Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سورة التوبة: الآية ١١٩
ولم يُصِبه ما يصيب غيره من الهرم والخَرَف(١).
واختلف في المراد هنا بالمؤمنين والصادقين على أقوال:
فقيل: هو خطابٌ لمن آمن من أهل الكتاب(٢).
وقيل: هو خطابٌ لجميع المؤمنين، أي: اتقوا مُخالفةَ أمر الله وكُونُوا مع
الصَّادِقِين - أي: مع الذين خرجوا مع النبيِّ # - لا مع المنافقين، أي: كونوا على
مذهب الصادقين وسبيلهم.
وقيل: هم الأنبياء، أي: كونوا معهم بالأعمال الصالحة في الجنة.
وقيل: هم المراد بقوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُّوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أُوْلَيْكَ
الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقيل: هم المُؤْفون بما عاهدوا؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ
عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وقيل: هم المهاجرون؛ لقول أبي بكر يوم السَّقِيفة: إنَّ الله سمَّانا الصادقين
فقال: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] الآية، ثم سمَّاكم بالمفلحين فقال: ﴿وَاُلَّذِينَ
تَبَوَّهُو الذَّارَ وَاُلْإِبِمَنَ﴾ [الحشر: ٩] الآية.
وقيل: هم الذين استوت ظواهرُهم وبواطنُهم. قال ابن العربي(٣): وهذا القولُ
هو الحقيقةُ والغاية التي إليها المنتَهَى، فإنَّ هذه الصفة يرتفع بها النفاقُ في العقيدة،
والمخالفةُ في الفعل، وصاحبها يقال له الصدِّيق؛ كأبي بكر وعمر وعثمانَ ومَن دونهم
على منازلهم وأزمانهم. وأما مَن قال: إنهم المراد بآية البقرة فهو مُعْظَم الصدق،
و[مَن أتى المعظّمَ فيوشك أن] يُتْبِعه الأقل، وهو معنى آية الأحزاب. وأمّا تفسيرُ
(١) أخرجه ابن عبد البر ٧٠/١، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١٠١٥).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠١٥/٢ .
(٣) في أحكام القرآن ١٠١٥/٢، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.

٤٢٢
سورة التوبة: الآية ١١٩
أبي بكر الصدِّيق، فهو الذي يعمُّ الأقوال كلَّها؛ فإنَّ جميع الصفات فيهم موجودة.
الثانية: حقٌّ [على كلٍّ] مَن فهمَ عن الله وعَقَل عنه أن يُلازِمِ الصِّدقَ في الأقوال،
والإخلاصَ في الأعمال، والصفاءَ في الأحوال، فَمَن كان كذلك، لَحِقَ بالأبرار،
ووصل إلى رضا الغفَّار(١)، قال ﴾: ((عليكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدْقَ يَهدي إلى البِرّ،
وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنة، وما يزال الرجلُ يَصْدُقُ ويتحرَّى الصِّدْقَ حتى يُكتَبَ عند
الله صِدِّيقاً)). والكذبُ على الضدِّ من ذلك؛ قال﴾: «إياكم والكَذِبَ، فإنَّ الكذب
يَهْدِي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذبُ ویتحرَّی
الكذب حتى يُكتب عند الله كَذَّاباً». خرَّجه مسلم(٢).
فالكذب عارٌ وأهلُه مَسْلُوبو الشهادة، وقد ردَّ ﴾ شهادةَ رجل في كَذْبة كَذَبها؛ قال
مَعْمَر: لا أدري أَكَذَب على الله، أو كذبَ على رسوله، أو كذب على أحد من الناس(٣).
وسئل شَريك بن عبد الله فقيل له: يا أبا عبد الله، رجلٌ سمعتُه يكذب متعمِّداً
أأصلِّي خلفه؟ قال: لا(٤).
وعن ابن مسعود قال: إن الكذبَ لا يَضْلُح منه جِدٍّ ولا هَزْل، ولا أن يَعِد أحدكم
[صبيَّه] شيئاً ثم لا ينجِزُه، اقرؤوا إن شئتم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُوا اللَّهَ وَّكُونُوا مَعَ
الصَّادِقِينَ﴾ هل تَرَوْنَ في الكذب رخصة (٥)؟.
(١) المفهم ٦/ ٥٩١ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) في صحيحه (٢٦٠٧) من حديث ابن مسعود ﴾، وسلف ٣/ ٦٣.
(٣) التمهيد ٦٨/١ و٢٥٦/١٦، وأخرجه عبد الرزاق (٢٠١٩٧)، ومن طريقه العقيلي ١٦٣/٤ والبيهقي
١٩٦/١٠ عن معمر، عن موسى بن أبي شيبة: أن رسول الله﴾ ... ، قال العقيلي في ترجمة موسى بن
أبي شيبة: روى عنه معمر أحاديث مناكير. وقال البيهقي: وهو مرسل. قال الحافظ في التقريب: موسى
ابن شيبة أو ابن أبي شيبة مجهول.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٦٩/١ .
(٥) أخرجه الواحدي في الوسيط ٥٣٣/٢، وذكره البغوي ٢/ ٣٣٧، وما سلف بين حاصرتين منهما.
وأخرجه ـ دون قوله: ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئاً ثم لا ينجزه - ابنُ المبارك في الزهد (١٤٠٠)،
والطبري ٦٩/١٢، وابن أبي حاتم ١٩٠٦/٦ (١٠٠٩٦)، وابن عدي ٤١/١ . وجاء عند الطبري وابن
أبي حاتم: ((من الصادقين)) بدل: ((مع الصادقين)) قالا: وكذلك هي قراءة ابن مسعود.

٤٢٣
سورة التوبة: الآيات ١١٩ - ١٢١
وقال مالك: لا يُقبل خبرُ الكاذب في حديث الناس وإن صَدَق في حديث
رسول الله﴾. وقال غيره: يقبل حديثه. والصحيح: أنَّ الكاذب لا تُقبل شهادته ولا
خبره لِمَا ذكرناه؛ فإنَّ القَبول مرتبةٌ عظيمةٌ وولايةٌ شريفةٌ؛ لا تكون إلَّ لمن كَمُلت
خِصَالُه، ولا خَصْلةَ هي أشرُّ من الكذب، فهي تَعْزِلُ الولايات، وتُبْطِل الشهادات(١).
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَنْ
زَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ خَظَمَأْ وَلَا
نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْئًا يَغِبِظُ الْكُفَّارَ وَلَا
يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ ثَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ
اَلْمُحْسِنِينَ (9) وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا
كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
فیه ست مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّقُواْ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ﴾ ظاهرُه خبرٌ، ومعناه أَمْر؛ كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾
وقد تقدَّم(٢).
(أَنْ يَتَخَلَّقُوا)) في موضعٍ رفع اسمٍ كان. وهذه معاتبةٌ للمؤمنين من أهل یَثْرِب
وقبائِل العرب المجاورة لها(٣) - كمُزَيْنَة وجُهينة وأَشْجَع وغِفَار وأسْلم - على التخلُّف
عن رسول الله# في غزوة تَبُوك (٤).
والمعنى: ما كان لهؤلاء المذكورين أن يتخلَّفوا؛ فإنَّ النَّفير كان فيهم، بخلاف
غيرهم فإنهم لم يُستنفَروا في قول بعضهم. ويحتمل أن يكون الاستنفار في كلِّ مسلم،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠١٦/٢ .
(٢) ص ٤٠٠ من هذا الجزء. وينظر تفسير البغوي ٣٣٧/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٣/ ٩٥ .
(٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٢/ ٥٣٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما، والبغوي ٣٣٧/٢ دون نسبة.

