Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة يوسف: الآية ٥٥ جُويبر، عن الضّحاك، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله﴾: ((رَحِمَ اللهُ أخي يوسفَ لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ساعته، ولكن أَخَّر ذلك عنه سنةً))(١). قال ابن عباس: لمَّا انصرفت(٢) السَّنَةُ من يوم سأل الإمارة؛ دعاه المَلِك، فَتَوجَّه ورَدَّاه بسيفه، ووضع له سريراً من ذهب، مُكلَّلاً بالدُّرِّ والياقوت، وضرب عليه حُلَّة من إِسْتَبرق، وكان طولُ السرير ثلاثين ذراعاً وعرضُه عشرةَ أذرع، عليه ثلاثون فراشاً وستون مِرْفَقة(٣)، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوَّجاً، لونه كالثلج، ووجهه كالقمر، يرى الناظرُ وجهَه في(٤) صفاء لون وجهه، فجلس على السرير، ودانت له الملوك، ودخل الملكُ بيته مع نسائه، وفوَّض إليه أمرَ مِصر، وعزل قطفيرَ عما كان عليه، وجعل يوسفَ مكانه(٥). قال ابن زيد: كان لفرعون ملكِ مصر خزائنٌ كثيرةٌ غير الطعام، فسلّم سلطانه كلَّه إليه(٦)، وهلك قطفير تلك الليالي، فزوَّج الملكُ يوسفَ راعيلَ امرأةً العزيز، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟! فقالت: أيها الصدِّيق، لا تَلُمني، فإني كنت امرأةً حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعَلَك اللهُ مِن الحُسن، فغَلبتني نفسي. فوجدَها يوسفُ عذراءَ، فأصابها، فولدت له رجلين: إفراثيم بن يوسف، ومنشا بن يوسف(٧). (١) سلف ص٣٧٨ من هذا الجزء. وسلف ذكر قول الحافظ ابن حجر فيه: إن إسناده ساقط. (٢) في (م): انصرمت. (٣) المرفقة: المخدَّة. القاموس المحيط (رفق). (٤) في (٥) و(ف) و(م): من. (٥) عرائس المجالس ص١٣٠، وتفسير البغوي ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣ . (٦) أخرجه الطبري ٢١٨/١٣ . (٧) عرائس المجالس ص ١٣٠، وتفسير البغوي ٤٣٣/٢ . ٣٨٢ سورة يوسف: الآية ٥٥ وقال وَهْبِ بنُ مُنَبِّه: إنما كان تزويجه زليخاء امرأة العزيز بين دخلتَي الإخوة، وذلك أن زليخاء مات زوجها ويوسفُ في السجن، وذهب مالُها وعَمِيَ بصرُها بكاءً على يوسف، فصارت تَتَكَفَّف الناسَ، فمنهم مَن يرحمها ومنهم مَن لا يرحمها، وكان يوسف يركب في كلِّ أسبوع مرةً في موكب زُهَاء مئة ألف من عظماء قومه، فقيل لها : لو تعرَّضْتِ له لعله كان يُسعفك بشيء، ثم قيل لها: لا تفعلي، فربما ذكر بعضَ ما كان منك من المُراودة والسجن فَيُسيء إليكِ، فقالت: أنا أعلم بخُلُق حبيبي منكم. ثم تركته حتى إذا ركب في موكبه؛ قامت فنادت بأعلى صوتها : سبحان مَن جعل الملوكَ عبيداً بمعصيتهم، وجعل العبيدَ ملوكاً بطاعتهم، فقال يوسف: ما هذه؟ فأَتَوْا بها، فقالت: أنا التي كنتُ أخدُمك على صدور قدميَّ(١)، وأُرَجِّل جُمَّتك بيديَّ، وتربَّتَ في بيتي، وأكرمتُ مثواك، لكن فرطَ ما فرطَ من جهلي وعُتوّي، فذقتُ وبالَ أمري، فذهبَ مالي، وتضعضع ركني، وطال ذلِّي، وعَميَ بصري، وبعد ما كنت مغبوطةَ أهل مصر؛ صِرت مرحومتَهم، أتكفَّفُ الناسَ، فمنهم من يرحمني، ومنهم من لا يرحمني، وهذا جزاء المفسدين. فبكى يوسف بكاء شديداً، ثم قال لها: هل بقيتٍ تجدين مما كان في نفسك من حبك لي شيئاً؟ فقالت: واللهِ لنظرة إلى وجهك أحبُّ إليّ من الدنيا بحذافيرها، لكن ناولني صدرَ سوطك. فناولها فوضعته على صدرها، فوجدَ للسوط في يده اضطراباً وارتعاشاً من خفقان قلبها، فبكى ثم مضى إلى منزله، فأرسل إليها رسولاً: إن كنتِ أَيِّماً تزوّجناك، وإن كنتِ ذات بعل أغنيناك، فقالت للرسول: أعوذ بالله من أن يستهزئ بي الملك، لم يُردْني أيامَ شبابي وغناي ومالي وعزّي، أفيريدُني اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة؟! فأعلمه الرسولُ بمقالتها، فلما ركب في الأسبوع الثاني تعرَّضت له، فقال لها: ألم يُبلغك الرسول؟ فقالت: قد أخبرتك أن نظرةً واحدة إلى وجهك أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها. فأمر بها، فأصلح من شأنها وهُيئت، ثم زُفَّت إليه، فقام يوسف يصلِّي ويدعو اللهَ، وقامت وراءه، (١) في (ظ): كنت أقدمك على صدور قومي، وفي (ز) و(ف): أنا الذي كنت أخدمك على صدور قومي. ٣٨٣ سورة يوسف: الآية ٥٥ فسأل الله تعالى أن يعيدَ إليها شبابها وجمالَها وبصرَها، فردَّ اللهُ عليها شبابها وجمالها وبصرَها حتى عادت أحسنَ ما كانت يوم راودته، إكراماً ليوسف عليه السلام لمَّا عَفَّ عن محارم الله، فأصابها، فإذا هي عذراء(١)، فسألها، فقالت: يا نبيَّ الله، إن زوجي كان عِنِّيناً لا يأتي النساء، وكنتَ أنت من الحُسن والجمال بما لا يُوصف، قال: فعاشا في خَفْضٍ عيشٍ، في كل يوم يُجدِّد اللهُ لهما خيراً، وولدت له ولدين: إفراثیم ومنشا(٢). وفيما روي أن الله تعالى ألقى في قلب يوسف من محبتها أضعافَ ما كان في قلبها، فقال لها: ما شأنُكِ لا تُحبينني كما كنتِ في أوّل مرةٍ؟ فقالت: لما ذقتُ محبةً اللهِ تعالى شغلني ذلك عن كل شيءٍ (٣). الثانية: قال بعضُ أهل العلم: في هذه الآية ما يُبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر والسلطانِ الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعلٍ لا يُعارضه فيه(٤)، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك. وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصةً، وهذا اليومَ غيرُ جائز. والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال الماورديُّ(٥): فإن كان المُولِّي ظالماً فقد اختلف الناس في جواز الولاية من (١) قال العلامة الآلوسي في تفسيره ٥/١٣ : وشاع عند القُصَّاص أنها عادت شابّة بكراً إكراماً له عليه السلام .. وهذا مما لا أصل له، وخبر تزوجها أيضاً مما لا يُعوَّل عليه عند المحدثين. (٢) ذكر هذه القصة ابن الجوزي في المنتظم ٣١٥/١ بنحوها، وذكر في آخرها أنها ولدت اثني عشر ولداً. وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٥٦/٣ قسماً منها، ثم قال: وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته ويطول الكلام بسوقه. (٣) لم نقف علیه. (٤) في (ز) و(ظ) و(ف): في فصل لا يعارض فيه، وفي المحرر الوجيز ٢٥٦/٣ (والكلام منه): في فصل ما لا يعارض فيه، والمثبت من (د) و(م). (٥) في النكت والعيون ٥٠/٣ ، وما بين حاصرتين الآتي منه. ٣٨٤ سورة يوسف: الآية ٥٥ قبله علی قولین: أحدهما: جوازها إذا عمل بالحقّ فيما تقلَّده؛ لأن يوسفَ وُلِّ من قِبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقُّه بفعله؛ لا بفعل غيره. الثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لما فيه من تولّي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتنفيذ(١) أعمالهم، فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قِبَل فرعون بجوابين: أحدهما: أن فرعون يوسفَ كان صالحاً، وإنما الطاغي فرعونُ موسى. الثاني: أنه نظر [له] في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه. قال الماورديُّ(٢): والأصحُ من إطلاق هذين القولين أن يفصّل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجوز لأهله فعلُه من غير اجتهادٍ في تنفيذه؛ كالصدقات والزگوات، فيجوز تولِّيه من جهة الظالم، لأن النصّ على مستحقّه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرُّد أربابه به قد أغنى عن التقليد. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفرَّدوا به، ويلزم الاجتهادُ في مَصْرِفه، كأموال الفَيْء، فلا يجوز تولِّيه من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حقٍّ، ويجتهد فيما لا يستحقّ. والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه أهلُه(٣)، وللاجتهاد فيه مدخل، كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد [فيه] محلول، فإن كان النظر تنفيذاً للحكم بين متراضٍيَين، وتوسطاً بين مجبورين؛ جاز، وإنْ كان إلزامَ إجبارٍ لم يَجُزْ. (١) في (م): بتقّد. (٢) في النكت والعيون ٣/ ٥١ . (٣) في (م): لأهله، ووقع في (ف): ما لا يجوز أن يتولَّاه لأهله. ٣٨٥ سورة يوسف: الآية ٥٥ الثالثة: ودلَّت الآيةُ أيضاً على جواز أن يَخطب الإنسانُ عملاً يكون له أهلاً (١)، فإن قيل: فقد روى مسلمٌ، عن عبد الرحمن بن سَمُرة، قال: قال لي رسولُ اللهِ ﴾: ((يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارةَ؛ فإنك إنْ أُعطيتَها عن مَسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أُعطيتَها عن غير مسألة أُعنتَ عليها))(٢). وعن أبي بُرْدة، قال: قال أبو موسى: أقبلتُ إلى النبيِّ # ومعي رجلان من الأشعريِّين، أحدهما عن يميني، والآخرُ عن يساري، فكلاهما سأل العملَ، والنبيُّ # يَستاك، فقال: ((ما تقول يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس ـ)) قال: قلت: والذي بعثك بالحقِّ، ما أطلعاني على ما في أنفُسهما، وما شعرتُ أنهما يَطلبان العملَ، قال: وكأني أنظر إلى سِواكه تحتَ شفتِه وقد قَلَصت، فقال: ((لن، أو: لا نَستعملُ على عملنا مَن أراده)» وذكر الحديث، خرَّجه مسلمٌ أيضاً وغيره(٣). فالجواب: أولاً: أنَّ يوسف عليه السلام إنما طلب الولايةَ لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامَه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أنَّ ذلك فرضٌ متعيِّن عليه، فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكمُ اليومَ؛ لو عَلِمَ إنسان من نفسه أنه يقوم بالحقّ في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك مَن يصلح ولا يقوم مقامَه؛ لَتَعَيَّن ذلك عليه، ووجب أن يتولَّاها ويسألَ ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقُّها به مِن العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السلام، فأمَّا لو كان هناك من يقوم بها ويَصلح لها، وعَلِمَ بذلك فالأولى ألَّا يطلب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن: ((لا تسأل الإمارة)). وأيضاً، فإنَّ في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبةِ التخلُّص منها دليلٌ على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومَن كان هكذا يُوشك أن تغلبَ عليه نفسُه فَيهلِكَ، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((وُكِل إليها))، ومَن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفِه من التقصير في حقوقها [و] فَرَّ منها، ثم إن (١) النكت والعيون ٥٠/٣ . (٢) صحيح مسلم (١٦٥٢)، وهو عند أحمد (٢٠٦١٨)، والبخاري (٦٦٢٢). (٣) صحيح مسلم ٣/ ١٤٥٦ (١٧٣٣): (١٥)، وهو عند أحمد (١٩٦٦٦)، والبخاري (٢٢٦١). ٣٨٦ سورة يوسف: الآيات ٥٥ - ٥٧ ابتُلي بها، فيُرجى له التخلصُ منها، وهو معنى قوله: ((أعِينَ عليها))(١). الثاني: أنه لم يَقل: إني حسيبٌ كريم، وإن كان كما قال النبيُّ﴾: ((الكريم ابنُ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاق بنِ إبراهيم»(٢) ولا قال: إني جميلٌ مَليح، إنما قال: ﴿إِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾، فسألها بالحفظِ والعلم، لا بالنسب والجمال. الثالث: إنما قال ذلك عند مَن لا يعرفه فأَراد تعريفَ نفسِهِ، وصار ذلك مستثنَّی من قوله تعالى: ﴿فَلَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. الرابع: أنه رأى ذلك فرضاً مُتعِّيناً عليه؛ لأنه لم يكن هنالك غيره (٣)، وهو الأظهر، واللهُ أعلم. الرابعة: ودلَّت الآيةُ أيضاً على أنه يجوز للإنسان أن يصفَ نفسَه بما فيه من علم وفضل، قال الماورديُّ(٤): وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوصٌ فيما اقترن بوصله، أو تعلَّق بظاهرٍ من مَكْسب، وممنوعٌ منه فيما سواه؛ لِما فيه من تزكيةٍ ومُراءاةٍ، ولو تنزّه(٥) الفاضلُ عنه لكان أليقَ بفضله، فإنَّ يوسفَ دعته الضرورةُ إليه لِما سبق من حاله، ولِما يَرجو من الَّفَر بأهله. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِىِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآَهُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ oV) وَكَانُواْ يَتَّقُونَ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ أي: ومثل (١) المفهم ١٦/٤، وما بین حاصرتین منه. (٢) سلف ص٣٧١ من هذا الجزء. (٣) القول الثاني والثالث والرابع من أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٨٠. (٤) في النكت والعيون ٣/ ٥٢ ، والقول الرابع الذي قبله منه. (٥) في النسخ: ميزه، والمثبت من النكت والعيون. ٣٨٧ سورة يوسف: الآيتان ٥٦ - ٥٧ هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبه إلى قلب الملِك، وإنجائه من السجن؛ مگّنا له في الأرض، أي: أَقدرناه على ما يُريد(١). وقال الكِيَا الطَّبَريُّ، قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ دليلٌ على إِجازة الحيلة في التوصُّل إلى المباح، وما فيه الغِبطةُ والصلاح، واستخراج الحقوق، ومثله قولُه تعالى: ﴿وَغُّذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ يِِّ، وَلَا تَخْتَثْ﴾ [ص: ٤٤]، وحديثُ أبي سعيد الخُدْرِيّ في عامل خَيْبر، والذي أدَّاه من الثَّمْر إلى رسول الله ﴾، وما قاله(٢). قلت: وهذا مردودٌ على ما يأتي(٣). يقال: مَكَّتَّاه ومكَّنَّا له، قال اللهُ تعالى: ﴿مَّكَّتَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِنْ لَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٦]. قال الطَّبريُّ(٤): استخلف المَلِكُ الأكبرُ الوليدُ بن الريَّان يوسفَ على عمل إطفير وعَزَله، قال مجاهد: وأسلم على يديه(٥). قال ابن عباس: ملَّكه بعد سنة ونصف (٦). وروى مقاتل أن النبيَّ﴾ قال: ((لو أن يوسف قال: إني حفيظٌ عليم إن شاء اللهُ لَمُلِّك في وقته ذلك»(٧). (١) الوسيط للواحدي ٦١٩/٢ . (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٣٣/٣، لكن الذي فيه أن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَّ﴾ [الآية: ٧٦] هي دليل إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح .. وسيأتي ص٤١٧ من هذا الجزء. وحديث عامل خيبر أخرجه البخاري (٢٢٠١) و(٢٢٠٢)، ومسلم (١٥٩٣) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما، ولفظه: أن رسول الله # استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جَنيب، فقال رسول الله #: ((أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟)) قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله: ((لا تفعل، بعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنيباً)). وهو بنحوه عند أحمد (١١٤١٢). والجَنيب: نوع جيد معروف من أنواع التمر، والجَمْع: نوع مختلط من أنواع متفرقة ليس مرغوباً فيه. النهاية (جنب) و(جمع). (٣) ص٤١٦-٤١٧ من هذا الجزء. (٤) في تفسيره ١٣/ ٢٢٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٥٢/٣، والأقوال التي بعده منه. (٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٢٢ . (٦) زاد المسير ٢٤٤/٤ . (٧) لم نقف عليه، وهو هكذا مرسل، وقد سلف نحوه ص٣٧٨ من هذا الجزء، وهو ضعيف أيضاً. ٣٨٨ سورة يوسف: الآيتان ٥٦ - ٥٧ ثم مات إطفير فزوَّجه الوليدُ بزوجة إطفير راعيل، فدخل بها يوسفُ، فوجدها عذراء، وولدت له ولدين: إفراثيمَ ومنشا ابني يوسف. ومَن زَعم أنها زَلِيخَاء قال: لم يتزوَّجها يوسف، وإنها لمَّا رأته في موكبه بَكّت، ثم قالت: الحمدُ للهِ الذي جعَل الملوكَ عبيداً بالمعصية، والحمدُ للهِ الذي جعل العبيدَ بالطاعة ملوكاً، فضمَّها إليه، فكانت من عياله حتى ماتَتْ عنده، ولم يتزوَّجها، ذكره الماورديُّ، وهو خلاف ما تقدَّم عن وهب(١)، وذكره الثعلبيُّ، فالله أعلم. ولما فوَّض الملِكُ أمرَ مصر إلى يوسف تلطّف بالناس، وجعل يَدْعُوهم إلى الإسلام حتى آمنوا به، وأقام فيهم العدلَ، فأحبَّه الرجالُ والنساء. قال وهب والسُّدِّيُّ وابنُ عباس وغيرُهم: ثم دخلت السنون المُخصِبةُ، فأمر يوسفُ بإصلاح المزارع، وأمرَهم أن يتوسَّعوا في الزراعة، فلمَّا أدركت الغَلَّة؛ أمر بها فَجُمعت، ثم بنى لها الأَهْرَاءَ، فجمعت فيها في تلك السنة غَلَّة ضاقت عنها المخازنُ لِكَثرتها، ثم جمع عليه غلَُّ كلِّ سنة كذلك، حتى إذا انقضت السبعُ المُخصبة وجاءت السنون المُجدبة نزَل جبريل وقال: يا