Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة التوبة: الآية ٦٠ إنَّما كان للمحَلِّ لا للمستحِقٌّ، على ما تقدَّم(١). واختلفوا في العامل إذا كان هاشميًّا، فمنعه أبو حنيفة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لآل محمد، إنَّما هي أوساخُ الناس))(٢). وهذه صدقةٌ من وجهٍ؛ لأنَّها جزءٌ من الصدقة، فتُلحَقُ بالصدقة من كلِّ وجهٍ كرامةً وتنزيهاً لقرابة رسول الله # عن غُسالة الناس. وأجاز عملَه مالك والشافعيُّ، ويُعطَى أجرَ عُمالته؛ لأنَّ النبيَّ:# بعث عليَّ بن أبي طالب مصدِّقاً، وبعثه عاملاً إلى اليمن على الزكاة(٣)، ووَلَّى جماعةً من بني هاشم، وولَّى الخلفاءُ بعدَه كذلك. ولأنه أَجِير على عمل مباح، فوجب أن يستويَ فيه الهاشميُّ وغيره اعتباراً بسائر الصناعات. قالت الحنفية: حديث عليٍّ ليس فيه أنه فَرض له من الصدقة، فإن فرض له من غيرها جاز(٤). وروي عن مالك. الحادية عشرة: ودلَّ قوله تعالى: ﴿وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ على أنَّ كلَّ ما كان من فروض الكفايات كالساعي والكاتب والقَسَّام والعاشرِ وغيرهم، فالقائمُ به يجوز له أخذُ الأجرة عليه، ومن ذلك الإمامةُ؛ فإنَّ الصلاةَ وإن كانت متوجِّهةً على جميع الخلق، فإنَّ تقدُّم بعضِهم بهم من فروض الكفايات، فلا جَرَم يجوز أخذُ الأجرة عليها. وهذا أصلُ الباب، وإليه أشار النبيُّ # بقوله: ((ما تركتُ بعد نفقةٍ نسائي ومؤنةٍ عاملي فهو صدقةٌ)). قاله ابن العربيّ(٥). الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ﴾ لا ذِكْرَ للمؤلفة قلوبُهم في التنزيل (١) ص٢٤٤ من هذا الجزء. (٢) سلف ص٢١ من هذا الجزء. (٣) خبر إرساله # علياً إلى اليمن أخرجه أحمد (٦٣٦) و(٦٦٦)، وأبو داود (٣٥٨٢)، والنسائي في الكبرى (٨٣٦٣ - ٨٣٦٨)، وابن ماجه (٢٣١٠). من حديث علي ﴾. وينظر بدائع الصنائع للكاساني ٢/ ٤٦٨ ، والمغني ١٢٨/٤ . (٤) ينظر بدائع الصنائع ٤٦٨/٢ . (٥) في أحكام القرآن ٩٤٩/٢، والحديث أخرجه أحمد (٧٣٠٣)، والبخاري (٢٧٧٦)، ومسلم (١٧٦٠) عن أبي هريرة ﴾. ٢٦٢ سورة التوبة: الآية ٦٠ في غير قَسْم الصدقات، وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يُظهر الإسلامَ، [فكانوا] يُتألَّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم (١). قال الزُّهريُّ: المؤلَّفةُ مَن أسلم مِن يهوديٍّ أو نصرانِيٍّ وإن كان غنيًّا(٢). وقال بعض المتأخرين: اختلف في صفتهم؛ فقيل: هم صِنفٌ من الكفار يُعطّوْن ليُتألَّفوا على الإِسلام، وكانوا لا يُسْلمون بالقهر والسيف، ولكنْ يسلمون بالعطاء والإحسان. وقيل: هم قومٌ أسلموا في الظاهر، ولم تَستيقنْ قلوبهم، فيُعطَوْن ليتمكّن الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قومٌ من عظماء المشركين [أسلموا و] لهم أتباعٌ، يُعطّون ليتألَّفوا أتباعَهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوالُ متقاربةٌ، والقصدُ بجميعها الإعطاءُ لمن لا يتمكَّن إسلامُه حقيقةً إلا بالعطاء، فكأنه ضربٌ من الجهاد. والمشرکون ثلاثةُ أصناف: صِنف يرجع بإقامة البرهان. وصنف بالقهر. وصنف بالإحسان. والإمام الناظرُ للمسلمين يَستعمل مع كلِّ صِنفٍ ما يراه سبباً لنجاته وتخليصِه من الكفر(٣). وفي ((صحيح)) مسلم(٤) من حديث أنس: فقال رسول الله # - أعني للأنصار -: ((فإني أُعطِي رجالاً حديثي عَهْدِ بكفرٍ أَتألَّقُهم)) الحديث. قال ابن إسحاق: أعطاهم يتألَّفُهم ويتألَّفُ بهم قومَهم، وكانوا أشرافاً، فأعطى أبا سفيان بنَ حربٍ مئةَ بعير، وأعطى ابنَه مئة بعير، وأعطى حَكيمَ بن حِزام مئة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى سُهيل بن عمرو مئة بعير، وأعطى حُوَيطِب بن عبد العُزَّى مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير. وكذلك أعطى مالكَ بن عوف والعلاءَ بن جارية. قال: فهؤلاء أصحاب المئين. وأعطى رجالاً من قريش دون المئة، منهم مَخْرَمة بن نوفل الزُّهريُّ، وعُمير بن (١) عقد الجواهر الثمينة ٣٤٤/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٢٣/٣، والطبري ١١/ ٥٢١. (٣) عقد الجواهر الثمينة ٣٤٤/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) برقم (١٠٥٩)، وهو عند أحمد (١٢٦٩٦)، والبخاري (٣١٤٧). ٢٦٣ سورة التوبة: الآية ٦٠ وَهْبِ الجُمَحِيُّ، وهشام بن عمرو العامريُّ؛ قال ابن إسحاق(١): فهؤلاء لا أعرف ما أعطاهم. وأعطى سعيدَ بن يَرْبُوع خمسين بعيراً، وأعطى عباسَ بن مِرداس السُّلَمِيَّ أَبَاعِرَ قليلةً فسَخِطَها. فقال في ذلك: بِكَرِّي على المُهْرِ فِي الأَجْرَعِ(٢) كانت نِهاباً تَلافَيْتُهَا إذا هَجَع الناسُ لم أَهْجِعٍ وإيقاظِيَ القومَ أن يرقُدوا ـدِ بين عُيَيْنةَ والأَقْرَع(٣) فأصبحَ نَهْبِي ونَهْبُ العُبَيْـ فلم أُغطّ شيئاً ولم أُمْنعٍ وقد كنتُ في الحرب ذا تُدْرَإِ(٤) عَديدَ قوائمِها(٦) الأربعِ إلَّا أَفائِلَ(٥) أُعطِيتُها يفوقان مِرْداسَ(٧) في المَجْمعِ وما كان حِصنٌ ولا حابِسٌ وما كنتُ دون امرئ منهما ومَن تَضع اليومَ لا يُرْفَعِ فقال رسولُ اللـه#: ((إِذهبوا فاقطعوا عني لسانه)). فأعطَوْه حتى رَضِيَ، فكان ذلك قَطْعَ لسانه(٨). قال أبو عمر(٩): وقد ذُكر في المؤلَّفة قلوبُهم النُّضير بنُ الحارثِ بنِ علقمة بن (١) كما في سيرة ابن هشام ٤٩٣/٢، ونقل المصنف كلامه بواسطة ابن عبد البر في الدرر ص٢٧٨ . (٢) قوله: كانت نهاباً، يعني كانت الإبل والماشية، ونهاباً جمع نهب: وهو ما ينهب ويُغنم، والأجرع المكان السهل. الإملاء المختصر في شرح غريب السير ١٣٠/٣. (٣) العُبيد: اسم فرس العباس. الإملاء ٣/ ١٣٠. وعيينة هو ابن حصن، والأقرع هو ابن حابس التميمي، وقد ذكرهما ابن إسحاق في السيرة فيمن أعطاهم النبي 28 مئة بعير. (٤) أي: ذا دَفْعٍ، من قولك: درأه، إذا دفعه. الإملاء المختصر ١٣٠/٣. (٥) جمع أَفِيل: وهي الصغار من الإبل. المصدر السابق. (٦) في النسخ: قوائمه، والمثبت من السيرة والدرر. (٧) في الدرر: شَيْخِيَ، ورواية المصنف موافقة لما في صحيح مسلم (١٠٦٠) حيث أخرج الخبر من حديث رافع بن خديج ﴾ بذكر الأبيات الثالث والسادس والسابع. ويعني بقوله: شيخي: أباه، ومَن قال: شَيْخَيَّ فيعني أباه وجده. الإملاء المختصر ١٣٠/٣. (٨) وفي صحيح مسلم (١٠٦٠): فأتمَّ له رسول الله # مئة بعير. (٩) في الدرر ص٢٧٩، وما قبله منه، وينظر طبقات ابن سعد ٢٧٢/٤ - ٢٧٣ . ٢٦٤ سورة التوبة: الآية ٦٠ كَلَدة، أخو النَّضْر بن الحارث المقتولِ ببدر صَبْراً. وذكر آخرون أنه فيمَن هاجر إلى الحبشة، فإن كان منهم فمحالٌ أن يكونَ من المؤلّفة قلوبُهم، ومَن هاجر إلى أرض الحبشة فهو من المهاجرين الأوَّلین ممن رسخ الإیمانُ في قلبه وقاتل دونه، ولیس ممن يؤلّف عليه. قال أبو عمر (١): واستعمل رسول الله8# مالك بنَ عوف بن سعيد بن يَربوع النَّصْريَّ على مَن أسلم من قومه من قبائل قيس، وأمره بمغاورة(٢) ثقيف، ففعل وضيّق عليهم، وحسُن إسلامه وإسلامُ المؤلّفة قلوبُهم، حاشا عُيينة بن حصن فلم يَزَلْ مَغْموزاً عليه. وسائرُ المؤلفة متفاضلون، منهم الخَيِّر الفاضلُ المجتَمَعُ علی فضله، كالحارث بن هشام، وحكيم بن حزام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ومنهم دون هؤلاء. وقد فضَّل الله النبيين وسائرَ عباده المؤمنين بعضَهم على بعض، وهو أعلمُ بهم. قال مالك: بلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه النبيُّ # في المؤلّفة قلوبُهم، فتصدَّق به بعد ذلك(٣). قلت: حكيم بن حِزام وحُويطِب بن عبد العُزَّى عاش كلُّ واحد منهما مئةً وعشرين سنة، ستين في الإسلام، وستين في الجاهلية. وسمعت الإمام شيخَنا الحافظَ أبا محمد عبد العظيم(٤) يقول: شخصان من الصحابة عاشا في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة، وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين، أحدهما حكيمُ بن حزام، وكان مولدُه في جوف الكعبة قبل عام الفِيل بثلاثَ عَشْرةَ سنةً. والثاني حسانُ بنُ ثابت ابنِ المنذر بنٍ حرام الأنصاريُّ. وذَكر هذا أيضاً أبو عمرو عثمان الشَّهْرُزُورِيُّ في (١) في الدرر ص ٢٨٤ . (٢) المُغَاوِر: كثير الإغارة. الإملاء المختصر ص١٧١ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥١ . (٤) هو المنذري عبد العظيم بن عبد القوي، صاحب ((الترغيب والترهيب)). ٢٦٥ سورة التوبة: الآية ٦٠ كتاب ((معرفة أنواع علم الحديث))(١) له، ولم يذكرا غيرهما. وحُويطبٌ ذكره أبو الفرج الجَوْزِيُّ في كتاب ((الوفا في شرف المصطفى))، وذكره أبو عمر في كتاب الصحابة(٢): أنه أدرك الإسلام وهو ابن ستين سنة، ومات وهو ابن مئةٍ وعشرين سنة. وذكر أيضاً حَمْنَن بنَ عوف أخا عبد الرحمن بن عوف، أنه عاش في الإسلام ستين سنة وفي الجاهلية ستين سنة(٣). وقد عُدَّ في المؤلفة قلوبُهم معاويةُ وأبوه أبو سفيان بن حرب. أما معاويةُ فبعيدٌ أن يكون منهم؛ فكيف يكون منهم وقد ائتمنه النبيُّ# على وَخي الله وقراءتِه، وخَلَطه بنفسه. وأما حالُه في أيام أبي بكر فأشهرُ من هذا وأَظهر (٤). وأما أبوه فلا كلامَ فيه أنه كان منهم. وفي عددهم اختلافٌ. وبالجملة فكلُّهم مؤمنٌ ولم يكن فيهم كافرٌ على ما تقدم(٥)، والله أعلم وأحكم. الثالثة عشرة: واختلف العلماء في بقائهم؛ فقال عمر والحسن والشَّعْبيُّ وغيرهم: انقطع هذا الصِّنف بعزِّ الإسلام وظهورِه. وهذا مشهورٌ من مذهب مالك(٦) وأصحاب الرأي؛ قال بعض علماء الحنفية: لمَّا أعزَّ الله الإسلام وأهله، وقطع دابر الكافرين - لعنهم الله - اجتمعتِ الصحابةُ رضوان الله عليهم أجمعين في خلافة أبي بكر ﴾ على سقوط سهمهم(٧). وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأنَّ الإمام ربما احتاج أن يَستألِفَ على (١) ص٣٨٣، وهو ابن الصلاح الموصلي الشافعي، توفي سنة (٦٤٣هـ). السير ٢٣/ ١٤٠. (٢) الاستيعاب على هامش الإصابة ١٢٣/٣، وينظر التاريخ الكبير للبخاري ٣/ ١٢٧. (٣) الاستيعاب على هامش الإصابة ١٢٨/٣. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٤ . (٥) ص٢٦١ فما بعد من هذا الجزء. (٦) المحرر الوجيز ٤٩/٣، وقول عمر والحسن والشعبي أخرجه الطبري ٥٢٢/١١، وخبر عمر ﴾ أخرجه أيضاً أحمد في فضائل الصحابة (٣٨٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢٩٣/٣ - ٢٩٤. (٧) بدائع الصنائع ٢/ ٤٧٠ . ٢٦٦ سورة التوبة: الآية ٦٠ الإسلام. وإنما قطعهم عمر لمَا رأى من إعزاز الدِّين(١). قال يونس: سألت الزُّهْرِيَّ عنهم فقال: لا أعلم نسخاً في ذلك(٢). قال أبو جعفر النحاس(٣): فعلى هذا: الحُكْمُ فيهم ثابتٌ، فإن كان أحدٌ يُحتاج إلى تألَّفه، ويُخاف أن تَلحق المسلمين منه آفةٌ، أو يُرجی أن یَحْسُنَ إسلامه بعدُ، دُفع إليه. قال القاضي عبد الوهّاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أُعطوا من الصدقة(٤). وقال القاضي ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمَهم كما كان رسول الله # يعطيهم؛ فإن في الصحيح: ((بدأ الإسلامُ غريباً وسيعود كما بدأ))(٥). الرابعة عشرة: فإذا فرَّعنا على أنه لا يُردّ إليهم سهمهم، فإنه يرجع إلى سائر الأصناف أو ما يراه الإمام، وقال الزهرِيُّ: يُعطَى نصفُ سهمهم لعُمَّار المساجد. وهذا مما يدلك على أنَّ الأصناف الثمانية محلٌّ لا مستحِقُّون تسويةً؛ ولو كانوا مستحِقِّين لَسقط سهمهم بسقوطهم ولم يرجع إلى غيرهم، كما لو أوصى لقوم معيَّنين فمات أحدهم، لم يرجع نصيبه إلى مَن بَقيَ منهم. والله أعلم(٦). الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَفِ اَلْقَابٍ﴾ أي: في فَكِّ الرِّقاب؛ قاله ابن عباس وابن عمر (٧)، وهو مذهب مالك وغيره(٨). فيجوز للإمام أن يشتريّ رِقاباً من (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٤ . (٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤٥٧/٣، وابن قدامة في المغني ٤/ ١٢٥. (٣) في معاني القرآن ٢٢٤/٣ . (٤) عقد الجواهر الثمينة ٣٤٤/١ . (٥) أحكام القرآن ٩٥٤/٢ . والحديث في صحيح مسلم (١٤٥) و(١٤٦) من حديث أبي هريرة وابن عمر ﴾، وسلف ٢٦٣/٥ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٩٥٤/٢ - ٩٥٥ . (٧) ذكره عن ابن عمر ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٩٥٥ ، وخبر ابن عباس أخرجه أبو عبيد في الأموال ص٦٠٧ ، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٠ . (٨) ذكر ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٩٥٥. عن مالك في هذه المسألة أربع روايات، وهذه واحدة منها. ٢٦٧ سورة التوبة: الآية ٦٠ مال الصدقة يُعتقها عن المسلمين، ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين. وإن اشتراهم صاحبُ الزكاة وأعتقهم جاز. هذا تحصیلُ مذهبٍ مالك(١)، وروي عن ابن عباس والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد(٢). وقال أبو ثَوْر: لا يبتاع منها صاحبُ الزكاة نَسَمَة يعتقها بجَرِّ وَلاء(٣). وهو قول الشافعيِّ وأصحاب الرأي وروايةٌ عن مالك (٤). والصحيح الأوّل؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿وَفِي ارِقَابِ﴾ فإذا كان للرقاب سهمٌ من الصدقات، كان له أن يشتريَ رقبة فيعتقها. ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ للرجل أن يشتري الفرسَ، فَيَحْمِلَ عليه في سبيل الله. فإذا كان له أن يشتريَ فرساً بالكمال من الزكاة جاز أن يشتريَ رقبةً بالكمال، لا فرق بين ذلك. والله أعلم. السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ ﴾ الأصل في الولاء. قال مالك: هي الرقبة تَعْتِق وولاؤها للمسلمين، وكذلك إن أعتقها الإمام. وقد نهى النبيُّ# عن بيع الوَلاءِ وعن هبته(٥)؛ وقال عليه الصلاة والسلام: ((الوَلاء لُحْمَةٌ كَلُخْمة النسب؛ لا يُباعُ ولا يُوهَب))(٦). وقال عليه الصلاة والسلام: ((الوَلاءُ لمن أَعْتَق))(٧). ولا ترث النساءُ من الوَلاء شيئاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ترث النساءُ من (١) الكافي ٣٢٦/١. (٢) المجموع ٦/ ٢١١، وقول أبي عبيد في الأموال ص٦٠٨، وتقدم أثر ابن عباس في بداية المسألة. (٣) كذا ذكر المصنف، والذي ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٩/ ٢٢٠ عن أبي ثور أنه قال: لا بأس أن يشتري الرجل الرقبة من زكاته فيعتقها. وكذا ذكر عنه ابن المنذر كما في المجموع ٦/ ٢١١ . (٤) الاستذكار ٢٢١/٩ . (٥) أخرجه أحمد (٤٥٦٠)، والبخاري (٦٧٥٦)، ومسلم (١٥٠٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٦) أخرجه الشافعي في المسند ٧٣/٢، وابن حبان (٤٩٥٠)، والبيهقي ٢٩٢/١٠ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال البيهقي: قال أبو بكر النيسابوري: هذا خطأ؛ لأن الثقات لم يرووه هكذا، وإنما رواه الحسن مرسلاً. ثم أخرجه البيهقي عن الحسن عن النبي # مرسلاً، وأخرجه عن الحسن أيضاً ابن أبي شيبة ١٢٣/٦. وينظر الفتح ٤٤/١٢ . (٧) سلف ٨/ ٢٤٧ . ٢٦٨ سورة التوبة: الآية ٦٠ الوَلاء شيئاً، إلا ما أَغْتَقْنَ أو أَعْتَقَ مَن أَعْتَقْنَ))(١) وقد ورَّث النبيُّ ﴾ ابنةَ حمزةً مِن مولَى لها النصفَ ولابنته النصف(٢). فإذا ترك المُعتِق أولاداً ذكوراً وإناثاً، فالوَلاءُ للذكور من ولده دون الإناث. وهو إجماعُ الصحابة﴾(٣). والوَلاءُ إنما يُورَث بالتعصيب المَخْضِ، والنساءُ لا تعصيبَ فيهنَّ، فلم يَرِثْنَ من الوَلاء شيئاً. فافهم تُصِب. السابعة عشرة: واختُلف؛ هل يُعان منها المكاتب. فقيل: لا. روي ذلك عن مالك؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا ذَكر الرقبة، دلَّ على أنه أراد العتق الكامل، وأما المكاتب