٤٢٤
سورة التوبة: الآيتان ١٢٠ - ١٢١
وخصَّ هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم، وأنهم أحقُّ بذلك من غيرهم(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهٍ﴾ أي: لا يرضَوْا لأنفسهم
بالخَفْضِ (٢) والدَّعَةِ ورسولُ اللهِ ﴾ في المَشَقَّة. يقال: رغِبت عن كذا، أي: ترفَّعت
عنه(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ﴾ أي: عطش. وقرأ عبيد بن
عمير: ((ظَمَاء)) بالمد(٤). وهما لغتان مثل: خطأ وخَطَاء. ﴿وَلَا نَصَبٌّ﴾ عطف، أي:
تعب، و((لا)) زائدةٌ للتوكيد. وكذا ﴿وَلَ مَخْمَصَةٌ﴾ أي: مجاعة(٥). وأصلُه ضُمور
البطن، ومنه: رجل خَميصٌ، وامرأة خُمصانة. وقد تقدَّم(٦).
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طاعته ﴿وَلَا يَطَقُونَ مَوْطِئًا﴾ أي: أرضاً ﴿يَغِيظُ
الْكُفَّارَ﴾ أي: بوَظْئهم إياها، وهو في موضعٍ نصبٍ لأنه نعتٌ للمَوْطِئ، أي:
غائِظاً(٧).
﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ ثَيْلًا﴾ أي: قتلاً وهزيمة. وأصلُه من نِلْت الشيءَ أنال،
أي: أَصَبْتُ(٨). قال الكسائيُّ: هو من قولهم: أمرٌ مَنيل منه، وليس هو من التناول،
إنما التناول من نُلْته بالعطيةِ(٩). قال غيره: نُلت أَنُول من العطية، من الواو، والنَّيْلُ من
الياء، تقول: نِلته فأنا نائل، أي: أدركتُه.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠١٧ .
(٢) خَفَض العيشُ خَفْضاً: سَهُل ولان. معجم متن اللغة (خفض).
(٣) الوسيط للواحدي ٢/ ٥٣٤ .
(٤) الكشاف ٢/ ٢٢٠، والبحر ١١٢/٥.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٨/٢.
(٦) ٢٩٦/٧ - ٢٩٧ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٩/٢.
(٨) المصدر السابق.
(٩) ينظر البحر المحيط ١١٢/٥.

٤٢٥
سورة التوبة: الآيتان ١٢٠ - ١٢١
﴿وَلَا يَقْطَّعُونَ وَادِيًا﴾ العرب تقول: وادٍ وأودية، على غير قياس. قال
النخَّاس(١): ولا يُعرف فيما علمت فاعِل وأفعِلة سواه، والقياسُ أن يُجمع: وَوَادي،
فاستثقلوا الجمعَ بين واوين، وهم قد يستثقلون واحدةً؛ حتى قالوا: أُقْتَتْ فِي وُقِّتَت،
وحكى الخليل وسيبويه في تصغير واصل - اسم رجل - أُوَيْصِل، فلا يقولون غيره.
وحكى الفرَّاء في جمع واد: أَوْداء.
قلت: وقد جمع: أَوْداه(٢)؛ قال جرير:
عرفتُ ببُرْقَةِ الأَوْداهِ رَسْماً مُحِيلاً طال عَهْدُكَ مِن رُسومِ(٣)
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَكَلٌِّ﴾ قال ابن عباس: بكلِّ رَوْعةٍ تنالُهم في سبيل
الله سبعون ألفَ حسنة(٤). وفي الصحيح: ((الخيلُ ثلاثة ... - وفيه - وأما التي هي له
أجرٌ، فرجُلٌ ربَطَها في سبيل الله لأهل الإسلام في مَرْج أو روضةٍ، فما أكلت من
ذلك المرج أو الروضة [من شيءٍ] إلا كُتب له عددَ ما أكلت حسناتٌ، وكُتب له عدد
أَرْوائِها وأبوالها حسناتٌ)). الحديث(٥). هذا وهي في مواضعها، فكيف إذا أَدْرَب(٦)
بها.
الرابعة: استدلَّ بعضُ العلماء بهذه الآية على أن الغنيمة تُستحق بالإدراب
والكونِ في بلاد العدوِّ، فإن مات بعد ذلك فله سهمُه؛ وهو قول أشهب وعبد الملك،
وأحدُ قولَي الشافعي. وقال مالك وابن القاسم: لا شيء له؛ لأن اللهَ عزَّ وجلَّ إنما
ذكر في هذه الآية الأجرَ ولم يذكر السهمَ(٧).
(١) في إعراب القرآن ٢/ ٢٤٠ .
(٢) وهي لغة طيِّئ، كما في اللسان (ودي) عن ابن الأعرابي.
(٣) ديوانه ص٣٩٨ برواية: الودَّاء، بدل: الأوداه. وذكره برواية المصنف ابن منظور في اللسان (ودي).
(٤) لم نقف عليه.
(٥) صحيح البخاري (٢٣٧١)، وصحيح مسلم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة ﴾، وما بین حاصرتین منه،
وسلف ٥/ ٥٢ .
(٦) وأدرب القوم: دخلوا أرض العدو من بلاد الروم. الصحاح (درب).
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٠١٧ .

