَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلٍ﴾ أي: ليست عبادة الكافرين الأصنامَ إلا في ضلال؛ لأنها شرك. وقيل: إلا في ضلال، أي: يَضلُّ عنهم ذلك الدعاء، فلا يجدون منه (١) في (د) و(ز): فلا يجعل، وفي (م): فلا يجمد، والمثبت من (ظ) والنكت والعيون. (٢) أي: حبل. القاموس (رشا). (٣) النكت والعيون ١٠٤/٢، والبيت لسنان بن الفحل الطائي كما في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٥٩١/٢، وأمالي ابن الشجري ٥٥/٣، والخزانة ٣٥/٦. قال البغدادي: ذو اسم موصول، وهو هنا بمعنى التي. (٤) أخرجه بنحوه الطبري ٤٨٨/١٣ . (٥) أي: إلا كإجابة الماءِ مَن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه. الكشاف ٢/ ٣٥٤، والإملاء (على هامش الفتوحات الإلهية) ٣٧٨/٣، والدر المصون ٣٤/٧ . (٦) المحرر الوجيز ٣٠٥/٣. ٤٤ سورة الرعد: الآيتان ١٤ - ١٥ شيئاً (١)، كما قال: ﴿أَيْنَ مَا كُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا﴾ [الأعراف: ٣٧] وقال ابن عباس: أي: أصواتُ الكافرين محجوبةٌ عن الله فلا يسمع دعاءهم(٢). قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَلُّهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْبُدُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا﴾ قال الحسن وقَتَادة وغيرهما: المؤمن يسجد طوعاً، والكافر يسجد كَرهاً بالسيف(٣). وعن قَتَادة أيضاً: يسجد الكافر كارهاً حين لا ينفعه الإِيمان. وقال الزجاج: سجودُ الكافر كرهاً: ما فيه من الخضوع وأثرِ الصَّنعة (٤). وقال ابن زيد: ((طَوْعاً)): مَن دخل في الإسلام رغبةً، و((كَرها)): مَن دخل فيه رَهْبةً بالسيف(٥). وقيل: ((طوعاً)) مَن طالت مدةُ إسلامه فَأَلِفَ السجود(٦)، و(كَرها)) مَن يُكره نفسَه لله تعالى، فالآية في المؤمنين، وعلى هذا يكون معنى ((والأرض»(٧): وبعضُ مَن في الأرض. قال القُشَيْريُّ: وفي الآية مَسْلَكان: أحدهما: أنها عامةٌ والمرادُ بها التخصيص، فالمؤمن يسجد طوعاً، وبعضُ الكفار يسجدون إكراهاً وخوفاً كالمنافقين، فالآية (١) في (د) و(ز) و(م): سبيلا. (٢) ذكره البغوي ٣/ ١٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٣١٨/٤. (٣) أخرجه الطبري ٤٩١/١٣ عن قتادة، وذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٥٨/١٣ عن الحسن. (٤) بنحوه في معاني القرآن له ١٤٤/٣ . (٥) النكت والعيون ١٠٤/٣، وأخرجه الطبري ٤٩١/١٣ . (٦) النكت والعيون ١٠٤/٣ . (٧) في (ظ): وعلى هذا يكون معنى ومن في الأرض. ٤٥ سورة الرعد: الآية ١٥ محمولة على هؤلاء؛ ذكره الفرَّاء(١). وقيل: على هذا القول: الآية في المؤمنين؛ منهم مَن يسجد طوعاً لا يَثْقُل عليه السجود، ومنهم مَن يثقل عليه؛ لأن الْتزامَ التكليف مشقَّة، ولكنهم يتحمَّلون المشقّة إخلاصاً وإيماناً، إلى أنْ يَأْلَفوا الحقَّ ويَمْرُنوا علیه. والمسلك الثاني - وهو الصحيح -: إجراءُ الآية على التعميم؛ وعلى هذا طريقان: أحدهما: أنَّ المؤمن يسجد طوعاً، وأما الكافر فمأمورٌ بالسجود مؤاخذٌ به. والثاني - وهو الحقُّ - أنَّ المؤمن يسجد ببدنه طوعاً، وكلّ مخلوقٍ من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق(٢) سجودَ(٣) دلالةٍ وحاجةٍ إلى الصانع، وهذا كقوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ ◌ِّدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وهو تسبيحُ دلالةٍ لا تسبيحُ عبادة. ﴿وَظَِلُهُم بِلْغُدُوِ وَالْأَصَالِ﴾ أي: ظلال الخلقِ ساجدةٌ لله تعالى بالغدوِّ والآصال؛ لأنها تتفيًّا (٤) في هذين الوقتين، وتميل من ناحية إلى ناحية، وذلك تصریفُ الله إياها على ما يشاء، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلِّ وَهُمْ دَخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] قاله ابن عباس وغيره(٥). وقال مجاهد: ظِلُّ المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع؛ وظلُّ الكافر يسجد كرهاً (٦) وهو کارِه. (١) في معاني القرآن ٢/ ٦١ . (٢) بعدها في (ظ): مربوب مكوّن، أي: بتكوين الربّ إياه، ويبقى بإبقائه، فسجود كل مخلوق. (٣) في (د) و(ز) و(م): يسجد. (٤) في (د) و(ز) و(م): تبين. (٥) ينظر تفسير الطبري ٤٩٢/١٣. ومعنى ((يتفيأ ظلاله)): تدور ظلاله وترجع من جانب إلى جانب. شرح غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٤٣ . (٦) كذا في النسخ، ووقع بدلاً منها في تفسير الطبري ٤٩٢/١٣، والوسيط للواحدي ١١/٣ ، وتفسير البغوي ١٢/٣: طوعاً. وذكره بلفظ: كرها، الرازي ٣٠/١٩، والسيوطي في الدر المنثور ٥٢/٤-٥٣ وعزاه الطبري وابن المنذر. ٤٦ سورة الرعد: الآيتان ١٥ - ١٦ وقال ابن الأنباريّ(١): يُجعل للظلال عقولٌ تسجد بها وتخشع بها، كما جُعل