فإنما هو داخلٌ في كلمة الغارمين بما عليه من دين الكتابة، فلا يدخل في الرقاب(٤). والله أعلم. وقد روي عن مالك من رواية المدنيِّين وزيادٍ عنه: أنه يُعان منها المكاتب في آخر كتابته بما يَعِقُ [به). وعلى هذا جمهور العلماء في تأويل قول الله تعالى: ﴿وَفِ اٌلِقَابِ﴾(٥). وبه قال ابن وَهْب والشافعيُّ واللّيث والنَّخَعِيُّ وغيرهم. وحكى عليّ بنُ موسى القُمِّيُّ الحنفيُّ(٦) في ((أحكامه)): أنهم أجمعوا على أنَّ (١) لم نقف عليه مرفوعاً، وأخرجه الدارمي (٣١٤٥) عن عمر وعلي وزيد موقوفاً. (٢) أخرجه أحمد (٢٧٢٨٤) من طريق قتادة، عن سلمى بنت حمزة، أن مولاها مات وترك ابنةً ... الحديث. وإسناده ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يسمع من سلمى بنت حمزة فيما قاله ابن حجر في التعجيل ٢/ ٦٥٥ . وأخرجه النسائي في الكبرى (٦٣٦٥)، وابن ماجه (٢٧٣٤) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن ابنة حمزة ... فذكره. وابن أبي ليلى سيئ الحفظ. وأخرجه النسائي (٦٣٦٦) من طريق عبد الله بن عون، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، أن ابنة حمزة ... فذكره مرسلاً. وقال: هذا أولى بالصواب من الذي قبله. ورُوي أيضاً من طرقٍ أخرى عن عبد الله بن شداد بأسانيد مضطربة تُنظر في مسند أحمد بالرقم المذکور. (٣) الإجماع لابن المنذر ص٧٣ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٥ . (٥) الكافي ٣٢٦/١، وما سلف بین حاصرتين منه. (٦) أبو الحسن النيسابوري، شيخ الحنفية بخراسان، صاحب التصانيف، وكان عالم أهل الرأي في عصره، توفي سنة (٣٠٥هـ). السير ٢٣٦/١٤ . ٢٦٩ سورة التوبة: الآية ٦٠ المكاتب مُرادٌ. واختلفوا في عتق الرِّقاب؛ قال الكِيا الطبريُّ(١): وذَكر وجوهاً بَيِّنةً(٢) في منع ذلك، فقال: إنَّ العتقَ إبطالُ مِلكٍ؛ وليس بتمليك، وما يُدفع إلى المكانَب تَملیك، ومن حقِّ الصدقة ألّا تجزي إلا إذا جری فیها التملیك. وقوَّی ذلك بأنه لو دفع من الزكاة عن الغارم في دَينه بغير أمره، لم يُجْزِه من حيث [إنه] لم يملك، فَلَأنْ لا یجزي ذلك في العتق أولى. وذَكَر أنَّ في العتق جرَّ الولاء إلى نفسه، وذلك لا يحصل في دَفْعِه للمكاتَب. وذگر أن ثَمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم یملكه العبد، وإن دفعه إلی سیده فقد ملَّكه العتق(٣). وإن دفعه بعد الشراء والعتق، فهو قاضٍ دَيناً، وذلك لا يجزِي في الزكاة. قلت: قد ورد حديثٌ ينصُّ على معنى ما ذكرنا من جواز عتق الرقبة وإعانةٍ المكاتب معاً، أخرجه الدّارَ قُظْنِيّ (٤) عن البَرَاء قال: جاء رجل إلى النبيِّ # فقال: دُلَّني على عمل يقرِّبُني من الجنة ويباعدُني من النار. قال: ((لئن كنتَ أَقْصَرْتَ الخطبة، لقد أَعرضْتَ المسألة، أَعْتِقْ النَّسَمَةَ وفُكَّ الرَّقبة)). فقال: يا رسول الله، أو ليستا واحداً؟ قال: ((لا، عِتقُ النسمة أن تنفرد بعتقها، وفُّ الرقبة أن تُعين في ثمنها)) وذكر الحديث. الثامنة عشرة: واختلفوا في فكِّ الأسارى منها؛ فقال أَصْبَغ: لا يجوز. وهو قول ابن القاسم. وقال ابن حبيب: يجوز؛ لأنها رقبة مُلِكت بملك الرِّق، فهي تخرج من رِقٌّ إلى عتق، وكان ذلك أحقَّ وأوْلى من فِكاك الرِّقاب التي(٥) بأيدينا؛ لأنه إذا كان فُّ المسلم عن رِقِّ المسلم عبادةً وجائزاً من الصدقة، فأخْرَى وأوْلَى أن يكون ذلك (١) في أحكام القرآن ٢١٢/٣ ، وما قبله وما سیرد بین حاصرتین منه. (٢) في النسخ: وذكر وجهاً بينه، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري. (٣) في أحكام القرآن: فقد ملكه الغني. (٤) في سننه (٢٠٥٥)، وهو عند أحمد (١٨٦٤٧). (٥) في النسخ: الذي، والمثبت من عقد الجواهر الثمينة ٣٤٥/١، والكلام منه. ٢٧٠ سورة التوبة: الآية ٦٠ في فكِّ المسلم عن رقِّ الكافر وذُلِّه(١). التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلْفَرِمِينَ﴾ هم الذين رَكبهم الدَّينُ، ولا وفاءً عندهم به، ولا خلافَ فيه. اللهُمّ إلا مَن ادَّان في سفاهةٍ؛ فإنه لا يُعطَى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب(٢). ويُعْطَى منها مَن له مال وعليه دين محيطٌ به ما يقضي به دينه، فإن لم يكن له مالٌ وعليه دين، فهو فقير وغارِمِ فَيُعْطى بالوصفين(٣). روى مسلم(٤) عن أبي سعيد الخُذْريِّ قال: أصيب رجلٌ في عهد رسول الله # في ثمارٍ ابتاعها، فكثُر دَيْنُه. فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((تصدَّقوا عليه)). فتصدَّق الناسُ عليه، فلم يبلغْ ذلك وفاءَ دينه، فقال رسولُ الله ﴿ لِغُرمائه: (خذوا ما وجدتُم، وليس لكم إلا ذلك)). الموفية عشرين: ويجوز للمتحمِّل في صلاحٍ وبِرِّ أن يُعطَى من الصدقة ما يؤدِّي ما تَحمَّل به إذا وجب علیه وإن کان غنيًّا، إذا كان ذلك يُجْحف بماله كالغريم. وهو قول الشافعيِّ وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم. واحتجَّ مَن ذَهب هذا المذهبَ بحديث قَبِيصة بن مُخارِقٍ(٥) قال: تحمَّلت حَمَالةً، فأتيت النبيَّ ﴾ أسألُه فيها، فقال: ((أَقِمْ حتى تأتيَنا الصدقةُ، فنأمرَ لك بها)). ثم قال: ((يا قبيصةُ، إنَّ المسألةَ لا تحِلُّ إلا لأحدٍ ثلاثةٍ: رجلٍ تحمَّل