٤٢٦
سورة التوبة: الآيتان ١٢٠ - ١٢١
قلت: الأوَّل أصحُّ لأن اللهَ تعالى جعل وَظْءَ ديار الكفار بمثابةِ النَّيْلِ من
أموالهم، وإخراجِهم من ديارهم، وهو الذي يَغِيظُهم ويُدخل الذَّلَّ عليهم، فهو بمنزلة
نَيْلِ الغنيمة والقتلِ والأسر، وإذا كان كذلك فالغنيمة تُستحقُّ بالإذْرَاب لا بالحِيَازة،
ولذلك قال عليَّ﴾: ما وُطئ قومٌ في عُقرِ دارهم إلا ذَلُّوا(١). واللهُ أعلم.
الخامسة: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَاَنَّةٌ﴾
[التوبة: ١٢٢] وأنَّ حكمها كان حين كان المسلمون في قِلَّة، فلما كثُرُوا نُسخت، وأباح
اللهُ التخلُّفَ لمن شاء؛ قاله ابن زيد(٢).
وقال مجاهد: بعث النبيُّ ﴾ قوماً إلى البوادي ليعلِّموا الناس، فلما نزلت هذه
الآية خافوا ورجعوا، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَفَّةٌ﴾(٣).
وقال قتادة: کان هذا خاصًّا بالنبيِّ ﴾، إذا غزّا بنفسه، فليس لأحدٍ أن يتخلَّف
عنه إلا بعذر، فأمَّا غيرُه من الأئمة والوُلاة، فلِمَن شاء أن يتخلَّف خَلْفَه من المسلمين
إذا لم يكن بالناس حاجةٌ إليه ولا ضرورة (٤).
وقول ثالث: إنها مُحْكَمةٌ؛ قال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعيَّ وابن المبارك
والفَزَاريَّ والسَّبِيعيَّ وسعيد بنَ عبد العزيز يقولون في هذه الآية: إنها لِأوَّلِ هذه الأمة
وآخِرِها(٥).
قلت: قول قتادةً حسنٌ؛ بدليل غَزاة تبوك، والله أعلم.
السادسة: روى أبو داود(٦)، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((لقد
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٢٠/٣، وقول علي ﴾ هو قطعة من خطبة له أخرجها أبو الفرج في
الأغاني ٢٦٧/١٦. وذكرها المبرد في الكامل ٢٩/١ - ٣٠.
(٢) أخرجه الطبري ١٢/ ٧٣ .
(٣) أخرجه بنحوه الطبري ٧٦/١٢، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١٠١٩/٢ .
(٤) تفسير البغوي ٢/ ٣٣٨، وأخرجه بنحوه الطبري ١٢/ ٧٢ .
(٥) أخرجه الطبري ١٢/ ٧٢ .
(٦) في سننه (٢٥٠٨).

٤٢٧
سورة التوبة: الآيتان ١٢٠ - ١٢١
تَركُم بالمدينة أقواماً، ما سِرْتُم مَسِيراً، ولا أَنْفقتُم من نفقةٍ، ولا قَطَعْتُم من وادٍ، إلا
وهم معكم فيه)) قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال:
(حَبَسهم العُذْرُ)).
خرَّجه مسلمٌ(١) من حديث جابرٍ قال: كنّا مع رسولِ الله ﴿ في غَزاةٍ فقال: ((إنَّ
بالمدينة رجالاً، ما سِرتُم مَسيراً، ولا قطعتُم وادِياً، إلَّا كانوا معكم، حَبَسهم
المرض)).
فأعطى # للمعذور من الأجر مثلَ ما أعطى للقويِّ العامل. وقد قال بعض
الناس: إنما يكون الأجر للمعذور غيرَ مضاعفٍ، ويضاعَفُ للعامل المباشر. قال ابن
العربيّ(٢): وهذا تحگُّمٌ على الله تعالى، وتضييقٌ لسعة رحمته. وقد عاب(٣) بعض
الناس فقال(٤): إنَّهم يُعطَوْن الثوابَ مضاعفاً قَطْعاً. ونحن لا نقطعُ بالتّضعيف في
موضع؛ فإنه مبنيٌّ على مقدار النّيَّات، وهذا أمرٌ مُغَيَّب، والذي يُقطَع به أنَّ هناك
تضعيفاً وربُّك أعلمُ بمن يَستحِقُه.
قلت: الظاهر من الأحاديث والآي المساواةُ في الأجر؛ منها قوله عليه الصلاة
والسلام: (مَن دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرٍ فاعِله))(٥) وقولُه: ((مَن تَوَضَّأ وخرج إلى
الصلاة فوجَد الناسَ قد صلَّوا أعطاه اللهُ مثلَ أجرٍ مَن صلَّاها وحَضَرها)»(٦). وهو
ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ مُهَاجِرً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ
عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. وبدليل أنَّ النية الصادقة هي أصلُ الأعمال، فإذا صحّت في
(١) في صحيحه (١٩١١)، وسلف ٥٦/٧ .
(٢) في أحكام القرآن ١٠١٧/٢ ، وما قبله منه.
(٣) في (خ): غايا.
(٤) وقعت العبارة في مطبوع أحكام القرآن: ولذلك قد راب بعض الناس فيه فقال.
(٥) أخرجه أحمد (١٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٩٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري ـ
(٦) أخرجه أحمد (٨٩٤٧)، وأبو داود (٥٦٤)، والنسائي ١١١/٢ من حديث أبي هريرة ﴾.

٤٢٨
سورة التوبة: الآيات ١٢٠ - ١٢٢
فعلٍ طاعةٍ فعجَز عنها صاحبُها لمانعٍ مَنَعَ منها، فلا بُعْد في مساواة أجرٍ ذلك العاجِز
لأجر القادر الفاعلِ أو يَزِيد (١) عليه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((نيةُ المؤمنِ خيرٌ مِن
عَمَله))(٢). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَآَنَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَتْرِ
مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
١٢٢
يَحْذَرُونَ
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وهي أنَّ الجهاد ليس على الأعيان،
وأنه فرضُ كفايةٍ كما تقدَّم(٣)؛ إذ لو نفَر الكلُّ لضاع مَن وراءَهم من العيال، فليخرج
فريقٌ منهم للجهاد، ولْيُقِم فريقٌ يتفقَّهون في الدين ويحفظون الحرِيمَ، حتى إذا عاد
النافِرون أعلمهم المقيمون ما تعلَّموه من أحكام الشرع، وما تجدَّد نزولُه على النبيِّ ◌َ﴾.
وهذه الآيةُ ناسخةٌ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا نَفِرُوا﴾ وللآية التي قبلها؛ على قول مجاهد
وابن زيد (٤).
الثانية: هذه الآيةُ أصلٌ في وجوب طلب العلم؛ لأن المعنى: وما كان المؤمنون
(١) في النسخ: ويزيد، والمثبت من المفهم ٧٢٨/٣ ، والكلام منه.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٩٤٢) من حديث سهل بن سعد ، وفي إسناده حاتم بن عباد الجرشي،
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦١/١: لم أر مَن ذكر له ترجمة.
وأخرجه الخطيب في تاريخه ٩/ ٢٣٧ عن سهل أيضاً، وفي إسناده سليمان بن عمرو النخعي، وهو
كذاب. الميزان ٢١٦/٢. وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٤٨) عن النواس بن سمعان﴾، وفي
إسناده عثمان بن عبد الله الشامي، كان يروي الموضوعات عن الثقات. الميزان ٤١/٣ .
وأخرجه القضاعي أيضاً (١٤٧) عن أنس بلفظ: ((نية المؤمن أبلغ من عمله)) وفي إسناده محمد بن حنيفة
ويوسف بن عطية: ضعيفان، الميزان ٥٣٢/٣ ٤٦٨/٤ - ٤٦٩.
(٣) ٤١٦/٣ وص٢٠١ من هذا الجزء.
(٤) سلف الخبران في المسألة الخامسة من الآية السابقة، وينظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ٣٠٥- ٣٠٦ ،
والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٦٩/٢ .