للجبال أفهامٌ حتى خاطبت وخوطبت. قال القُشَيري: في هذا نظر؛ لأنَّ الجبل عين، فيمكن أن يكون له عقلٌ بشرطِ تقديرِ الحياة، وأمَّا الظلالُ فآثارٌ وأعراضٌ، ولا يُتَصوَّر تقديرُ الحياة لها، والسجودُ بمعنى الميل؛ فسجودُ الظلال: ميلُها من جانب إلى جانب؛ يقال: سجدت النخلة، أي: مالت. و((الآصال)» جمع أُصُل، والْأُصُل جمع أَصِيل؛ وهو ما بين العصر إلى الغروب(٢)، ثم أصائِل جمعُ جَمْع الجمع(٣)؛ قال أبو ذؤيب الهذليُّ: لَعَمْري لَأَنْتَ البيتُ أُكرِمُ أَهلَهُ وَأَقعُدُ فِي أَفْيَائِه(٤) بالأَصَائِل(٥) و((ظِلَالُهُمْ)) يجوز أن يكون معطوفاً على ((مَنْ))، ويجوز أن يكون ارتفع بالابتداءِ، والخبرُ محذوف، التقدير: وظلالُهم سُجَّدٌ بالغدوِّ والآصال. و((الغدوّ)) يجوز أن يكون مصدراً، ويجوز أن يكون جمعَ غداة، يقوِّي كونَه جمعاً مقابلةُ الجمع - الذي هو «الآصال» - به. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اَللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لَا يَعْلِكُونَ لِأَقُِ نَفْعًا وَلَا ضَرَّأْ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَنْ هَلْ تَسْتَوِىِ اُلُُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ ◌ِلَّهِ شُرَكَةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِ فَتَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ اَلْوَجِدُ اٌلْقَهَّرُ قوله تعالى: ﴿قُلّ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أمر الله تعالى نبيَّه # أن يقول (١) قوله في تفسير الرازي ٣٠/١٩. (٢) مجاز القرآن ٢٣٩/١، وتفسير الطبري ٤٩٨/١٣، والنكت والعيون ١٠٤/٣. (٣) في (د) و(ز) و(م): ثم أصائل جمع الجمع، والمثبت من (ظ)، والروض الأنف ٢٤/٢ - ٢٥ والكلام منه، وقد ردَّه السهيلي فقال: وهذا خطأ بيِّن من وجوه؛ منها: أن جمع جمع الجمع لم يوجد قط في الكلام فيكونَ هذا نظيره ... ، ثم ذكر في ردِّه وجوهاً كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هنا. (٤) في النسخ الخطية: أفنائه، والمثبت من (م) والمصادر. (٥) ديوان الهذليين ١/ ١٤١، ومجاز القرآن ٢٣٩/١ و٣٢٣، والخزانة ٤٨٤/٥ . ٤٧ سورة الرعد: الآية ١٦ للمشركين: ﴿قُلّ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم أمره أن يقول لهم: هو الله؛ إلزاماً للحجة إن لم يقولوا ذلك وجَهِلوا من هو. ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُ مِّن دُونِةٍ أَوْلِيَآءَ﴾ هذا يدلُّ على اعترافهم بأن الله هو الخالق، وإلَّا لم يكن للاحتجاج(١) بقوله: ﴿قُلٌ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِه أولياء﴾ معنى، دليله قوله: ﴿وَلَپن سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: فإذا اعترفتم فَلِمَ تعبدون غيره؟! وذلك الغير لا ينفع ولا يضرُّ. وهو إلزام صحيح. ثم ضرب لهم مثلاً فقال: ﴿قُلّ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَىِ وَالْبَصِيرُ﴾ فكذلك لا يستوي المؤمنُ الذي يبصر الحقَّ، والمشركُ الذي لا يبصر الحق. وقيل: الأعمى مَثَلٌ لِمَا عَبَدوه من دون الله، والبصيرُ مَثَلُ الله تعالى. أَّ هَلْ تَسْتَوِى القُلُمَتُ وَالنُورُ﴾ أي: الشرك والإيمان. وقرأ ابن محيصِن وأبو بكر والأعمش وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿يَسْتَوِى﴾ بالياء(٢) لتَقَدُّم الفعل؛ ولأن تأنيث ((الظلمات)) ليس بحقيقي. الباقون بالتاء، واختاره أبو عبيد، قال: لأنه لم يَحُلْ بين المؤنَّثِ والفعلِ حائل(٣). و((الظلمات والنور)) مَثَل الإيمان والكفر، ونحن لا نقف على كيفية ذلك. وَأَمْ جَعَلُواْ لِلَِّ شُرَكَةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَتَبَّهَ الْخَلْنُ عَلَمْ﴾ هذا من تمام الاحتجاج، أي: خَلَقَ غيرُ الله مِثْلَ خَلْقِهِ فتشابه الخلقُ عليهم، فلا يدرون خَلْقَ اللهِ مِن خَلْقِ آلهتهم؟! ﴿قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: قل لهم يا محمد: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾، فَلَزِمَ لذلك أن يعبده كلُّ شيءٍ. والآيةُ ردٌّ على المشركين والقَدَريَّةِ الذين زعموا أنهم خَلَقوا كما خَلَق (١) في (ظ): إذ لو لم يكونوا مقرين بأن الله هو الخالق لم يكن للاحتجاج. بدل: وإلا لم يكن للاحتجاج ... (٢) السبعة ص٣٥٨، والتيسير ص١٣٣ عن أبي بكر - وهو شعبة - وحمزة والكسائي. (٣) ينظر الحجة للفارسي ١٥/٥. ٤٨ سورة الرعد: الآيات ١٦ - ١٩ الله(١). ﴿وَهُوَ الْوَِدُ﴾ قبلَ كلِّ شيءٍ ﴿اٌلْقَهَّارُ﴾: الغالبُ لكلِّ شيء، الذي يَغلب في مراده کلَّ مُرید. قال القُشَيريُّ أبو نصر: ولا يَبْعُدُ أن تكون الآيةُ واردةً فيمَن لا يعترف بالصانع، أي: سَلْهم عن خالقِ السماوات والأرض، فإنه يسهِّل تقريرَ الحجة فيه عليهم، ويقرِّب الأمرَ من الضرورة؛ فإنَّ عَجْزَ الجماد وعَجْزَ كلِّ مخلوق عن خلق السماوات والأرض معلوم، وإذا تقرَّر هذا وبانَ أنَّ الصانع هو الله، فكيف يجوز اعتقادُ(٢) الشريك له؟! وبيَّن في أثناء الكلام أنه لو كان للعالم صانعان لاشْتَبه الخلقُ، ولم يتميّزْ فِعْلُ هذا عن فعلٍ ذلك، فبم يُعلم أنَّ الفعل من اثنين؟! قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ الشَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيَاً وَمِقَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ ◌ِلْيَةٍ أَوْ مَتَحِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقِّ وَاَلْبَطِلُّ فَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُقَاً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ اَلْأَمْثَالَ (٣) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَّ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَمُ مَعَهُ لَاَقْتَدَوْاْ بِه٢ِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوَّهُ الْحِسَابِ وَمَأْوَنِهُمْ جَهَّمُ وَبِئْسَ آلِهَادُ ﴿ أَفَنْ يَعْلَمُ أَنَّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيَّكَ لَْقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَْ إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَفَلَ اَلسَّيْلُ زَبَدًا رَِّيَاً﴾ ضَربَ تعالى مَثَلين(٣) للحقِّ والباطل؛ فشبَّه الكفرَ بالزَّبَد الذي يعلو الماءَ، فإنه يضمحلُ (١) حز الغلاصم ص٦٨ - ٦٩، وضرب مصنفه مثالاً لقول القدرية حركة اليد فقال: وذلك أن حركة الارتعاش في يد العبد هم موافقون لنا أنها خَلْقُ الله تعالى لأنها واقعة بقدرة الله وإرادته، فإذا أراد العبد أن يحرك يده باختياره وإرادته حركة تشبه الارتعاش، قالوا: هذه خلقٌ للعبد لأنها وقعت بقدرته وإرادته! (٢) في (د) و(ز) و(م): اعتداد. (٣) في (د) و(ز) و(م): ضرب مثلاً. ٤٩ سورة الرعد: الآيات ١٧ - ١٩ ويَعْلَق (١) بجنبات الأودية، وتدفعه الرياح، فكذلك الكفر تُمحَقُ آثَارُه. ومَثَّلَ الحقَّ بالجواهر التي تُذاب ليُتَّخذَ منها ما يَنفع الناسَ، فيعلوها الزََّد والخَبَثُ، فأمَّا ما ينفع الناسَ فيبقى، وأمَّا الخَبَثُ فيذهب، فكذلك(٢) يذهب الكفر ويضمَحِلّ، على ما نبيِّنْه. قال مجاهد: ((فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)) قال: بقَدَر مَلْئِها. وقال ابن جُرَيج: بقدر صِغَرِها وكِبَرِها(٣). وقرأ الأَشْهَب العُقَيْلي والحسن: ((بقَدْرِها)) بسكون الدال، والمعنى واحد. وقيل: معناها بما قدّر لها(٤). والأودية جمع الوادي؛ وسمِّي وادياً لخروجه وسَيَلانه؛ فالوادي على هذا اسمٌ للماء السائل(٥). وقال أبو علي: ((فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ)) تَوسُّع، أي: سال ماؤها، فحذف، قال: ومعنى ((بِقَدَرِهَا)): بقدر مياهها؛ لأنَّ الأودية ما سالت بقدر أنفُسها(٦). ﴿فَاحْتَعَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾ أي: طالِعاً عالياً مرتفعاً فوق الماء. وتمَّ الكلام؛ قاله مجاهد(٧). ثم قال: ﴿وَمِنَّا يُوِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ﴾ وهو المَثَل الثاني ﴿ابْتِغَاءَ حِيَةٍ﴾ أي: حليةٍ (١) في (ظ): فيعلو. (٢) من قوله: الكفر تمحق آثاره، إلى هذا الموضع من (ظ). (٣) معاني القرآن للنحاس ٤٨٨/٣ وقول مجاهد في تفسيره ٣٢٧/١، وأخرجه الطبري ٥٠٠/١٣ - ٥٠١ . وأخرج أيضاً قول ابن جريج ١٣/ ٥٠٣ عنه عن ابن عباس. (٤) معاني القرآن للنحاس ٤٨٨/٣، وذكر القراءة أبن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٦ . (٥) تفسير الرازي ٣٦/١٩ . وقال الأزهري في تهذيب اللغة ٢٣٢/١٤: قال شمر: ودى أي: سال، ومنه: الودي فیما أری لخروجه وسیلانه، ومنه: الوادي. (٦) ينظر زاد المسير ٣٢١/٤. (٧) تفسير مجاهد ٣٢٧/١، وهو عند الطبري ٥٠٠/١٣ . ٥٠ سورة الرعد: الآيات ١٧ - ١٩ الذهب والفضة ﴿أَوْ مَتَجِ زَبِدٌ مِثْلُمُ﴾ قال مجاهد: المتاع (١): الحديد والنحاس ج والرصاص. وقوله: ((زَبَدٌ مِثْلُهُ)) أي: يعلو هذه الأشياءَ زَبَدٌ كما يعلو السيل، وإنما احتَمَل السيل الزبدَ لأنَّ الماء خالَطَه ترابُ الأرض، فصار ذلك زبداً، كذلك ما يوقَد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب والفضة مما يَنبثُّ فِي الأرض من المعادن فقد خالَطَه التراب، فإنما يوقد عليه ليذوب فيزايله ترابُ الأرض. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقِّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَا الزَّدُ فَيَذْهَبُ جُفَّهُ﴾ قال مجاهد: جُموداً (٢). وقال أبو عبيدة(٣): قال أبو عمرو بن العلاء: أَجْفَأَتِ القِدْرُ: إذا غَلَت حتى ينصبَّ زَبَدُها، وإذا جَمَد في أسفلها(٤). والجُفاء: ما أجفأه الوادي، أي: رَمی به (٥) . وحكى أبو عبيدة أنه سمع رُؤْبة يقرأ: ((جُفَالاً)). قال أبو عبيدة: يقال: أَجْفَلَت القِدْرُ: إذا قذفت بزَبَدها (٦). وأجفلت الريح السحاب: إذا قطعته [وأذهبته](٧). ﴿وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِّ﴾ قال مجاهد: هو الماءُ الخالصُ الصَّافي(٨). وقيل: الماءُ وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص. وهذان(٩) المَثَلان ضَرَبهما الله للحقِّ في ثباته، والباطلِ في اضمحلاله، فالباطلُ وإن علا في (١) قوله: المتاع، من (ظ) وهو الموافق لما في تفسير مجاهد ٣٢٧/١، وتفسير الطبري ٥٠٠/١٣ . (٢) تفسير مجاهد ٣٢٧/١، وهو عند الطبري ٥٠١/١٣ . (٣) في مجاز القرآن ٣٢٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٤٨٩/٣ . (٤) قوله: وإذا جمد في أسفلها، وقع بدلاً منه في مجاز القرآن: أو سكنت فلا يبقى منه شيء. (٥) ينظر القاموس (جفأ). (٦) النكت والعيون ١٠٧/٣، والقراءة عن رؤبة في القراءات الشاذة ص٦٦. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٨/٣: قال أبو حاتم: لا تعتبر قراءة الأعراب في القرآن. (٧) معاني القرآن للنحاس ٤٨٩/٣، وما بين حاصرتين منه، ووقع فيه: جفلت، بدل: أجفلت. (٨) تفسير مجاهد ٣٢٧/١، وتفسير الطبري ٥٠١/١٣ . (٩) في (د) و(ز) و(م): وهو أن، بدل: وهذان. ٥١ سورة الرعد: الآيات ١٧ - ١٩ بعض الأحوال؛ فإنه يضمحلُّ كاضمحلال الزَّبَد والخَبَث. وقيل: المراد مَثَلٌ ضربه الله للقرآن وما يدخل منه [في] القلوب، فَشبَّه القرآنَ بالمطر لعموم خيره وبقاءِ نَفْعِه، وشَبَّه القلوب بالأودية، يدخل فيها من القرآن مثلُ ما يدخل في الأودية [من الماء] بحسَب سعتها وضيقها. قال ابن عباس: ﴿أَنَزَّلَ مِنَ السَّمَآَ مَآءُ﴾ قال: قرآناً ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ قال: الأوديةُ قلوبُ العباد(١). قال صاحب ((سوق العروس))(٢): إن صحَّ هذا التفسير فالمعنى فيه: أنَّ الله سبحانه مَثَّل القرآنَ بالماء. ومَثَّل القلوب بالأودية، ومثّل المُحْكَم بالصَّافي، ومثَّل المتشابه بالزَّبد. وقيل: الزَّبَد مَخائِلُ النفس وغوائلُ الشك(٣)، ترتفع من خبثٍ(٤) ما فيها، فتضطرب من سلطان تَلْعها(٥)، كما أنَّ ماء السّيل يجري صافياً، فيرفع ما يجد في الوادي باقياً. وأمَّا حليةُ الذهب والفضة فمَثَل الأحوال السَّنِيَّة والأخلاق الزَّكية؛ التي بها جمال الرجال، وقِوامُ صالح الأعمال، كما أنَّ من الذَّهب والفضَّة زينةَ النّساء، وبهما قيمةُ الأشياء. وقرأ حميد وابن محيصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص: (١) النكت والعيون ١٠٦/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٨/٣: وهذا قول لا يصح - والله أعلم - عن ابن عباس؛ لأنه ينحو إلى أقوال أصحاب الرموز، ولا وجه لإخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب لغير علة تدعو لذلك. (٢) لعله عبد الكريم بن عبد الصمد، أبو معشر الطبري المقرئ، شيخ أهل مكة، صنف كتاب سوق العروس في القراءات المشهورة والغريبة، وكتاب الدرر في التفسير وغيرهما، توفي سنة (٤٧٨هـ). معرفة القراء الكبار ٢/ ٨٢٧ . وثمة كتاب آخر بهذا الاسم لابن الجوزي ذكره ونقل عنه الألوسي في روح المعاني ٨/ ٦٣ . (٣) في (ظ): الشرك. (٤) في (د) و(ز) و(م): حيث، والمثبت من (ظ). (٥) في (د) و(ز): تلفها، وفي (ظ): ما فيها، والمثبت من (م). والتَّلْع جمع تَلْعَة، وهي مجرى الماء من أعلى الوادي إلى بطون الأرض يحفر فيها كهيئة الخندق، أو هي أرض غليظة مرتفعة يتردّد فيها السيل ثم يدفع منها إلى أخرى أسفل منها. معجم متن اللغة (تلع). ٥٢ سورة الرعد: الآيات ١٧ - ١٩ ﴿يُوقِّدُونَ﴾ بالياء(١). واختارها أبو عبيد؛ لقوله: ((يَنْفَعُ النَّاس)) فأخبر، ولا مخاطبة هاهنا. الباقون بالتاء؛ لقوله في أول الكلام: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْ تُ مِّن دُونِ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية(٢). وقوله: ((في النَّار)) متعلِّقٌ بمحذوف، وهو في موضع الحال، وذو الحال الهاءُ التي في ((عليه))، التقدير: ومما توقدون عليه ثابتاً في النار أو كائناً. وفي قوله: ((في النار)) ضميرٌ مرفوعٌ يعود إلى الهاء التي هي أسمُ ذي الحال، ولا يستقيم أن يتعلَّق: ((في النار)) بـ ((يوقدون)) من حيث لا يستقيم: أوقدتُ عليه في النار؛ لأن الموقَد عليه يكون في النَّار، فيصير قوله: ((في النار)) غيرَ مفيد(٣). وقوله: ((ابتغاءَ حِلْيَةٍ)) مفعول له. ((زَبَدٌ مِثْلُهُ)) ابتداء وخبر، أي: زيدٌ مثل زَبَد السيل. وقيل: إنَّ خبر ((زَيَد)) قوله: ((في النارِ)). الكسائيُّ: ((زَبَدٌ)) ابتداء، و ((مِثْلُهُ)) نعتٌ له، والخبر في الجملة التي قبله، وهو: ((مما يُوقِدُون)»(٤). ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: كما بيَّن لكم هذه الأمثالَ فكذلك يضربُها بيِّنات. تم الكلام. ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ آسْتَبَابُوا لِرَبِهمُ﴾ أي: أجابوا، استجاب بمعنى أجاب؛ قال: فلَمْ يَستجِبْهُ عند ذاكَ مُچِیبُ وقد تقدم(٥). (٥) (١) السبعة ص٣٥٨، والتيسير ص١٣٣ عن حمزة والكسائي وحفص. وذكرها عن ابن محيصن ويحيى ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٣٠٨/٣ . (٢) ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢٢/٢، وتفسير الرازي ٣٦/١٩. (٣) ذكر هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٧/٣ عن مكِّي وغيره، وقال: وذهب أبو علي الفارسي إلى تعلُّقها بـ ((يوقدون) وقال: قد يوقَد على شيء وليس في النار، كقوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَ اٌلِلِينِ﴾ فذلك البناء الذي أمر به يوقد عليه وليس في النار، لكن يصيبه لهبها. اهـ وقول أبي علي في الحجة له ١٦/٥ - ١٧ . (٤) مشكل إعراب القرآن ٣٩٨/١. (٥) ٣٢١/١، وقائله كعب بن سعد الغَنَوي، وصدره: وداع دعا يا مَن يجيب إلى النَّدى. ٥٣ سورة الرعد: الآيات ١٩ - ٢٠ أي: أجاب إلى ما دعاه الله من التوحيد والنبوَّات. ﴿المُْنَ﴾ لأنها في نهاية الحُسْن. وقيل: مِن الحسنى: النصرُ في الدنيا، والنعيمُ المقيم غداً. ﴿وَلَّذِينَ لَّمْ يَسْتَجِيبُوْ لَهُ﴾ أي: لم يُجيبوا إلى الإيمان به ﴿لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: من الأموال ﴿وَمِثْلَمُ مَعَهُ﴾ مِلْكٌ لهم ﴿لَقْتَدَوْاْ بِه٤َِّ﴾ من عذابٍ يومِ القيامة، نظيره في ((آل عمران)): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْمُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ أَفْتَدَى بِؤُهِ﴾ [آل عمران: ٩١] حَسْبَ ما تقدَّم بيانُه هناك. ﴿أُوْلَكَ لَمْ سُوَّهُ الْحِسَابِ﴾ أي: لا يقبل لهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة. وقال فَرْقَد السَّبَخِيُّ: قال لي إبراهيم النَّخعيُّ: يا فَرْقَد! أتدري ما سوءُ الحساب؟ قلت: لا! قال: هو أن يحاسَب الرجل بذنبه كلِّه، لا يفقد منه شيءٍ (١). ﴿وَمَأْوَنُهُمُ﴾ أي: مسكتُهم ومقامهم ﴿جَهٌَّ وَبِئْسَ آلِهَادُ﴾ أي: الفِراش الذي مَهَدوا لأنفسهم. قوله تعالى: ﴿أَفْتَنْ يَعْلُ أَنَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيَّكَ الْمُنُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ هذا مَثَلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر، ورُويَ أنَّها نزلت في حمزة بن عبد المطلب ﴾، وأبي جهل لعنه الله(٢). والمرادُ بالعَمَى: عَمَى القلب، والجاهلُ بالدين أعمى القلب ﴿إِنّا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأپ﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَقُضُونَ الْمِيثَاقَ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ هذا من صفة ذوي الألباب، أي: (١) أخرجه الطبري ٥٠٦/١٣ و٥٠٩، وفيه: لا يغفر، بدل: لا يفقد. وفرقد السبخي هو ابن يعقوب، أبو يعقوب البصري، توفي سنة (١٣١هـ). التهذيب ٣٨٤/٣. (٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ١٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما. ٥٤ سورة الرعد: الآية ٢٠ إنما يتذكر أولو الألباب الموفُون بعهد الله. والعهدُ اسمٌ للجنس، أي: بجميع عهود الله، وهي أوامرُهُ ونَواهيهِ التي وصَّى بها عَبيده، ويدخل في هذه الألفاظ التزامُ جميعٍ الفروض، وتجنُّبُ جميع المعاصي(١). وقوله: ﴿وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِثَقَ﴾ يَحتمِلُ أن يريد به جنسَ المواثيق، أي: إذا عقدوا في طاعة الله عهداً لم ينقُضوه؛ قال قَتَادة: تقدَّم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونھی عنه في بضعٍ وعشرين آية (٢). ويحتمل أن يشير إلى ميثاقٍ بعينه، وهو الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صُلْبٍ أبيهم آدم(٣). وقال القَفَّال: هو ما رَّب في عقولهم من دلائل التوحيد والنبؤَّات. الثانية: روى أبو داود وغيره(٤) عن عوف بن مالك قال: كنّا عند رسول الله . سبعةً أو ثمانيةً أو تسعةً، فقال: ((ألا تُبايعون رسولَ الله ◌ِ﴾؟)) وكنّا حديثَ عهد ببيعةٍ، فقلنا: قد بايعناك [حتى قالها ثلاثاً؛ فبسطنا أيدينا فبايعناه، فقال قائل: يا رسول الله! إِنَّا قد بايعناك] فعلى ماذا نُبايعك؟ قال: ((أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وتُصلُّوا الصلواتِ الخمسَ، وتسمعوا وتُطيعوا - وأَسَرَّ كلمةً خفيةً - قال: ولا تسألوا الناس شيئاً)). قال: فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سَوْطُه، فما يسأل أحداً أن يناولَه إِيَّاه. قال ابن العربي(٥): مِن أعظم المواثيق في الذكر ألَّا يُسأل سواه؛ فقد كان أبو حمزةَ الخراسانيُّ من كبار العبّاد (٦)، سمع أنَّ ناساً بايعوا رسولَ الله﴾ ألَّ يسألوا (١) المحرر الوجيز ٣٠٩/٣. (٢) المحرر الوجيز ٣٠٩/٣، وأخرجه مطولاً الطبري ١٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨ . (٣) تفسير البغوي ٣/ ١٤، والمحرر الوجيز ٣٠٩/٣ بنحوه. (٤) سنن أبي داود (١٦٤٢)، وما سيأتي بين حاصرتين منه، وهو عند مسلم (١٠٤٣). (٥) في أحكام القرآن ١٠٩٩/٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٦) قال ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٥٤/٦٦، ١٥٦: من مشايخ الصوفية المعروفين، ينسب إلى دمشق، ويحتمل أن يكون سكنها وإلا فهو من أهل خراسان المعروفين، وصحب مشايخ بغداد، وهو من أقران الجنيد. وقيل: إن صاحب القصة (التي ستأتي) أبو حمزة البغدادي، وقيل: الدمشقي. اهـ والقصة بنحوها في الحلية ١٧٧/١٠ - ١٧٨، وتاريخ بغداد ٣٩١/١ - ٣٩٢، وتلبيس إبليس ص ٢٩٣ . ٥٥ سورة الرعد: الآية ٢٠ أحداً شيئاً، الحديث. فقال أبو حمزة: ربِّ إنَّ هؤلاء عاهَدوا نبيَّك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألّ أسأل أحداً شيئاً. قال: فخرج حاجًا من الشام يريد مكةَ، فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذا بقي(١) عن أصحابه لعذرٍ، ثم اتّبعهم، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق، فلما حلَّ في قعره قال: أستغيث؛ لعل أحداً يسمعني [فيخرجني). ثم قال: إن الذي عاهدتُه يراني ويسمعني، والله لا تكلمتُ بحرف للبشر. ثم لم يلبث إلا يسيراً إذ مرَّ بذلك البئرِ نفر، فلما رأَوْه على حاشية الطريق قالوا: إنه لينبغي سدُّ هذا البئر، ثم قطعوا خشباً ونصبوها على فم البئر وغطّوْها بالتراب، فلما رأى ذلك أبو حمزةً قال: هذه مهلكة، ثم أراد أن يستغيث بهم، ثم قال: والله لا أخرج منها أبداً، ثم رجع إلى نفسه فقال: أليس قد عاهدتَ مَن يراك (٢)؟ فسكّتَ وتوثَّل، ثم استند في قعر البئر مفكّراً في أمره، فإذا بالتراب يقع عليه والخشبٍ يرفع عنه، وسمع في أثناء ذلك مَن يقول: هات يدك! قال: فأعطيتُه يدي فأقلَّني في مرةٍ واحدة إلى فم البئر، فخرجت فلم أَرَ أحداً (٣)؛ فسمعت هاتفاً يقول: كيف رأيت ثمرةً التوُّل؟ وأنشد: وأغنيتَني (٤) بالعِلْم منكَ عن الكَشْفِ نَهاني حيائي منك أن أکشفَ الھوی إلى غائبي واللُّطفُ يُدرَكُ باللُّظْفِ تلطّفْتَ في أمري فأبدیتَ شاهدي تُخَبِّرُني بالغيب أنَّكَ في كفِّ (٥) تَراءيتَ لي بالعلم حتى كأنَّما فتؤْنِسُني باللُّطف مِنكَ وبالعطفٍ أَراني(٦) وبي من هَيْبتي لَكَ وَحْشَةٌ (١) في (ظ): انقطع. (٢) في أحكام القرآن: أليس الذي عاهدت یری ذلك كله. (٣) كذا في أحكام القرآن، وفي باقي المصادر أن الذي أخرجه هو سَبُع، وسيأتي ذكر ذلك. (٤) في (د) و(ز) و(م) وتلبيس إبليس: فأغنيتني، والمثبت من (ظ) وباقي المصادر. (٥) في تاريخ بغداد: بالكف، وفي تاريخ ابن عساكر وتلبيس إبليس: في الكف، وفي الحلية: في كفي. (٦) في المصادر عدا أحكام القرآن: أراك. ٥٦ سورة الرعد: الآية ٢٠ وذا عَجبٌ كيف(١) الحياةُ مع الْحَتْفِ وتُحيي مُحبًّا أنت في الحبِّ حَتْفُهُ. قال ابن العربي (٢): هذا رجلٌ عاهد الله؛ فوجد الوفاءَ على التمام والكمال، فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا. قال أبو الفرج الجوزيُ(٣): سكوتُ هذا الرجل في هذا المقام على التوكُّل بزعمه إعانةٌ على نفسه، وذلك لا يَحِلُّ، ولو فَهِمَ معنى التوكُّلِ لعَلِمَ أنه لا يُنافي استغاثتَه في تلك الحالة، كما لم يخرج رسول الله # من التوُّل بإخفائه الخروج من مكة، واستئجاره دليلاً، واستكتامه ذلك الأمرَ، واسْتِتَاره في الغار، وقوله لسُرَاقَةَ: ((أخْفٍ عَنَّا))(٤). فالتوكُّلُ الممدوحُ لا يُنال بفعل محظورٍ؛ وسكوتُ هذا الواقع في البئر محظورٌ عليه، وبيانُ ذلك أنَّ الله تعالى قد خلق للآدميِّ آلةً يدفع عنه بها الضررَ، وآلةً يجتلب بها النفع، فإذا عطّلهما(٥) مدَّعياً للتوكُّل كان ذلك جهلاً بالتوُّل، وردًّا لحكمةٍ الواضع(٦)؛ لأنَّ التوُّلَ إنما هو اعتمادُ القلب على الله تعالى، وليس من ضرورته قطعُ الأسباب؛ ولو أنَّ إنساناً جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار؛ قاله سفيان الثَّوري(٧) وغيره، لأنه قد دلَّ على طريق السلامة، فإذا تقاعَدَ عنها أعان على نفسه. وقال أبو الفرج(٨): ولا الْتِفاتَ إلى قول أبي حمزةَ: فجاء أسدٌ فأخرجني! فإنه