Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة يونس: الآيتان ١٠ - ١١ الشَّربةَ فيحمده عليها))(١). الرابعة: يُستحبُّ للداعي أن يقولَ في آخر دعائه كما قال أهل الجنة: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ وحَسُن أن يقرأ آخر ((الصافات))، فإنها جمعت تنزيهَ البارئ تعالى عما نُسب إليه(٢)، والتَّسليمَ على المرسلين، والخَتْمَ بالحمد لله رب العالمين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَلَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمَّ فَتَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَاءَنَا فِى مُفْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ (١)﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾ قيل: معناه: ولو عجّل الله للناس العقوبةَ كما يَستعجلون الثوابَ والخير لماتوا؛ لأنهم خُلقوا في الدنيا خَلْقاً ضعيفاً، وليس هم كذا يومَ القيامة؛ لأنهم يومَ القيامة يُخلقون للبقاء(٣). وقيل: المعنى: لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثلَ ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم (٤)، وهو معنى: ﴿لَقُضِىَ إِلَتْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. وقيل: إنه خاصّ بالكافر؛ أي: ولو یعجّل الله للكافر العذاب على كفره كما عجّل له خيرَ الدنيا من المال والولد، لعجَّل له قضاءَ أَجَله ليتعجّلَ عذاب الآخرة؛ قاله ابن إسحاق(٥). مقاتل: هو قولُ النَّضر بن الحارث: اللَّهُمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأَمطِر (١) صحيح مسلم (٢٧٣٤)، وهو عند أحمد (١١٩٧٣)، وسلف الكلام عن الابتداء بالتسمية ٣١٤/٧. (٢) في (ظ): عما نسبه إليه الملحدون. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٦/٢ - ٢٤٧. (٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٨/٣ عن مجاهد. وسيأتي كلام مجاهد بتمامه. (٥) النكت والعيون ٤٢٥/٢ . ٤٦٢ سورة يونس: الآية ١١ علينا حجارةً من السماء، فلو عجَّل لهم هذا لهلكوا(١). وقال مجاهد: نزلت في الرجل يدعو على نفسه أو ماله أو ولده إذا غضِب: اللهمَّ أَهْلِكْه، اللهم لا تبارك له فيه والْعَنْه، أو نحو هذا، فلو استُجيب ذلك منه كما يستجاب الخيرُ، لقُضي إليهم أجلُهم(٢). فالآية نزلت ذامَّةً لخُلُقٍ ذميمٍ هو في بعض الناس، يدعون في الخير فيريدون تعجيلَ الإجابة، ثم يَحْمِلُهم أحياناً سوءُ الخُلق على الدعاء في الشر؛ فلو عُجِّل لهم لَهلَكوا(٣). الثانية: واختلف في إجابة هذا الدعاء؛ فروي عن النبيِّ# أنه قال: ((إني سألت اللهَ عزَّ وجلَّ ألَّا يستجيبَ دعاءَ حبيبٍ على حبيبه)) (٤). وقال شَهْرُ بن حَوْشَب: قرأت في بعض الكتب أنَّ الله تعالى يقول للملائكة الموگَّلين بالعبد: لا تكتبوا على عبدي في حالٍ ضَجَرِه شيئاً(٥). لطفاً من الله تعالى عليه. قال بعضهم: وقد يُستجاب ذلك الدعاء؛ واحتجَّ بحديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه آخِرَ الكتاب، قال جابر: سرنا مع رسول اللـه ﴿ في غزوة بَطْنِ بُواطٍ وهو يطلب المَجْديَّ بن عمرو الجُهَنيّ، وكان الناضحُ يَعْتَقِبُهُ منَّا الخمسةُ والستةُ والسبعة، فدارت عُقبةُ رجلٍ من الأنصار على ناضحِ له، فأناخه فركبه، ثم بعثه فتلدَّن عليه بعضَ التلدُّن، فقال له: شَأ، لعنك الله! فقال رسول اللـه ﴾: ((مَن هذا اللاعِنُ بعيرَه؟)) قال: أنا يا رسول الله؛ قال: انزِلْ عنه فلا تصحبنا بملعونٍ. لا تدْعُوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقُوا من الله ساعةً يُسأل (١) زاد المسير ١١/٤، وتفسير أبي الليث ٩٠/٢، والمحرر الوجيز ١٠٨/٣. (٢) أخرجه الطبري ١٢/ ١٣٠ - ١٣١، وابن أبي حاتم ١٩٣٢/٦ (١٠٢٥٤)، وهو في تفسير مجاهد ٢٩٢/١. (٣) المحرر الوجيز ١٠٩/٣ . (٤) أخرجه الخطيب في تاريخه ٢٠٢/٢ - ٢٠٣، وابن الجوزي في الموضوعات ٣٥٤/٢ - ٣٥٥ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﴾. (٥) لم نقف عليه عن شهر بن حوشب، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٨٤) عن الأحنف بن قيس قال: يوحي الله تعالى إلى الحافظَيْنِ اللَّذَيْن مع ابن آدم: لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئاً. ٤٦٣ سورة يونس: الآية ١١ فيها عطاءٌ فيستجيبَ لكم))(١). في غير كتاب مسلم أنَّ النبيَّ # كان في سفر، فلعن رجلٌ ناقته، فقال: ((أين الذي لعن ناقته؟)) فقال الرجل: أنا هذا يا رسول الله؛ فقال: ((أخِّرها عنك فقد أُجِبتَ فيها)). ذكره الحُليميُّ في ((منهاج الدين))(٢). (شأ)) يروى بالسين والشين، وهو زجرٌ للبعير بمعنى: سِرْ. