Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة يوسف: الآيتان ١ - ٢ الابتداء والخبر(١). وقيل: ((الَر)) اسمُ السورة، أي: هذه السورةُ المسماة ((الّر)). ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾ يعني بالكتاب المبين: القرآن المبين، أي: المبيَّن حلالُه وحرامه، وحدودُه وأحكامه، وهُداه وبركته(٢). وقيل: أي: هذه تلك الآياتُ التي كنتم توعَدون بها في التّوراة (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنَزَْنَهُ قُرُّمَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ يجوز أن يكون المعنى: إنَّا أنزلنا القرآن عربيًّا(٤)، نصب ((قرآناً) على الحال، أي: مجموعاً، و((عربيًّا)) نعتٌ لقوله «قرآناً)). ويجوز أنْ يكون توطئةً للحال، كما تقول: مررتُ بزيدٍ رجلاً صالحاً، و((عربيًّا)) على الحال، أي: يُقرأ بلغتكم يا معشر العرب. [ومعنى] أَعْرَبَ: بَيَّنَ، ومنه: ((الثَّيِّبُ تُعرِبُ عن نفسها))(٥). ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه(٦). وبعضُ العرب يأتي بأن مع ((لعل)) تشبيهاً بعسى. واللام في ((لعل)) زائدةٌ للتوكيد، كما قال الشاعر: يا أَبَنَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكا(٧) وقيل: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) أي: لتكونوا على رجاءٍ من تَدَبُّره، فيعود معنى الشَّكِّ إليهم لا إلى الكتاب، ولا إلى الله عزَّ وجلَّ. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٩/٢ . (٢) تفسير البغوي ٤٠٨/٢ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٨٧/٣، وللنحاس ٣٩٥/٣. (٤) معاني القرآن للنحاس ٣٩٥/٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. وقوله: ((الثيب تعرب ... )) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٧٧٢٢)، وابن ماجه (١٨٧٢) من طريق عدي بن عدي الكندي عن أبيه. (٦) تفسير البغوي ٤٠٨/٢ . (٧) الرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص١٨١، والكتاب ٣٧٥/٢، والخزانة ٣٦٢/٥، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠٩/٢، والكلام منه. ٢٤٢ سورة يوسف: الآيتان ٢ - ٣ وقيل: معنى ((أَنْزَلْنَاهُ))، أي: أنزلنا خبر يوسف؛ قال النحاس(١): وهذا أشبهُ بالمعنى؛ لأنه يُروى أنَّ اليهود قالوا: سَلُوه لِمَ انتقل آلُ يعقوبَ من الشَّام إلى مصر، وعن خبر يوسف. فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ هذا بمكة موافقاً لمَا في التوراة، وفيه زيادةٌ ليست عندهم. فكان هذا للنبيِّ﴾ ۔ إذْ أخبرهم ولم يكنْ يقرأ كتاباً قظُّ ولا هو في موضع كتاب - بمنزلةٍ إحياءِ عيسى عليه السلام الميِّتَ، على ما يأتي فيه (٢). قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُشُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴾ قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ ابتداءٌ وخبر. ﴿أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ﴾ بمعنى المصدر، والتقدير: قصصاً (٣) أحسنَ القَصَص. وأصلُ القَصَص: تتبُّع الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيدِ﴾ [القصص: ١١] أي: تتبَّعي أثرَه، فالقاصُّ يتبع(٤) الآثار فيُخْبِرُ بها. والحُسْنُ يعود إلى القَصَص لا إلى القصَّة. يقال: فلانٌ حَسَنُ الاقتصاص للحديث؛ أي: جيِّدُ السِّيَاقةِ له. وقيل: القَصَص ليس مصدراً، بل هو في معنى الاسم، كما يقال: الله رجاؤنا، أي: مرجوُّنا، فالمعنى على هذا: نحن نخبرك بأحسن الأخبار(٥). ﴿بِمَآ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: بوحينا، فـ((ما)) مع الفعل بمنزلة المصدر. ﴿هَذَا اٌلْقُرْءَانَ﴾ نصب القرآن على أنَّه نعتٌ لـ ((هذا))، أو بدلٌ منه، أو عطفُ بيان(٦). (١) في معاني القرآن ٣٩٦/٣ . (٢) ص٢٥٩ من هذا الجزء. (٣) في (د) و(ز) و(م): قصصنا، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٣١٠/٢، والكلام منه. (٤) في (ظ): فالقصاص يتبع. (٥) ينظر تفسير الرازي ٨٥/١٨ . (٦) المحرر الوجيز ٢١٩/٣، وضعَّف ابن عطية كونه عطف بيان. ٢٤٣ سورة يوسف: الآية ٣ وأجاز الفراء الخفضَ؛ قال: على التكرير(١). وهو عند البصريين على البدل من (ما))(٢). وأجازَ أبو إسحاق(٣) الرفعَ على إضمارٍ مبتدأ؛ كأنَّ سائلاً سأله عن الوحي فقيل له: هو هذا القرآن (٤). ﴿وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ﴾ أي: من الغافلين عمَّا عرَّفْناكَه(٥). مسألة: واختلف العلماء لِمَ سُمِّيِتْ هذه السورة أحسنَ القَصَص من بين سائر الأقاصيص؟ فقيل: لأنَّه ليست قصةٌ في القرآن تتضمَّن من العِبر والحكم ما تتضمَّن هذه القصّة، وبيانُه قوله في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَيِّ﴾ [الآية: ١١١]. وقيل: سمّاها أحسنَ القَصص لحُسْنِ مجازاةٍ (٦) يوسفَ إخوتَه(٧)، وصَبْرِه على أذاهم، وعَفْوِه عنهم - بعد الالتقاء بهم - عن ذكر ما تعاطَوْه [معه]، وكرمِه في العفو عنهم، حتى قال: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَّ﴾ [يوسف: ٩٢]. وقيل: لأنَّ فيها ذِكْرَ الأنبياء والصالحين، والملائكة والشياطين، والجنِّ والإنس، والأنعام والطير، وسيرَ الملوك والمماليك(٨) والتجَّار، والعلماء والجُهَّال، (١) معاني القرآن للفراء ٣٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣١٠/٢. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣١٠/٢، وقال الزجاج في معاني القرآن ٨٨/٣: فيكون المعنى: نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن. ولا تقرأنَّ بها. (٣) في معاني القرآن ٨٨/٣ . (٤) في (د) و(ز) و(ظ): هو القرآن، وفي (ف) ومعاني القرآن للزجاج: هذا القرآن، والمثبت من (م). (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣١٠/٢. (٦) في النسخ الخطية: محاوزة، وفي (م): مجاوزة، والمثبت من عرائس المجالس ص١١٠ ، والكلام وما سیأتي بین حاصرتین منه. (٧) في (م): عن إخوته. (٨) في (م): الممالك. ٢٤٤ سورة يوسف: الآيتان ٣ -٤ والرِّجال والنِّساء وحِيَلهنَّ ومَكْرهنَّ، وفيها ذكر التَّوحيد والفقه(١) والسِّيّر، وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجُمَل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا. وقيل: لأنَّ فيها ذكرَ الحبيب والمحبوب وسِيَرِهما. وقيل: ((أُحْسَنَ)) هنا بمعنى: أَغْجبَ. وقال بعضُ أهل المعاني: إنَّما كانت أحسنَ القَصَص لأنَّ كلَّ مَن ذُكر فيها كان مالُه السعادةَ؛ انظر إلى يوسفَ وأبيه وإخوته، وامرأة العزيز: قيل: والمَلِكُ أيضاً أسلمَ بيوسفَ وحَسُن إسلامه، ومُسْتعبِرُ الرؤيا الساقي، والشاهدُ فيما يقال(٢)، فما كان أمرُ الجميع إلَّ إلى خير. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْثُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ (﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ ((إِذْ)) في موضع نصبٍ على الظرف، أي: اذكر لهم حين قال يوسف. وقراءةُ العامة بضمِّ السين. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف: ((يُؤْسِف)) بالهمز وكَسْرٍ السين. وحكى أبو زيد: ((يؤسَف)) بالهمز وفتح السين. ولم ينصرف لأنَّه أعجميّ (٣). وقيل: هو عربيّ(٤). وسئل أبو الحسن الأقطعُ ـ وكان حكيماً - عن ((يوسف)) فقال: الأسفُ في اللغة الحزن؛ والأسِيف: العبد، وقد اجتمعا في يوسفَ؛ فلذلك سُمِّي يوسف(٥). (١) في عرائس المجالس: والعفة. (٢) وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣١٠، وينظر القراءات الشاذة ص ٦٢ . (٤) ذكره الزمخشري ٢/ ٣٠١ وقال: وليس بصَحيح؛ لأنه لو كان عربيًّا لا نصرف، لخُلُوِّه عن سببٍ آخَرَ سوى التعريف. (٥) عرائس المجالس ص ١١٠، وتفسير البغوي ٤٠٩/٢ . ٢٤٥ سورة يوسف: الآية ٤ ﴿لِأَِهِ يَأَبَتِ﴾ بكسر التاء، قراءةُ أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة والكسائي(١)، وهي عند البصريين علامةُ التأنيث؛ أُدخلت على الأب في النداء خاصةً بدلاً من ياء الإضافة، وقد تدخل علامةُ التأنيث على المذكّر فيقال: رجل نُكَحَة وهُزاةٍ(٢)؛ قال النحاس(٣): إذا قلت: ((يَا أَبَتِ)) بكسر التاء، فالتاءُ عند سيبويه(٤) بدلٌ من ياء الإضافة؛ ولا يجوز على قوله الوقفُ إلَّا بالهاء، وله على قوله دلائلُ؛ منها: أنَّ قولك: ((يا أبه)) يؤدِّي عن معنى (يا أبي))، وأنَّه لا يقال: ((يا أبه))(٥) إلَّا في المعرفة، ولا يقال: جاءني أبةٌ، ولا تستعمل العربُ هذا إلَّ في النداء خاصة، ولا يقال: ((یا أبتي))؛ لأنَّ التاء بدلٌ من الياء فلا يُجمع بينهما. وزعم الفراء (٦) أنَّه إذا قال: يَا أَبتِ - فَكَسَر - وَقَفَ على التاءِ(٧) لا غير؛ لأنَّ الياء في النية. وزعم أبو إسحاق(٨) أنَّ هذا خطأٌ، والحقُّ ما قال؛ كيف تكون الياء في النية ولیس یقال: يا أبتي؟! وقرأ أبو جعفر والأعرج وعبدُ الله بن عامر: ((يا أبَتَ)) بفتح التاء(٩)؛ قال البصريون: أرادوا: يا أبتي بالياء، ثم أُبدلت الياءُ ألفاً فصارت: يا أبتا، فحُذفت الألف وبقيت الفتحة على التاء(١٠). (١) وقرأ بها أيضاً ابن كثير. السبعة ص ٣٤٤، والتيسير ص ٦٠ و ١٢٧ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٨٩/٣ بنحوه. (٣) في إعراب القرآن ٣١٠/٢. (٤) ينظر الكتاب ٢١٠/٢ - ٢١١. (٥) في (م): يا أبت، وكذا اللفظة بعدها، والمثبت من النسخ الخطية وإعراب القرآن للنحاس. (٦) في معاني القرآن ٣٢/٢ . (٧) في (م): دل على الياء. (٨) هو الزجاج، وكلامه في معاني القرآن ٨٩/٣ . (٩) السبعة ص٣٤٤، والتيسير ص١٢٧ عن ابن عامر، والنشر ٢٩٣/٢ عن ابن عامر وأبي جعفر، وذكرها عنهم جميعاً النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٣١٠ . (١٠) معاني القرآن للزجاج ٩٠/٣. ٢٤٦ سورة يوسف: الآية ٤ وقيل: الأصلُ الكسر، ثم أُبدل من الكسرة فتحةٌ، كما يُبدَل من الياء ألف؛ فيقال [في: يا غلامي أَقْبِل]: يا غلاماً أقبل(١). وأجاز الفراء(٢): (يا أبتُ)) بضمُّ التاء. ﴿إِنِّ رَأَيْثُ أَعَدَ عَشَرَ كَوْكَبً﴾ ليس بين النحويين اختلافٌ أنَّه يقال: جاءني أحدَ عَشَرَ، ومررتُ بأحَدَ عَشَرَ، وكذلك ثلاثةَ عَشَرَ وتسعةَ عَشَرَ وما بينهما؛ جعلوا الاسمين اسماً واحداً وأعربوهما بأخفّ الحركات(٣). قال السُّهيليُّ(٤): أسماءُ هذه الكواكب جاء ذِكْرُها مُسْنَداً؛ رواه الحارث بن أبي أسامة قال: جاء بستانة(٥) - وهو رجلٌ من أهل الكتاب - فسأل النبيَّ# عن الأَحَدَ عَشَرَ كوكباً الذي رأى يوسفُ، فقال: ((الحرثان وطارق والذيال وقابِس والنطح والطروح وذو الكنفان وذو الفرع والفَيلق ووَثَّب والعَمُودَان، رآها يوسف عليه السلام تسجد له))(٦). قال ابن عباس وقَتَادة وابن جريج(٧): الكواكبُ إخوته، والشمس