٤٢٩
سورة التوبة: الآية ١٢٢
لينفروا كافَّةً والنبيُّ ﴾ مقيمٌ لا يَنْفِر فيتركوه وحده. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ بعد ما علموا أنَّ النفير
لا يَسَعُ جميعَهم. ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِقَةٌ﴾ وتبقى بقيَّتُها مع النبيِّ﴾ ليتحمَّلوا عنه
الدِّين ويتفقَّهوا؛ فإذا رجَع النافِرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموه. وفي هذا
إيجابُ التفقُّه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان. ويدلُّ عليه أيضاً
قوله تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. فدخل في هذا مَن لا
يعلم الكتابَ والسُّنن(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ﴾ قال الأخفش: أي: فهلَّا نفَر (٢). ﴿مِن كُلِّ
فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ الطائفةُ في اللغة: الجماعة، وقد تقع على أقلّ من ذلك حتى تبلغ
الرجُلين، والواحدُ على معنى نفس: طائفةٌ. وقد تقدَّم(٣) أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿إِن
ثَعْفُ عَنْ طَآئِفَتِ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَاِفَةٌ﴾ [التوبة: ٦٦] رجُلٌ واحدٌ.
ولا شكَّ أنَّ المراد هنا جماعةٌ؛ لوجهين؛ أحدهما: عقلاً، والآخَر: لغة. أمّا
العقلُ فلِأنَّ العلم لا يتحصَّل بواحدٍ في الغالب. وأمَّا اللغةُ فقوله: ﴿لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ اَلِینِ
وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ فجاء بضمير الجماعة. قال ابن العربيّ(٤): والقاضي أبو بكر،
والشيخ أبو الحسن قبله يرون أنَّ الطائفة هاهنا واحدٌ، ويقضون به(٥) على وجوب
العمل بخبر الواحد، وهو صحيحٌ لا من جهة أنَّ الطائفة تنطلقُ على الواحد، ولكن
من جهة أنَّ خبرَ الشخصِ الواحدِ أو الأشخاصِ خبرُ واحد، وأنَّ مُقابِلَه - وهو الثَّواتُر -
لا ینحصِر.
قلت: أنَصُّ ما يُستدلُّ به على أنَّ الواحد يقال له طائفة قولُه تعالى: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَنَانٍ
(١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ١٩٠/٢ - ١٩١.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٤٠/٢.
(٣) ص٢٩٢ من هذا الجزء.
(٤) في أحكام القرآن ١٠١٩/٢، وما قبله منه.
(٥) في (م): ويعتضدون فيه بالدليل، بدل: ويقضون به.

٤٣٠
سورة التوبة: الآية ١٢٢
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٨] يعني نَفْسين. دليلُه قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] فجاء بلفظ التثنية، والضميرُ في ((اقتَتّلوا)) وإن كان ضميرَ
جماعة، فأقلُّ الجماعة اثنان في أحد القولين للعلماء.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ الضمير في ((لِيَتَفَقَّهُوا، وَلِيُنْذِرُوا)) للمقيمين مع
النبيِّ #؛ قاله قتادة ومجاهد(١).
وقال الحسن: هما للفرقة النافِرة، واختاره الطبري(٢). ومعنى ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِ
الدِّينٍ﴾ أي: يتبصَّرُوا ويتيقَّنوا بما يُريهم اللهُ مِن الظهور على المشركين ونُصرةِ الدين.
﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ من الكفار ﴿إِذَا رَجَمُوْاْ إِلَيْهِمْ﴾ من الجهاد، فيخبرونهم بنُصرة اللهِ
تعالى نبيَّه ﴿ والمؤمنين، وأنهم لا يَدانِ(٣) لهم بقتالهم وقتالِ النبيِّ ﴾، فينزل بهم ما
نزل بأصحابهم من الكفار.
قلت: قول مجاهد وقتادة أبْيَن، أي: لتتفقَّه الطائفةُ المتأخِّرةُ مع رسول الله آل
عن النفور في السَّرايا. وهذا يقتضي الحثَّ على طلب العلم، والندبَ إليه دون
الوجوب والإلزام؛ إذ ليس ذلك في قوة الكلام، وإنما لَزِمَ طلبُ العلم بأدلَّته؛ قاله أبو
بکر ابن العربي(٤).
الخامسة: طلب العلم ينقسم قسمين: فرضٌ على الأعيان؛ كالصلاة والزكاة
(٥)
والصيام(٥).
قلت: وفي هذا المعنى جاء الحديث المَرْويُّ: ((إِنَّ طَلَبَ العلم فريضةٌ)). روى
(١) أخرج قولهما الطبري ٧٦/١٢ و٧٨، وقول مجاهد في تفسيره ٢٨٨/١ - ٢٨٩.
(٢) في تفسيره ١٢/ ٨٤، وأخرج خبر الحسن ٨٢/١٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ٢٩١/٢، وذكره
البغوي ٣٣٩/٢ وما سیرد منه، وهو تتمة قول الحسن.
(٣) يقال: مالك به يدان، أي: طاقة. تهذيب الألفاظ لابن السكيت ٤٩٣/١، وينظر أساس البلاغة (يدي).
(٤) في أحكام القرآن ١٠١٩/٢ .
(٥) تفسير البغوي ٣٣٩/٢ - ٣٤٠.

