Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة هود: الآيتان ١٢ - ١٣ وقيل: إنَّهم لمَّا قالوا: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَفُّ أَوْ جَآَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ هَمَّ أَن يَدَعِ سبَّ آلهتهم، فنزلت هذه الآية. فالكلام معناه الاستفهام؛ أي: هل أنتَ تاركٌ ما فيه سبُّ آلهتهم، كما سألوك؟ وتأكَّد عليه الأمرُ في الإبلاغ؛ كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَيٌْ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقيل: معنى الكلام النفي مع استبعادٍ، أي: لا يكون منك ذلك، بل تُبلِّغهم كلَّ ما أنزل إليك؛ وذلك أنَّ مشرکي مگّة قالوا للنبي ﴾: لو أتیتنا بكتابٍ ليس فيه سبُّ آلهتنا لا تبعناك، فهَمَّ النبيُّ# أنْ يَدَع سبَّ آلهتهم؛ فنزلت(١). قوله تعالى: ﴿وَضَبِقٌ بِهِ. صَدْرَُ﴾ عطف على ((تَارِكٌ))، و((صَدْرُكَ)) مرفوعٌ به(٢)، والهاء في ((به)) تعودُ على ((ما))، أو على ((بعض))(٣)، أو على التبليغ، أو التكذيب(٤). وقال: ((ضَائِقٌ)) ولم يقل: ضيّق، ليشاكل (تَارِكٌ)) الذي قبله؛ ولأنَّ الضّائقَ عارضٌ، والضِّيقَ ألزمُ منه(٥). ﴿أَنْ يَقُولُواْ﴾ في موضع نصب، أي: كراهيةَ أنْ يقولوا(٦)؛ أو: لئلا يقولوا؛ كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لئلا تضلُّوا. أو: لأنْ يقولوا (٧) . ﴿لَوْلًا﴾ أي: هلََّ ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنُّ أَوْ جَاءَ مَعَثُ مَلَكٌ﴾ يُصَدِّقِهِ؛ قاله عبد الله بنُ (١) ينظر الوسيط للواحدي ٥٦٦/٢. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٤/٢ . (٣) المحرر الوجيز ١٥٤/٣. (٤) ينظر الدر المصون ٢٩٤/٦. (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٥٤/٣، وفيه: لأنه وصف لازم. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٤/٢ . (٧) ينظر إملاء ما من به الرحمن (بحاشية الفتوحات الإلهية) ٢٦١/٣، والدر المصون ٢٩٤/٦. ٨٢ سورة هود: الآيات ١٢ - ١٤ أبي أمَّة بن المغيرة المخزوميّ(١)؛ فقال الله تعالى: يا محمد ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾: إنَّما عليك أنْ تُنذرهم، لا بأنْ تأتيّهم بما يقترحونه من الآيات(٢) ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ أي: حافظ وشهيد. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَنَةٌ﴾ ((أم)) بمعنى بل، وقد تقدَّم في ((يونس))(٣)؛ أي: قد أزحتَ عِلَّتهم وإشكالَهم في نبوَّتكَ بهذا القرآن، وحَجَجْتَهم به، فإن قالوا: افتريتَه - أي: اختلقتَه - فليأتُوا بمثله مفترَى بزعمهم ﴿وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الكهنة والأعوان. قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَعْلَمُوْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اَللَّهِ وَأَن لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ ( ١٤ قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ أي: في المعارضة، ولم تتهيأ لهم، فقد قامت عليهم الحجّة(٤)؛ إذْ هم اللَّسْنُ البلغاء، وأصحابُ الألسنِ الفُصحاء ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلَ يِعِلْمِ اللَّهِ﴾ واعلموا صدقَ محمد :﴿ ﴿و﴾ اعلموا ﴿أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ استفهامٌ معناه الأمر(٥). وقد تقدَّم القول في معنى هذه الآية، وأنَّ القرآن معجزٌ، في مقدمة الكتاب(٦)، والحمد لله. وقال: ﴿قُلّ فَأَتُواْ﴾ وبعده: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ ولم يقل: لك؛ فقيل: هو على تحويل المخاطبة من الإفراد إلى الجمع، تعظيماً وتفخيماً؛ وقد يُخاطب الرئيس بما يُخَاطِب به الجماعة(٧). (١) تفسير البغوي ٣٧٦/٢ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٤١/٣ والوسيط للواحدي ٢/ ٥٦٦ . (٣) ٣٤٤/٨. (٤) ينظر الوسيط ٢/ ٥٦٧. (٥) الوسيط للواحدي ٢/ ٥٦٧، وتفسير البغوي ٣٧٦/٢ . (٦) ١/ ١١٢ . (٧) ينظر تفسير الطبري ٣٤٦/١٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٥/٢، وزاد المسير ٨٣/٤. ٨٣ سورة هود: الآيتان ١٤ - ١٥ وقيل: الضميرُ في (لَكُمْ))، وفي ((فَاعْلَمُوا)) للجميع؛ أي: فليعلم الجميع ﴿أَنَّمَآَ أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ قاله مجاهد(١). وقيل: الضمير في (لكم))، وفي ((فاعلموا)) للمشركين، والمعنى: فإنْ لم يستجبْ لكم من تدعونَه إلى المعاونة، ولا تهيّأتْ لكم المعارضة ﴿فَعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اُلِّ﴾(٢). وقيل: الضمير في ((لكم)) للنبيِّ # وللمؤمنين، وفي ((فاعلموا)) للمشركين(٣). قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾﴾ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ﴾ كان زائدة، ولهذا جزم بالجواب فقال: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ قاله الفرَّاء(٤). وقال الزَجَّاج(٥): ((مَنْ كَانَ)) في موضع جزم بالشرط، وجوابه: ((نُوَفِّ إِلَيْهِمْ)) أي: من يَكُنْ يريد؛ والأوَّل في اللفظ ماضٍ، والثاني مستقبل، کما قال زهير: وَمَنْ هَاب أسبابَ المنايا يَثَلْنَهُ(٦) ولو رامَ أسبابَ السَّماءِ بِسُلَّم (٧) واختلف العلماء في تأويل هذه الآية: فقيل: نزلت في الكُفَّار؛ قاله الضحاك، (١) لم نقف عليه، وينظر المحرر الوجيز ١٥٩/٤ . (٢) ينظر تفسير الطبري ١٢/ ٣٤٥، وتفسير الرازي ١٩٦/١٧. (٣) ذكره الطبري في تفسيره ١٢/ ٣٤٥ وقال: وذلك تأويل بعيدٌ من المفهوم. (٤) في معاني القرآن له ٥/٢ . وقال في البحر المحيط ٢١٠/٥: ولعله لا يصح، إذ لو كانت زائدة لكان فعل الشرط (يريد))، وكان يكون مجزوماً. اهـ وينظر الدر المصون ٢٩٦/٦ . (٥) لم نقف عليه في معاني القرآن له، وهو في إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٧٥ . (٦) في (م): ومن هاب أسباب المنية يلقها. والمثبت من (د) و(ز) و(ظ) وهو الموافق للمصادر. (٧) الشطر الثاني سقط من (ز) و(ظ)، والبيت في ديوان زهير ص ٣٠، قال شارحه ثعلب: أي: من هاب أسباب المنية يلقها، وأسباب السماء: نواحيها ووجوهها. يقول: من اتقى الموت لقيه. ٨٤ سورة هود: الآية ١٥ واختاره النحاس(١)؛ بدليل الآية التي بعدها ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾. أي: مَنْ أتى منهم بصلة رَحِم أو صدقة، نكافئه به (٢) في الدنيا، بصحة الجسم، وكثرة الرزق، لكنْ لا حسنة له في الآخرة(٣). وقد تقدَّم هذا المعنى في ((براءة))(٤) مستوفّى. وقيل: المراد بالآية المؤمنون، أي: مَنْ أراد بعمله ثوابَ الدنيا؛ عُجِّل له الثوابُ، ولم يُنقص شيئاً في الدنيا، وله في الآخرة العذاب، لأنَّه جرَّد قَصدَه إلى الدنيا(٥)، وهذا كما قال ﴿: ((إنَّما الأعمالُ بالنيّات))(٦) فالعبدُ إنَّما يُعطَى على وجه قصده، وبحكم ضميره؛ وهذا أمرٌ متَّفقٌ عليه في الأمم بين كلِّ مِلَّةٍ(٧). وقيل: هو لأهل الرياء (٨)؛ وفي الخبر أنَّه يقال لأهل الرياء: صُمتُم، وصلَّيتُم، وتصدَّقُم، وجاهدتُم، وقرأتُم، ليقالَ ذلك، فقد قيلَ ذلك، ثم قال: ((إنَّ هؤلاء أولُ من تُسَغَر بهم النار))، رواه أبو هريرة، ثم بكى بكاءً شديداً، وقال: صَدَق رسول اللـه*، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا﴾ وقرأ الآيتين، خرَّجه مسلمٌ في (صحيحه)) بمعناه، والترمذيّ أيضاً(٩). وقيل: الآيةُ عامةٌ في كلِّ من ينوي بعمله(١٠) غير الله تعالى، كان معه أصلُ إيمانٍ، (١) في معاني القرآن له ٣٣٥/٣. وأخرج قول الضحاك الطبري ٣٤٩/١٢ - ٣٥٠. (٢) في (م): بها. (٣) ينظر زاد المسير لابن الجوزي ٨٤/٤ . (٤) ٢٣٦/١٠. (٥) أخرج الطبري نحوه ٣٤٨/١٢ عن ابن عباس، وسعيد بن جبير. وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٨٤ عن ابن عباس. (٦) سلف ٣/ ٢٧٠ . (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٤٤ . (٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٤/٣ ، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٨٤/٤ وقد نسب لمجاهد. (٩) صحيح مسلم (١٩٠٥)، وجامع الترمذي (٢٣٨٢)، وقال: حسن غريب. وهو عند أحمد (٨٢٧٧). (١٠) في (ز): بعلمه، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٤/٣. ٨٥ سورة هود: الآية ١٥ أو لم يكن(١). قاله مجاهدٌ وميمون بن مِهْران، وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مِهْران: ليس أحدٌ يعمل حسنةً إلَّا وُفِّيَ ثوابَها؛ فإنْ كان مسلماً مخلصاً وُفِّيَ في الدنيا والآخرة، وإنْ كان كافراً وُفِّيَ في الدنيا. وقيل: من كان يريد بغزوه مع النبي ﴿ [الغنيمة] وُفِّيَها، أي: وُفِّيَ أجرَ الغَزاة ولم يُنقص منها (٢)؛ وهذا خصوص، والصحيح العموم. الثانية: قال بعض العلماء: معنى هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّما الأعمالُ بالنيّات)»(٣). وتدلَّكَ هذه الآية على أنَّ من صام في رمضان لا عن رمضان، لا يقع عن رمضان، وتدلُّ على أنَّ من توضأ للتبرُّدِ والتنظّف، لا يَقع قُربةً عن جهة الصلاة(٤)، وهكذا كلُّ ما كان في معناه. الثالثة: ذهبَ أكثر العلماء إلى أنَّ هذه الآيةَ مطلقة، وكذلك الآية التي في (الشورى)) ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئٌِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْمِهِ مِنْهَا﴾ الآية [٢٠]، وكذلك ﴿وَمَنْ يُرِدّ ثَوَابَ الدُّنْيَا تُؤْتِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] قيَّدَها وفسّرها [بالآية] التي في (سبحان)) ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿مَخْطُورًا﴾ [الآيات: ١٨-٢٠]. فأخبرَ سبحانه أنَّ العبدَ ينوي ويريد، والله سبحانه يحكُم ما يريد(٥). ورَوى الضّخَّاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ُ أنَّها منسوخةٌ بقوله: ﴿مِّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ (٦) [الإسراء: ١٨]. والصحيحُ ما (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٤/٣ وهو من قوله. وأما نسبته لمجاهد، ففيها خلاف: فقد نقل النحاس في إعرابه ٢/ ٢٧٥ عنه أنه قال: نوف إليه حسناته في الدنيا. ونقل ابن عطية في المحرر ١٥٦/٣ عنه: أنها في الكفرة وفي أهل الرياء - كالقول السالف - وهو الذي ذهب إليه معاوية ﴾ (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٧٥ وما بين حاصرتين منه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٤٤ . (٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٢٥/٣ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٤٤/٣ ، وما بين حاصرتين منه. (٦) ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ (٦٢٥)، وأخرجه فيه (٧٨١). وينظر الدر المنثور ٣٢٣/٣. ٨٦ سورة هود: الآيتان ١٥ - ١٦ ذكرناه؛ وأنَّه من باب الإِطلاق والتقييد؛ ومثله قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]. فهذا ظاهرُه خبرٌ عن إجابة كلِّ داعٍ دائماً على كلِّ حال، وليس كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. والنسخ في الأخبار لا يجوز؛ لاستحالة تبدُّل الواجبات العقلية، ولاستحالة الكذب على الله تعالى، فأما الأخبارُ عن الأحكام الشرعيَّة، فيجوزُ نسخُها على خلافٍ فيه، على ما هو مذكورٌ في الأصول(١)؛ ويأتي في ((النحل)) بيانه إنْ شاء الله تعالى(٢). قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَيَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ التَّارُ﴾ إشارةٌ إلى التّخليد، والمؤمن لا يُخلَّد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، فهو محمولٌ على ما لو كانت موافاةُ هذا المُرائي على الكفر. وقيل: المعنى ليس لهم إلا النَّار في أيامٍ معلومةٍ ثمَّ يخرج؛ إمَّا بالشفاعة، وإمَّا بالقَبْضة(٣). والآية تقتضي الوعيد بسَلْب الإيمان، وفي الحديث: المعاصي بريدُ(٤) (١) ينظر إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص٣٩٩، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٠٥/١ و ٤٧٢/٢ - ٤٧٣، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٣٢٥ لمكي، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص٢٢ . (٢) عند تفسير الآية ٦٧ منها. (٣) كما ورد في الحديث الذي أخرجه أحمد (١١٨٩٨)، ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري، أنه تعالى يقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حُمماً، فيلقيهم في أفواه الجنة. (٤) في (ظ): العاصي يريد، وفي (م): الماضي يريد. ٨٧ سورة هود: الآيتان ١٦ - ١٧ الكفر (١)، وخاصةً الرياء، إذْ هو شرٌ؛ على ما تقدَّم بيانه في ((النساء))، ويأتي في آخر ((الكهف))(٢). ﴿وَطِلُّ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ابتداءٌ وخبر؛ قال أبو حاتم: وحَذَف الهاء؛ قال النحاس(٣): هذا لا يَحتاج إلى حذف؛ لأنَّه بمعنى المصدر، أي: وباطلٌ عمله. وفي حرف أُبيّ وعبدِ الله (٤): ((وَبَاطِلاً مَا كَانُوا يَعْمَلُون)) تكون(٥) ((ما)) زائدة، أي: وكانوا يعملون باطلاً. قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةِ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ. كِنَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةٌ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهٍ فَلَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَيْكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ ابتداءٌ، والخبر محذوف، أي: أفمن كان على بيِّةٍ من ربِّه في اتّباع النبيّ ﴾، ومعه من الفضل ما يتَبَيَّن به؛ كغيره ممن يريد الحياةَ الدنيا وزينتها؟! عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن(٦). وكذا قال ابن زيد: إنَّ الذي على بيّنةٍ هو من اتبع النبيّ محمداً ﴾(٧). (١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٢٢٩/١٠، والبيهقي في شعب الإيمان ٥/ ٤٤٧ من قول أبي حفص النيسابوري. ونقل العجلوني في كشف الخفاء ٢٧٨/٢ عن ابن حجر المكي أنه قال: أظنه من قول السلف، وقيل: إنه حديث. (٢) سلف ١٩٠/٧ - ١٩١، وسيرد عند تفسير الآية ١١٠ من سورة الكهف. (٣) في إعراب القرآن له ٢٧٥/٢، وما قبله منه. (٤) القراءات الشاذة ص٥٩، والمحتسب ٣٢٠/١. (٥) في (م): وتكون. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/٢ . (٧) أخرج الطبري ٣٥٥/١٢ - ٣٥٦ عن ابن زيد في قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ قال: رسول الله ◌َ﴾ كان على بينة من ربّه. وذكر الماوردي في النكت والعيون ٤٦١/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٨٥/٤ عن ابن زيد: أن البينة القرآن. ٨٨ سورة هود: الآية ١٧ ﴿وَتْلُهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾: من الله، وهو النبيّ﴾. وقيل: المراد بقوله: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾: النبيُّ ﴾(١)، والكلامُ راجعٌ إلى قوله: ﴿وَضَبِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾؛ أي: أفمن كان معه بيانٌ من الله، ومعجزةٌ كالقرآن، ومعه شاهد کجبريل - على ما يأتي(٢) - وقد بَشَرت به الكتب السالفة، يَضيقُ صدره بالإبلاغ، وهو يعلم أنَّ الله لا يُسْلِمِه. والهاء في ((ربّه)) تعود عليه. وقوله: ﴿وَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ُ رَوى عِكرمة عن ابن عباس: أنَّه جبريل؛ وهو قول مجاهد والنَّخَعِيُّ(٣). والهاء في ((منه)) لله عزَّ وجلَّ، أي: ويتلو البيانَ والبرهانَ شاهدٌ =(٤) من الله عزَّ وجلَّ(٤). وقال مجاهد: الشاهد ملَك من الله عزَّ وجلَّ يحفظُه ويُسدِّده(٥). وقال الحسن البصري وقَتَادة (٦): الشاهدُ لسان رسول اللـه ﴾. قال محمدُ بن علي ابنُ الحنفية: قلت لأبي: أنتَ الشاهد؟ فقال: وَدِدتُ أنْ أكون أنا هو، ولكنَّه لسانُ (٧) رسول الله وقيل: هو علي بن أبي طالب؛ روي عن ابن عباس أنَّه قال: هو علي بن أبي طالب(٨)؛ وروي عن عليَّ أنَّه قال: ما من رجلٍ من قريشٍ إلَّا وقد أُنزِلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل: أيُّ شيءٍ نَزَل فيك؟ فقال عليّ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (٩). (١) النكت والعيون ٤٦١/٢، زاد المسير ٨٦/٤. (٢) في (ز): أو علي على ما يأتي. (٣) أخرجه الطبري ٣٥٧/١٢ - ٣٥٨ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/٢، والنكت والعيون ٢/ ٤٦١. (٥) تفسير مجاهد ٣٠١/١ - ٣٠٢، وأخرجه الطبري ١٢/ ٣٦٠. (٦) النكت والعيون ٤٦١/٢، وأخرج قولهما الطبري ٣٥٤/١٢. (٧) أخرجه الطبري ٣٥٤/١٢، وابن أبي حاتم ٢٠١٤/٦ (١٠٧٥٩) والطبراني في الأوسط (٦٨٢٤). (٨) لم نقف عليه. (٩) النكت والعيون ٤٦١/٢، وأخرجه الطبري ٣٥٦/١٢ وابن أبي حاتم ٢٠١٥/٦ (١٠٧٦٤). وقال ابن کثیر في تفسيره ٤/ ٣١٢ : هو ضعيف لا يثبت قائله. ٨٩ سورة هود: الآية ١٧ وقيل: الشاهدُ: صورة رسول الله :﴿ ووجهُه ومخايلُهُ؛ لأنَّ من كان له فضلٌ وعقلٌ؛ فنظر إلى النبيِّ#؛ عَلِم أنَّه رسول اللـه ﴾(١)؛ فالهاء على هذا ترجع إلى النبيّ ﴾، على قول ابن زيدٍ(٢) وغيره. وقيل: الشاهدُ: القرآن في نظمه وبلاغته، والمعاني الكثيرة منه في اللَّفظ الواحد؛ قاله الحسين بن الفضل(٣)؛ فالهاء في ((منه)) للقرآن. وقال الفرَّاء(٤): قال بعضهم: ﴿وَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: الإنجيل، وإن كان قبلَه؛ فهو يتلو القرآن في التصديق(٥)؛ والهاء في ((منه)) لله عزَّ وجلَّ. وقيل: البيّنة: معرفةُ الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه: العقلُ الذي رُگِّب في دماغه، وأشرقَ صدرُه بنوره. ﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل الإنجيل. ﴿كِنَبُ مُوسَى﴾ رفع بالابتداء، قال أبو إسحاق الزجَّاج(٦): والمعنى: ويتلوه من قبله كتابُ موسى؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ موصوفٌ في كتاب موسى؛ ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ الثَّوْرَةِ وَالْإِنْجِلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وحكى أبو حاتم عن بعضهم: أنَّه قرأ: ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابَ مُوسَى» بالنصب؛ وحكاها المهدويّ عن الكَلْبِيّ(٧)؛ يكون معطوفاً على الهاء في ((يَتْلُوهُ) (٨)، والمعنى: ويتلو كتابَ موسى جبريلُ عليه السلام؛ وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما (٩)؛ (١) زاد المسير ٨٦/٤ . (٢) سلف قوله قريباً. (٣) تفسير البغوي ٢/ ٣٧٧، وزاد المسير ٨٦/٤ . (٤) في معاني القرآن له ٦/٢ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/٢ وعنه نقل المصنف كلام الفراء. (٦) في معاني القرآن له ٣/ ٤٤، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/٢ . (٧) القراءات الشاذة ص٥٩ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/٢ . (٩) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٠١٥/٦ (١٠٧٦٧). ٩٠ سورة هود: الآية ١٧ المعنى: ومن قبله تلا جبريلُ كتابَ موسى على موسى. ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضاً من هذا القول أن يُرفع ((كتاب)) على أن يكون المعنى: ومِن قبله کتابُ موسى كذلك(١)، أي: تلاه جبريلُ على موسى كما تلا القرآن على محمد. ﴿إِمَامًا﴾ نصب على الحال(٢). ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ معطوف. ﴿أُوْقَّبَكَ يُؤْمِنُونَ بِهُ﴾ إشارةٌ إلى بني إسرائيل، أي: يؤمنون بما في التوراة من البشارة بك؛ وإنَّما كفر بك هؤلاء المتأخرون(٣)، فهم الذين موعدُهم النار؛ حكاه القشيريّ. والهاء في ((به)) يجوز أنْ تكون للقرآن، ويجوز أنْ تكون للنبيّ ﴾(٤). ﴿وَمِنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يعني من الملل كلِّها؛ عن قَتَادة؛ وكذا قال سعيد بن جُبَير(٥): ((الأحزاب)): أهلُ الأديان كلِّها؛ لأنَّهم يتحازبون. وقيل: قريشٌ وحلفاؤهم (٦). ﴿فَالتَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي: هو من أهل النار؛ وأنشد حسان: أوردتُموها حياضَ الموتِ ضاحيةً فالنارُ موعدُها والموتُ لاقيها(٧) وفي (صحيح مسلم))(٨) من حديث أبي هريرة(٩) عن النبي : ((والذي نفسُ (١) ينظر زاد المسير ٨٧/٤ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٤٤/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/٢. (٣) في (د) و(ز): المفاخرون. (٤) ينظر زاد المسير ٨٨/٤. وذكر فيه وجهاً ثالثاً، وهو أن تكون للتوراة. (٥) النكت والعيون ٢/ ٤٦٢، وزاد المسير ٨٨/٤، وأخرج قوليهما الطبري ٣٦٤/١٢ - ٣٦٥. (٦) ذكره الماوردي ٢/ ٤٦٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٨٨/٤ عن السُّدِّي. (٧) ديوان حسان ص٢٥٩ . وفيه: والقتل لاقيها، بدل: والموت لاقيها. وضاحية: أي وقت الضحى، والضَّحاء: ارتفاع النهار واشتداد وقع الشمس. ينظر لسان العرب (ضحي). (٨) (١٥٣)، وأخرجه أحمد (٨٦٠٩). وما سيرد بين حاصرتين منهما. (٩) في (م): أبي يونس، وفي النسخ الخطية: أبي موسى. والمثبت من صحيح مسلم. وأما حديث أبي موسى فقد أخرجه أحمد (١٩٥٣٦) والنسائي في الكبرى (١١١٧٧) بغير هذه السياقة. وينظر المحرر الوجيز ١٥٨/٢. ٩١ سورة هود: الآيات ١٧ - ١٩ محمدٍ بيدِهِ، لَا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة؛ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ؛ [ثم يموت] ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلَّا كان من أصحاب النار)). ﴿فَلَ تَكُ فِى مِيَةِ﴾ أي: في شكّ ﴿مِنْهُ﴾ أي: من القرآن ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَبِّكَ﴾ أي: القرآن من الله؛ قاله مقاتل. وقال الكَلْبيّ: المعنى: فلا تكُ في مريةٍ في أنَّ الكافر في النار(١). ((إِنَّه الحَقُّ) أي: القولُ الحقُّ الكائن. والخطابُ للنبي ﴾، والمرادُ جميع المكلَّفين(٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى النَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِّبًا﴾ أي: لا أحدَ أظلمُ منهم لأنفسهم؛ لأنَّهم افترَوا على الله كذباً، فأضافوا كلامه إلى غيره، وزعموا أنَّ له شريكاً وولداً (٣)، وقالوا للأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ﴿أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَيِّهِمْ﴾ أي: يحاسبُهم على أعمالهم. ﴿وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ﴾ يعني: الملائكة الحَفَظة؛ عن مجاهد(٤) وغيره؛ وقال سفيان: سألتُ الأعمش عن ((الْأَشْهَادُ)) فقال: الملائكة(٥). الضَّحاك: هم الأنبياء والمرسلون؛ دليله قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَ هَؤُلاء شَهِيدًا﴾(٦) [النساء: ٤١]. وقيل: الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلَّغوا الرسالات. (١) قول مقاتل والكلبي في النكت والعيون ٢/ ٤٦٢، وزاد المسير ٨٩/٤. (٢) قاله الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٤٦٢. (٣) ينظر تفسير البغوي ٣٧٨/٢، والمحرر الوجيز ١٥٩/٢. (٤) تفسير مجاهد ٣٠٢/١، وأخرجه الطبري ١٢/ ٣٦٧. (٥) أخرجه الطبري ٣٦٨/١٢ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٣٣٩/٣، وأخرجه الطبري ٣٦٨/١٢ . ٩٢ سورة هود: الآيات ١٨ - ٢٠ وقال قتادة: عنى الخلائق أجمع(١). وفي ((صحيح مسلم)) (٢) من حديث صفوان بن مُحرِز، عن ابن عمر، عن النبي ﴾، وفيه قال: ((وأمَّا الكفَّارُ والمنافقون فينادَى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاءِ الذين كَذَبوا على الله)). ﴿أَلَا لَغْنَةُ اَللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أي: بُعدُه وسُخْطه وإبعادُه من رحمته على الذين وضعوا العبادةَ في غير موضعها. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ يجوز أنْ تكون ((الَّذِينَ)) في موضع خفض نعتاً للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع، أي: هم الذين(٣). وقيل: هو ابتداءً خطاب من الله تعالى، أي: الذين(٤) يصدُّون أنفسهم وغيرَهم عن الإيمان والطاعة. ﴿وَيَغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يعدلون بالنَّاس عنها إلى المعاصي والشرك ﴿وَهُم بِلْأَخِرَوَ هُ كَفِرُونَ﴾ أعاد لفظ ((هم)) تأكيداً(٥). قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةُ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابٌ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ( قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِينَ فِ آلْأَرْضِ﴾ أي: فائتين من عذاب الله. وقال ابن عباس: لم يُعجزوني أنْ آمر الأرض فَتُخسف بهم(٦). ﴿وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَّةٌ﴾ يعني: أنصاراً، و ((مِنْ)) زائدة. وقيل: ((ما)) بمعنى الذي(٧)، تقديره: أولئك لم يكونوا معجزين لا هم ولا الذين كانوا لهم من (١) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٦٧ . (٢) (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٥٤٣٦)، والبخاري (٢٤٤١). (٣) ينظر المحرر الوجيز ١٦٠/٣. (٤) في (م): هم الذين. (٥) معاني القرآن للزجاج ٤٥/٣ . (٦) في (د) و(ف) و(م): فتنخسف. والمثبت من (ز)، وهو الموافق لما في زاد المسير ٤/ ٩٠. (٧) ينظر الدر المصون ٣٠٢/٦. ٩٣ سورة هود: الآيات ٢٠ - ٢٢ أولياء من دون الله؛ وهو قولُ ابن عباس رضي الله عنهما. ﴿يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابٌ﴾ أي: على قدر كُفْرهم ومعاصيهم ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ ((ما)) في موضع نصبٍ على أنْ يكون المعنى: بما كانوا يستطيعون السمع، وبما كانوا يبصرون، ولم يستعملوا ذلك في استماع الحقِّ وإبصاره. والعرب تقول: جزيتُهُ ما فعل وبما فعل؛ فيحذفون الباء مرَّةً ويثبتونها أخرى؛ وأنشد سيبويه(١): أَمَرْتُكَ الخيرَ فافعل ما أمِرتَ بهِ فقد تَركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبٍ ويجوز أن تكون ((ما)) ظرفاً، والمعنى: يُضَاعف لهم العذاب(٢) أبداً، أي: وقتَ استطاعتهم السَّمع والبصر، والله سبحانه يجعلهم في جهنم مستطيعي ذلك أبداً. ويجوز أنْ تكون ((ما)) نافيةً لا موضع لها؛ إذ الكلامُ قد تمَّ قبلها، والوقفُ على العذاب كافٍ؛ والمعنى: ما كانوا يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعاً ينتفعون به، ولا أنْ يُبصروا إبصارَ مهتد. قال الفرّاء(٣): ما كانوا يستطيعون السمع؛ لأنَّ الله أضلَّهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجَّاج(٤): لِبُغضهم النبيَّ # وعداوتهم له، لا يستطيعون أن يسمعوا منه، ولا يفقهوا عنه. قال النحاس(٥): وهذا معروفٌ في كلام العرب؛ يقال: فلانٌ لا يستطيع أنْ ينظر إلى فلانٍ، إذا كان ذلك ثقيلاً عليه. قوله تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ لَ جَرَمَ أَّهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ابتداءٌ وخبر ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ضَاعَ عنهم افتراؤُهم وتَلِف. (١) في الكتاب ٣٧/١. وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/٢ والكلام منه، وسلف ١٢٣/٤. (٢) لفظ: العذاب. زيادة من (ظ) وهي موافقة لما في إعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/٢ . (٣) في معاني القرآن له ٨/٢ . (٤) في معاني القرآن له ٤٥/٣ . (٥) في إعراب القرآن له ٢/ ٢٧٧. وما قبله منه، وينظر مشكل إعراب القرآن ١/ ٣٥٧. ٩٤ سورة هود: الآيتان ٢١ - ٢٢ قوله تعالى: ﴿لَ جَرَمَ﴾ للعلماء فيه أقوال؛ فقال الخليل وسيبويه(١): ((لَا جَرَمَ)) بمعنى: حَقَّ، فـ ((لا)) و((جَرَمَ)) عندهما كلمة واحدة، و((أنَّ) عندهما في موضع رفع؛ وهذا قول الفرّاء(٢) ومحمد بن يزيد(٣)؛ حكاه النخَّاس(٤). قال المهدويّ: وعن الخليل أيضاً، أنَّ معناها: لابدَّ ولا محالة، وهو قول الفرَّاء(٥) أيضاً؛ ذكره الثعلبيّ. وقال الزَّجَّاج(٦): ((لا)) هاهنا نفي، وهو رةٌّ لقولهم: إنَّ الأصنامَ تنفعُهم، كأنَّ المعنى: لا ينفعهم ذلك، و((جَرَمَ)) بمعنى: كَسَب، أي: كَسَب ذلك الفعلُ لهم الخسران، وفاعل كسب مُضمر، و((أنَّ) منصوبةٌ بجَرَم(٧)، كما تقول: كَسَبَ جفاؤُك زيداً غضبه عليك. وقال الشاعر: نَصبنا رأسَه في رأس چِذْع (٨) بما جَرَمَتْ يداه وما اعْتَدينا(٩) أي: بما كسبت. وقال الكسائيّ: معنى ((لَا جَرَمَ)): لا صَدَّ ولا مَنْع عن أنَّهم (١٠). وقيل: المعنى: لا قَطَعَ قاطعٌ، فحذفَ الفاعل حين كَثُر استعماله(١١). (١) ذكره في الكتاب ١٣٨/٣ على أنه قول المفسرين. (٢) في معاني القرآن له ٨/٢ . (٣) هو المبرّد، وكلامه في المقتضب ٣٥١/٢. (٤) في إعراب القرآن له ٢/ ٢٧٧، وينظر مشكل إعراب القرآن ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨. (٥) في معاني القرآن له ٨/٢ . (٦) في معاني القرآن له ٤٦/٣. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٨/٢ . وما قبله منه. (٨) في (م) و(ظ): والنكت والعيون ٢/ ٤٦٤: نصبنا رأسه في جذع نخل. والمثبت من (ز) و(د) و(ف) وهو الموافق لما في المصادر الآتية. (٩) ورد في الزاهر لابن الأنباري ١/ ٢٧٢، وأمالي المرتضى ١١٠/١، والخزانة ٢٨٦/١٠ دون نسبة. (١٠) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٨/٢. (١١) ينظر مجمع البيان ١٢٩/١٢. ٩٥ سورة هود: الآيات ٢١ - ٢٣ والجَرْمِ: القَطْع؛ وقد جَرَمَ النَّخْلَ واجترَمَه، أي: صَرَمه، فهو جارِمٌ، وقومٌ جُرَّمٌ، وهذا زمن الجَرَام والجِرَامِ، وجَرَمتُ صوف الشاة، أي: جززتُه، وقد جَرَمتُ منه: إذا أخذتَ منه؛ مثل: جَلَمْتُ الشيءَ جَلْماً، أي: قطعتُهُ (١)، وجَلَمتُ الجزورَ أَجْلِمُها جَلْماً: إذا أخذتَ ما على عظامها من اللَّحم، وأخذتُ الشيء بجَلْمتِه - ساكنة اللام - إذا أخذتَه أجمع، وهذه جَلَمة الجزور - بالتحريك - أي: لحمُها أجمع. قاله .. (٢) الجوهريّ(٢). قال النَّحاس(٣): وزعم الكسائيُّ أنَّ فيها أربعَ لغات: لا جَرَمَ، ولا عن ذا جَرَم، ولا أَنْ ذا جَرَم، قال: وناسٌ من فَزَارة يقولون: لا جَرَ أنَّهم، بغير ميم. وحكى الفرّاء فيه لغتين أخريين قال: بنو عامرٍ يقولون: لا ذا جَرَمَ، قال: وناسٌ من العرب يقولون: لا جُزْم بضم الجيم(٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ((الذين)) اسمُ ((إنَّ)، ((آمَنُوا)) صلة؛ أي: صدَّقوا ﴿وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَتُّوْاْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ عطف على الصلة(٥). قال ابن عباس: ﴿وَأَخْبَتُواْ﴾: أنابوا(٦). مجاهد: أطاعوا(٧). قَتَادة: خشَعوا (١) في (ظ) و(م) قطعت، والمثبت من (د) و(ف) وهو الموافق لما في الصحاح وسقط في (ز) من قوله: الشيء جلماً ... إلى قوله قاله الجوهري. (٢) في الصحاح (جرم) (جلم). (٣) في إعراب القرآن له ٢٧٨/٢ . (٤) معاني القرآن للفراء ٨/٢ - ٩، وليس فيه القول الثاني، وحكى القولين عنه النحاس في إعراب ٢٧٨/٢. وينظر أمالي المرتضى ١١٠/١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٨/٢ . (٦) أخرجه الطبري ١٢/ ٣٧٤ . (٧) لم نقف على قول مجاهد بهذا اللفظ، والذي في تفسير مجاهد ٣٠٢/١ وتفسير الطبري ١٢/ ٣٧٥ وزاد المسير ٩٣/٤ : أخبتوا: اطمأنوا . ٩٦ سورة هود: الآيتان ٢٣ - ٢٤ وخضَعوا(١). مقاتل: أخلصوا(٢). الحسن: الإخباتُ: الخشوعُ للمخافة الثابتة في القلب. وأصلُ الإخبات: الاستواء، من الخَبْت، وهو الأرضُ المستوية الواسعة. فالإخباتُ: الخشوعُ أو الاطمئنان، أو: الإنابةُ إلى الله