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ قال العلماء: التعجيل من الله، والاستعجال من العبد. وقال أبو عليّ(٣): هما من الله، وفي الكلام حذف، أي: ولو يعجِّل الله للناس الشرَّ تعجيلاً مثلَ استعجالهم بالخير. ثم حَذَف تعجيلاً وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفتَه وأقام المضاف إليه مقامه. هذا مذهبُ الخليل وسيبويه. وعلى قول الأخفش والفرَّاءِ: كاستعجالهم، ثم حذف الكاف ونصب. قال الفراء (٤): كما تقول: ضربتُ زيداً ضَرْبَكَ، أي: كَضَرْبِك. وقرأ ابن عامر: ﴿لَقَضَى إِليهم أَجَلَهم﴾(٥). وهي قراءةٌ حسنة؛ لأنه متَّصِلٌ بقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾. قوله تعالى: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي: لا يعجِّل لهم الشرَّ، فربما يتوب منهم تائبٌ، أو يخرج من أصلابهم مؤمن . ﴿فِي مُفَْيْهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: يتحيَّرون. والطغيان: العلوُّ والارتفاع، وقد تقدَّم في ((البقرة))(٦). (١) صحيح مسلم (٣٠٠٩). قوله: بطن بُواط: هو جبل من جبال جهينة، والناضح: جمل السقي، ويعتقبه: أي: يتدارك ر کوبه، وتلدن عليه بعض التلدن: أي: تلكأ ولم ينبعث، إكمال المعلم ٨/ ٥٦٤-٥٦٥ . (٢) المنهاج في شعب الإيمان ٤٣٥/٢، وأخرجه أحمد (٩٥٢٢) والنسائي (٨٧٦٤) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) في الحجة ٤/ ٢٥٤ . (٤) في معاني القرآن ٤٥٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٤٧/٢ . وما قبله منه. (٥) السبعة ص٣٢٣ - ٣٢٤، والتيسير ص١٢١ . (٦) ٣١٧/١ . ٤٦٤ سورة يونس: الآيتان ١١ - ١٢ وقد قيل: إنَّ المراد بهذه الآية أهلُ مكة، وإنها نزلت حين قالوا: ﴿اَللَّهُوَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، على ما تقدَّم(١) والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرّ مَّسَّهُم كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الشُّرُّ دَعَانَا لِجَنَّبِهِ﴾﴾ قيل: المرادُ بالإنسان هنا الكافرُ - قيل: هو أبو حذيفةَ بنُ المغيرة المشرك(٢) - تُصيبه البأساءُ والشِّدَّة والجهد. ﴿دَعَنَا لِجَتْبِهِ﴾﴾ أي: على جنبه مضطجعاً ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَايمًا﴾، وإنما أراد جميعَ حالاته؛ لأنَّ الإنسان لا يَعْدُو إحدى هذه الحالاتِ الثلاث(٣). قال بعضهم: إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضُّرِّ أشدُّ في غالب الأمر، فهو يدعو أكثر، واجتهادُه أشدُّ، ثم القاعدُ، ثم القائم. ﴿فَلَمَا كَثَفْنَا عَنْهُ خُرَّهُ مَرَّ﴾ أي: استمرَّ على كفره ولم يشكر ولم يتَّعظ. قلت: وهذه صفة كثيرٍ من المخلِّطين الموحّدين؛ إذا أصابته العافيةُ مرَّ على ما كان عليه من المعاصي؛ فالآية تعمُّ الكافرَ وغيرَه. ﴿كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَا﴾ قال الأخفش: هي ((كأنَّ)(٤) الثقيلةُ خُفِّفت، والمعنى: كأنه، وأنشد: وَيْ كأنْ مَن يكن له نَشَبِّ يُخْ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ(٥) (١) ٩ / ٤٩٦ . (٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٢/٤ عن ابن عباس ومقاتل، وذكر أن اسم أبي حذيفة هو هاشم بن المغيرة بن عبد الله المخزومي. (٣) تفسير البغوي ٣٤٦/٢ . (٤) في النسخ الخطية وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٧/٢ (والكلام منه): أن، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للأخفش ٥٦٥/٢ . (٥) قائله زيد بن عمرو بن نفيل، وهو في الكتاب ٢/ ١٥٥، والخزانة ٤٠٤/٦ . ٤٦٥ سورة يونس: الآيات ١٢ - ١٤ كَذَلِكَ زُيِّنَ﴾ أي: كما زُيِّن لهذا الدعاءُ عند البلاء والإعراضُ عند الرَّخاء ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: للمشركين أعمالُهم من الكفر والمعاصي(١). وهذا التزيين يجوز أن يكونَ من الله، ويجوز أن يكون من الشيطان، وإضلالُه: دعاؤه إلى الكفر(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَتَهُمْ رُسُلُهُم بِلِيْنَةِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِنَ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكَ الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ يعني الأممَ الماضية من قَبْلِ أهلٍ مكةً أهلكناهم. ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ أي: كفروا وأشركوا ﴿وَجَاءَتُهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحات، والبراهينِ النَّيِّرات. ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي: أهلكناهم لِعلمنا أنهم لا يؤمنون. يخوِّف كفارَ مكةَ عذابَ الأمم الماضية، أي: نحن قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمداً ﴿، ولكنْ نُمهِلُهم لعلمنا بأنَّ فيهم مَن يؤمن، أو يخرجُ مِن أصلابهم مَن يؤمن. وهذه الآية تردُّ على أهل الضلال القائلين بِخَلْقِ الهُدَى والإيمان. وقيل: معنى: ((مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)) أي: جازاهم على كفرهم بأنْ طَبَع على قلوبهم، ويدلُّ على هذا أنه قال: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَيْفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ﴾ مفعولان. والخلائفُ جمع خليفة، وقد تقدَّم آخِرَ ((الأنعام)»(٣). أي: جعلناكم سكّاناً في الأرض . ﴿مِنْ بَعْدِهِم﴾ أي: من بعد القرون المُهْلَكة. (١) زاد المسير ١٣/٤ . (٢) ينظر المحرر الوجيز ١٠٩/٣. وقال ابن عطية: ولفظة التزيين قد جاءت في القرآن بهذين المعنيين؛ من فِعْل الله تعالى، ومرة من فعل الشياطين. (٣) ١٤٧/٩ . ٤٦٦ سورة يونس: الآيتان ١٤ - ١٥ ﴿لِنَنْظُرَ﴾ نصب بلام كي، وقد تقدَّم نظائرُه وأمثاله(١)؛ أي: ليقعَ منكم ما تستحقُّون به الثواب والعقاب، ولم يزل يعلمه غيباً. وقيل: يعاملكم معاملةَ المختبر إِظهاراً للعدل. وقيل: النظر راجعٌ إلى الرسل؛ أي: لينظر رسلُنا وأولياؤنا كيف أعمالُكم. و((كيف)) نصبٌ بقوله: تعملون؛ لأن الاستفهام له صدرُ الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاُنَا بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلَهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِن تِلْقَآِ نَفْسِىِّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُؤْحَ إِلَىَّ إِنّ ◌َغَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٥ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا﴾ ((تتلى)): تُقرأ، و﴿بَيِّنَتٍّ﴾ نصب على الحال؛ أي: واضحات لا لَبْسَ فيها ولا إشكال. ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقََّنَا﴾ يعني: لا يخافون يوم البعث والحساب، ولا يرجون الثواب. قال قتادة: يعني مشركي أهلِ مكة (٢). ﴿أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ﴾ والفرقُ بین تبديله والإتيانِ بغيره: أنَّ تبديلَه لا يجوز أن يكون معه، والإتيانُ بغيره قد يجوز أن يكون معه. وفي قولهم ذلك ثلاثةُ أوجُه: أحدها: أنهم سألوه أن يحوّل الوعدَ وعيداً والوعيدَ وعداً، والحلالَ حراماً والحرامَ حلالاً . قاله ابن جرير الطبري. الثاني: سألوه أن يُسقِطَ ما في القرآن من عَيْبِ آلهتهم وتَسْفيهِ أحلامِهم؛ قاله ابن عيسى. الثالث: أنهم سألوه إسقاط ما فيه من ذِكْر البعث والنشور. قاله الزجَّاج(٣). (١) ٢ / ٤٣٨ . (٢) أخرجه الطبري ١٣٨/١٢، وابن أبي حاتم ١٩٣٤/٦ (١٠٢٦٩). (٣) النكت والعيون ٤٢٦/٢ - ٤٢٧، وكلام الطبري في تفسيره ١٣٦/١٢، وكلام الزجاج في معانيه ١١/٣. ٤٦٧ سورة يونس: الآيتان ١٥ - ١٦ الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِيٍ﴾ أي: قل يا محمد: ما كان لي. ﴿أَنّ أُبَيِّلَمُ مِنْ تِلْقَآٍ نَفْسِ﴾ ومن عندي، كما ليس لي أن ألقاه بالردِّ والتكذيب. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ أي: لا أتَّبع إلا ما أتلوه عليكم من وَعْدٍ ووعيد، وتحريم وتحليل، وأمرٍ ونهي(١). وقد يَستدلُّ بهذا مَن يمنع نسخَ الكتاب بالسنَّة؛ لأنه تعالى قال: ﴿قُلْ مَا يَكُنُ لِيِّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِنْ تِلْقَآَى نَفْسِىّ﴾ وهذا فيه بُعد؛ فإنَّ الآية وردت في طلب المشركين مِثْلَ القرآن نَظْماً، ولم يكن الرسولُ # قادراً على ذلك، ولم يسألوه تبديلَ الحُكم دون اللفظ؛ ولأنَّ الذي يقوله الرسولُ ﴿ إذا كان وحیاً لم یکن من تلقاء نفسه، بل كان من عند الله تعالى(٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ﴾ أي: إنْ خالفتُ في تبديله وتغييره، أو في ترك العمل به . ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يومَ القيامة. قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوَّتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَدْرَنَكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِّمَ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوَّتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَنَكُمْ بٍ﴾ أي: لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوثُ عليكم القرآن، ولا أَعْلَمَكم اللهُ ولا أخبركم به؛ يقال: دَرَیْتُ الشيءَ وأدراني اللهُ به، ودَريتُهُ ودريتُ به. وفي الدِّراية معنى الخَتْل؛ ومنه: داريت(٣) الرجل، أي: ختلته، ولهذا لا يُظْلَق الداري في حقِّ الله تعالى، وأيضاً عُدم فيه التوقيف(٤). وقرأ ابن كثير: ﴿ولأدراكم به﴾ بغير ألفٍ بين اللام والهمزة(٥)؛ والمعنى: لو (١) النكت والعيون ٤٢٧/٢ . (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٢٣/٣. (٣) في (م) دريت، وكلاهما صحيح. ينظر اللسان (دري). (٤) ينظر الحجة للفارسي ٢٦٠/٤ - ٢٦١، ومفردات الراغب ص٣١٢ - ٣١٣. (٥) التيسير ص١٢١ . ٤٦٨ سورة يونس: الآية ١٦ شاء الله لَأَعْلَمكم به من غير أن أتلوَه عليكم، فهي لامُ التأكيد دخلت على ألف أفعل(١). وقرأ ابن عباس والحسن: ((ولا أدرأتُكم به)) بتحويل الياءِ ألفاً (٢)، على لغة بني عقيل؛ قال الشاعر : لَعَمْرُك ما أخشى التَّصَغْلُكَ ما بقَى على الأرض قَيْسيِّ يسوق الأباعرا(٣) وقال آخر: ألا آذنتْ أهلَ اليمامةِ طيِّئٍ بحربٍ كناصاة الأغرِّ المشهَّرِ(٤) قال أبو حاتم: سمعت الأصمعيَّ يقول: سألت أبا عمرو بنَ العلاء: هل القراءة الحسن: ((ولا أدرأتُكم به)) وجه؟ فقال: لا. وقال أبو عبيد: لا وجهَ لقراءة الحسن: ((ولا أدرأتكم به)) إلَّا [على] الغلط. قال النحاس(٥): معنى قولٍ أبي عبيد إن شاء الله (٦): على الغلط: أنه يقال: دريتُ، أي: علمت، وأَدْريتُ غيري، ويقال: درأت، أي: دفعت، فيقع الغلطُ بين دريت [وأدْرَيْتُ] ودرأت. قال أبو حاتم: يريد الحسن فيما أحسِب: ((ولا أدريتُكم به)) فأبدل من الياء ألفاً على لغة بني الحارث بن كعب، يُبْدِلون من الياء ألفاً إذا انفتح ما قبلها؛ مثل: ﴿إِنَّ هذان لساحران﴾(٧) [طه: ٦٣]. قال المهدويُّ: ومَن قرأ: ((أدرأتُكم)) فوجهُه أنَّ أصل الهمزة ياءٌ، فأصلُه: (١) الكشف عن وجوه القراءات ٥١٤/١، والمحرر الوجيز ١١٠/٣. (٢) القراءات الشاذة ص٥٦، والمحتسب ٣٠٩/١ عن الحسن، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٠/٣ عن ابن عباس والحسن وابن سيرين وأبي رجاء. (٣) قائله زيد الخيل الطائي، وهو في ديوانه ص٦٢، وسلف ٤١٣/٤ . (٤) قائله حريث بن عَنَّاب الطائي، وهو في النوادر لأبي زيد