أمُّه، والقمر أبوه. (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣١٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) معاني القرآن للفراء ٣٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣١٠/٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣١٢/٢. (٤) في التعريف والإعلام ص٧٩ . (٥) في النسخ الخطية: بستان، والمثبت من (م) وهو الموافق لبعض مصادر التخريج على ما يأتي، ووقع في التعريف والإعلام وبعض المصادر: بستاني. (٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١١١ - تفسير)، والبزار (٢٢٢٠ - كشف)، والطبري ١٠/١٣، وابن حبان في المجروحين ٢٥٠/١ - ٢٥١، والعقيلي في الضعفاء ٢٥٩/١، والبيهقي في الدلائل ٢٧٧/٦، وابن الجوزي في الموضوعات (٧٠) واختلفت أسماء الكواكب في المصادر اختلافاً كثيراً، وقد أثبتنا ما اتفقت عليه غالب نسخنا وكان موافقاً للتعريف والإعلام وبعض مصادر التخريج. قال البزار: لا نعلمه يروى عن النبي # إلا بهذا الإسناد. وقال ابن حبان: هذا حديث لا أصل له من حديث رسول الله ﴾. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله ﴾. قال العقيلي: لا يصح من هذا المتن عن النبي # شيء من وجه يثبت. وينظر الفوائد المجموعة ص٤٦٤ . (٧) قوله: وابن جريج، من (ظ)، وقد أخرج قولهم الطبري ١٣/ ١٢ - ١٣ . ٢٤٧ سورة يوسف: الآيتان ٤ - ٥ وقال قتادة أيضاً: الشمسُ خالته؛ لأنَّ أُمَّه كانت قد ماتت، وكانت خالته تحت أبيه(١). ﴿رَيْنُهُمْ﴾ توكيد. وقال: ((رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)) فجاء مذكَّراً، فالقولُ عند الخليل وسيبويه أنَّه لمَّا أَخبر عن هذه الأشياء بالطاعة والسّجود وهما من أفعال مَن يَعْقِلُ أُخبر عنها كما يخبر عمَّن يعقل(٢). وقد تقدَّم هذا المعنى في قوله: ﴿وَقَرَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]. والعربُ تَجمع ما لا يَعقِّل جَمْعَ مَن يعقل إذا أنزلوه منزلتَه، وإنْ كان خارجاً عن الأصل. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُهْيَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُّبِيٌ ﴾ فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ أي: يحتالوا في هلاكك؛ لأنَّ تأويلها ظاهر، فربما يحملهم الشيطان على قَصْدِكَ بسوءٍ حينئذٍ. واللامُ في ((لك)) تأكيدٌ، كقوله: ﴿إِن كُمْ لِلْزُِّيَا تَعْبُرُونَ﴾(٣). الثانية: الرؤيا حالةٌ شريفة، ومنزلةٌ رفيعة؛ قال :﴿: ((لم يَبْقَ بعدي من المبشِّرات إلَّا الرؤيا الصالحةُ الصادقة يراها الرجلُ الصالح، أو تُرى له))(٤). وقال ((أَضْدَقُكم رؤيا أَضْدَقُكم حديثاً))(٥). وحَكَم ◌َ﴾ بأنَّها: ((جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوّة))(٦). (١) ذكره البغوي ٤٠٩/٢ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣١٣/٢، وينظر البيان لابن الأنباري ٣٣/٢. (٣) ينظر تفسير الطبري ١٤/١٣ - ١٥. وينظر أيضاً ما سلف ص١١٩ من هذا الجزء. (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٩٠٠)، ومسلم (٤٧٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٦٤٢)، ومسلم (٢٢٦٣): (٦) عن أبي هريرة ﴾. (٦) قطعة من الحديث الذي قبله. وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٠٣٧)، والبخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٤) من حديث أنس ﴾. وأخرجه أحمد (٢٢٦٩٧)، والبخاري (٦٩٨٧)، ومسلم (٢٢٦٤) من حديث عبادة ابن الصامت ﴾ وأخرجه البخاري (٦٩٨٨) عن أبي هريرة ﴾، و(٦٩٨٩) عن أبي سعيد الخدري ﴾. وينظر التمهيد لابن عبد البر ٢٨٠/١ . ٢٤٨ سورة يوسف: الآية ٥ ورُوي: ((من سبعين جزءاً من النبوَّة))(١). ورُوي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((جزءٌ من أربعين جزءاً من النبوّة)»(٢). ومن حديث ابن عمرو (٣): ((جزءٌ من تسعة وأربعين جزءاً). ومن حديث العباس: ((جزءٌ من خمسين جزءاً من النبوّة))(٤). ومن حديث أنس: ((من ستةٍ وعشرين))(٥) وعن عُبادة بن الصّامت: ((من أربعةٍ وأربعين من النبوّة))(٦). والصحيحُ منها حديثُ الستة والأربعين، ويتلوه في الصحة حديثُ السبعين؛ ولم يُخرِّج مسلمٌ في صحيحه غيرَ هذين الحديثين، أمَّا سائرُها فمِن أحاديث الشيوخ؛ قاله ابن بَطَّال (٧). قال أبو عبد الله المازَريُّ: والأكثر والأصحُّ عند أهل الحديث: ((من ستة وأربعين)) (٨). قال الطَّبريّ: والصواب أن يقال: إنَّ عامَّةً هذه الأحاديث أو أكثرها صحاحٌ، ولكلٍّ حديثٍ منها مخرجٌ معقول؛ فأمَّا قوله: ((إنَّها جزءٌ من سبعين جزءاً من النبوّة» (١) أخرجه أحمد (٤٦٧٨)، ومسلم (٢٢٦٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه أحمد (٢٨٩٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) ذكره عن ابن عباس القاضي عياض في إكمال المعلم ٢١١/٧، وأبو العباس في المفهم ٦/ ١٢ ، وابن حجر في الفتح ٣٦٣/١٢، وعزاه ابن حجر للطبري ، وأخرجه أحمد (١٦١٨٣)، والترمذي (٢٢٧٨) وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٨٣ من حديث أبي رزين العُقَيلي (٣) في النسخ: ابن عمر، والمثبت من إكمال المعلم ٧/ ٢١١، وكذلك أخرجه أحمد (٧٠٤٤)، والطبري ٢١٨/١٢ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٤) أخرجه مطولاً البزار (٢١٢٤ - كشف)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٨١/١ . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٧٢ - ١٧٣ : فيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. (٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٨٢ وقال: حسن الإسناد. (٦) أخرجه الطبري ٢١٨/١٢، وضعَّف إسناده ابن عبد البر في التمهيد ٢٨١/١. (٧) ذكر قول ابن بطال أيضاً ابن حجر في الفتح ٣٦٥/١٢ . (٨) المفهم ١٢/٦، وينظر المعلم للمازري ١١٧/٣ - ١١٨. ٢٤٩ سورة يوسف: الآية ٥ فإنَّ ذلك قولٌ عامٌّ في كلِّ رؤيا صالحةٍ صادقة، ولكلِّ مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان. وأما قوله: إنَّها من أربعين أو ستةٍ وأربعين؛ فإنَّه يريد بذلك من كان صاحبُها بالحال التي ذُكِرت عن الصدِّيق - ﴾ - أنَّه كان بها؛ فَمَن كان من أهلِ إسباغٍ الوضوء في السَّبَرات(١)، والصبرِ في الله على المكروهات، وانتظارِ الصَّلاة بعد الصَّلاة، فرؤياه الصالحةُ - إن شاء الله - جزءٌ من أربعين جزءاً من النبوَّة، ومَن كانت حالُه في ذاته بين ذلك فرؤياه الصادقةُ بين الجزءين؛ ما بين الأربعين إلى الستِّين(٢)، لا تَنقصُ عن سبعين، وتزيد على الأربعين. وإلى هذا المعنى أشار أبو عمر بنُ عبد البر(٣) فقال: اختلافُ الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلافَ تضادٍّ وتدافُع والله أعلم؛ لأنَّه يَحتمل أنْ تكون الرؤيا الصالحةُ من بعض مَن يراها على حَسَب ما يكون من صِدْقٍ الحديث، وأداءِ الأمانة، والدِّين المتين، وحُسْنِ اليقين؛ فعلى قَدْرِ اختلاف النَّاس فيما وَصَفْنا تكونُ الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد، فمن خَلَصت (٤) له نيَّته في عبادة ربِّه ويقينه وصدق حديثه، كانت رُؤْياه أصدق، وإلى النبوَّة أقرب، كما أنَّ الأنبياءَ يتفاضلون [والنبوة كذلك]؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى بَعْضٍّ﴾ [الإسراء: ٥٥]. قلت: فهذا التأويل يجمعُ شتاتَ الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضِها دون بعض وطرْچِه. ذكر أبو سعيد الأَسْفاقُسِي(٥) عن بعض أهل العلم قال: معنى قوله: ((جزءٌ من ستةٍ (١) جمع سَبْرة بسكون الباء، وهي شدة البرد. النهاية (سبر). (٢) كذا وقع، ولعل الصواب: السبعين وقد نقل كلام الطبري بنحوه المازري في المعلم ١١٨/٣، وأبو العباس في المفهم ١٥/٦ - ١٦ وابن حجر في الفتح ١٢/ ٣٦٥ . (٣) في التمهيد ٢٨٣/١، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في (د) و(ظ) و(ف): حصلت. (٥) ذكره ابن حجر في الفتح ٣٦٤/١٢ بلفظ: السفاقسي، ونقل كلامه عن ابن بطال، وما سيرد بين حاصرتين منه. ٢٥٠ سورة يوسف: الآية ٥ وأربعين جزءاً من النبوّة)) فإنَّ الله تعالى أوحى إلى محمدٍ# [في المنام ستةَ أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك] في النبوّة ثلاثةً وعشرين عاماً - فيما رواه عكرمةُ وعمرو بنُ دینار عن ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما(١) - فإذا نَسَبْنا ستةَ أشهرٍ من ثلاثةٍ وعشرين عاماً، وَجَدْنا ذلك جزءاً من ستةٍ وأربعين جزءاً. وإلى هذا القول أشار المازَريُّ في كتابه «المعلم))(٢)، واختاره الغزنويّ(٣) في تفسيره من سورة يونس، عند قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ [الآية: ٦٤]. وهو فاسدٌ من وجھین: أحدهما: ما رواه أبو سَلَمةَ عن ابن عباس وعائشةً: بأنَّ مدَّة الوحي كانت عشرين سنة(٤)، وأنَّ النبيَّ ﴾ بُعِثَ على رأس أربعين، فأقام بمكّةَ عَشْرَ سنين؛ وهو قول عروة والشعبيٍّ وابنٍ شهابٍ والحسن وعطاءِ الخراسانيّ، وسعيد بن المسيِّب على اختلافٍ عنه، وهي روايةُ ربيعة وأبي غالب عن أنس(٥)، وإذا ثبت هذا الاختلافُ(٦) بطَل ذلك التأويل. الثاني: أنَّ ساثر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى. الثالثة: إنَّما كانت الرؤيا جزءاً من النبوّة؛ لأنَّ فيها ما يُعجز ويَمتنع، كالطيران وقلبٍ الأعيان، والاطلاع على شيءٍ من علم الغيب، كما قال عليه الصلاة والسلام: (١) رواية عكرمة عن ابن عباس عند أحمد (٢٢٤٢) والبخاري (٣٨٥١). ورواية عمرو بن دينار عن ابن عباس عند مسلم (٢٣٥١). (٢) ١١٧/٣ . (٣) في (م): القونوي، وفي (د): القرنوي، وفي (ظ): العزيزي، والمثبت من باقي النسخ. (٤) أخرجه أحمد (٢٦٩٦)، والبخاري (٤٤٦٤، ٤٤٦٥) بلفظ: أنَّ النبيَّ # لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشراً. (٥) التمهيد ١٦/٣، ورواية ربيعة (وهو ابن أبي عبد الرحمن) عن أنس عند أحمد (١٣٥١٩)، والبخاري (٣٥٤٧) ومسلم (٢٣٤٧). ورواية أبي غالب عن أنس عند أحمد (١٢٥٢٩)، وينظر التمهيد ٩/٣-١٢ . (٦) في (م): الحديث، وفي (د) و(ف): الخلاف. : ٢٥١ سورة يوسف: الآية ٥ (إنَّه لم يبقَ من مبشِّرات النبوّة إلا الرؤيا الصَّادقةَ في النوم)) الحديث(١). وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقةَ من الله، وإنَّها من النبوَّة؛ قال#: ((الرؤيا من الله، والحُلُم من الشيطان))(٢). وإنَّ التصديقَ بها حقٌّ، ولها التأويلُ الحَسَنُ، وربَّما أغنى بعضُها عن التأويل، وفيها من بديع [حكمة] الله ولُظْفِه ما يزيد المؤمن في إيمانه؛ ولا خلافَ في هذا بين أهل الدين والحقِّ من أهل الرأي والأثر، ولا يُنكر الرؤيا إلَّا أهلُ الإلحاد، وشِرذمةٌ من المعتزلة(٣). الرابعة: إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقةُ جزءاً من النبؤَّة؛ فكيف يكون الكافر والكاذب والمُخلِّط أهلاً لها؟ وقد وقعت من بعض الكفَّار وغيرِهم ممن لا يُرضی دینُه مناماتٌ صحيحةٌ صادقة؛ كمنام رؤيا الملِك الذي رأى سبْعَ بقرات، ومنامِ الفَتَيْن في السجن، ورؤيا بُخْتَنَصَّر، التي فسّرها دانيال في ذهاب مُلكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبيِّ ﴾(٤)، ومنام عاتكةَ عمَّةِ رسول الله ﴾ في أمره وهي كافرة(٥). وقد ترجم البخاريُّ: باب رؤيا أهل السجن(٦). فالجواب: أنَّ الكافرَ والفاجر والفاسق والكاذب، وإنْ صدقت رؤياهم في بعض الأوقات، لا تكون من الوحي ولا من النبؤَّة؛ إذْ ليس كلُّ مَن صَدَقَ في حديث عن غيبٍ يكون خبرُه ذلك نبوّةً؛ وقد تقدَّم في ((الأنعام))(٧) أنَّ الكاهن وغیرَه قد يخبر (١) سلف في المسألة الثانية. (٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٥٢٥)، والبخاري (٣٢٩٢)، ومسلم (٢٢٦١) عن أبي قتادة ﴾. (٣) التمهيد ٢٨٥/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) التمهيد ٢٨٥/١، وينظر خبر هذه الرؤيا في تاريخ الطبري ١٦٦/٢، ودلائل النبوة للبيهقي ١٢٦/١-١٢٩، والبداية والنهاية ٣٩٥/٣ . (٥) التمهيد ٢٨٥/١، وخبر رؤيا عاتكة في سيرة ابن هشام ١/ ٢٠٧ عن ابن إسحاق قال: أخبرني مَن لا أنَّهم عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس. ويزيد بن رومان، عن عروة قال: وقد رأت عاتكة، وذكر الخبر مطولاً. (٦) صحيح البخاري، قبل الحديث (٦٩٩٢) بلفظ: باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك. (٧) ٨/ ٤٠٥ . ٢٥٢ سورة يوسف: الآية ٥ بكلمة الحقِّ فَيَصْدُق، لكنَّ ذلك على النُّدور والقلَّة، فكذلك رؤيا هؤلاء(١). قال المهلَّب: إنَّما ترجمَ البخاريُّ بهذا لجواز أنْ تكون رؤيا أهل الشِّرك رؤيا صادقةً، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنَّه لا يجوز أنْ تُضاف إلى النبوّة إضافةً رؤيا المؤمنِ إليها؛ إذ ليس كلُّ ما يصحُّ له تأويلٌ من الرؤيا حقيقةً يكون جزءاً من النبوّة. الخامسة: الرؤيا المضافةُ إلى الله تعالى هي التي خَلَصت من الأضغاث والأوهام، وكان تأويلُها موافقاً لِمَا في اللوح المحفوظ. والتي هي من حَيِّز(٢) الأضغاث هي الحُلُم، وهي المضافةُ إلى الشيطان، وإنَّما سُمِّيت ضِغثاً لأنَّ فيها أشياءً متضادّة؛ قال معناه المهلَّب. وقد قَسم رسول الله # الرؤيا أقساماً تغني عن قول كلِّ قائل؛ روى عوف بن مالك عن رسول الله # قال: ((الرؤيا ثلاثةٌ؛ منها أهاويلُ الشيطان ليُحزِن ابن آدم، ومنها ما يَهُمُّ (٣) به في يَقَظَّتِهِ، فيراه في منامه، ومنها جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوّة)». قال: قلتُ: سمعتَ هذا من رسول الله ؟ قال: نعم! سمعتُه من رسول الله ﴾(٤). السادسة: قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُهَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ الآية. الرؤيا مصدرُ: رأى في المنام رؤيا، على وزن فُعلى، كالسُّقْيا والبُشْرى، وأَلِفُه للتأنيث؛ ولذلك لم ینصرف(٥). وقد اختلفَ العلماءُ في حقيقة الرؤيا؛ فقيل: هي إدراكٌ في أجزاء لم تحلَّها آفةٌ، (١) المفهم ٦/ ١٣. (٢) في النسخ عدا (ز): خبر، والمثبت من (ز). (٣) في (ظ) و(م): يهتم، وفي (ف): هم، والمثبت من (د) و(ز) والمصادر على ما يأتي. (٤) التمهيد ٢٨٥/١ - ٢٨٦، والحديث أخرجه ابن ماجه (٣٩٠٧)، وابن حبان (٦٠٤٢). والسائل في آخر الحديث هو مسلم بن مشکم، وهو الذي رواه عن عوف ﴾ (٥) المفهم ٥/٦ . ٢٥٣ سورة يوسف: الآية ٥ كالنوم المستغرق وغيره، ولهذا أكثرُ ما تكون الرؤيا في آخِرِ الليل؛ لقلَّة غَلَبةِ النوم، فيخلق الله تعالى للرائي عِلْماً ناشِئاً، ويخلقُ له الذي يراه على ما يراه ليصحَّ الإدراك. قال ابن العربيّ(١): ولا يَرى في المنام إلا ما يصحُّ إدراكُه في اليقظة؛ ولذلك لا يرى في المنام شخصاً قائماً قاعداً بحال، وإنَّمَا يَرى الجائزاتِ [الخارقةَ للعادات، أو الأشياء] المعتادات. وقيل: إنَّ لله مَلكاً يعرضُ المرئيَّات على المحلِّ المدرِك من النائم، فيمثِّل له صوراً محسوسة، فتارةً تكون تلك الصور أمثلةً مُوافِقةً لمَا يقعُ في الوُجُود، وتارةً تكون [أمثلة] لمعانٍ(٢) معقولةٍ غيرِ محسوسة، وفي الحالتين تكون مُبشِّرة أو مُنذرة؛ قال ﴾ في ((صحيح)) مسلم وغيره: ((رأيتُ سوداءَ ثائرةَ الرأسِ تَخرجُ من المدينة إلى مَهْيَعةً، فأوَّلتُها الحُمَّى))(٣). و((رأيتُ سيفي قد انقطع صدرُه، وبَقَراً تُنْحَر. فأوَّلْتُهما: رجلٌ من أهل بيتي يُقتل، والبقرُ نَفَرٌ من أصحابي يُقتلون)) (٤). و((رأيتُ أنّ أَدْخَلتُ يدي في دِرعِ حصِينة؛ فأوَّلتُها المدينة))(٥). و((رأيت في يدَيَّ سِوَارين؛ فأوَّلْتُهما كذَّابَيْن يَخرجان بعدي))(٦). إلى غير ذلك مما ضُربتْ له الأمثال؛ ومنها ما يظهر معناه أوّلاً (٧)، ومنها (١) في أحكام القرآن ٣/ ١٠٦١، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) في (د): المعاني، وفي (ز): معاني، وفي (ظ) و(ف) و(م): لمعاني، والمثبت من المفهم ٦/ ٧ والكلام وما بین حاصرتین منه. (٣) لم نقف عليه عند مسلم، وأخرجه أحمد (٥٨٤٩)، والبخاري (٧٠٣٨) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ومهيعة: اسم الجحفة، وهي ميقات أهل الشام. النهاية (مهيع). (٤) ذكر المصنف لفظ هذا الحديث والذي قبله نقلاً عن ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٠٦٢ وقد أخرجه بمعناه البخاري (٣٦٢٢) ومسلم (٧٢٧٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﴾ مطولاً. وأخرجه أحمد (١٣٨٢٥)، والبزار (٢١٣١ - كشف) من حديث أنس ﴾. وأخرجه أحمد (١٤٧٨٧) من حديث جابر ﴾. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٢/٣، وأخرجه مطولاً دون قوله: ((أدخلت يدي)) أحمد (٢٤٤٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، و(١٤٧٨٧) من حديث جابر ﴾. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٢/٣، وأخرجه بأطول مما هنا البخاري (٣٦٢١)، ومسلم (٢٢٧٤) من حديث أبي هريرة ﴾. (٧) بعدها في النسخ عدا (ظ): فأولاً، والمثبت من (ظ) وأحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٦٢، والكلام منه. ٢٥٤ سورة يوسف: الآية ٥ ما لا يظهر إلَّا بعد الفِكْر. وقد رأى النائم في زمن يوسف عليه السلام بقراً فأوَّلها يوسفُ السنين، ورأى أحَدَ عَشَرَ كوكباً والشمسَ والقمرَ فأوَّلَّها بإخوته وأبويه. السابعة: إن قيل: إنَّ يوسف عليه السلام كان صغيراً وَقْتَ رؤياه، والصغيرُ لا حُكْمَ لِفِعْلِه، فكيف تكون له رؤيا لها حُكْمٌ حتى يقول له أبوه: ﴿لَا نَقْصُصْ رُوْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾؟ فالجواب: أنَّ الرؤيا إدراكُ حقيقةٍ على ما قدَّمناه، فتكونُ من الصغير كما يكون منه الإدراكُ الحقيقيُّ في اليقظة، وإذا أخبر عما رأى صُدِّق، فكذلك إذا أخبر عمَا يرى في المنام(١). وقد أخبر الله سبحانه عن رؤياه وأنَّها وُجدت كما رأى، فلا اعتراض. رُوي أنَّ يوسف عليه السلام كان ابن اثنتي عَشْرةَ سنة(٢). الثامنة: هذه الآيةُ أصلٌ في ألَّ تُقَصَّ الرؤيا على غير شفيقٍ ولا ناصح، ولا على مَن لا يُحسِن التأويل فيها؛ روى أبو رَزِين العُقَيليُّ أنَّ النبيَّ# قال: ((الرؤيا جزءٌ من أربعين جزءاً من النبؤَّة، والرؤيا معلَّقةٌ بِرِجْلٍ طائرٍ ما لم يحدِّث بها صاحبُها، فإذا حدَّث بها وقعتْ، فلا تُحدِّثوا بها إلَّا عاقلاً أو مُحِبًّا أو ناصحاً)) أخرجه الترمذيُّ وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيح، وأبو رَزِين اسمُه لَقِيط بنُ عامر(٣). وقيل لمالك: أَيعبُر الرؤيا كلُّ أحد؟ فقال: أَبِالنبوّةِ يُلعب؟ وقال مالك: لا يعبُر الرؤيا إلَّا مَن يُحْسِنُها، فإنْ رأى خيراً أَخبر به، وإنْ رأى مكروهاً فليقل خيراً أو ليصمت. قيل: فهل يعبُرها على الخير وهي عنده على المكروه لقول مَن قال: إنَّها على ما أُوَّلت(٤) عليه؟ فقال: لا! ثم قال: الرؤيا جزءٌ من النبوَّة فلا يُتَلاعب بالنبوَّة. (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٦٢ - ١٠٦٣ . (٢) عرائس المجالس ص١١٢ عن ابن وهب. (٣) سنن الترمذي (٢٢٧٨)، وأخرجه أحمد (١٦١٨٣)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٨٣/١ واللفظ له. (٤) في (د) و(ز) و(م): تأولت، وفي (ظ): تأول، وفي (ف): تويلت، والمثبت من التمهيد ٢٨٨/١، والكلام منه. ٢٥٥ سورة يوسف: الآية ٥ التاسعة: وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ مباحاً (١) أنْ يُحذِّر المسلمُ أخاه المسلم ممن يَخافُه عليه، ولا يكون داخلاً في معنى الغِيبة؛ لأنَّ يعقوبَ عليه السلام قد حذَّر يوسفَ أنْ يَقُصَّ رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيداً. وفيها أيضاً ما يدلُّ على جوازٍ تركِ إظهارِ النعمة عند مَن تُخشى غائلتُه حسداً وكيداً؛ وقال النبيُّ﴾: ((استعينوا على حوائجكم بالكتمان؛ فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ محسود))(٢). وفيها أيضاً دليلٌ واضحٌ على معرفة يعقوبَ عليه السلام بتأويل الرؤيا؛ فإنَّه عَلم من تأويلها أنَّه سيظهرُ عليهم، ولم يبالِ بذلك من نفسه؛ فإنَّ الرجل يودّ أنْ يكون ولدُه خيراً منه، والأخُ لا يودُّ ذلك لأخيه(٣). ويدلُّ أيضاً على أنَّ يعقوبَ عليه السلام كان أحسَّ من بنيه حسدَ يوسف ويُغْضَتَه، فنهاه عن قَصَص الرؤيا عليهم خوفَ أنْ تَغِلَّ بذلك صدورُهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه، ومن هنا ومن فِعْلِهم بيوسف يدلُّ على أنَّهم كانوا غيرَ أنبياءَ في ذلك الوقت، ووقع في كتاب الطبريِّ لابن زيد أنَّهم كانوا أنبياء، وهذا يردُّه القطعُ بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنياويِّ، وعن عقوق الآباء، وتعريضٍ مؤمنٍ للهلاك، والتآمرِ في قتله(٤)، ولا التفاتَ لقولٍ مَن قال: إنَّهم كانوا أنبياء، ولا يستحيلُ في العقل زلَّةُ نبيٍّ، إلَّا أَنَّ هذه الزلَّة قد جمعت أنواعاً من الكبائر، وقد أجمع المسلمون على عصمتهم (١) في (ظ): على أنه يباح. (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٢٩/٣، والحديث أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء ص ١٨٧، والسهمي في تاريخ جرجان ص٢٢٣ من حديث أبي هريرة ﴾. وروي الحديث أيضاً عن معاذ كما في الضعفاء للعقيلي ١٠٨/٢، والكامل لابن عدي ٢/ ٧٧٠ - ٧٧١ ١٢٤٠/٣، وأخبار أصبهان لأبي نعيم ٢١٧/٢ والموضوعات لابن الجوزي (٨٨٩) و(٨٩٠). وعن ابن عباس كما في المجروحين لابن حبان ٣٨٤/١ - ٣٨٥، والموضوعات (٨٩١) و(٨٩٢). قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦٣/٣ . (٤) المحرر الوجيز ٢٢٠/٣، وخبر ابن زيد في تفسير الطبري ١٣/ ١٣. ٢٥٦ سورة يوسف: الآية ٥ منها، وإنَّما اختلفوا في الصغائر على ما تقدَّم ويأتي(١). العاشرة: روى البخاريّ(٢) عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله # يقول: ((لم يبقَ من النبوّة إلا المبشِّرات)) قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: ((الرؤيا الصالحةُ)). وهذا الحديث بظاهره يدلُّ على أنَّ الرؤيا بشرى على الإطلاق، وليس كذلك؛ فإنَّ الرؤيا الصادقةَ قد تكون منذِرةً من قِبَل الله تعالى لا تَسُرُّ رائيها، وإنَّما يُريها الله تعالى المؤمنَ رفقاً به ورحمة، ليستعدَّ لنزول البلاء قبل وقوعه(٣)؛ فإنْ أدرك تأويلها بنفسه، وإلَّا سأل عنها مَن له أهليَّةُ ذلك. وقد رأى الشافعيُّ ﴾ وهو بمصرَ رؤيا لأحمدَ بن حَتْبل تدلُّ على مِحنته، فكتب إليه بذلك ليستعدَّ لذلك(٤). وقد تقدَّم في ((يونس)) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الآية: ٦٤] أنَّها الرؤيا الصالحة. وهذا وحديث البخاريِّ مَخرجُه على الأغلب(٥)، والله أعلم. الحادية عشرة: روى البخاريُّ(٦) عن أبي سَلَمة قال: لقد كنتُ أرى الرؤيا فتُمْرِضُني، حتى سمعتُ أبا قَتَادة يقول: وأنا كنتُ لَأَرى الرؤيا فتُمْرِضُني حتى سمعتُ رسول الله يقول: ((الرؤيا الحسنةُ من الله؛ فإذا رأى أحدكم ما يحبُّ فلا يحدِّثْ به إلَّا مَن يحبُّ، وإذا رأى ما يكره فليتعوَّذ بالله من شرِّها، ولْيتَفُلْ ثلاثاً(٧)، ولا يحدِّثْ بها أحداً، فإنَّها لن تَضُرَّه)). (١) تقدم ٤٥٩/١ - ٤٦٠، وسيأتي ص ٢٦٥ من هذا الجزء. (٢) في صحيحه (٦٩٩٠). (٣) ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٧٥/١٢ - ٣٧٦ نحو هذا الكلام عن المهلب. (٤) روى الخبر مطولاً ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص ٥٥١ ، والمقدسي في محنة الإمام أحمد ص٨ - ١٠. (٥) أي أن التعبير بالمبشرات والبشرى خرج على الأغلب. ينظر الفتح ٣٧٥/١٢ . (٦) في صحيحه (٧٠٤٤)، وهو عند أحمد (٢٢٦٤٤)، ومسلم (٢٢٦١): (٤). (٧) في (م): ثلاث مرات. ٢٥٧ سورة يوسف: الآيتان ٥ - ٦ قال علماؤنا: فجعل الله الاستعاذة منها ممَّا يرفع أذاها؛ ألا ترى قول أبي سلمة (١): إنِّي كنت لَأَرى الرؤيا هي أثقلُ عليَّ من الجبل، فلمَّا سمعتُ بهذا الحديث كنت لا أَعُدُّها شيئاً. وزاد مسلم(٢) من حديث جابر عن رسول الله ﴾ أنَّه قال: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يَكْرُهُها فليَبْصُقْ عن يساره ثلاثاً، ولْيتعوَّذْ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحوَّلْ عن جنبه الذي كان عليه)). وفي حديث أبي هريرة عن النبيِّ # قال: ((إذا رأى أحدُكم ما يكره فليقُم فلْيُصَلِّ))(٣). قال علماؤنا: وهذا كلُّه ليس بمتعارِضٍ، وإنَّما هذا الأمر بالتحوُّل والصلاةِ زيادةٌ، فعَلَى الرَّائي أنْ يفعل الجميع، والقيامُ إلى الصلاة يشمل الجميع؛ لأنَّه إذا صلى تضمَّن فعلُه للصَّلاة جميعَ تلك الأمور؛ لأنَّه إذا قام إلى الصلاة تحوَّل عن جنبه، وإذا تمضمض نفث (٤) وبَصَق، وإذا قام إلى الصَّلاة تعوَّذ ودّعًا وتضرَّع لله تعالى في أنْ يكفيّه شرَّها في حالٍ هي أقربُ الأحوال إجابةً، وذلك السَّحَر من الليل. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَّ مَالِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَنَّهَا عَلَىَ أَبَوَّكَ مِن قَبْلُ إِثْزَهِيَمَ وَإِسَقَّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في موضع نصب؛ لأنَّها نعتٌ لمصدرٍ محذوف، وكذلك الكاف في قوله: ﴿كَمَّا أَتَنَّهَا عَلَىَّ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ و((ما)) كافَّة(٥). (١) في النسخ الخطية: قول قتادة، وفي (م): قول أبي قتادة، والمثبت من صحيح البخاري (٥٧٤٧) وصحيح مسلم (٢٢٦١): (٢). (٢) برقم (٢٢٦٢)، وهو عند أحمد (١٤٧٨٠). (٣) أخرجه مطولاً أحمد (٧٦٢٢)، ومسلم (٢٢٦٣). (٤) في (د) و(ظ) و(م): تفل، والمثبت من باقي النسخ والمفهم ١٩/٦، والكلام منه. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣١٤/٢، والتقدير في الكاف الأولى: ومِثْلَ ذلك الاجتباء العظيم يجتبيك. ويجوز فيها الرفع على خبر ابتداء مضمر، أي: الأمر كذلك. الدر المصون ٦/ ٤٤٠ . ٢٥٨ سورة يوسف: الآية ٦ وقيل: ((وَكَذَلِكَ)) أي: كما أكرمكَ بالرؤيا فكذلك يجتبيك، ويُحسن إليك بتحقيق الرؤيا. مقاتل: بالسجود لك. الحسن: بالنبوّة(١). والاجتباء: اختيارُ معالي الأمورِ للمجْتَبَى، وأصلُه من جَبَيْتُ الشيء، أي: حصَّلتُه، ومنه: جَبَيْتُ الماء في الحوض؛ قاله النحاس(٢). وهذا ثناءٌ من الله تعالى على يوسفَ عليه السلام، وتعديدٌ فيما عدَّده عليه من النِّعم التي آتاه الله تعالى، من التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث؛ وأجمعوا أنَّ ذلك في تأويل الرؤيا (٣). قال عبد الله بن شدَّاد بن الهاد: كان تفسير رؤيا يوسفَ # بعدَ أربعين سنة، وذلك منتهى الرئیا(٤). وعَنَى بالأحاديث ما يراه الناسُ في المنام، وهي معجزةٌ له؛ فإنَّه لم يَلْحَقْهُ فيها خطأ. وكان يوسف عليه السلام أعلَم الناس بتأويلها، وكان نبيِّنا # نحوَ ذلك، وكان الصدّيق ﴾ من أَغْبَر الناس لها، وحَصَل لابن سيرين فيها التقدُّم العظيم، والطبعُ والإحسان، ونحوُه أو قريبٌ منه كان سعيد بن