٤٣١
سورة التوبة: الآية ١٢٢
عبد القدوس بن حبيب أبو سعيد الوُحَاظيُّ، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم
النَّخَعيِّ، قال: سمعت أنسَ بن مالك يقول: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((طلبُ
العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم)). قال إبراهيم: لم أسمع من أنس بن مالك إلَّا هذا
الحديث(١)
وفرضٌ على الكفاية؛ كتحصيل الحقوق، وإقامة الحدود، والفصل بين الخصوم،
ونحوه؛ إذ لا يَصْلُحُ أن يتعلَّمه جميعُ الناس، فتضيع أحوالُهم وأحوالُ سِواهم(٢)،
وتَنْقص أو تبطل معايِشُهم، فتعيَّن بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين،
وذلك بحسَب ما يسَّره اللهُ لعباده، وقَسَمه بينهم من رحمته وحكمته بسابِقٍ قُدرته
و كلمته.
السادسة: طلب العلم فضيلةٌ عظيمةٌ، ومرتبةٌ شریفةٌ لا يُوازیھا عمل؛ روی
الترمذيُّ(٣) من حديث أبي الدَّرْدَاء، قال: سمعتُ رسول اللهِ ◌ِ# يقول: ((مَن سلَك
طريقاً يلتمسُ فيه علماً سلك اللهُ به طريقاً إلى الجَنَّة، وإنَّ الملائكةَ لَتَضَعُ أجنحتَها
رضاً لطالب العلم، وإنَّ العالِم لَيستغفِرُ له من في السماوات ومَن في الأرض،
والحيتانُ في جَوْفِ الماء، وإنَّ فَضْلَ العالِم على العابِدِ كَفَضْلِ القمرِ ليلةَ البدر على
سائر الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا ديناراً ولا دِرْهماً
(١) أخرجه تمام في فوائده (الروض البسام) ١٣٢/١ - ١٣٣ (٧٣)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم
(٢٥) و(٢٦)، والبيهقي في الشعب (١٦٦٦) من طريق عبد القدوس بن حبيب، به. وعبد القدوس هذا
كذبه ابن المبارك، وضعَّفه النسائي، وقال الفلاس: أجمعوا على ترك حديثه. ميزان الاعتدال ٢/ ٦٤٣ .
وقد روي من طرق أخرى كثيرة كلها ضعيفة، لكن قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص٢٧٦: قال
العراقي: قد صحّح بعضُ الأئمة بعضَ طرقه كما بيَّثْتُه في تخريج الإحياء. ثم قال: قال المزي: إن طرقه
تبلغ به رتبة الحسن. وقد صححه السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٩٧ ، ونقل عنه المناوي في فيض
القدير ٤/ ٦٧ قوله: جمعتُ له خمسين طريقاً، وحكمتُ بصحته لغيره.
(٢) في (م): سراياهم، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي
١٠١٩/٢، والكلام منه.
(٣) برقم (٢٦٨٢)، وأخرجه أحمد (٢١٧١٥).

٤٣٢
سورة التوبة: الآية ١٢٢
إنما ورَّثَوا العلمَ، فَمَنْ أَخَذ به أَخَذَ بحظٌّ وَافِرٍ)).
وروى الدَّارميُّ أبو محمدٍ في («مسنده)) قال: حذَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا
الأوزاعيُّ، عن الحسن قال: سُئل رسول اللهِ﴾ عن رجلين كانا في بني إسرائيل،
أحدُهما كان عالماً يصلِّي المكتوبةَ، ثم يجلس فيعلِّم الناسَ الخيرَ. والآخَر يصوم
النهار ويقوم الليل، أيُّهما أفضل؟ قال رسول الله ﴾: ((فَضْلُ هذا العالم الذي يصلِّي
المكتوبةَ ثم يجلس فيعلمُ الناسَ الخير، على العابد الذي يصومُ النهارَ ويقومُ اللیل،
كفَضْلي على أدناكم»(١).
أسنده أبو عمر في كتاب ((بيان العلم)) عن أبي سعيد الخُذريِّ قال: قال
رسولُ اللهِ وَ﴾: ((فضلُ العالم على العابد كفَضْلي على أمَّتي))(٢).
وقال ابن عباس: أفضلُ الجهاد مَن بنَى مسجداً يعلّم فيه القرآن والفقه والسُّنة.
رواه شَريك، عن ليث بن أبي سُليم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عليٍّ الأَزْديِّ قال:
أردتُ الجهادَ فقال لي ابن عباس: ألا أدلَّك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تأتي
مسجداً فتقرئ فيه القرآنَ، وتعلِّمُ فيه الفقه(٣).
وقال الربيع: سمعتُ الشافعيَّ يقول: طلبُ العلم أوجبُ من الصلاة النافلة(٤).
(١) سنن الدارمي (٣٤٠) وإسناده منقطع في موضعين، فالأوزاعي لا تُعرف له روايةٌ عن الحسن، والحسن
روايته عن النبي # مرسلة.
وأخرجه بنحوه الترمذي (٢٦٨٥)، والطبراني في الكبير (٧٩١١) من طريق الوليد بن جميل عن القاسم
أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة مرفوعاً. قال أبو حاتم: الوليد بن جميل روى عن القاسم أبي عبد
الرحمن أحاديث منكرة. ميزان الاعتدال ٤/ ٣٣٧ .
(٢) برقم (٩٢) وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية، قال الحافظ في التقريب: كذبوه. اهـ وزيد بن
الحواري العمِّي البصري، قال في التقريب: ضعيف.
(٣) أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٣/ ٤٠٠ ومن طريقه ابن عبد البر في جامع بيان العلم
(١٦٠) من طريق شريك، بالإسناد الذي ذكره المصنف. شريك هو ابن عبد الله النخعي، وهو سيِّئ
الحفظ، ولیث هو ابن أبي سليم ضعيف.
(٤) مسند الشافعي ١٨/١ بلفظ: أفضل، بدل: أوجب.