ص١٢٤ ، والمعاني الكبير لابن قتيبة ١٠٤٨/٢ وفيه: الحصان، بدل: الأغر. وموضع الشاهد فيه قوله: كناصاة، أي: كناصية. (٥) في إعراب القرآن ٢٤٨/٢ - ٢٤٩، وما قبله وما بين حاصرتين منه. (٦) في (د) و(ز) و(م): معنى قول أبي عبيد لا وجه إن شاء الله، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في إعراب القرآن. (٧) وهي قراءة نافع وحمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية شعبة السبعة ص٤١٩، والتيسير ص ١٥٠ . ٤٦٩ سورة يونس: الآية ١٦ أَدْرَيتكم، فقُلبت الياء ألفاً وإن كانت ساكنة؛ كما قال: يابَس في يَيْبَس(١)، وطايئ في طيِّئ، ثم قلبت الألفُ همزةً على لغة مَن قال في العالم: العَأَلَم، وفي الخاتم: لخأتم. قال النحاس(٢): وهذا غلطٌ، والروايةُ عن الحسن: ((ولا أدرأتكم)) بالهمز، وأبو حاتم وغيرُه تكلّم أنه بغير همز، ويجوز أن يكون من: درأت، أي: دفعت؛ أي: ولا أمرتكم أن تدفعوا فتركوا الكفرَ بالقرآن. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرً﴾ ظرف، أي: مقداراً من الزمان وهو أربعون سنة. ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن، تعرفونني بالصِّدق والأمانة، لا أقرأ ولا أكتب، ثم جئتُكم بالمعجزات. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هذا لا يكون إلَّا مِن عند الله لا مِن قِبَلي (٣). وقيل: معنى (لَبِثْتِ فِيكُمُ عُمُراً) أي: لبثت فيكم مدَّةَ شبابي لم أعصِ الله، أفتُريدون مِنِّي الآنَ وقد بلغتُ أربعين سنةً أن أخالفَ أمرَ الله، وأغيِّرَ ما ينزلُه عَلَيّ؟! قال قتادة: لبث فيهم أربعين سنة، وأقام سنتين يرى رؤيا الأنبياء، وتُوفِّي ◌َ# وهو ابن اثنتين وستِينَ سنة(٤). (١) في (م): يايس في بيس، ولم تجود في النسخ الخطية، والمثبت من المحتسب ٣٠٩/١، والكلام فيه بنحوه. (٢) في إعراب القرآن ٢٤٩/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٩/٢ . (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١٩٣٥/٦ (١٠٢٧٥). وقد وردت أقوال في عمره 8# عند وفاته، أصحها أنه كان ابن ثلاث وستين سنة. وهو المروي عن أنس ﴾ فيما أخرجه مسلم (٢٣٤٨). وعن ابن عباس رضي الله عنهما فيما أخرجه أحمد (٢١١٠)، والبخاري (٣٩٠٢)، ومسلم (٢٣٥١). وعن عائشة رضي الله عنها فيما أخرجه أحمد (٢٤٦١٨)، والبخاري (٣٥٣٦)، ومسلم (٢٣٤٩). وعن معاوية ﴾ فيما أخرجه أحمد (١٦٨٧٣) ومسلم (٢٣٥٢). ٤٧٠ سورة يونس: الآيتان ١٧ - ١٨ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بِهَابَيِِّ* إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾﴾ هذا استفهامٌ بمعنى الجَحْد؛ أي: لا أحدَ أظلمٌ ممن افترى على الله الكذبَ، وبدَّل كلامه، وأضاف شيئاً إليه مما لم ينزله. وكذلك لا أحدَ أظلمُ منكم إذا أنكرتم القرآنَ وافتريتم على الله الكذبَ، وقلتم: ليس هذا كلامَه. وهذا مما أُمِر به الرسولُ ﴾ أن يقولَ لهم. وقيل: هو من قول الله ابتداءً. وقيل: المُفْتَري: المشركُ، والمكذِّبُ بالآيات: أهلُ الكتاب . ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتْنَيُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ قوله تعالى: ﴿وَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَمُهُمْ﴾ يريد الأصنام. ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَُّنَا عِندَ اللَّهِ﴾ وهذه غايةُ الجَهالةِ منهم، حيث ينتظرون الشفاعةً في المآل ممن لا يوجد منه نفعٌ ولا ضَرِّ في الحال !. وقيل: ((شُفَعَاؤُنَا)) أي: تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا. ﴿قُلْ أَتْنَبِّئُونَ اَللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِِّ﴾ قراءة العامة: ﴿تنبِّئون﴾ بالتشديد. وقرأ أبو السَّمَّال العَدَوِيُّ: ((أتشْبِئون الله)) مخفَّفاً (١)، من: أنبأ يُنبئ. وقراءة العامة من: نبَّ ينبِّئ تَنْبِئة؛ وهما بمعنَى واحد، جَمعهما قولُه تعالى: ﴿مَنْ أَنْبَكَ هَذًّا قَالَ نَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. أي: أتخبِرون اللهَ أنَّ له شريكاً في ملكه، أو شفيعاً بغير إذنه، والله لا يعلم لنفسه شريكاً في السماوات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريكَ له؛ فلذلك لا يعلمه. نظيرُه: قوله: ﴿أَمْ تُتّعُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣]. (١) هي في القراءات الشاذة ص٥٦، والكشاف ٢/ ٢٣٠، وتفسير الرازي ١٧/ ٦٠، والبحر ١٣٤/٥ دون نسبة. ٤٧١ سورة يونس: الآيتان ١٨ - ١٩ ثم نزَّه نفسه وقدَّسها عن الشِّرك فقال: ﴿سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: هو أعظمُ من أن يكون له شريك. وقيل: المعنى أي: أتعبدون(١) ما لا يشفع ولا ينصر(٢) ولا يمَيِّز، وتقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فتكذبون؛ وهل يتهيَّأُ لكم أن تنبِّئوه بما لا يعلم، سبحانه وتعالى عما يشركون !. وقرأ حمزة والكِسائي: ﴿تشركون﴾ بالتاء، وهو اختيار أبي عبيد الباقون بالياء(٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُثَةُّ وَحِدَةً فَلْخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ تقدَّم في ((البقرة))(٤) معناه فلا معنى للإعادة. وقال الزجَّاج(٥): هم العربُ كانوا على الشِّرك. وقيل: كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة، فاختلفوا عند البلوغ. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِعَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ إشارةٌ إلى القضاء والقدر، أي: لولا ما سبق في حُكمه أنه لا يَقضَيَ بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة، لَقضَى بينهم في الدنيا، فأَدخل المؤمنين الجنةَ بأعمالهم، والكافرين النارَ بكفرهم، ولكنَّه سبق من الله الأجلُ مع علمه بصنيعهم؛ فجعل موعدَهم القيامة؛ قاله الحسن(٦). (١) في (خ) و(ز) و(ظ): تعبدون، وفي (م): يعبدون، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس ٢٨٣/٣ ، والكلام منه. (٢) في (ظ) و(م): ما لا يسمع ولا يبصر، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس. (٣) السبعة ص٣٢٤، والتيسير ص١٢١. (٤) ٤٠٤/٣ . (٥) في معاني القرآن ١٢/٣. (٦) تفسير البغوي ٣٤٨/٢ . ٤٧٢ سورة يونس: الآيات ١٩ - ٢١ وقال أبو رَوْق: (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)): لَأقام عليهم الساعة. وقيل: لَفرغ من هلاكهم. وقال الكلبي: ((الكلمة)) أنَّ الله أخَّر هذه الأمةَ، فلا يُهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة، فلولا هذا التأخيرُ لَقُضي بينهم بنزول العذاب أو بإقامة الساعة(١). والآية تسليةٌ للنبيِّ :﴿ في تأخير العذاب عمَّن كَفَر به. وقيل: الكلمة السابقة أنه لا يأخذ أحداً إلا بحجَّة، وهو إرسالُ الرسل، كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّ بَعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقيل: الكلمة قولُه: ((سبقت رحمتي غضبي))(٢) ولولا ذلك لَمَا أخَّر العصاةَ إلى التوبة. وقرأ عيسى: ((لَقَضى)) بالفتح(٣). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَّهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيِِّ، فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَأَنْتَظِرُوَاْ إِنَّ مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ يريد أهل مكة، أي: هلَّا أُنزل عليه آية، أي: معجزةٌ غيرُ هذه المعجزة، فَيَجْعَلَ لنا الجبالَ ذهباً، ويكون له بيتٌ من زُخْرف، ويُحيي لنا مَن مات من آبائنا. وقال الضخَّاك: عصاً كعصا موسى. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي: قل يا محمد: إنَّ نزول الآية غيبٌ. ﴿فَأَنْتَظِرُوا﴾ أي: تربَّصوا . ﴿إِنِّ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَظِرِينَ﴾ لنزولها. وقيل: انتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المُحِقِّ على المبطِل (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَفْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنُ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم ◌َكْرٌ فِيَ ءَايَائِنَّأَ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾﴾ يريد كفَّارَ مكة. ﴿رَحْمَةُ مِنْ بَعْدٍ ضَرَّءَ مَسَّتْهُمْ﴾ قيل: رخاء بعد شدَّة، وخِصبٌ بعد (١) المصدر السابق. (٢) هو في الصحيحين، وسلف ٢٤٣/١ . (٣) المحرر الوجيز ١١١/٣، وهي قراءة شاذة. (٤) تفسير البغوي ٣٤٨/٢ . ٤٧٣ سورة يونس: الآيات ٢١ - ٢٣ جَذْب. ﴿إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِيَّ ءَايَايِنَا﴾ أي: استهزاءٌ وتكذيب. وجوابُ قوله: ((وَإِذَا أَذَقْنَا)): ((إذَا لَهُمْ))؛ على قول الخليلِ وسيبويه. ﴿قُلِ اللَّهُ أَشْرَعُ﴾ ابتداءٌ وخبر ﴿مَكْرًا﴾ على البيان(١)، أي: أعجلُ عقوبةً على جزاء مكرهم، أي: إنَّ ما يأتيهم من العذاب أسرعُ في إهلاكهم مما أتَوه من المكر . ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ يعني بالرسل: الحفظةَ. وقراءة العامة: ﴿تَمْكُرُونَ﴾ بالتاء خطاباً. وقرأ يعقوب في رواية رُوَيْس وأبو عمرٍو في رواية هارون العَتّكي: ((يمكرون)) بالياء(٢)؛ لقوله: ((إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا)). قيل: قال أبو سفيان: قُحِطنا بدعائك، فإن سَقَيتنا صدَّقناك؛ فسُقُوا باستسقائه ﴾، فلم يؤمنوا، فهذا مَكْرُهم(٣). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُ فِيِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج ◌َنِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَتْهَا رِيُ عَاصِفٌ وَءَهُمُ اَلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَتُّواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمَّ دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَبِنْ أَنْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَ مِنَ الشَِّكِينَ فَلَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَيِّ بَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغَيُّكُمْ عَ أَنْفُسِكُمْ مَتَعَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّاً ثُمَّ إِلَيْنَا مَنْجِمُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَُِّّ فِيِ الْبَرِّ وَالْبَخْرِ حَتَّىَ إِذَا كُتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ يهم﴾ أي: يحملكم في البَرِّ على الدوابّ، وفي البحر على الفُلْك. وقال الكلبيُّ: يحفظكم في السير. والآية تتضمَّن تعديدَ النِّعَم فيما هي الحالُ بسبيله من ركوب الناس الدوابَّ والبحر. وقد مضى الكلامُ في ركوب البحر في ((البقرة)) (٤). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٩/٢ - ٢٥٠ . (٢) كذا قال المصنف رحمه الله، والصحيح أن الذي روى هذه القراءة عن يعقوب هو روح. ينظر النشر ٢٨٢/٢، وزاد المسير ١٨/٤. وقراءة أبي عمرو المتواترة عنه كقراءة الجماعة. (٣) النكت والعيون ٤٣٠/٢، والخبر بنحوه قطعة من حديث ابن مسعود عند البخاري (١٠٢٠)، ومسلم (٢٧٩٨). (٤) ٤٩٥/٢ - ٤٩٦ . ٤٧٤ سورة يونس: الآيتان ٢٢ - ٢٣ وَ﴿يُسَتِكُ﴾ قراءة العامة. ابنُ عامر: ((يَنْشُركم)) بالنون والشين(١)، أي: يبتُّكم ويفرِّقكم. والفُلْك يقع على الواحد والجمع، ويذكَّر ويؤنَّث(٢). وقد تقدَّم القول فيه(٣). وقوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ خروجُ من الخطاب إلى الغَيبة، وهو في القرآن وأشعارٍ العرب كثيرٌ؛ قال النابغة: با دار ميَّةَ بالعَلْياء فالسَّندِ أقْوَت وطال عليها سالفُ الأَمَدِ (٤) قال ابن الأنباري: وجائزٌ في اللغة أن يرجعَ من خطاب الغَيبة إِلى لفظ المواجهة بالخطاب؛ قال الله تعالى: ﴿وَسَقَنُهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا. إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَّاءً وَكَانَ سَمْكُر مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] فأَبدَل الكافَ من الهاء. قوله تعالى: ﴿بِيج ◌َتِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ تقدَّم الكلام فيها في ((البقرة))(٥). ﴿َتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ﴾ الضميرُ في ((جاءتها)) للسفينة. وقيل: الريح الطيبة (٦). والعاصفُ: الشديدة؛ يقال: عَصَفَت الريحُ وأَعْصّفتْ، فهي عاصفُ ومُعْصِفٌ ومُعْصِفة، أي: شديدة(٧)، قال الشاعر: حتى إذا أَعْصفَتْ رِيحٌ مُزَعزِعةٌ فيها قِطارٌ ورعدٌ صوتُه زَجِلُ (٨) (١) السبعة ص ٣٢٥، والتيسير ص١٢١. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٥٠ . (٣) ٤٩٤/٢ . (٤) ديوان النابغة الذبياني ص٣٠، والخزانة ٣٢/١١، العلياء: كلُّ مكان مشرفٍ، والسَّنَد: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح، وأَقْوَتْ: خلت من السكان وأقفرت. الخزانة. (٥) ٥٠١/٢ - ٥٠٢ . (٦) ذكر القولين الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٦٠، والنحاس في إعراب القرآن ٢٥٠/٢ . (٧) زاد المسير ١٩/٤، وتفسير الرازي ١٧/ ٧٠ . (٨) ذكره الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٦٠، والطبري في تفسيره ١٤٦/١٢ ونسباه لبعض بني دُبَيْر. والقِطار: جمع قَطْرٍ، وهو المطر. والزَّجِل من الغيث: الذي لرعده صوت. معجم متن اللغة (قطر) و(زجل). ٤٧٥ سورة يونس: الآيتان ٢٢ - ٢٣ وقال: ((عاصف)) بالتذكير؛ لأنَّ لفظ الريح مذكَّر، وهي القاصِفُ أيضاً. والطيِّبَة غيرُ عاصِفٍ ولا بطيئة. ﴿وَجَآءُ هُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ والموجُ: ما ارتفع من الماء ﴿وَظَنُّواْ﴾ أي: أيقنوا ﴿أَنَّهُمْ أُحِطَ بِهِمٌ﴾ أي: أحاط بهم البلاء؛ يقال لمن وقع في بلِيَّة: قد أُحيط به، كأنَّ البلاء قد أحاط به، وأصل هذا أنَّ العدوَّ إذا أحاط بموضع فقد هلك أهلُه. ﴿دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِذِينَ﴾ أي: دعوه وحدَه وتركوا ما كانوا يعبدون. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الخلق جُبِلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأنَّ المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافراً؛ لانقطاع الأسباب ورجوعِه إلى الواحد ربِّ الأرباب؛ على ما يأتي بيانه في ((النمل)) إن شاء الله تعالى(١). وقال بعض المفسِّرين: إنهم قالوا في دعائهم: أهيا شراهيا؛ أي: يا حيُّ یا قيوم(٢). وهي لغة العجم. مسألة: هذه الآية تدلُّ على ركوب البحر مطلقاً، ومن السُّنة حديثُ أبي هريرة، وفيه: إنا نركب البحرَ ونحمل معنا القليل من الماء ... الحديث. وحديث أنس في قصة أمّ حرام يدلُّ على جواز ركوبه في الغَزْوٍ، وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة)» مستوفّى(٣) والحمد لله. وقد تقدَّم في آخر (الأعراف)) حكمُ راكبِ البحر في حال ارتجاجه وغَلَيانه؛ هل حكمه حكمُ الصحيح، أو المريضِ المحجورِ عليه؟ فتأمَّلْه هناك(٤) قوله تعالى: ﴿لَبِنْ أَنْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الشدائدِ والأهوال. وقال (١) عند تفسير الآية (٦٢) منها. (٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٢٩٣، والطبري ١٤٧/١٢، وابن أبي حاتم ١٩٣٩/٦ (١٠٢٩٨) عن أبي عبيدة، وهو ابن عبد الله بن مسعود ﴾. وذكره الرازي ١٧/ ٧٠ . (٣) ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦، ومضى فيه حديث أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما. (٤) ٩ / ٤١٤ . ٤٧٦ سورة يونس: الآيتان ٢٢ - ٢٣ الكلبيُّ: من هذه الريح . ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِينَ﴾ أي: من العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص. ﴿فَلَّ أَنْجَنُهُمْ﴾ أي: خلَّصهم وأنقذهم. ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ آلْحَيِّ﴾ أي: يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي. والبغي: الفساد والشرك؛ مِن بَغَى الجرحُ: إذا فسد؛ وأصله الطلب، أي: يطلبون الاستعلاءَ بالفساد. ((بِغَيْرِ الحَقِّ)) أي: بالتكذيب. ومنه بَغَت المرأةُ: طَلَبتْ غيرَ زوجِها(١). قوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي: وَبَالُهُ عائدٌ عليكم؛ وتمَّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنَّيًا﴾ أي: هو متاعُ الحياةِ الدنيا؛ ولا بقاء له. قال النحاس(٢): ((بَغْيُكُمْ)) رفع بالابتداء، وخبره: ((مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)). و((على أنفسِكم)) مفعولُ معنى فعلِ البَغْيِ(٣). ويجوز أن يكون خبرُه: ((عَلَى أَنْفُسِكُمْ))، وتُضمِر مبتدأً، أي: ذلك متاعُ الحياة الدنيا، أو: هو متاع الحياة والدنيا؛ وبين المعنيين حرفٌ(٤) لطيف؛ إذا رفعتَ متاعاً على أنه خبرُ ((بغيكم))؛ فالمعنى: إنما بغيُ بعضِكم على بعض، مثل: ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وكذا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وإذا كان الخبر: ((عَلَى أنْفُسِكُم))، فالمعنى: إنما فسادُكم راجعٌ عليكم؛ مثل: ﴿وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. وروي عن سفيان بنِ عُبينة أنه قال: أراد أنَّ البغي متاعُ الحياة الدنيا، أي: عقوبتُه تُعجَّل لصاحبه في الدنيا؛ كما يقال: البَغْيُ مَضْرَعةٌ(٥). وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿مَّتَعَ﴾ بالنصب على أنه مصدر، أي: تتمتَّعون متاعَ الحياة الدنيا(٦)، أو بنزع الخافض، أي: لمتاع، أو مصدر بمعنى المفعول على (١) ينظر مفردات الراغب ص١٣٦ - ١٣٧ . (٢) في إعراب القرآن ٢/ ٢٥٠ . (٣) قوله: ((وعلى أنفسكم)) مفعول معنى فعل البغي، ليس في إعراب القرآن. (٤) في إعراب القرآن: فرق. (٥) ذكره عن سفيان بنحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٣/٣، وفيه: البغي يصرعُ أهله. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٥٠، وهي قراءة حفص أيضاً وذكر القراءة أيضاً عن ابن أبي إسحاق الطبري ١٤٩/١٢، وأبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٧٠٥/٢. وينظر السبعة ص٣٢٥، والتيسير ص١٢١ . ٤٧٧ سورة يونس: الآية ٢٤ الحال، أي: متمثِّعين، أو هو نصبٌ على الظرف، أي: في متاع الحياة الدنيا، ومتعلَّق الظرفِ والجارِّ والحالِ معنى الفعلِ في البغي. و ((عَلَى أَنْفُسِكُمْ)) مفعولُ ذلك المعنى. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَلٍ أَنْزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ اُلْأَرْضِ مِمَا بَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَّا أَخَذَتِ اٌلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَرَ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنِهَا أَمْهُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بَلْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ (٢٤ قوله تعالى: ﴿إِنََّا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنَزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ﴾ معنى الآيةِ التشبيهُ والتمثيلُ، أي: صفةُ الحياة الدنيا في فَنائِها وزوالها وقِلَّة خطرِها والمَلاذِ بها كماء(١)، أي: مثلُ ماء، فالكافُ في موضعٍ رَفْع. وسيأتي لهذا التشبيه مزيدُ بيانٍ في ((الكهف)) إن شاء الله تعالى(٢). ((أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ)) نَعْتُ لـ ((ماء))(٣). ﴿فَخَطَ﴾ رُوي عن نافع أنَّه وقفَ على ((فاختلطَ)) أي: فاختلطَ الماءُ بالأرض، ثم ابتدأ: ((به نَبَات الأرضِ)) (٤) أي: بالماءِ نباتُ الأرض، فأخرجَت ألواناً مِن النبات، فـ ((نباتُ)) على هذا ابتداءٌ، وعلى مذهبٍ مَن لم يقفْ على ((فَاخْتَلَطَ)) مرفوعٌ بـ ((اختلط))، أي: اختلطَ النباتُ بالمطر، أي: شربَ منه، فتندَّى وحَسُنَ واخضرً. والاختلاطُ: تداخلُ الشيء بعضِه في بعض (٥). (١) الكلام بنحوه في مجمع البيان ٣٥/١١. (٢) عند تفسير الآية (٤٥) منها. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٥١. (٤) ذكره أبو عمرو الداني في المكتفى ص٣٠٦ دون نسبة، وردّه، ونسبه الأشموني في منار الهدى ص١٢٩ ليعقوب الأزرق. قال أبو حيان في البحر المحيط ١٤٣/٥: الوقف على قوله: ((فاختلط)) لا يجوز، وخاصة في القرآن؛ لأنه تفكيك للكلام المُتَّصل الصحيحِ المعنى الفصيحِ اللَّفظ، وذهابٌ إلى اللُّغز والتعقيد والمعنى الضعيف. (٥) المحرر الوجيز ١١٤/٣ . ٤٧٨ سورة يونس: الآية ٢٤ قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ مِن الحبوب والثمارِ والبُقول. ﴿وَاُلْأَنْعَمُ﴾ مِن الكلأ والثِّبنِ والشَّعير(١). ﴿حََّ إِذَآَ لَغَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ أي: حُسنَها وزينَتَها. والزُّخرفُ: كمالُ حُسنِ الشيء، ومنه قيل للذهب: زُخرفٌ(٢). ﴿وَزَّيَّنَتْ﴾ أي: بالحُبوب والثمارِ والأزهار، والأصلُ: تزيّنت؛ أُدغمت التاء في الزاي وجِيء بألفِ الوَصل؛ لأنَّ الحرفَ المُدْغَمَ مقامُ حرفَين، الأوَّلُ منهما ساكنٌ(٣)، والساكنُ لا يُمكن الابتداءُ به. وقرأ ابنُ مسعود وأبيّ بن كعب: ((وتزيَّنت)) على الأصل(٤). وقرأ الحسنُ والأعرجُ وأبو العالية: ((وَأَزْيَنَت))(٥) أي: أتَتْ بالزِّينةِ عليها، أي: الغَلَّة والزَّرع، وجاء بالفعلِ على أصلِه، ولو أعلَّه لقال: وأزَانَت. وقال عوف بن أبي