أهل مصر، جوعوا، فإنَّ اللهَ سلَّط علیکم الجوعَ سبع سنین. وقال بعضُ أهل الحكمة: للجوع والقحط علامتان: إحداهما: أن النفس تحب الطعامَ أكثَر من العادة، ويُسرع إليها الجوعُ خلافَ ما كانت عليه قبل ذلك، وتأخذ من الطعام فوقَ الكفاية. والثانية: أن يُفقد الطعام فلا يوجد رأساً ويعزَّ إلى الغاية. فاجتمعت هاتان العلامتان في عهد يوسف، فانتبه الرجالُ والنساء والصبيان ينادون: الجوع الجوع، ويأكلون ولا يشبعون، وانتبه الملك، ينادي: الجوع الجوع، قال: فدعا له يوسف فأبرَاه اللهُ من ذلك، ثم أصبح فنادى يوسف في أرض مصر كلِّها: معاشرَ الناس، لا يزرع أحدٌ زرعاً فيضيع البذر ولا يطلع شيء. وجاءت تلك السنون بهولٍ عظيم لا يُوصف. (١) النكت والعيون ٥٢/٣، وسلفت القصة مطولة ص٣٨٢-٣٨٣ من هذا الجزء، وينظر ما نقلناه عن الآلوسي ثمة. ٣٨٩ سورة يوسف: الآيتان ٥٦ - ٥٧ قال ابن عباس: لمَّا كان ابتداء القحط، بينا الملك في جوف الليل أصابه الجوعُ في نصف الليل، فهتف الملك: يا يوسف، الجوع الجوع، فقال يوسف: هذا أوان القحط، فلمّا دخلت أوّلُ سنة من سِني القحط؛ هلَك فيها كلُّ شيءٍ أعدُّوه في السنين المُخصِبة، فجعل أهلُ مصر يَبتاعون الطعامَ من يوسف، فباعهم أولَ سنة بالنقود، حتى لم يبقَ بمصر دينار ولا درهم إلا قَبَضه، وباعهم في السنة الثانية بالحُليّ والجواهر، حتى لم يبقَ في أيدي الناس منها شيء، وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدوابِّ، حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتى احتوى على الكلِّ، وباعهم في السنة الخامسة بالعقارِ والضِّياع، حتى ملَكها كلَّها، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقَّهم جميعاً، وباعهم في السنة السابعة برقابهم، حتى لم يبقَ(١) بمصر حرِّ ولا عبدٌ إلا صار عبداً له، فقال الناسُ: واللهِ، ما رأينا مَلِكاً أجلَّ ولا أعظمَ من هذا، فقال يوسف لملك مصر: كيف رأيتَ صُنْعَ ربي فيما خوَّلني، والآن كلُّ هذا لك، فما ترى فيه؟ فقال: فوَّضتُ إليك الأمرَ، فافعل ما شئتَ، وإنما نحن لك تبعٌ، وما أنا بالذي يَستنكفُ عن عبادتك وطاعتك، ولا أنا إلا من بعض مماليكك، وخَوَلٌ مِن خَوَلِك، فقال يوسفُ عليه السلام: فإني لم أُعتقهم من الجوع لأستعبدَهم، ولم أُجِرْهم من البلاء لأكون عليهم بلاءً، وإني أُشهِدُ اللهَ وأُشهدك أني أعتقتُ أهلَ مصر عن آخرهم، ورددتُ عليهم أموالَهم وأملاكهم، ورددتُ عليك مُلكَك بشرط أن تَسْتنَّ بسنتي. ويُروى أن يوسفَ عليه السلام كان لا يشبعُ من طعامٍ في تلك السنين، فقيل له: أَتَجوع وبيدك خزائنُ الأرض؟! فقال: إني أخاف إنْ شَبِعتُ أن أنسى الجائعَ. وأمر يوسفُ طبَّاخَ الملكِ أن يجعل غَدَاءه نصفَ النهار، حتى يذوقَ المَلِكُ طعمَ الجوع، فلا ينسى الجائعين، فمِن ثَمَّ جعل الملوكُ غَداءَهم نصفَ النهار(٢). (١) بعدها في (م): في السنة السابعة. (٢) عرائس المجالس ص ١٣٠ - ١٣١، وتفسير البغوي ٤٣٣/٢ - ٤٣٤. ٣٩٠ سورة يوسف: الآيتان ٥٦ - ٥٧ قوله تعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِّنَا مَن نَّشَآءُ﴾ أي: بإحساننا، والرحمةُ النعمةُ والإحسان(١). ﴿وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ثوابَهم. وقال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين(٢)؛ لصبره في الجُبِّ، وفي الرِّقّ، وفي السِّجن، وصبرِه عن محارم اللهِ عمَّا دعته إليه المرأة. وقال الماورديُّ(٣): واختلف فيما أُوتيَه يوسف من هذه الحال على قولين: أحدهما: أنه ثوابٌ من الله تعالى على ما ابتلاه. الثاني: أنه أَنعم(٤) عليه بذلك تفضُّلاً منه علیه، وثوابُه باقٍ على حاله في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أي: ما نُعطيه في الآخرة خيرٌ وأكثرُ مما أعطيناه في الدنيا، لأن أجرَ الآخرة دائمٌ، وأجرَ الدنيا ينقطع(٥)، وظاهرُ الآية العمومُ في كلِّ مؤمن متَّقٍ، وأنشدوا: لمثلكَ محبوساً على الظُلم والإِفْكِ أَمَا في رسولِ اللهِ يوسفَ أُسوةٌ فآلَ به الصّبرُ الجميلُ إلى الْمُلكِ(٦) أقام جَميلَ الصَّبر في الحبس بُرهةً وكتب بعضُهم إلى صديقٍ له: وأوّل مَفروحٍ به آخرُ الحزنِ وراء مَضيقِ الخوف مُتَّسعُ الأَمْنِ خزائنَه بعد الخلاصِ من السِّجنِ(٨) فلا تيأسنْ(٧) فاللهُ مَلَّكَ يوسفا وأنشد بعضُهم: (١) الرحمة صفة من صفات الله عز وجل ثابتة له، وأما إحسانه ونعمته فهي صفة أخرى له سبحانه وتعالى. (٢) تفسير البغوي ٢/ ٤٣٣ . (٣) في النكت والعيون ٥٣/٣. (٤) في (م): أنعم الله. (٥) النكت والعيون ٥٣/٣ . (٦) البيتان للبحتري، وهما في ديوانه ١٥٦٤/٣، وفيه: السجن، بدل الحبس. (٧) في (د): فلا تبتئس. (٨) البيتان في عرائس المجالس ص١٣٠ دون نسبة، ونسبهما الصفدي في الوافي بالوفيات ٤٧/١٥ لزيد ابن محمد بن زيد العلوي. ٣٩١ سورة يوسف: الآيات ٥٦ - ٥٨ وَكادتْ تَذوبُ لَهُنَّ المُهَجْ إذا الحادثاتُ بَلَغْنَ النُّهَى فعند الثَّنَاهي يكونُ الفَرَجْ(١) وحلَّ البلاءُ وقَلَّ العَزَاء والشعر في هذا المعنی کثیرٌ. قوله تعالى: ﴿وَجَلَةَ إِخْوَةٌ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ قوله تعالى: ﴿وَجََّ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أي: جاؤوا إلى مصر لمَّا أصابهم القحطُ ليمتاروا. وهذا من اختصار القرآن المُعجِز(٢). قال ابن عباس وغيرُه: لمَّا أصاب الناسَ القحطُ والشدَّةُ، ونزل ذلك بأرض