٤٣٣
سورة التوبة: الآية ١٢٢
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الملائكة لتضَعُ أجنحتها)) الحدیثَ يحتمل
و جھین :
أحدهما: أنَّها تعطِفُ عليه وترحمُه، كما قال الله تعالى فيما وصَّى به الأولادَ من
الإحسان إلى الوالدين بقوله: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]
أي: تَواضَعْ لهما.
والوجه الآخر: أن يكون المرادُ بوضع الأجنحة فَرْشَها؛ لأن في بعض
الروايات: ((وإنَّ الملائكة تفرشُ أجنحتها)) أي: إنَّ الملائكة إذا رأت طالبَ العلم
يطلبه من وجهه ابتغاءَ مرضات اللهِ، وكانت سائرُ أحواله مشاكِلةً لطَلَب العلم، فَرَشَتْ
له أجنحتها في رحلته وحملته عليها، فمِن هناك يَسْلَم، فلا يَحْفَى إن كان ماشياً ولا
يَغْيَا(١)، وتقرُب عليه الطريقُ البعيدةُ، ولا يصيبه ما يصيبُ المسافرَ من أنواع الضرر،
كالمرض، وذهاب المال، وضلالِ الطريق(٢). وقد مضى شيءٌ من هذا المعنى في ((آل
عمران)) عند قوله تعالى: ﴿شَهِدَ الهُ﴾ الآية(٣).
روى عمران بن حُصين، قال: قال رسولُ اللهِ﴾: ((لا تزالُ طائفةٌ مِن أمتي
ظاهرين على الحق حتى تقومَ الساعةُ)). قال يزيد بن هارون: إن لم يكونوا أصحابَ
الحديث فلا أدري مَن هم (٤)؟.
قلت: وهذا قول عبد الرزاق في تأويل الآية: إنهم أصحاب الحديث؛ ذكره
الثعلميُّ.
(١) في (خ) و(د) : يعنى.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان ٢/ ١٩٣ .
(٣) ٦٣/٥ - ٦٤ .
(٤) أخرجه بتمامه الرامهر مزي في المحدث الفاصل (٢٧)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٤٦)،
وأخرجه - دون كلام يزيد - أحمد (١٩٨٥١)، وأبو داود (٢٤٨٤). وأخرجه أيضاً أحمد (١٨١٣٥)،
والبخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١) من حديث المغيرة بن شعبة ﴾، وقد رواه أيضاً عدد من
الصحابة، ينظر التعليق على مسند أحمد عند الحديث (٨٢٧٤).

٤٣٤
سورة التوبة: الآيتان ١٢٢ - ١٢٣
وسمعت شيخَنا الأستاذَ المقرِئ النحويَّ المحدَّث أبا جعفر أحمد بن محمد بن
محمد القيسيَّ القرطبيَّ المعروف بابن أبي حجَّة(١) رحمه اللهُ يقول في تأويل قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا يزالُ أهلُ الغَرْبِ ظاهِرِينَ على الحقِّ حتى تقومَ الساعة)) (٢):
إنهم العلماء، قال: وذلك أنَّ الغربَ لفظً مشترَكٌ يطلَقُ على الدَّلو الكبيرة، وعلى
مغرب الشمس، ويطلَق على فَيْضة من الدمع. فمعنى ((لا يزالُ أهل الغَرب)) أي: لا
يزال أهلُ فَيْضِ الدمع من خشية اللهِ عن علم به وبأحكامه ظاهِرِين، الحديثَ. قال الله
تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾.
قلت: وهذا التأويل يَعْضُده قولُه عليه الصلاة والسلام في ((صحيح)) مسلم: ((مَن
يُرِدِ اللهُ به خيراً يفقِّهْهُ في الدِّين، ولا تزالُ عصابةٌ من المسلمين يقاتلون على الحقِّ
ظاهِرِين على مَن ناوَأَهم إلى يوم القيامة))(٣). وظاهرُ هذا المَسَاق أنَّ أوَّله مرتبطٌ بآخِره.
واللهُ أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُوا
فِيكُمْ غِظَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ
فيه مسألة واحدة: وهو أنه سبحانه عرَّفهم كيفيَّةَ الجهاد، وأنَّ الابتداء بالأقرب
فالأقرب من العدوِّ؛ ولهذا بدأ رسولُ اللـه ﴿ بالعرب، فلمَّا فرَغْ قصّدَ الروم، وكانوا
بالشام.
وقال الحسن: نزلت قبل أن يؤمر النبيُّ# بقتال المشركين [كافة](8). فهي من
(١) أقرأ القرآن والنحو، وأسمع الحديث بقرطبة، ثم خرج إلى إشبيلية وولي القضاء والخطابة بها، وألَّف:
تسديد اللسان في النحو، والجمع بين الصحيحين، وغير ذلك، توفي سنة (٦٤٣هـ). بغية الوعاة ٣٨٣/١.
(٢) أخرجه مسلم (١٩٢٥).
(٣) صحيح مسلم (١٠٣٧): (١٧٥) كتاب الإجارة، وهو عند أحمد (١٦٨٤٩)، والبخاري (٧١) وهو من
حديث معاوية. وقوله : ((مَن يُرِد الله به خيراً يفقّهه في الدين)) سلف ٣٥٧/٤ .
(٤) تفسير الرازي ٢٢٨/١٦، ومجمع البيان ١٦٥/١١، وما بين حاصرتين منهما، وذكره ابن عطية في
المحرر الوجيز ٩٧/٣ دون نسبة.

٤٣٥
سورة التوبة: الآية ١٢٣
التدريج الذي كان قُبُلَ الإسلام(١).
وقال ابن زيد: المرادُ بهذه الآية وقتَ نزولها العربُ، فلما فرغ منهم نزلت في
الروم وغيرهم: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩](٢).
وقد رُوي عن ابن عمر: أنَّ المرادَ بذلك الدَّيْلم(٣). ورُوي عنه أنه سُئل بمن يُبدأ
بالروم أو بالدَّيلم؟ فقال: بالرُّوم(٤).
وقال الحسن: هو قتال الدَّيلم والتُّرْكِ والروم(٥). وقال قتادة: الآية على العموم
في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى(٦).
قلت: قولُ قتادةَ هو ظاهِرُ الآية، واختار ابن العربي (٧) أن يُبدأ بالروم قبل
الديلم؛ على ما قاله ابن عمر لثلاثة أوجه:
أحدها : أنهم أهلُ کتاب، فالحجة عليهم أكثرُ وآكد.
الثاني: أنهم إلينا أقرب، أعني أهلَ المدينة.
الثالث: أنَّ بلاد الأنبياء في بلادهم أكثر، فاستنقاذُها منهم أَوْجَبُ. واللهُ أعلم.
﴿وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِظَةٌ﴾ أي: شدَّةً وقوّةً وحَمِيَّة. وروى المفضَّل(٨) عن الأعمش
وعاصم(٩): ((غَلْظة)) بفتح الغين وإسكان اللام. قال الفرَّاء: لغةُ أهل الحجاز وبني
(١) المحرر الوجيز ٩٧/٣، والقُبُل من الزمن: أوَّلُه. ووقع في المحرر الوجيز: في أول الإسلام.
قال ابن عطية: وهذا القول يضعِّفه أن هذه الآية من آخِر ما نزل.
(٢) المحرر الوجيز ٩٧/٣، وأخرجه الطبري ١٢/ ٨٧ - ٨٨ .
(٣) لم نقف عليه.
(٤) أخرجه الطبري ٨٦/١٢ .
(٥) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٦٥/١١، وأخرجه الطبري ١٢/ ٨٧ بذكر الديلم فقط.
(٦) النكت والعيون ٤١٦/٢ .
(٧) في أحكام القرآن ٢/ ١٠٢٠ .
(٨) في (خ) و(د) و(ز) و(م): الفضل، وفي (ظ): الفضيل، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٢٤٠/٢،
والكلام منه، والقراءات الشاذة ص٥٦ وفيه قراءة المفضل عن عاصم.
٠٠
(٩) القراءة المشهورة عن عاصم كقراءة الجماعة.