جَميلة الأعرابي(٦): قرأ أشياخُنا: ((وازْيانَّت)) وزنُه: اسوادَّت، وفي رواية المُقدَّمي(٧): ((وازَّاينتْ))، والأصلُ فيه: تزاينت، وزنه: تفاعلت(٨)، ثم أُدغم(٩). وقرأ الشعبيّ وقتادة: ((وأزْينَت)) مثل: أَفعلت(١٠). وقرأ أبو عثمان النَّهديّ: ((وازينت)) مثل: افعلت (١١)، وعنه أيضاً: ((وازيانَتْ)) مثل: افعالَّتْ، وروي عنه: ((ازيأنَّتْ)) بالهمزة، (١) تفسير أبي الليث ٢/ ٩٤ . (٢) معاني القرآن للنحاس ٢٨٧/٣ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٥١/٢. (٤) المحرر الوجيز ١١٤/٣ . (٥) القراءات الشاذة ص٥٦، والمحتسب ٣١١/١. (٦) أبو سهل البصري، الحافظ، لم يكن أعرابياً، بل شُهِرَ به. توفي سنة (١٤٦هـ). السير ٣٨٣/٦. (٧) لعلَّه محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدَّم الثقفي مولاهم، البصري، حدَّث عنه البخاري ومسلم في كتابيهما. توفي سنة (٢٣٤هـ). السير ٦٦٠/١٠ . (٨) في النسخ غير (ظ): تقاعست، وفي (ظ): تفاعيت، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٩) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٥١، وينظر المحرر الوجيز ١١٤/٣. (١٠) سلف هذه القراءة قريباً. (١١) لم تتجه لنا هذه القراءة، ولم نقف عليها. ٤٧٩ سورة يونس: الآية ٢٤ ثلاثُ قراءات(١). قوله تعالى: ﴿وَظَرَّ أَهْلُهَا﴾ أي: أيقنَ(٢). ﴿أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على حصادِها والانتفاع بها، أخبرَ عن الأرضِ والمَعنيُّ النبات؛ إذْ كان مفهوماً، وهو منها. وقيل: ردَّ إلى الغَلَّة، وقيل: إلى الزِّينة(٣). ﴿أَتَنَهَا أَمْرُنَ﴾ أي: عذابُنا، أو أمرُنا بهلاكِها(٤). ﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ ظرفان. ﴿فَجَعَلْتَهَا حَصِيدًا﴾ مفعولان(٥)، أي: محصودةً مقطوعةً لا شيءَ فيها. وقال: ((حَصيداً)) ولم يُؤنِّثْ؛ لأنَّه فعيلٌ بمعنى مفعول(٦). قال أبو عُبيد(٧): الحصيدُ المُستأصَل. ﴿كَأَنْ لَّ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ﴾ أي: كأنْ (٨) لم تكن عامرةً، مِن غَنِيَ: إذا أقامَ فيهِ وعَمَرَه. والمَغَاني في اللُّغة: المنازلُ التي يَعْمُرُها الناس(٩). وقال قتادة: كأنْ لم تَنْعَم(١٠). قال لَبِید: وغَنِیتُ سَبْتاً قبل مَجْرَی داحسٍ لو كان للنَّفسِ اللَّجُوجِ خُلُوهُ(١١) وقراءةُ العامَّة: ((تَغْنَ)) بالتاءِ لتأنيثِ الأرض. وقرأ قتادة: ((يَغْنَ)) بالياءِ(١٢)، يذهبُ (١) ينظر القراءات الشاذة ص٥٦، والمحتسب ٣١١/١، والمحرر الوجيز ١١٤/٣، والدر المصون ١٧٨/٦ - ١٧٩ . (٢) زاد المسير ٢١/٤ . (٣) زاد المسير ٢١/٤، وتفسير البغوي ٣٥٠/٢. (٤) الوسيط للواحدي ٥٤٣/٢ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٥١ . (٦) المحرر الوجيز ١١٤/٣ . (٧) في تفسير أبي الليث ٢/ ٩٤، وتفسير الرازي ٧٤/١٧: أبو عبيدة، وهو في مجاز القرآن له ١/ ٢٧٧. (٨) قوله: كأن، من (ظ). (٩) غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٩٥، ومعاني القرآن للنحاس ٢٨٨/٣ . (١٠) أخرجه الطبري ١٢ / ١٥٢ . (١١) سلف ٩/ ٢٨٧. وقوله: سبتاً، أي: دهراً، ويقال: إن السبت ثمانون سنة. داحس: اسم فرس. اللَّجوج: العاصية. (١٢) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٥/٣، والزمخشري في الكشاف ٢٣٣/٢، ونسبها للحسن. ٤٨٠ سورة يونس: الآية ٢٥ به إلى الزُّخرف، يعني: فكما يَهْلِكُ هذا الزرعُ هكذا كذلك الدنيا. ﴿نُفَصِّلُ اَلْأَيَتِ﴾ أي: نُبِيِّنُها. ﴿لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ في آياتِ الله. ٢٥ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السََِّ وَيُّهْدِى مَن يَّهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَيِ﴾ لمَّا ذكرَ وصفَ هذه الدار، وهي دارُ الدنيا؛ وصفَ الآخرةَ فقال: إنَّ اللهَ لا يدعوكُم إلى جمع الدنيا، بل يدعوكُم إلى الطاعَةِ لتصيروا إلى دارِ السلام، أي: إلى الجنَّة. قال قتادة والحسن: السَّلامُ هو الله، ودارُه الجنَّةُ(١). وسُمِّيَت الجَّنةُ دارَ السَّلام؛ لأنَّ مَن دخلَها سَلِمَ مِن الآفات(٢). ومِن أسمائِه سبحانه ((السَّلام))، وقد بيَّنَّاه في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٣). ويأتي في سورة الحشر إن شاء الله(٤). وقيل: المعنى: واللهُ يدعو إلى دارِ السَّلامةِ. والسَّلامُ والسَّلامُ بمعنّى؛ كالرَّضاعِ والرَّضاعة، قاله الزجاج(٥)، قال الشاعر : تُحَيِّي بالسَّلامة أمُّ بكرٍ وهل لكِ بعد قومِكِ من سلامِ (٦) وقيل: أرادَ: واللهُ يدعو إلى دارِ التحيَّة؛ لأنَّ أهلَها يَنالون مِن اللهِ التحيَّةَ والسَّلام، وكذلك مِن الملائكة(٧). قال الحسن: إنَّ السَّلامَ لا ينقطعُ عن أهلِ الجنَّة، وهو تحيَّتُهم، كما قال: ﴿وَغِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ﴾ (٨) [يونس: ١٠]. وقال يحيى بن معاذ: يا (١) أخرجه الطبري ١٢/ ١٥٤ عن قتادة. (٢) تفسير البغوي ٢/ ٣٥٠. (٣) ص٢١٧ . (٤) في تفسير الآية (٢٣) منها. (٥) لم نقف عليه في معاني القرآن له، وأورده أبو القاسم الزجاجي في اشتقاق أسماء الله الحسنى ص٢١٥-٢١٦ مع البيت الآتي. (٦) قائله شداد بن الأسود الليثي يرثي قتلى بدر كما في السيرة النبوية لابن هشام ٢٩/٢ . (٧) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ١٧/ ٧٥ . (٨) لم نقف عليه.