كنعان بَعث يعقوبُ عليه السلام ولدَه للمِيرة، وذاع أمرُ يوسف عليه السلام في الآفاق، لِلِينه وقُربه ورحمته ورأفته وعدلِه وسيرتِه(٣)، وكان يوسفُ عليه السلام حين نزلت الشدَّة بالناس يجلِسُ للناس عند البيع بنفسه، فَيُعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم، لكل رأس وَسْقاً. ﴿وَجَّةَ إِخْوَةٌ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ يوسف ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لأنهم خلَّفوه صبيًّا، ولم يتوهّموا أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من المملكة (٤)، مع طول المدّة، وهي أربعون سنةً. وقيل: أنكروه لأنهم اعتقدوا أنه ملِكٌ كافر: وقيل: رأوه لابس حرير، وفي عنقه طوق ذهب، وعلى رأسه تاجٌ، وقد تزيّا بزِيِّ فرعون مصر، ويوسف رآهم على ما كان عَهِدهم في المَلْبس والحِلية. ويَحتمِل أنهم رأَوْه وراء سترٍ فلم يعرفوه(٥). وقيل: أنكروه لأمر خارقٍ امتحاناً امتَحَن اللهُ به يعقوبَ. (١) ذكرهما أبو علي التنوخي في الفرج بعد الشدة ٢٣/٥ دون نسبة، وابن عبد البر في بهجة المجالس ١/ ١٨٠ ونسبهما لمنصور الفقيه، وعندهما: المدى، بدل: النهى، وعند التنوخي: وجَلَّ، بدل: وحلَّ، وعند ابن عبد البر: الوفاء، بدل: العزاء. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/٢. (٣) زاد المسير ٢٤٦/٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/٢ - ٣٣٤. (٥) الأقوال السالفة في عرائس المجالس ص١٣١، وتفسير البغوي ٤٣٤/٢، وتفسير الرازي ١٦٦/١٨. ٣٩٢ سورة يوسف: الآيات ٥٩ - ٦١ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ آَثْنُونِ بِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّ فَإِ لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ ﴿ قَالُواْ سَنُزَوِّدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ أُوْفِ اَلْكَيْلَ وَأَنَّأْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (@) قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ يقال: جَهَّزتُ القومَ تَجهيزاً، أي: تكلَّفت لهم بجهازهم للسفر، وجهاز العروس ما يحتاج إليه عند الإهداء إلى الزوج، وجوّز بعض الكوفيين الجهاز بكسر الجيم(١)، والجهاز في هذه الآية الطعام الذي امتاروه من عنده(٢). قال السُّديُّ: وكان مع أخوة يوسف أحدَ عشرَ بعيراً، وهم عشرةٌ، فقالوا ليوسف: إنَّ لنا أخاً تخلَّف عنا، وبعيرُه معنا، فسألهم: لِمَ تخلَّف؟ فقالوا: لحبِّ أبيه إياه، وذكروا له أنه كان له أخُ أكبرُ منه، فخرج إلى البرِّيَّة فهلَكَ؛ فقال لهم: أردت أن أَرَى أخاكم هذا الذي ذكرتم، لأعلمَ وجهَ محبةٍ أبيكم إِيَّاه، وأعلمَ صدقكم، ويُروى أنهم تركوا عنده شمعون رهينةً، حتى يأتوا بأخيه بنيامين(٣). وقال ابن عباس: قال يوسف للتُّرجُمان: قل لهم: لغتكم مخالفةٌ للغتِنا، وزِيُّكم مخالفٌ لزِيِّنا، فلعلَّكم جواسيسُ، فقالوا: واللهِ، ما نحن بجواسيسَ، بل نحن بَنُو أبٍ واحدٍ، فهو شيخٌ صدِّيق. قال: فكم عِدَّتكم؟ قالوا: كنا اثني عشرَ، فذهب أخٌ لنا إلى البرِّيَّة، فهلَك فيها. قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا. قال: فمن يعلمُ صدقَكم؟ قالوا: لا يعرِفنا هاهنا أحدٌ، وقد عرَّفناك أنسابَنا، فبأيِّ شيءٍ تسكنُ نفسُك إلينا؟ فقال يوسف: ﴿أَثْنُونِ يِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ﴾ إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّ أُوْفِ الْكَيْلَ﴾ أي: أُتمُّه ولا أَبخسه، وأَزيدكم حِملَ بعيرٍ لأخيكم ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِ بِ، فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى﴾ توعَدهم ألَّ يبيعَهم الطعامَ إن لم يأتوا به(٤). (١) تهذيب اللغة ٣٥/٦ - ٣٦. (٢) المحرر الوجيز ٢٥٨/٣ . (٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤ بنحوه. (٤) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٤٣٤/٢ - ٤٣٥، وزاد المسير ٢٤٦/٤ - ٢٤٧ . ٣٩٣ سورة يوسف: الآيات ٥٩ - ٦١ قوله تعالى: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنّ أُوْفِ اَلْكَيْلَ﴾ يحتمِلُ وجهين: أحدهما: أنه رخّص لهم في السعر، فصار زيادةً في الكيل. والثاني: أنه كالَ لهم بمکیالٍ وافٍ. ﴿وَأَنْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني (١) خير المضيفين؛ لأنه أحسنَ ضيافتَهم، قاله مجاهد. الثاني: وهو مُحتمِل، أي: خير مَن نَزلتم عليه من المأمونين. وهو على التأويل الأوّل مأخوذٌ من النُّزل، وهو الطعام، وعلى الثاني من المنزل، وهو الدار(٢). قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّ تَأْتُونِ بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى﴾ أي: فلا أَبيعكم شيئاً فيما بعد؛ لأنه قد وفَّاهم كيلَهم في هذه الحال . ﴿وَلَا نَقْرَبُونِ﴾ أي: لا أُنزلكم عندي منزلةً القريب، ولم يُرِدْ أن(٣) يبعدوا منه ولا يعودوا إليه؛ لأنه على العَود حَثَّهم. قال السُّدّيُّ: وطلب منهم رهينةً حتى يرجِعوا، فارتهن شمعونَ عنده. قال الكَلْبِيُّ: إنما اختار شمعون منهم؛ لأنه كان يومَ الجُبِّ أجملَهم قولاً، وأحسنَهم رأياً(٤). و(تَقْرَبُونٍ)) في موضع جزم بالنهي، فلذلك حُذفت منه النون، وحُذفت الياء؛ لأنه رأسُ آية، ولو كان خبراً لكان ((تقربونَ)) بفتح النون(٥). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَنُرَوِّدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أي: سنطلبه منه، ونسأله أن يُرسلَه معنا. ﴿وَإِنَّا لَفَعِلُونَ﴾ أي: لَضامنون المَجيء به(٦)، ومُحتالون في ذلك. (١) في (م): أنه. (٢) النكت والعيون ٥٤/٣، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٢٥/١٣ . (٣) في (د) و(ز) و(م): أنهم، وفي (ظ): أنه، وثمة سقط في هذا الموضع في (ف)، والمثبت من النكت والعیون ٣/ ٥٥ ، والكلام منه. (٤) النكت والعيون ٥٥/٣ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٤/٢. (٦) الوسيط ٢/ ٦٢٠. ٣٩٤ سورة يوسف: الآيات ٥٩ - ٦٢ مسألة: إن قيل: كيف استجاز يوسفُ إدخالَ الحزن على أبيه بطلب أخيه؟ قیل له: عن هذا أربعةُ أجوبة: أحدها: يجوز أن يكون اللهُ عزَّ وجلَّ أَمَره بذلك ابتلاءً ليعقوب؛ لِيعظِم له الثواب، فاتَّبع أمرَه فيه. الثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك أن يُنبِّه يعقوبَ على حال يوسفَ عليهما السلام. الثالث: لِتتضاعفَ المَسرَّة ليعقوب برجوع ولديه علیه. الرابع: ليقدم سرور أخیه بالاجتماع معه قبل إخوته، لمیلٍ كان منه إليه. والأول أظهر (١)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَِهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَهُمْ فِ رِحَالِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُوْاْ إِلَّ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ﴾ هذه قراءةُ أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم(٢)، وهو اختيارُ أبي حاتم والنحاس وغيرهما، وقرأ سائرُ الكوفيين: ((لِفِتْيَانِهِ)) وهو اختيار أبي عُبيد، وقال: هو في مصحف عبد اللهِ كذلك(٣). قال الثعلبي: وهما لغتان جيدتان، مثل الصِّبيان والصّبية(٤). قال النحاس(٥): (لِفِتْيَانِهِ) مُخالفٌ للسواد الأعظم؛ لأنه في السَّواد لا ألف فيه ولا نون، ولا يُتْرَك السوادُ المُجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع؛ وأيضاً فإن ((فتيةً)) أشبهُ من فتيان؛ لأن (١) النكت والعيون ٥٥/٣، وزاد المسير ٢٤٨/٤ - ٢٤٩ . (٢) ووافقهم ابن كثير المكي وابن عامر الشامي، وقراءة عاصم في رواية أبي بكر. السبعة ص٣٤٩ ، والتيسير ص١٢٩ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٤/٢ دون قوله: وهو اختيار أبي حاتم. (٤) وهو قول البغوي في تفسيره ٢/ ٤٣٥ . (٥) في إعراب القرآن ٣٣٤/٢. ٣٩٥ سورة يوسف: الآيات ٦٢ - ٦٥ (فتية)) عند العرب لأقلِّ العدد، والقليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبهُ. وكان هؤلاء الفتيةُ يُسوُّون جهازهم، ولهذا أَمكنهم جعلَ بضاعتهم في رحالهم. ويجوز أن يكونوا أحراراً، وكانوا أعواناً له. وبضاعتهم أثمانُ ما اشترَوْه من الطعام. وقيل: كانت دراهمَ ودنانير. وقال ابن عباس: النِّعال والأَدَم ومتاعُ المسافر(١)، ويسمى رَحْلاً. قال ابن الأنباريّ(٢): يقال للوعاء: رَخْل، وللبيت: رحْل. وقال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ لجواز ألَّا تسلم في الطريق. وقيل: إنما فعل ذلك ليرجعوا إذا وجدوا ذلك؛ لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمنه. قيل: ليستعينوا بذلك على الرُّجوع لشراء الطعام. وقيل: استقبحَ أن يأخذَ من أبيه وإخوته ثمنَ الطعام. وقيل: لِيَرَوْا فضلَه، ويرغبوا في الرجوع إليه(٣). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُواْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَزْسِلْ مَعَنَاً أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴾ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَآ أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ ﴿ وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمَّ قَالُواْ يَأْبَنَا مَا نَبْغِيّ هَذِهِ، بِضَعَنْنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ٠ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَتَحْفَظُ أَغَنَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ٦٥ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَمُوَاْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَتَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ لأنه قال لهم: ﴿فَإِ لَّْ تَأْتُونِ بِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى﴾ (٤) وأخبروه بما كان من أمرهم وإكرامهم(٥)، وأن شمعونَ مُرتهَنٌّ حتى يعلم صدقَ قولهم . ﴿فَأَرْسِلَّ مَعَنَآَ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ أي: قالوا (١) الوسيط للواحدي ٢/ ٦٢٠، وتفسير البغوي ٢/ ٤٣٥. (٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٣/ ٨١ . (٣) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٥٦/٣، والمحرر الوجيز ٢٥٩/٣، وزاد المسير ٢٤٩/٤ - ٢٥٠. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٤/٢ . (٥) بعدها في (د) و(ز) و(م): إياه. ٣٩٦ سورة يوسف: الآيات ٦٣ - ٦٥ عند ذلك: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ والأصل: نكتال، فَحُذفت الضَّمة من اللام للجزم، وحُذفت الألفُ لالتقاء الساكنين. وقراءةُ أهلِ الحرمين وأبي عمرو وعاصم: ((نَكْتَلْ)) بالنون(١)، وقرأ سائرُ الكوفيين: ((يَكْتَل)) بالياء، والأوّل اختيارُ أبي عُبيد، ليكونوا كلُّهم داخلين فيمن يَكتال. وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحدَه. قال النحاس (٢): وهذا لا يلزم؛ لأنه لا يخلو الكلامُ من أحد جهتين: أن يكون المعنى: فأرسل أخانا يكتل معنا؛ فيكون للجميع، أو يكون التقدير على غير التقديم والتأخير، فيكون في الكلام دليلٌ على الجميع، لقوله: ﴿فَإِن ◌َّمْ تَأْتُونِ بِهِ، فَلَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى﴾. ﴿وَإِنَّا لَهُمْ لَحَفِظُونَ﴾ من أن ینالَه سوء. قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَآ أَمِنْتُكُمْ عَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ أي: قد فَرَّطتم في يوسفَ فكيف آمَنُكم على أخيه؟ !. ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حِفْظاً﴾ نصب على البيان، وهذه قراءةُ أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم(٣). وقرأ سائرُ الكوفيين: ((حَافِظاً)) على الحال. وقال الزَّجاج: على البيان(٤)؛ وفي هذا دليلٌ على أنه أجابَهم إلى إرساله معهم، ومعنى الآية: حِفْظُ اللهِ له خيرٌ من حفظِکم إيّاه. قال كعب الأحبار: لمَّا قال يعقوب: ((فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً)) قال اللهُ تعالى: وعزَّتي وجلالي لَأَرُدَّنَّ عليك ابنَيك كِلَيهما بعدما توكلت عليَّ(٥). (١) وافقهم ابن عامر الشامي. السبعة ص٣٤٩ - ٣٥٠، والتيسير ص١٢٩. (٢) في إعراب القرآن ٣٣٤/٢ - ٣٣٥، وما قبله منه. (٣) ووافقهم ابن كثير المكي وابن عامر الشامي، وقراءة عاصم في رواية أبي بكر. السبعة ص٣٥٠ ، والتیسیر ص١٢٩ . (٤) في معاني القرآن للزجاج ١١٨/٣، وقد ذكر الزجاج أن ((حافظاً)) منصوب على الحال، ثم قال: ويجوز أن يكون منصوباً على البيان. وقد نقل المصنف قول الزجاج بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٣٥/٢. (٥) الوسيط للواحدي ٦٢١/٢، وتفسير البغوي ٢/ ٤٣٧. ٣٩٧ سورة يوسف: الآيات ٦٣ - ٦٦ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ﴾ الآية ليس فيها معنَى يُشكل. ﴿مَا نَبْغِىّ﴾ ((ما)) استفهامٌ في موضع نصب، والمعنى: أيُّ شيء نطلب وراءَ هذا؟! وفَّى لنا الكيل. ورَدَّ علينا الثمنَ؛ أرادوا بذلك أن يُطيُِّوا نفسَ أبيهم. وقيل: هي نافية، أي: لا نَبغي منك دراهمَ ولا بضاعة، بل تَكفينا بضاعتُنا هذه التي رُدَّت إلينا(١). ورُويّ عن عَلْقَمة: ((رِدَّتْ إِلَيْنَا)) بكسر الراء؛ لأن الأصلَ رُدِدَتْ، فلما أُدغم قُلبت حركة الدال على الراء (٢). وقوله: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نَجلِبُ لهم الطعامَ، قال الشاعر : بَعَثْتُكَ مائِراً فمكَثْتَ حَوْلاً مَتَى يأْتِي غِيَاتُك مَن تُغِيثُ(٣) وقرأ السُّلَميّ بضم النون(٤)، أي: نُعينهم على المِيرة. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾، أي: حِمْل بعير لبنيامين. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَّوْثِقً مِّنَ اَللَّهِ لَتَأْنُنِى بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿تُؤْتُونٍ﴾ أي: تُعطوني ﴿مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهداً يوثَقُ (١) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٤٣٦/٢، والمحرر الوجيز ٢٦٠/٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٥/٢، وقراءة علقمة في المحتسب ٣٤٥/١. (٣) ذكره الطبري في تفسيره ٢٣٣/١٣، والماوردي في النكت والعيون ٥٨/٣ ، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦٠/٣ دون نسبة. وذكره العسكري في جمهرة الأمثال ١/ ٢٥٠، والزمخشري في المستقصى في أمثال العرب ٢٣/١ ونسباه لعائشة بنت سعد بن أبي وقاص ﴾، وعندهما: بعثتك قابساً .. وهو الصواب فيما ذكره ابن منظور في اللسان (غوث). (٤) المحرر الوجيز ٢٦٠/٣. ٣٩٨ سورة يوسف: الآية ٦٦ به (١)؛ قال السُّدِّيّ: حَلَفوا بالله ليَرُدُّنَّه إليه ولا يُسْلِمونه(٢)، واللامُ في ﴿لَتَأْنَى﴾ لامُ (٣) القسم . ﴿إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ قال مجاهد: إلَّا أن تَهْلِكوا أو تموتوا. وقال قتادةُ: إلَّا أن تُغْلَبوا عليه(٤). قال الزجَّاج: وهو في موضع نصب(٥). ﴿فَلَمَّا ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ أَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾ أي: حافظٌ للحَلِفِ. وقيل: حفيظً للعهد، قائمٌ بالتدبير والعدل. الثانية: هذه الآيةُ أصلٌ في جواز الحَمَالة (٦) بالعين والوثيقةِ بالنفس، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال مالكٌ وجميعُ أصحابه وأكثرُ العلماء: هي جائزةٌ إذا كان المتحَمَّل به مالاً. وقد ضعَّف الشافعيُّ الحَمّالةَ بالوجه في المال، وله قولٌ كقول مالك(٧). وقال عثمان البَتِّيّ: إذا تكفَّل بنفسٍ في قصاصٍ أو جراحٍ؛ فإنَّه إنْ لم يَجِيءُ به لزمه الديةُ وأَرْشُ الجراح، وكانت له في مال الجاني، إذ لا قصاصَ على الكفيل(٨)، فهذه ثلاثةُ أقوال في الحَمالة بالوجه. والصوابُ تَفْرِقَةُ مالكِ في ذلك، وأنَّها تكون في المال، ولا تكون في حدٍّ أو تعزير، على ما يأتي بيانه (٩). (١) تفسير الطبري ٢٣٥/١٣، وزاد المسير ٢٥٣/٤ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥٨/٣ بلفظ: حلَّفهم بالله. (٣) يعني: اللام الواقعة في جواب القسم، قال السمين في الدر المصون ٥٢١/٦ : هذا جواب للقسم المضمر في قوله: ((موثقاً)؛ لأنه في معنى: حتى تحلفوا لي لتأتُّني به. (٤) قولا مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري ٢٣٥/١٣ و٢٣٦، وقول مجاهد في تفسيره ٣١٧/١. (٥) معاني القرآن للزجاج ١١٩/٣، وقال الزجاج: والمعنى: لتأتثَّني به إلا لإحاطةٍ بكم، وهذا يسمى مفعولاً له. وينظر الدر المصون ٦/ ٥٢١ . (٦) الحمالة: الكفالة. الزاهر للأزهري ص٣٣٠، وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٢٧٥/٢٢: الكفالة والحَمالة: هما لفظتان معناهما الضمان. وقال الجوهري في الصحاح (حمل): الحمالة: ما تتحمله عن القوم من الدية أو الغرامة. (٧) الإشراف ١٢٥/١، وقال الأزهري في الزاهر ص٣٣١: وأراد الشافعي رحمه الله بكفالة الوجه: الكفالة بالبدن. وقال الكاساني في بدائع الصنائع ٣٩٩/٧: إذا أضاف الكفالة إلى جزء جامع كالرأس والوجه والرقبة ونحوها، جازت؛ لأن هذه الأشياء يعبر بها عن جملة البدن. (٨) الاستذكار ٢٧٧/٢٢ . (٩) ص٤٠٩-٤١١ من هذا الجزء، وينظر الإشراف ١٢٤/١ - ١٢٥. ٣٩٩ سورة يوسف: الآية ٦٧ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَّاً أُغْنِى عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُتَوَكِّلُونَ فیه سبع مسائل: الأولى: لمَّا عزموا على الخروج خَشِيَ عليهم العينَ، فأمرهم ألَّا يدخلوا مصرَ من بابٍ واحد، وكانت مصرُ لها أربعةُ أبواب، وإنما خاف عليهم العينَ لكونهم أَحَدَ عَشَرَ رجلاً لرَجُلٍ (١) واحد، وكانوا أهلَ جَمالٍ وکمالٍ وبَسْطة؛ قاله ابن عباس والضَّحاك وقَتَادة وغيرهم(٢). الثانية: وإذا كان هذا معنى الآيةِ؛ فيكون فيها دليلٌ على التحرُّز من العين، والعينُ حقٌّ، وقد قال رسول الله ﴾: ((إنَّ العين لتُدْخِلُ الرجلَ القبرَ والجَمَلَ القِدْرَ))(٣). وفي تعوُّذه عليه الصلاة والسلام: ((أعوذُ بكلمات الله التامَّة من كلِّ شيطانٍ وهامَّة ومن كلِّ عينٍ لامَّة)(٤) ما يدلُّ على ذلك. وروى مالك، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيْف، أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهلُ بنُ حُنيف بالخرَّار، فنزع جُبَّةً كانت عليه، وعامر بنُ ربيعة ينظر، قال: وكان سهلٌ رجلاً أبيضَ حَسَنَ الجِلْدِ، قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم، ولا جلدَ عَذْراءَ! فوُعِكَ سهلٌ مكانَه واشتدَّ وَعْكُه، فأُتيَ رسولُ اللهِ﴾، (١) في (ظ): کرجل. (٢) أخرج قولهم الطبري ٢٣٧/١٣ - ٢٣٨ . (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٩٠ ، والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٥٧)، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٤٤/٩ من حديث جابر ﴾. (٤) أخرجه أحمد (٢١١٢)، والبخاري (٣٣٧١) من حديث ابن عباس ، ولفظه عند البخاري: كان رسول الله # يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: ((إن أباكما كان يعوِّذ بها إسماعيل وإسحاق)»: أعوذ بكلمات الله ... ، وقوله: ((وهامة)) هي واحدةُ الهوامّ ذوات السموم، وقيل: المراد كل نسمة تهمُّ بسوء. الفتح ٤١٠/٦ . وقوله: ((لامّة)) أي: ذات لمم، واللمم طرف من الجنون يلم بالإنسان. النهاية (لمم). ٤٠٠ سورة يوسف: الآية ٦٧ فأخبر أن سهلاً وُعِك، وأنه غيرُ رائحِ معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله ◌ِ﴾، فأخبره سهلٌ بالذي كان من شأن عامر، فقال رسول اللـه ﴿: ((عَلَامَ يقتلُ أحدُكم أخاه؟! أَلَا بَرَّكْتَ؟! إنَّ العينَ حقٌّ، تَوضَّأُ له)). فتوضَّأَ له عامر، فراح سهلٌ مع رسول الله # ليس به بأس (١). في رواية: «اغتسِلْ له))، فغَسَلَ عامر(٢) وجهه ويديه ومِرْفَقَيْهِ وركبتيه وأطرافَ رجليه وداخِلَ إزارِه في قدحِ، ثم صُبَّ عليه، فراح سهلٌ مع الناس(٣) ليس به بأس(٤). وركب سعد بن أبي وَقَّاص يوماً، فنظرت إليه امرأةٌ فقالت: إنَّ أميركم هذا ليعلم أنه أَهْضَمُ الكَشْحَيْن، فرجع إلى منزله فسقط، فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها فغَسَلَتْ له(٥). ففي هذين الحديثين أنَّ العين حقٌّ، وأنَّها تقتل كما قال النبيُّ ﴾(٦). وهذا قولُ علماءِ الأمَّة، ومذهبُ أهلِ السُّنة، وقد أنكرته طوائفُ من المبتدِعة، وهم محجوجون بالسنَّة وإجماع علماءِ هذه الأمَّة، وبما يشاهَدُ من ذلك في الوجود، فكم من رجل أدخلته العينُ القبرَ، وكم من جَمَلٍ ظَهِيرٍ أدخلته القِذْر، لكنَّ ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ الَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢](٧) . قال الأصمعيُّ: رأيت رجلاً عَيُوناً سمع بقرةً تُحلَب، فأعجبه شخْبُها فقال: أيَّتُهنَّ هذه؟ فقالوا: الفلانيةُ، لبقرةٍ أخرى يُوَرُّون عنها، فهَلَكَتا جميعاً، المُورّى بها (١) الموطأ ٩٣٨/٢، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٣٥٠٩)، والنسائي في الكبرى (٧٥٧٠). والخرار: ماء بالمدينة. معجم البلدان ٢/ ٣٥٠ . (٢) في (م): اغتسل فغسل له عامر، والمثبت من النسخ الخطية والمصادر. (٣) في (م): فراح سهل مع رسول الله #، والمثبت من النسخ الخطية والمصادر. (٤) الموطأ ٩٣٩/٢، وهو عند أحمد (١٥٩٨٠)، والنسائي في الكبرى (٧٥٧٢). (٥) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ١١٣/٢، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٤١/٦ . وأهضم الكشحين، أي: دقيق الخصرين. النهاية (كشح). (٦) التمهيد ٦/ ٢٣٧ . (٧) المفهم ٥/ ٥٦٥ .