٤٣٦
سورة التوبة: الآيتان ١٢٤ - ١٢٥
أسدٍ بكسر الغين، ولغة بني تميم: ((غُلظة)) بضمِّ الغين.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم ◌َن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَنَّا فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
((ما)) صلة، والمراد المنافقون. ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِهِ إِيمَانًا﴾ قد تقدَّم القولُ في
زيادة الإيمان ونقصانه في سورة آل عمران (١). وقد تقدَّم معنى السورة في مقدِّمة
الكتاب(٢)، فلا معنى للإعادة.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: ((إن للإيمان سُنناً وفرائضَ؛ مَن استكملها
فقد استكمل الإِيمان، ومَن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان))(٣) قال عمر بن عبد
العزيز: ((فإنْ أعِشْ فسأبيِّنُها لكم، وإن أَمُتْ فما أنا على صُحبتكم بحریص)». ذكره
البخاريُّ.
وقال ابن المبارك: لم أجد بُدًّا من أن أقولَ بزيادةِ الإيمان، وإلَّ ردَدْتُ
القرآن (٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ
(١٢٥)
وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شكٌّ ورَيْب ونفاق. وقد
تقدّم(٥). ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: شكًّا إلى شكِّهم، وكفراً إلى كُفْرهم.
وقال مقاتل: إثماً إلى إثمهم(٦)، والمعنى متقارب.
(١) ٥/ ٤٢٣ - ٤٢٦ .
(٢) ١٠٦/١ وما بعدها.
(٣) كذا ذكر المصنف، والذي علقه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان (الفتح ٤٥/١) قال: كتب عمر
ابن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان ...
(٤) مسند إسحاق بن راهويه ٣/ ٦٧٢ .
(٥) ٢٩٩/١ - ٣٠٠.
(٦) النكت والعيون ٤١٦/٢ .

٤٣٧
سورة التوبة: الآيتان ١٢٦ - ١٢٧
قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَّوْنَ أَنَّهُمْ يُقْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مََّّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أُمَّ
لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَكَّرُونَ
قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ قراءةُ العامَّة بالياء، خَبَراً عن المنافقين. وقرأ حمزةُ
ويعقوبُ بالتاء خَبَراً عنهم وخطاباً للمؤمنين(١). وقرأ الأعمش: ((أَوَ لم يَرَوْا))(٢). وقرأ
طلحة بن مُصَرِّف: ((أَوَ لَا تَرَى)) وهي قراءةُ ابن مسعود (٣)، خطاباً للرسول ﴾.
و﴿يُقْتَنُونَ﴾ قال الطبريُّ: يُختَبرون(٤). قال مجاهد: بالقَخْط والشدَّة(٥). وقال
عطيةُ: بالأمراض والأوجاع (٦)؛ وهي رَوَائدُ الموت. وقال قتادة والحسن(٧): بالغزو
والجهاد مع النبيِّ﴿، ويرون ما وَعَد الله من النصر ((ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ)) لذلك ((وَلَا هُمْ
يَذََّّرُونَ)).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ تَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَدَكُم مِّنْ
﴾
١٣٧
أَحَدٍ ثُمَّ أَنصَرَفُوْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ((ما)) صلة، والمراد:
المنافقون، أي: إذا حَضَروا الرسولَ وهو يتلو قرآناً أُنزل فيه فضيحتُهم، أو فضيحةُ
أحدٍ منهم، جعل ينظر بعضُهم إلى بعض نَظَرَ الرُّغْب على جهة التقرير، يقول: هل
يراكم من أحدٍ إذا تكلَّمتم بهذا فينقلَه إلى محمد، وذلك جهلٌ منهم بنبوَّته عليه
الصلاة والسلام، وأنَّ الله يُطلعه على ما يشاء من غيبه(٨).
(١) السبعة ص ٣٢٠، والنشر ٢٨١/٢.
(٢) ذكرها أبو حيان في البحر ١١٦/٥ .
(٣) النكت والعيون ٤١٧/٢، وزاد ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٩/٣ نسبتها لأبي والأعمش.
(٤) تفسير الطبري ١٢/ ٩٣ .
(٥) النكت والعيون ٤١٧/٢، وهو في تفسير مجاهد ٢٨٩/١، وتفسير الطبري ٩٢/١٢، وتفسير ابن أبي
حاتم ١٩١٥/٦ (١٠١٤٩) بلفظ: بالسَّنّة والجوع.
(٦) زاد المسير ٥١٩/٣ .
(٧) بعدها في (د) و(ز) و(م): مجاهد، وقد سلف قول مجاهد. وأخرج قول قتادة والحسن الطبريُّ ٩٢/١٢،
وأخرجه عن قتادة أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٢٩١/٢ .
(٨) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٠٢١/٢، والمحرر الوجيز ٩٩/٣.

٤٣٨
سورة التوبة: الآية ١٢٧
وقيل: إنَّ((نَظَرَ)) في هذه الآية بمعنى: إيماء(١). وحكى الطبري(٢) عن بعضهم أنه
قال: ((نَظَر» في هذه الآية موضع قال.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنصَرَفُواْ﴾ أي: انصرفوا عن طريق الاهتداء. وذلك أنَّهم حينما
يبيِّنُ (٣) لهم كشف أسرارهم والإعلام بمغيَّبات أمورهم، يقع لهم لا محالةَ تعجّبٌ
وتوقُّفٌ ونظر، فلو اهْتَدوا، لكان ذلك الوقتُ مَظِنَّةً لإيمانهم، فهم إذ يصمِّمون على
الكفر ويَرْتِكون فيه، كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظِنَّةَ النظر الصحيح
والاهتداء، ولم يسمعوا قراءة النبيِّ # سَماعَ مَن يتدبَّرُه وينظر في آياته ﴿إِنَّ شَرَّ
الدَّوَآتٍ عِندَ الَّهِ اُلُ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]. ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ
عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
قوله تعالى: ﴿صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبهُم﴾ فيه ثلاثُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ دعاءٌ عليهم؛ أي: قولوا لهم هذا.
ويجوز أن يكون خَبَراً عن صَرْفها عن الخير مجازاةً على فِعْلهم. وهي كلمةٌ يُدعَى بها،
كقوله: ﴿فَكَنَّلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠]. والباء في قوله: ((بِأَنَّهُمْ)) صلةٌ لـ((صَرَف))(٤).
الثانية: قال ابن عباس: يُكره أن يقال: انصرفنا من الصلاة؛ لأنَّ قوماً انصرفوا
فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قضينا الصلاة. أسنده الطبريُّ عنه(٥).
قال ابن العربيّ(٦): وهذا فيه نظر، وما أظنُّه بصحيح(٧)؛ فإنَّ نظامَ الكلام أن
(١) في النسخ: أنبأ، والمثبت من المحرر الوجيز ٣/ ١٠٠، والكلام منه، وكذلك من معاني القرآن
للأخفش ٥٦٤/٢، وللزجاج ٤٧٦/٢ .
(٢) في تفسيره ١٢/ ٩٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٠/٣ .
(٣) في النسخ: بَيَّن، والمثبت من المحرر الوجيز ٩٩/٣ ، والكلام منه.
(٤) أي: متعلّقة بها، وهذا إذا كانت (صرف)) بمعنى الخبر، أما إذا كانت بمعنى الدعاء فتُعلَّق بـ((انصرفوا)).
ينظر روح المعاني ١١/ ٥٢ .
(٥) في تفسيره ١٢/ ٩٥، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور في سننه (١٠٥٢ - تفسير) وابن أبي شيبة ٣٨٢/٢.
(٦) في أحكام القرآن ٢/ ١٠٢١، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٧) في أحكام القرآن: وما أظنه يصح عنه.