المسيِّب فيما ذكروا(٥). وقد قيل: في تأويل قوله: ﴿وَيُعَلِمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ﴾ أي: أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد(٦)، فهو إشارةٌ إلى النبوّة، وهو المقصودُ بقوله: ﴿وَيُنْتُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بالنبوّة. وقيل: بإحواج(٧) إخوتك إليك. وقيل: بإنجائك من كُلِّ مكروه. (١) قول الحسن في النكت والعيون ٨/٣ . وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٨١/٤ عن ابن عباس. (٢) في معاني القرآن ٣٩٨/٣ . (٣) التمهيد ٣١٣/١. (٤) معاني القرآن للنحاس ٣٩٧/٣، وأخرجه ابن أبي شيبة ٨٢/١١، والطبري ٣٥٨/١٣. (٥) التمهيد ٣١٤/١. (٦) ذكر نحوه الزجاج في معاني القرآن ٣/ ٩٢. (٧) في (ظ) و(م): بإخراج، وهو موافق لما ورد في المطبوع من النكت والعيون ٨/٣، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في زاد المسير ١٨١/٤ وقد نقله ابن الجوزي عن الماوردي. ٢٥٩ سورة يوسف: الآيات ٦ - ٩ ﴿كَمَا أَتَنَّهَا عَلَى أَبَوَيِّكَ مِن قَبْلُ إِبْزَّهِيَمَ﴾ بالخَلَّة، وإنجائه من النار ﴿وَإِسْحَقَ﴾ بالنبوَّة. وقيل: إنجائه(١) من الذبح؛ قاله عِكرمة(٢). وأعلّمه الله تعالى بقوله: ﴿وَعَّ ءَالٍ يَعْقُوبَ﴾ أنَّه سيعطي بني يعقوب كلَّهم النبوّة؛ قاله جماعةٌ من المفسرين(٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بما يعطيك ﴿حَكِيمُ﴾ في فعله بك. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَدِ مَايَتٌ لِلِسَّآَيِينَ ﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىْ أَبِيْنَا مِنَّا وَفَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَلِ تُحِينٍ ﴿﴿ اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَجُوهُ أَرْضَا يَعْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، فَوْمًا صَلِينَ قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ: مَايَتٌ لِلِسَّآَيِينَ﴾ يعني: مَن سأل عن حديثهم. وقرأ أهلُ مَّة: ﴿آيةٌ﴾ على التوحيد(٤)؛ واختارَ أبو عبيد: ((آيَاتٌ)) على الجمع؛ قال: لأنَّها خيرٌ كثير. قال النحاس(٥): و((آيةٌ)) هنا قراءةٌ حسنة، أي: لقد كان للذين سألوا عن خبر يوسفَ آيَةٌ فيما خُبِّروا به؛ لأنَّهم سألوا النبيَّ # وهو بمكّة فقالوا: أخبرنا عن رجلٍ من الأنبياء كان بالشام أُخرج ابنُه إلى مصر، فبكى عليه حتى عمي - ولم يكن بمكّة أحدٌ من أهل الكتاب، ولا مَن يعرفُ خبر الأنبياء؛ وإنما وجَّهَ اليهودُ إليه(٦) من المدينة يسألونه عن هذا - فأنزل الله عزَّ وجلَّ سورة يوسف جملةً واحدة؛ فيها كلُّ ما في التوراة من خبرٍ وزيادةٌ. فكانَ ذلك آيَةً للنبيِّ #؛ بمنزلةٍ إحياءِ عيسى ابن مريم عليه السلام الميتَ. (١) قوله: إنجائه، من (ظ). (٢) أخرجه الطبري ١٦/١٣. وقد سلف التنبيه ٤٠٩/٢ على أن الصحيح هو أن الذبيح إسماعيلُ عليه السلام. (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٩٢/٣، والنكت والعيون ٨/٣، وتفسير البغوي ٤١٠/٢، والمحرر الوجيز ٢٢١/٣ . (٤) هي قراءة ابن كثير المكي والباقون على الجمع. السبعة ص٣٤٤ ، والتيسير ص١٢٧ . (٥) في إعراب القرآن ٣١٤/٢ ، وما قبله منه، إلا أنه وقع فيه: عبر كثيرة، بدل: خير كثير. (٦) في (ز) و(ف) و(م): إليهم، وليست في (د)، والمثبت من (ظ) وإعراب القرآن. ٢٦٠ سورة يوسف: الآيات ٧ - ٩ ((آية))(١): موعظة. وقيل: عبرة. ورُويَ أنَّها في بعض المصاحف: ((عبرة)). وقيل: بصيرة(٢). وقيل: عَجَب؛ تقول: فلانٌ آيةٌ في العلم والحُسْن؛ أي: عَجَب. قال الثعلبيُّ في ((تفسيره)): لمَّا بلغت الرؤيا إخوةً یوسف حسدوه؛ قال ابن زيد: كانوا أنبياء، وقالوا: ما يرضى أنْ يسجدَ له إخوتُه حتى يسجد له أبواه! فبغَوْه بالعداوة. وقد تقدَّم ردُّ هذا القول(٣). قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهٍِ﴾ وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرُهم، وشمعون ولاوى ويهوذا وزيالون ويشجر، وأمُّهم ليا بنت ليان، وهي بنتُ خال يعقوب، ووُلِد له من سُرِّيَّتين أربعةُ نفر؛ دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوَّجَ يعقوبُ أختَها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، فكان بنو يعقوبَ اثني عشر رجلاً(٤). قال السّهيلي(٥): وأمُّ يعقوب اسمها رفقا، وراحيل ماتت في نفاس بنيامين، ولیان بن ناهر بن آزر هو خال يعقوب. وقيل في اسم الأَمَتين: ليا وتلتا، كانت إحداهما لراحيل، والأخرى لأختها ليا، وكانتا قد وَهَبَتاهُما ليعقوب(٦)، وكان يعقوبُ قد جمع بينهما، ولم يَحِلَّ لأحدٍ بعده(٧)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفََّ﴾ [النساء: ٢٣]. وقد تقدَّم الردُّ على ما قاله ابن زيد(٨)، والحمد لله. (١) في (م): آيات. (٢) معاني القرآن للزجاج ٩٢/٣، ومعاني القرآن للنحاس ٣٩٩/٣. (٣) ص ٢٥٥ من هذا الجزء. (٤) تفسير البغوي ٢/ ٤١٠ - ٤١١، ووقع فيه: آشر، بدل: يشجر. وأشير، بدل: آشر. (٥) في التعريف والإعلام ص٧٩ - ٨٠ . (٦) التعريف والإعلام ص٨٢ . (٧) ينظر تفسير أبي الليث ١٥١/٢، وقد ذكر أبو الليث أن يعقوب جمع بين راحيل وأختها ليا، قال: وكان الناس يجمعون بين الأختين إلى أن بعث الله موسى عليه السلام. (٨) قوله: وقد تقدم الرد ... ، قد ذكره المصنف قبل، ولا محل له هنا.