إنْ صحَّ ذلك فقد يقع مثلُه اتفاقاً، وقد يكونُ لطفاً من الله تعالى بالعبد الجاهل، ولا يُنكّر (١) في المصادر عدا أحكام القرآن: كون. (٢) في أحكام القرآن ٣/ ١١٠٠ . (٣) في صفة الصفوة ٢٦/١ - ٢٨، وبنحوه في تلبيس إبليس ص٢٩٤ - ٢٩٥. (٤) أخرجه أحمد (١٧٥٩١)، والبخاري (٣٦٠٩) مطولاً من حديث سراقة. (٥) في (د) و(ز) و(م): عطلها. (٦) في النسخ: التواضع، والمثبت من صفة الصفوة. (٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦٦/٧ . (٨) في صفة الصفوة ٢٨/١ ٥٧ سورة الرعد: الآيات ٢١ - ٢٤ أن يكون الله تعالى لَطَفَ به، إنَّما يُنكَر فعلُه الذي هو كَسْبُه، وهو إعانتُه على نفسه التي هي وديعةٌ لله تعالى عنده، وقد أمره بحفظها. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَتَخَافُونَ سُوَّهَ اِْسَابٍ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءُ وَجْهِ رَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِنَّا رَزَقْتَهُمْ سِرّاً وَعَلَائِيَةً وَيَدْرَهُونَ بِالْمَنَّةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَْ عُقْىَ الدَّارِ (٣٢) جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ◌َآِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمْ وَالْعَلَئِكَةُ يَدْخُلُنَ عَلَِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ (٣) سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىَ الدَّارِ (١٤) ٦٠٠ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ(١) في صِلَة الأرحام؛ وهو قولُ قَتَادةَ وأكثرِ المفسِّرين(٢)، وهو مع ذلك يتناول جميعَ الطاعات. ﴿وَيَخْتَّوْنَ رَّهُمْ﴾ قيل: في قطع الرَّحم. وقيل: في جميع المعاصي ﴿وَغَافُونَ سُوَءَ لَلِسَابِ﴾ سوءُ الحساب: الاستقصاءُ فيه والمناقشةُ، ومَن نُوقِشَ الحساب ◌ُذِّب. وقال ابن عباس وسعيد بن جُبّير: معنى ((يَصِلُون ما أَمَرَ اللهُ به)): الإيمانُ بجميع الكتب والرسلِ كلِّهم. الحسن: هو صلةُ محمدٍ ﴾. ويحتمل رابعاً: أنْ يَصِلُوا الإيمانَ بالعمل الصالح ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ فيما أمرهم بَوَصْلِهِ ﴿وَغَافُونَ سُوَءَ لَلِسَابِ﴾ في تركه(٣). والقولُ الأول يتناول هذه الأقوال كما ذكرنا، وبالله توفيقنا. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَلَّهُ وَجْهِ رَبِهِمْ﴾ قيل: ((الَّذِينَ)) مستَأَنَفٌ؛ لأنَّ((صَبَرُوا)) ماضٍ فلا ينعطف على ((يُوفُونَ)). وقيل: هو مِن وَصْفِ مَن تقدَّم، ويجوز الوصفُ تارةً (١) في (د) و(ز) و(م): ظاهر. (٢) ينظر تفسير البغوي ١٤/٣، وخبر قتادة ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٠٨/٣. (٣) النكت والعيون ١٠٨/٣، وذكره عن ابن عباس الواحدي في الوسيط ١٣/٣. ٥٨ سورة الرعد: الآيات ٢١ - ٢٤ بلفظِ الماضي، وتارةً بلفظ المستقبل؛ لأنَّ المعنى: مَن يفعلُ كذا فله كذا، ولمّا كان ((الذين)) يتضمَّن الشرط، والماضي في الشرط كالمستقبل، جاز ذلك؛ ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ يُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾، ثم عطف عليه فقال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالَْسَنَِّ السَّيِّئَةَ﴾. قال ابن زيد: صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن معصية الله(١). وقال عطاء: صبروا على الرَّزَايا والمصائب، والحوادثِ والنوائب(٢). وقال أبو عِمْران الجَوْنيُّ: صبروا علی دینهم ابتغاء وجه الله. ﴿وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ﴾: أدَّوْها بفُروضها وخُشوعها في مَوَاقيتها ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْتَهُمْ سِرًَّ وَعَلَائِيَّةٌ﴾ يعني الزكاةَ المفروضة؛ عن ابن عباس، وقد مضى القولُ في هذا في ((البقرة))(٣) وغيرها. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْخَنَةِ السَّيْئَةَ﴾ أي: يدفعون بالعمل الصالح السَّيِّئَ من الأعمال؛ قاله ابن عباس(٤). ابنُ زيد: يدفعون الشرَّ بالخير. سعيد بنُ جُبير: يدفعون المنگر بالمعروف. الضَّحَّاك: يدفعون الفُحْشَ بالسلام. جُوَيٍر: يدفعون الظلم بالعفو. ابنُ شجرة: يدفعون الذنبَ بالتوبة(٥). القُتَبيُّ(٦): يدفعون سَفَه الجاهل بالحِلْم، فالسَّفَهُ السَّيئةُ، والحِلْمُ الحسنة. وقيل: إذا همُّوا بسيئةٍ رجعوا عنها واستغفروا. وقيل: يدفعون الشِّرْكَ بشهادة أنْ لا إله إلا الله(٧). (١) أخرجه بنحوه الطبري ٥١٠/٣ . (٢) ذكره البغوي ١٦/٣ . (٣) ٢٧٣/١، وخبر ابن عباس أخرجه الطبري ٥٠٩/١٢ . (٤) ذكره الواحدي في الوسيط ١٤/٣، والبغوي ١٦/٣. (٥) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت العيون ١٠٩/٣، وقول ابن