٤٣٩
سورة التوبة: الآيات ١٢٧ - ١٢٩
يقال: لا يقلْ أحدٌ انصرفنا من الصلاة؛ فإنَّ قوماً قيل فيهم: ﴿ثُمَّ أَنصَرَفُواْ صَرَفَ اللهُ
قُلُوبَهُم﴾ [فإنَّ ذلك كان مقولاً فيهم، ولم يكن منهم]. أخبرنا محمد بنُ عبد الملك
القَيْسِيُّ (١) الواعظُ، حدَّثنا أبو الفضل الجوهريُّ سَماعاً منه يقول: كنّا في جنازةٍ فقال
المنذر بها: انصرفوا رحمكم الله. فقال: لا يقل أحدٌ انصرفوا؛ فإنَّ الله تعالى قال
في قومٍ ذمَّهم: ﴿ثُمَّ أَنصَرَفُواْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ ولكن قولوا: انقلبوا رحمكم الله؛
فإنَّ الله تعالى قال في قوم مَدَحهم: ﴿فَأنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسّهُمْ سُوْءٌ﴾
[آل عمران: ١٧٤].
الثالثة: أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه صارفُ القلوبِ ومُصرِّفُها،
وقالِبُها ومقلِّبُها؛ ردًّا على القدرية في اعتقادهم أنَّ قلوبَ الخلق بأيديهم، وجوارٍحَهم
بحکمهم، یتصرّفون بمشيئتهم، ویحکمون بإرادتهم واختیارِهم؛ ولذلك قال مالك
فيما رواه عنه أشهب: ما أَبْيَنَ هذا في الردّ على القَدَرِيَّة ﴿لَا يَزَالُ بُلْيَئُهُمُ الَّذِى بَنَوَأْ
رِيَّةٌ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠]. وقوله عزَّ وجلَّ لنوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ
يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦] فهذا لا يكون أبداً ولا يرجع ولا يزول(٢).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَّمَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٧٨) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ
لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوِّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌّ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (َ﴾
هاتان الآيتان في قول أُبَيِّ أقربُ القرآن بالسماء عهداً (٣). وفي قول سعيد بن
(١) في (ظ): العبسي، ووقع في مطبوع أحكام القرآن: محمد بن عبد الحكم البستي، والمثبت من باقي
النسخ، ومن نفح الطيب ٤٠/٢، وقد ذكر التلمساني فيه هذه القصة نقلاً عن ابن العربي أيضاً. وهو
موافق أيضاً لما في تكملة الصلة للقضاعي ٧٧/٣ ، وذكر فيه أنه يكنى أبا مروان، وهو من أهل
بَرْشانه، وسكن المَرِيَّة.اهـ وبَرْشانة: من قرى إشبيلية في الأندلس. والمَرِيَّة: مدينة كبيرة في الأندلس.
معجم البلدان ٣٨٤/١ و ١١٩/٥ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٢١/٢ - ١٠٢٢ .
(٣) المحرر الوجيز ١٠١/٣، وأخرجه الطبري ١٢/ ١٠٢.

٤٤٠
سورة التوبة: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩
جبير: آخِرُ ما نزل من القرآن ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى الَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] على ما
تقدَّم(١). فيحتَمِل أن يكون قولُ أُبَيِّ: أقرب القرآن بالسماء عهداً بعدَ قوله: ﴿وَأَثَّقُواْ
يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾. والله أعلم.
والخطابُ للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهةٍ تعديدِ النعمةِ عليهم في
ذلك؛ إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه، وشُرِّفوا به غابرَ الأيام. وقال الزجَّاج: هي
مخاطبةٌ لجميع العالم، والمعنى: لقد جاءكم رسولٌ من البشر. والأوّل أصوب(٢)؛
قال ابن عباس: ما من قبيلةٍ من العرب إلا ولدت النبيَّ ﴾(٣)، فكأنه قال: يا معشر
العرب، لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل. والقول الثاني أَوْكدُ للحجة؛ أي: هو
بشرٌ مثلكم لتفهموا عنه وتأتمُّوا به.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ يقتضي مدحاً لنسب النبيِّ#، وأنه من صميم
العرب وخالِصِها(٤).
وفي ((صحيح)) مسلم(٥) عن واثِلةً بن الأَسْقع قال: سمعت رسول الله # يقول:
((إنَّ اللهَ اصطفى كنانةَ من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانةَ، واصطفى من
قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)».
ورُويَ عنهِ ﴿ أنه قال: ((إنِّي من نكاح، ولستُ من سِفَاح)). معناه: أنَّ نسبَه ◌َ# إلى
آدَ عليه السلام لم يكن النَّسلُ فيه إلَّا من نكاح، ولم يكن فيه زِنّى(٦).
(١) ٤ / ٤٢١ .
(٢) المحرر الوجيز ١٠٠/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ٤٧٧ .
(٣) تفسير البغوي ٢/ ٣٤١، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ٩٥/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٣/ ١٠٠ .
(٥) برقم (٢٢٧٦)، وهو عند أحمد (١٦٩٨٦).
(٦) المحرر الوجيز ١٠٠/٢، والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٨١٢) عن ابن عباس رضي الله
عنهما، وفي إسناده فُليح بنُ سليمان، وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وهما سيّئا الحفظ كما
ذكر الحافظ في التقريب. وأخرجه ابن سعد ٦١/١ عن عائشة رضي الله عنها، وفي إسناده الواقدي، =