عزَّ وجلَّ، المستمرّة(٣)، وذلك(٤) على استواء(٥). ((إِلَى رَبِّهِمْ)) قال الفرّاء (٦): إلى ربِّهم ولربِّهم، واحد، وقد يكون المعنى: وجَّهوا إخباتَهم إلى ربهم. ﴿أُوْلَبِكَ أَعْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ خبر ((إِنَّ))(٧). قوله تعالى: ﴿مَثَلُ اَلْفَرِقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَرِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ نَكَُّونَ ج قوله تعالى: ﴿مَثَلُ اَلْفَرِيقَيْنِ﴾ ابتداء، والخبر ﴿كَاَلْأَعْمَى﴾ وما بعده. قال الأخفش(٨): أي: كمثل الأعمى. النحاس(٩): التقديرُ: مَثَلُ فريق الكافر كالأعمى والأصمّ، ومثلُ فريق المؤمن كالسميع والبصير، ولهذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ فردَّ إلى الفريقين وهما اثنان؛ رُوي معناه عن قَتَادة وغيره(١٠). (١) أخرجه الطبري ٣٧٥/١٢ . (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٤٦٥، وابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٩٣. (٣) في (ز) و(ظ): المستمر. (٤) في النسخ عدا (ظ): ذلك. والمثبت من (ظ). (٥) ينظر مجمع البيان ١٢/ ١٣٤. (٦) في معاني القرآن له ٩/٢ - ١٠، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٧٨/٢. (٧) قوله: ((أصحاب الجنة)) سقط من النسخ، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٢٧٨/٢ . (٨) في معاني القرآن له ٢/ ٥٧٦ . (٩) في إعراب القرآن له ٢٧٨/٢ وما قبله منه. (١٠) في النسخ: مَثَلُ فريق الكافر كالأصم، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. ٩٧ سورة هود: الآيات ٢٤ - ٢٧ قال الضَّخَّاك: الأعمى والأصمُّ مثلٌ للكافر، والسميع والبصير مثلٌ للمؤمن(١). وقيل: المعنى: هل يستوي الأعمى والبصير، وهل يستوي الأصمُّ والسميع؟ ﴿مَثَلًا﴾ منصوبٌ على التفسير(٢) ﴿أَفَلَا نَذَگِّرُونَ﴾ في الوصفين وتنظرون؟ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّينُ (١٥) أَنْ لَّا نَبُدُوَأْ ٢٦ إِلَّ اللَّهُ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ذكَر سبحانَه قصصَ الأنبياء عليهم السلام للنبي 8# تنبيهاً له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أنْ يكفيَه اللهُ أمرَهم. ﴿إِنِ﴾ أي: فقال: إني؛ لأنَّ في الإرسال معنى القول. وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو والكسائيُّ: ((أَنِّي)) بفتح الهمزة(٣)، أي: أرسلناه بأني لكم نذيرٌ مبين(٤). ولم يقل: ((إنه))؛ لأنه رجع من الغيبة إلى خطاب نوح لقومه؛ كما قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاجِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ ثم قال: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥](٥). قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهُ﴾ أي: اتركوا الأصنام فلا تعبدوها، وأطيعوا الله وحده. ومَن قرأ: ((إنّي)) بالكسر جعله معترِضاً في الكلام، والمعنى: أرسلناه بألّا تعبدوا إلا الله (٦). ﴿إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَلْعَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا نَرَتِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا تَرَكَ أَتَّعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلُنَا بَدِىَ الَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نُكُمْ كَذِیین فیه أربع مسائل : (١) معاني القرآن للنحاس ٣٤١/٣. (٢) في (م): التمييز، وهما بمعنى. وينظر المحرر الوجيز ١٦٢/٣. (٣) السبعة ص٣٣٢، والتيسير ص١٢٤، وتفسير البغوي ٣٧٩/٢ والكلام منه. (٤) الحجة للفارسي ٣١٥/٤، والكشف عن وجوه القراءات ٥٢٥/١. قال مكي: لأن ((أرسل)) يتعدى إلى مفعولين، الثاني بحرف جر. (٥) ينظر الحجة للفارسي ٣١٥/٤ . (٦) ينظر الحجة ٣١٦/٤، والبحر ٢١٤/٥. ٩٨ سورة هود: الآية ٢٧ الأولى: قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْعَلَأُ﴾ قال أبو إسحاقَ الزّجَّاج: الملأ الرؤساء؛ أي: هم مليئون بما يقولون(١). وقد تقدّم هذا في ((البقرة))(٢) وغيرِها. ﴿مَا نَرَئِكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ أي: آدميًّا ﴿مِثْلَنَا﴾ نصبٌ على الحال(٣). و((مثلَنا)) مضافٌ إلى معرفة، وهو نكرةٌ يقدَّرُ فيه التنوينُ(٤)، كما قال الشاعر: يا رُبَّ مِثْلِكِ في النِّساءِ غَرِيرَةٍ (٥) الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَئِكَ أَتَّعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلْنَا﴾ أَرَاذل جمع أرْذُل، وأَرْذُل جمع رَذْل، مثلُ كَلْب وأكْلُب وأَكَالب(٦). وقيل: الأراذل جمع الأَرْذَل(٧)، كأَسَاود جمع الأَسْوَد من الحيَّات. والرَّذْل: النَّذْل. أرادوا: اتّبعك أَخِسَّاؤنا وسَقَطُنا(٨) وسَفِلَتْنا. قال الزجَّاج(٩): نَسَبوهم إلى الحِياكة [والحِجامة]، ولم يعلموا أنَّ الصناعاتِ لا (١) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٤٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٧٩/٢ . ووقع عند الزجاج: مَلاءٌ بالرأي وبما يُحتاج إليه منهم، بدل: مليئون بما يقولون. (٢) ٢٢٨/٤. (٣) سياق الكلام عند المصنف رحمه الله قد يوهم أن المنصوب على الحال هو قوله: ((مثلنا»، وإنما المنصوب على الحال هو قوله: ((بشراً)). وهذا على اعتبار أن الفعل من رؤية العين، ويجوز أن يكون الفعل من رؤية القلب، فيكون: ((بشراً)) المفعول الثاني. والأمر كذلك في قوله: ﴿وَمَا نَرَكَ أَتَّعَكَ﴾. وأما قوله: ((مثلنا)»، فمنصوب على النعت. ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٧٩/٢، والإملاء للعكبري ٢٦٧/٣ (بهامش الفتوحات الإلهية)، وروح المعاني للآلوسي ٣٧/١٢ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٩/٢. (٥) وعجزُه: بيضاء قد متَّعتُها بطلاق، والبيت لأبي محجن الثقفي كما في الكتاب ٤٢٧/١ و٢٨٦/٢ ، وشرح الشواهد للشنتمري ص٢٤٢ و٣٤٦، وشرح المفصل لابن يعيش ١٢٦/٢، وهو بلا نسبة في المقتضب ٢٨٩/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٢٧٩/٢ . قال الشنتمري: الشاهد فيه إضافة رب إلى مثلك؛ لأنها نكرة وإن كانت بلفظ المعرفة. والغريرة: المغترة بلين العيش، الغافلة عن صروف الدهر. (٦) تفسير البغوي ٢/ ٣٨٠ . (٧) معاني القرآن للنحاس ٣٤١/٣، والمحرر الوجيز ١٦٣/٣. (٨) في (ظ): وسقطتنا. (٩) في معاني القرآن ٩٥/٤ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. ٩٩ سورة هود: الآية ٢٧ أثرَ لها في الدِّيانة. قال النحاس(١): الأراذل همُ الفقراءُ، والذين لا حَسَبَ لهم، والخسيسو الصناعاتِ. وفي الحديث: ((إنَّهم كانوا حاكَةً وحَجَّامين))(٢). وكان هذا جهلاً منهم؛ لأنهم عابوا نبيَّ اللـه﴾ بما لا عيبَ فيه؛ لأنَّ الأنبياءَ صلواتُ الله وسلامه عليهم إنما عليهم أنْ يأتُوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغييرُ الصُّورِ والهيئات، وهم يُرسَلونَ إلى الناس جميعاً، فإذا أسْلَمَ منهم الدَّنيُ، لم يلْحَقُهم من ذلك نقصانٌ؛ لأنَّ عليهم أن يقبلوا إسلامَ كلِّ مَنْ أسلَمَ منهم. قلت: الأراذلُ هنا هم الفقراءُ والضعفاء، كما قال هِرَقْلُ لأبي سفيانَ: أشرافُ الناس اتَّبعوه أم ضعفاؤُهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباعُ الرسل (٣). قال علماؤنا: إنَّما كان ذلك لاستيلاء الرياسةِ على الأشراف، وصعوبةِ الانفكاك عنها، والأَنَفةِ من الانقيادِ للغير؛ والفقيرُ خَلِيٍّ عن تلك الموانعِ، فهو سريعٌ إلى الإجابة والانقياد. وهذا غالبُ أحوالِ أهل الدنيا (٤). الثالثة: اختلف العلماء في تعيين السَّفِلَة على أقوال: فذكر ابنُ المبارك عن سفيانَ: أنَّ السَّفِلَة هم الذين يَتَقلَّسون(٥)، ويأتون أبوابَ القضاةِ والسلاطين يطلبون الشهادات. وقال ثعلبٌ عن ابن الأعرابي: السَّفِلَة: الذينَ يأكلونَ الدنيا بدينهم؛ قيل له: فَمَن (١) في إعراب القرآن ٢٧٩/٢ . (٢) لم نقف عليه عند غير النحاس، وسيذكره المصنف في المسألة التالية عن ابن عباس قوله. ذكره الألوسي في روح المعاني ١٩/ ١٠٧ . (٣) أخرجه مطولاً أحمد (٢٣٧٠)، والبخاري (٢٩٤١)، ومسلم (١٧٧٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) المفهم ٦٠٤/٣ . (٥) في (ظ): ينقلبون. والتقليس: استقبال الولاة عند قدومهم بأصناف اللهو. اللسان (قلس)، والخبر في ربيع الأبرار ونصوص الأخبار للزمخشري ٢/ ٤٦٧ . ١٠٠ سورة هود: الآية ٢٧ سَفِلَةُ السَّفِلَة؟ قال: الذي يُصْلِحُ دنيا غيرِهِ بفسادِ دينه(١). وسُئل عليَّ﴾ عن السَّفِلَة فقال: الذين إذا اجتمعوا غَلَبوا، وإذا تفرَّقوا لم يُعرَفُوا. وقيل لمالكِ بنِ أنسٍ ﴾: مَن السَّفِلَة؟ قال: الذي يَسُبُّ الصحابةَ(٢). وُويَ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: الأرذلون: الحاكَةُ والحجَّامون. يحيى بنُ أَكْثَم: الدَّباغ والكنَّاس إذا كان من غير العرب(٣). الرابعة: إذا قالت المرأة لزوجها: يا سَفِلةُ! فقال: إن كنتُ منهم فأنتٍ طالق، فحكى النقاشُ أنَّ رجلاً جاء إلى التِّرمذيِّ فقال: إنَّ امرأتي قالت لي: يا سَفِلة، فقلت: إن كنتُ سَفِلةً فأنتٍ طالقٌ. قال التِّرمذيُّ: ما صناعتُك؟ قال: سمَّاكٌ، قال: سَفِلةٌ واللهِ، سَفلةٌ والله. قلت: وعلى ما ذكره ابنُ المبارك عن سفيانَ لا تَطْلُقُ، وكذلك على قول مالك وابنِ الأعرابيِّ لا يَلْزَمُه شيءٌ. قوله تعالى: ﴿بَادِىَ الرَّأَيِ﴾. أي: ظاهرَ الرأي، وباطِنُهم على خلافٍ ذلك (٤). يقال: بدا يبدو: إذا ظهر، كما قال: فاليوم حين بَدَوْنَ للنُّظَّارِ(٥) ويقال للبرِّية: باديةٌ؛ لظهورها. وبدا لي أنْ أفعلَ كذا، أي: ظهرَ لي رأيٌ غيرُ (١) ربيع الأبرار ٢/ ٤٦٧، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦٩٣٣) عن مالك بن أنس أنه هو المسؤول. (٢) ذكر الخبرين السالفين الزمخشري في ربيع الأبرار ٢/ ٤٨٧ و ٤٦٨. (٣) ربيع الأبرار ٢/ ٤٦٨ . (٤) الوجيز للواحدي (على هامش مراح لبيد) ص ٣٨٣، والمعنى: اتبعوك في ظاهر أمرهم، وعسى أن تكون بواطنهم ليست معك. البحر ٢١٥/٥. وقال الفارسي في الحجة ٣١٧/٤: المعنى: وما اتبعك إلا الأراذل فیما ظهر لهم من الرأي، أي: لم یتعقّبوه بنظرٍ فیه ولا تبیُّن له. (٥) وصدره: قد كنَّ يَخْبَأْنَ الوجوة تَسَتُّراً، وقائله الربيع بن زياد كما في الأغاني ١٩٦/٧، والتعازي والمراثي للمبرد ص ٢٨٠، وشروح سقط الزند ٥٢/١، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ٢٦/٣ ، وفيه: بَرَزْنَ، بدل: بَدَوْنَ.