زيد أخرجه الطبري ١٣/ ٥١٠ . (٦) في تفسير غريب القرآن ص٢٢٧ . (٧) ذكر القول الأخير ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٠٩/٣ . ٥٩ سورة الرعد: الآيات ٢١ - ٢٤ فهذه تسعة أقوال، معناها كلِّها متقارِبٌ، والأولُ يتناولُها بالعموم، ونظيرُه: ﴿إِنَّ اَلْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََّاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: ((وأَتْبَعِ السيَِّةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخَالِقِ الناسَ بِخُلُق حَسَن))(١). قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ عُقْبِىَ الذَّارِ﴾ أي: عاقبةُ الآخرة، وهي الجنة بدلَ النار، والدارُ غداً داران: الجنةُ للمطيع، والنارُ للعاصي؛ فلمَّا ذَكَر وصفَ المطيعين فدارُهم الجنةُ لا مَحالةً. وقيل: عنَى بالدار دارَ الدنيا، أي: لهم جزاءُ ما عملوا من الطاعات في دار الدنيا. قوله تعالى: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَ﴾ أي: لهم جناتُ عدن، فـ ((جَنَّاتُ عَدْنٍ» بدلٌ من ((عُقْبَى)(٢)، ويجوز أن يكون تفسيراً لـ ((عُقْبَى الدَّارِ)) أي: لهم دخولُ جناتٍ عدن؛ لأنَّ ((عُقْبَى الدَّارِ)) حَدَثُ، و((جَنَّاتُ عَدْنٍ)) عين، والحدثُ إنما يفسَّر بحدَثٍ مثلِه؛ فالمصدرُ المحذوفُ مضافٌ إلى المفعول. ويجوز أن يكون ((جَنَّاتُ عَدْنٍ)) خبر ابتداءٍ محذوف(٣). و((جَنَّاتُ عَذْنٍ)) وسطٌ الجنة وقَصَبتها، وسقفُها عرشُ الرحمن(٤)؛ قاله القُشَيريُّ أبو نصرٍ عبدُ الرحيم(٥). وفي ((صحيح)) البخاريّ: ((إذا سألتم الله فاسألوه الفردوسَ، فإنه أَوْسَطُ الجنة وأَعْلى الجنة، وفوقه عرشُ الرحمن، ومنه تَفَجَّر أنهار الجنة))(٦) فیحتمل أن تكون (جنات عدن)) کذلك إن صحّ بذلك(٧) خبر. وقال عبد الله بن عمرو: (١) أخرجه أحمد (٢١٩٨٨)، والترمذي (١٩٨٧) من حديث معاذ﴾. وأخرجه أحمد (٢١٣٥٤) والترمذي (١٩٨٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه. (٢) معاني القرآن للزجاج ١٤٧/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥٦/٢ . (٣) ينظر الإملاء للعكبري (على هامش الفتوحات الإلهية) ٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣، والدر المصون ٤٤/٧، وقال السمين: ويجوز أن يكون ((جنات عدن)) مبتدأُ خبره: ((يدخلونها)). (٤) ينظر ما سلف ٢٩٩/١٠ - ٣٠٠. (٥) في (د) و(ز): عبد الكريم، وفي (م): عبد الملك. (٦) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٨٤١٩)، والبخاري (٢٧٩٠) عن أبي هريرة ﴾. (٧) في (د) و(ف) و(م): فذلك. ٦٠ سورة الرعد: الآيات ٢١ - ٢٤ إنَّ في الجنة قصراً يقال له: عَدْن، حوله البُرُوجِ والمروج؛ فيه خمسةُ آلافٍ باب(١)، على كلِّ بابٍ خمسةُ آلافٍ خَيْرَةٍ(٢)، لا يدخله إلا نبيٍّ أو صدِّيٌ أو شهيد. و((عدن)) مأخوذٌ من عَدَن بالمكان: إذا أقام فيه؛ على ما يأتي بيانُه في سورة الكهف إن شاء الله تعالى(٣). ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَانَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ((أُولَئِكَ))، المعنى: أولئك ومَن صَلَح من آبائهم وأزواجهم وذرِّياتهم لهم عقبى الدار(٤). ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير المرفوع في ((يَدْخُلُونَهَا))، وحَسُنَ العطفُ لمَّا حالَ الضميرُ المنصوبُ بينهما(٥). ويجوز أن يكون المعنى: يدخلونها ويدخلها مَن صلح من آبائهم، أي: مَن كان صالحاً، لا يدخلونها بالأنساب. ويجوز أن يكون موضعُ (مَنْ)) نصباً على تقدير: يدخلونها مع مَن صلح من آبائهم (٦)، أي: فإن(٧) لم يعمل مثل أعمالهم يُلحقه الله بهم كرامةً لهم. وقال ابن عباس: هذا الصلاحُ الإيمانُ بالله والرسول، ولو كان لهم مع الإيمان طاعاتٌ أخرى لدخلوها بطاعتهم لا على وجه التَّبَعيَّة. قال القُشَيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأنه لا بدَّ من الإيمان، فالقول في اشتراط العمل الصالح كالقول في اشتراط الإيمان. فالأظهرُ أنَّ هذا الصلاحَ في جملة الأعمال، والمعنى: أنَّ النعمة غَداً تَتمُّ عليهم بأنْ (١) في (د) و(ز) و(م): فيه ألف باب، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لما في مصنف ابن أبي شيبة ٣٠٧/٥، وتفسير الطبري ٥٦٣/١١ ٥١٢/١٣. (٢) أي: ذات خير، والجمع: خيرات، ويعني النساء. وسيرد الخبر في تفسير الآية (٥٠) من سورة ص. (٣) عند تفسير الآية (٣١) منها. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٧/٢. (٥) البيان لابن الأنباري ٥١/٢، والإملاء للعكبري (على هامش الفتوحات الإلهية) ٣٨٣/٣. (٦) معاني القرآن للزجاج ١٤٧/٣، ومشكل إعراب القرآن ٣٩٨/١، والبيان ٥١/٢، والإملاء ٣٨٣/٣. (٧) في (د) و(ز) و(م): وإن، بدل: أي فإن.