حَمَالةً، فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يُمسِك، ورجلٍ أصابته جائحةٌ اجتاحت مالَه، فحلَّت له المسألة حتى يصيبَ قِواماً من عيش - أو قال: سِداداً من عيش - ورجلٍ أصابته فاقةٌ حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذوِي الحِجَا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقةٌ (٦)، فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش - أو قال: سِداداً من (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٦ . (٢) المصدر السابق. (٣) الكافي ٣٢٦/١، وقال ابن عبد البر: إلا أنهم عندنا ليسوا بذوي سهمين؛ لأن الصدقات عندنا ليست مقسومة سهاماً ثمانية. (٤) في صحيحه (١٥٥٦)، وهو عند أحمد (١١٣١٧). (٥) التمهيد ٩٩/٥، والحديث أخرجه مسلم (١٠٤٤). (٦) قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٣٣/٧: هكذا هو في جميع النسخ: ((يقوم ثلاثة)) وهو صحيح، أي يقومون بهذا الأمر فيقولون: لقد أصابته فاقة. والحِجا: العقل. ٢٧١ سورة التوبة: الآية ٦٠ عيش - فما سِواهنَّ من المسألة يا قَبيصةُ سُحْتاً(١)، يأكلُها صاحبُها سُخْتاً)). فقوله: ((ثم يُمسك)) دليل على أنه غنيٌّ؛ لأنَّ الفقير ليس عليه أن يمسك. والله أعلم (٢). ورُوي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إنَّ المسألة لا تحلُّ إلا لأحدٍ ثلاثةٍ: لذي(٣) فقرٍ مُدْقِع، أو لذي غُرْمِ مُفْظِعٍ، أو لذي دمٍ مُؤْجع)) (٤). ورُوي عنه عليه الصلاة والسلام: ((لا تحلُّ الصدقة لغنيٍّ إلا لخمسة)) الحديث. وسيأتي(٥). الحادية والعشرون: واختلفوا هل يُقضى منها دينُ الميت أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يؤدّى من الصدقة دَين ميت(٦). وهو قول ابن المؤَّاز(٧). قال أبو حنيفة: ولا يعطى منها مَن عليه كفَّارةٌ ونحوُ ذلك من حقوق الله تعالى، وإنما الغارمُ مَن عليه دَينٌ يُسجن فيه. وقال علماؤنا وغيرهم: يُقضَى منها دَينُ الميت؛ لأنه من الغارمين، قال ﴾: ((أنا أوْلى بكلِّ مؤمنٍ من نفسه، مَن ترك مالاً فِلِأَهله، ومَن ترك ديناً أو ضَياعاً فإليَّ وعليّ)(٨). الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم الغُزاة وموضعُ الرِّباط، يُعطّون ما ينفقون في غزوهم، كانوا أغنياء أو فقراء. وهذا قول أكثر العلماء، وهو (١) قال النووي ٧/ ١٣٤: هكذا هو في جميع النسخ: ((سحتاً)، ورواية غير مسلم سحت، وهذا واضح، ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار، أي: اعتَقِدْه سحتاً، أو يؤكل سحتاً. (٢) التمهيد ١٠١/٥ . (٣) في النسخ: ذوي، والمثبت من المصادر، على ما يأتي. (٤) أخرجه أحمد (١٢١٣٤)، وأبو داود (١٦٤١)، وابن ماجه (٢١٩٨) من حديث أنس ﴾. (٥) ص٢٧٣ من هذا الجزء. (٦) ينظر المبسوط للسَّرَخْسِي ٢٠٢/٢ . (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٦ . (٨) أخرجه أحمد (٧٨٦١)، والبخاري (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أحمد (١٤١٥٩)، ومسلم (٨٦٧) من حديث جابر﴾. والضَّياع: العيال. النهاية (ضيع). ٢٧٢ سورة التوبة: الآية ٦٠ تحصيل مذهب مالك رحمه الله. وقال ابن عمر: الحُجَّاج والعُمَّار(١). ويُؤْثَر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا: سبيل الله الحجُّ(٢). وفي البخاريِّ: ويذكر عن أبي لاسٍ: حَملَنا النبيُّ:﴿ على إبل الصدقة للحجِّ، ويذكر عن ابن عباس: يُعتِقِ من [زكاة] ماله ويُعطِي في الحجِّ (٣). خرّج أبو محمد عبد الغنيّ الحافظُ، حدّثنا محمد بن محمد الخياش، حدّثنا أبو غسان مالك بن يحيى، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مهدي بن ميمون، عن محمد ابن أبي يعقوب، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم - ويُكْنَى أبا الحكم - قال: كنت جالساً مع عبد الله بن عمر، فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله؟ قال ابن عمر: فهو كما قال؛ في سبيل الله. فقلت له: ما زدتها فيما سألَتْ عنه إلا غَمَّا. قال: فما تأمرني يا ابن أبي نُعْم؟! آمرُها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون فيفسدون في الأرض ويقطعون السبيل! قال: قلت: فما تأمرها. قال: آمُرها أن تدفعَه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله الحرام، أولئك وفدُ الرحمن، أولئك وفدُ الرحمن، أولئك وفدُ الرحمن، ليسوا كوفد الشيطان. ثلاثاً يقولها. قلت: يا أبا عبد الرحمن، وما وفدُ الشيطان؟ قال: قومٌ يدخلون على هؤلاء الأمراء فيَنمُّون إليهم الحديث، ويَسعَوْن في المسلمين بالكذب، فيُجازَوْن الجوائز، ويعطّوْن عليه العطايا(٤). وقال محمد بن عبد الحكم: ويُعطَى من الصدقة في الكُراع والسلاح، وما يُحتاج (١) الكافي ٣٢٦/١ - ٣٢٧ ، وسيأتي خبر ابن عمر رضي الله عنهما. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٧ . (٣) علقهما البخاري قبل الحديث (١٤٦٨)، ووصل الأول أحمد (١٧٩٣٩)، ووصل الثاني أبو عبيد في الأموال (١٩٦٦). وأبو لاس الخزاعي مختلف في اسمه، فقيل: عبد الله. وقيل: زياد. الإصابة ٠٣٢١/١١ (٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ١٠٢/٥ . ٢٧٣ سورة التوبة: الآية ٦٠ إليه من آلات الحرب وكفّ العدوِّ عن الحَوْزة (١)؛ لأنه كلَّه من سبيل الغزو ومنفعته. وقد أعطى النبيُّ # مئة ناقةٍ في نازلةٍ سهل بنِ أبي حَثْمة إطفاءً للَّائرة(٢). قلت: أخرج هذا الحديثَ أبو داود عن بُشَير بن يسار، أنَّ رجلاً من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حَثْمة أخبره: أنَّ رسولَ الله ﴿ وَداه مئةً من إبل الصدقة، يعني ديةَ الأنصارِيِّ الذي قُتل بِخَيْبَرَ(٣). وقال عيسى بن دينار: تَحِلُّ الصدقة لغاز في سبيل الله قد احتاج في غزوته، وغاب عنه غَناؤه ووَفْرُه. قال: ولا تحلُّ لمن كان معه مالُه من الغُزاة، إنما تحلُّ لمن كان مالُه غائباً عنه منهم. وهذا مذهب الشافعيِّ وأحمد وإسحاق وجمهور أهل العلم (٤). وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يُعْطَى الغازِي إلا إذا كان فقيراً منقطعاً به. وهذه زيادةٌ على النص، والزيادةُ عنده على النصِّ نسخٌ، والنسخُ لا يكون إلا بقرآن أو خبرٍ متواتر(٥)، وذلك معدومٌ هنا، بل في صحيح السنَّة خلافُ ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تَحِلُّ الصدقة لغنِيٍّ إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو الغارمٍ، أو لرجلٍ اشتراها بماله، أو لرجلٍ له جارٌ مسكين، فتَصدَّقَ على المسكين، فأهدَى المسكينُ للغنيّ)). رواه مالك مرسلاً عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار (٦). ورفعه معمر عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُذْريِّ، عن النبيِّ ﴾(٧). (١) الحوزة: كلُّ ما يدخل في خَوْزتك ويجب عليك حفظه، ومنه حوزة الإسلام: لمّا يدخل في حدوده ونواحيه مما يجب أن يمنعه المسلمون ويحفظوه. معجم متن اللغة (حوز). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٧ . (٣) سنن أبي داود (١٦٣٨)، وهو في الصحيحين وسلف ١٦٩/٢. (٤) التمهيد ٩٨/٥ - ٩٩ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٥٧ . (٦) الموطأ ٢٦٨/١. (٧) أخرجه أحمد (١١٥٣٨)، وأبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١). ٢٧٤ سورة التوبة: الآية ٦٠ فكان هذا الحديثُ مفسِّراً لمعنى الآية، وأنه يجوز لبعض الأغنياء أخذُها، ومفسِّراً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تحلُّ الصدقة لغنِيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيّ))(١) لأنَّ قولَه هذا مجملٌ ليس على عمومه، بدليل الخمسةِ الأغنياءِ المذكورين. وكان ابن القاسم يقول: لا يجوز لغنيٍّ أن يأخذ من الصدقة ما يستعينُ به على الجهاد وينفقه في سبيل الله، وإنما يجوز ذلك لفقير. قال: وكذلك الغارمُ لا يجوز له أن يأخذَ من الصدقة ما يفي به (٢) مالُه، ويؤدِّي منها دَينَه وهو عنها غنيّ. قال: وإذا احتاج الغازي في غزوته وهو غنيٌّ له مالٌ غاب عنه، لم يأخذ من الصدقة شيئاً ويَستقرض، فإذا بلغ بلده أدَّى ذلك من ماله. هذا كله ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم، وزعم أنَّ ابنَ نافع وغيرَه خالفوه في ذلك. وروى أبو زيد وغيره عن ابن القاسم أنه قال: يُعطَى من الزكاة الغازي وإن كان معه في غَزاته ما يكفيه من ماله وهو غنيٌّ في بلده. وهذا هو الصحيحِ؛ لظاهر الحديث: ((لا تحلُّ الصدقة لغنيٍّ إلا لخمسة)). وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة و[مَن لَزِم] مواضع الرّباط؛ فقراء كانوا أو أغنياء(٣). الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَبْنِ السَّيِلِّ﴾ السبيل: الطريق، ونُسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها، كما قال الشاعر: إنْ تسألوني(٤) عن الهوى فأنا الھَوَى وابنُ الهَوَى وأخو الهَوَى وأبوهُ(٥) (١) سلف ص٢٥٣ من هذا الجزء. (٢) في (خ) و(م): يقي به، وفي (د) يغني به، والمثبت من باقي النسخ والتمهيد ٩٨/٥ ، والكلام منه. وفي الاستذكار ١٩٩/٩ : بقي له. (٣) التمهيد ٩٨/٥، والاستذكار ١٩٩/٩ - ٢٠٠، وما سلف بين حاصرتين منهما، وينظر النوادر والزيادات ٢٨٢/٢ - ٢٨٣. (٤) كذا في النسخ غير (ظ)، ففيها: تسألون، وينظر التعليق التالي. (٥) ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد ٤٠٤/٥ بلفظ: فأنا الهوى وأبو الهوى وأخوه إن تسألوني عن تباريح الهوى وهو في ديوان العباس بن الأحنف ص٢٨٤ ولفظه: :٠: فأنا الهوى وحَليفُه وأبوه من كان خلواً من تباريح الهوى ٢٧٥ سورة التوبة: الآية ٦٠ والمراد: الذي انقطعت به الأسبابُ في سفره عن بلده ومُستقَرِّه وماله(١)، فإنه يُعْطَى منها وإن كان غنيًّا في بلده، ولا يلزمه أن يَشْغَل ذمَّته بالسَّلَف(٢). وقال مالك في كتاب ابن سُحنون: إذا وجد مَن يُسْلِفُه فلا يعطى. والأوّل أصحُّ؛ فإنه لا يَلزمه أن يدخل تحت مِنَّة أحد وقد وَجد مِنَّة الله تعالى(٣). فإن كان له ما يُغنيه؛ ففي جواز الأخذِ له لكونه ابنَ السبيل روايتان: المشهور أنه لا يُعطَى، فإن أخذ فلا يلزمه ردُّه إذا صار إلى بلده، ولا إخراجُه [في وجوه الصدقة] (٤). الرابعة والعشرون: فإن جاء وادَّعى وصفاً من الأوصاف(٥)، هل يقبل قوله، أم لا ويقال له: أثبت ما تقول؟ فأما الدَّين فلابدَّ أن يثبته، وأما سائر الصفات فظاهرُ الحال یَشهدُ له ويُكتفى به فيها. والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح، وهو ظاهِرُ القرآن: روى مسلم عن جرير قال: كنَّا عند النبيِّ :﴿ في صدر النَّهار، قال: فجاءه قومٌ حُفاةٌ عُراةٌ، مُجْتَابي النِّمار أو العَبَاءِ، متقلِّدِي السيوف، عامَّتُهم من مُضَرَ، بل كلُّهم من مُضَر، فتمعَّر وجهُ رسول اللـه :﴿ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُ﴾ - الآية إلى قوله - ﴿رَقِبًا﴾ [النساء: ١] والآية التي في الحشر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ﴾ [الآية: ١٨] تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه - حتى قال - (١) أحكام القرآن لابن العربي ٩٥٨/٢ . (٢) عقد الجواهر الثمينة ٣٤٧/١. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٩٥٨/٢، وينظر النوادر والزيادات ٢٨٣/٢. (٤) عقد الجواهر الثمينة ١/ ٣٤٧، وما بين حاصرتين منه. (٥) كأن يقول: أنا فقير، أو مسكين، أو غارم، أو في سبيل، أو ابن سبيل. أحكام القرآن لابن العربي ٩٥٨/٢، والكلام منه. ٢٧٦ سورة التوبة: الآية ٦٠ ولو بِشِقٌّ ثمرة. قال: فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّة كادتْ كفُّه تَعْجِز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناسُ حتی رأیت کومین من طعام وثیابٍ، حتی رأیتُ وجه رسول الله # يتهلَّل كأنه مُذْهَبٌ، فقال رسول اللـه ﴾: ((مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسنةً، فله أجرُها وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها بعدَه من غيرِ أن يَنقُص من أجورِهم شيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بها مِن بعدِه من غير أن يَنْقُص من أوزارهم شيءٍ»(١). فاكتفى ﴿ بظاهر حالهم وحَثَّ على الصدقة، ولم يطلب منهم بيِّنَةً، ولا استفْصَل(٢) هل عندهم مال أم لا. ومثله حديث أبْرَصَ وأَقْرِعَ وأعمى؛ أخرجه مسلم وغيره(٣). وهذا لفظه: عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله # يقول: ((إنَّ [ثلاثة] في بني إسرائيل أبْرَصَ وأقرعَ وأعمى، فأراد اللهُ أن يبتليهم، فبعث إليهم مَلَكاً، فأتى الأبرصَ فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليك؟ فقال: لونٌ حَسَنٌّ وجِلدٌ حَسَنٌّ، ويذهبُ عني الذي قد قَذِرني الناسُ. قال فمسَحَه فذهب عنه قَذَرُه، وأُغْطِيَ لوناً حسناً وجِلداً حسناً. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: الإبلُ - أو قال: البقرُ، شكَّ إسحاق(٤). إلّا أنَّ الأبرصَ أو الأقرعَ قال أحدُهما: الإبلُ، وقال الآخر: البقرُ - قال: فأُعطيَ ناقةً عُشَراءَ(٥). قال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرعَ فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: شَعْرٌ حَسَنٌّ، ويذهبُ عني هذا الذي قد قَذِرَني الناسُ. قال: فمسَحَه فذهب عنه. قال: فَأُعْطِيَ شَعْراً حسناً. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: البقرُ. فأعطِيَ بقرةً حاملاً. قال: بارك الله لك (١) صحيح مسلم (١٠١٧)، وهو عند أحمد (١٩١٧٤). قوله: مجتابي النِّمار، أي: مقطوعي أوساط الثِّمار، والاجتباب: التقطيع والخرق، والثّمار جمع نَّمِرَة: ثياب من صوف فيها تنمير. والعَباء جمع عباءة: أكسية غلاظ مخططة. والمُذْهَبة: من الذهب، ويعني به تشبيه إشراق وجهه وتنويره. المفهم ٦٢/٣ - ٠٦٣ (٢) في (خ): استقصاء، وفي (م): استقصى. (٣) صحيح مسلم (٢٩٦٤)، وهو في صحيح البخاري (٣٤٦٤)، وما سيرد بين حاصرتين منهما. (٤) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أحد رجال الإسناد. (٥) هي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر. النهاية (عشر). ٢٧٧ سورة التوبة: الآية ٦٠ فيها. قال: فأتى الأعمى فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: أن يَرُدَّ الله إليَّ بصري فأُبصِرَ به الناسَ. قال: فمسَحَه فردَّ اللهُ إليه بصرَه. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: الغنمُ. فأعطِيَ شاةً والداً. فأَنتَج هذان وولَّد هذا (١) قال: فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. قال: ثم إنَّه أتى الأبرصَ في صورته وهيئته فقال: رجلٌ مسكينٌ قد انقطعت بي الحِبال(٢) في سفري، فلا بلاغَ لي اليومَ إلا بالله ثم بك(٣)، أسألك بالذي أعطاك اللونَ الحسنَ والجلدَ الحسنَ والمالَ، بعيراً أتبلَّغ عليه في سفري، فقال له: الحقوقُ كثيرةٌ. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ يَقْذَرُك الناسُ، فقيراً فأعطاك الله؟ فقال: إنما وَرِثتُ هذا المالَ كابراً عن كابر. فقال: إن كنتَ كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرعَ في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثلَ ما ردَّ على هذا، فقال: إن كنتَ كاذباً فصیَّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجلٌ مسكينٌ وابنُ سبيل، انقطعت بي الچِبال في سفري، فلا بلاغ لِي الیوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردّ علیك بصرَك، شاةً أتبلَّغ بها في سفري. فقال: قد كنتُ أعمى فردَّ الله إليَّ بصري، فخذ ما شئتَ، ودَعْ ما شئت، فوالله لا أجْهَدُك اليومَ شيئاً أخذتَه لله. فقال: أمْسِك مالَك، فإنَّما ابتُلِيتم، فقد رُضِيَ عنك وسُخِط على صاحِبيك)). وفي هذا أدلُّ دليل على أنَّ مَن ادَّعى زيادةً على فقره من عيال أو غيره لا يُكشف عنه، خلافاً لمن قال: يكشف عنه إن قدر؛ فإنَّ في الحديث: ((فقال: رجل مسكين وابنُ سبيل أسألك شاة)) ولم يكلِّفه إثبات السفر. فأما المكاتبُ فإنه يكلّف إثباتَ الكتابة؛ لأن الرِّقَّ هو الأصل حتى تثبت الحرّية (٤). (١) قوله: فأنتج هذان، أي: صاحب الإبل والبقر، وولَّد هذا، أي: صاحب الشاة، وهو بتشديد اللام، وأنتج في مثل هذا شاذٌ، والمشهور في اللغة: نُتجت الناقة، بضم النون. ونتج الرجل الناقة، أي: حمل عليها الفحل. وقد سُمع: أَنتجت الفرس: إذا ولدت. فتح الباري ٦/ ٥٠٢ . (٢) أي: الأسباب. النهاية (حبل). (٣) في النسخ: إلا بالله وبك، والمثبت من البخاري ومسلم. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٩٥٨/٢ . ٢٧٨ سورة التوبة: الآية ٦٠ الخامسة والعشرون: ولا يجوز أن يُعطِيَ من الزكاة مَن تلزمه نفقته، وهم الوالدان والولدُ والزوجة. وإن أعطى الإمامُ صدقةً الرجل لولده ووالده وزوجته جاز. وأما أن يتناولَ ذلك هو بنفسه فلا؛ لأنه يُسقط بها عن نفسه فرضاً (١). قال أبو حنيفة: ولا يعطي منها ولدَ ابنه ولا ولد ابنته، ولا يعطي منها مكاتبَه ولا مدبّره، ولا أُمَّ ولده، ولا عبداً أُعتق نصفه(٢)؛ لأنه مأمورٌ بالإيتاء والإخراج إلى الله تعالى بواسطة كَفِّ الفقير، ومنافعُ الأملاك مشتركةٌ بينه وبين هؤلاء؛ ولهذا لا تقبل شهادةُ بعضهم لبعض. قال: ((والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم))(٣). وربما يعجز فيصير الكسب له. ومعتَق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب. وعند صاحبيه أبي يوسف ومحمد بمنزلة حُرِّ عليه دين(٤)؛ فيجوز أداؤها إليه. السادسة والعشرون: فإن أعطاها لمن لا تَلْزمه نفقتُهم، فقد اختلف فيه؛ فمنهم مَن جوَّزه، ومنهم مَن كَرِهه. قال مالك: خوفَ المَحْمَدَة. وحكى مُطَرِّف(٥): رأيت مالكاً يعطي زكاته لأقاربه. وقال الواقدِيُّ: قال مالك: أفضل من وضعْتَ فیه زكاتك قرابتُك الذين لا تَعُول. وقد قال :﴿ لزوجة عبد الله بن مسعود: ((لكِ أجران؛ أجرُ القرابة، وأجرُ الصدقة))(٦). واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتَها لزوجها، فذُكر عن ابن حبيب: إن(٧) كان يستعين بالنفقة عليها بما تعطيه [فلا يجوز]. وقال أبو حنيفة: لا يجوز [بحال]. (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٩٦٠ . (٢) الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني ص٩٦ - ٩٧ . (٣) أخرجه بنحوه أبو داود (٣٩٢٦) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً. وعلقه البخاري قبل الحديث (٢٥٦٤) عن عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر ﴾ قولهم. وينظر الفتح ١٩٥/٥. (٤) بدائع الصنائع للكاساني ٥٣٧/٢ . (٥) بعدها في النسخ: أنه قال، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٦٠ ، والكلام وما سيرد بين حاصرتین منه. (٦) أخرجه أحمد (٢٧٠٤٨)، والبخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وسيأتي. (٧) في النسخ: أنه، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي. ٢٧٩ سورة التوبة: الآية ٦٠ وخالفه صاحباه فقالا: يجوز(١). وهو الأصح؛ لما ثبت أنَّ زينب امرأةً عبد الله أتت رسولَ الله ﴾، فقالت: إني أريد أن أتصدَّقَ على زوجي، أَيجزيني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((نعم، لكِ أجران؛ أجرُ الصدقة، وأجرُ القَرابة)». والصدقةُ المطلقةُ هي الزكاة، ولأنه لا نفقةً للزوج عليها؛ فكان بمنزلة الأجنبي. اعتلَّ أبو حنيفةً فقال: منافعُ الأملاك بينهما مشتركة، حتى لا تُقبل شهادةُ أحدِهما لصاحبه. والحديثُ محمولٌ على التطوّع(٢). وذهب الشافعيُّ وأبو ثَوْر وأَشْهَبُ إلى إجازة ذلك إذا لم يَصْرِفه إليها فيما يلزمه لها(٣)، وإنما يصرف ما يأخذه منها في نفقته وكسوته على نفسه، وينفق عليها من ماله (٤). السابعة والعشرون: واختلفوا أيضاً في قَدْر المُعْطَى؛ فالغارمُ يُعْطَى قدْرَ دَيْنه، والفقير والمسكين يعطيَان كفايتهما وكفايةَ عيالهما. وفي جواز إعطاء النصاب أو أقلَّ منه خلافٌ ينبني على الخلاف المتقدم في حدِّ الفقر الذي يجوز معه الأخذ. وروى عليّ بن زياد وابن نافع: ليس في ذلك حدّ، وإنما هو على اجتهاد الوالي. وقد تقِلُّ المساكين وتكثر الصدقة، فيعطى الفقير القوت سَنة. وروى المُغِيرةُ: يعطَى دون النصاب ولا يبلغه(٥). وقال بعض المتأخّرين: إن كان في البلد زكاتان نقدٌ وحَرْث؛ أخذ ما يبلِّغه إلى الأخرى. قال ابن العربي(٦): الذي أراه أن يعطى نصاباً. وإن كان في البلد زكاتان أو أكثر؛ فإنَّ الغرضَ إغناءُ الفقير حتى يصير غنيًّا. فإذا أخذ ذلك، فإن حَضَرت الزكاة الأخرى وعنده ما يكفيه أخذها غيره. (١) الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني ص٩٧ ، وبدائع الصنائع للكاساني ٤٥٨/٢ (٢) بدائع الصنائع ٤٥٨/٢ . (٣) المفهم ٤٦/٣ . (٤) النوادر والزيادات ٢٩٥/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ /٩٦٠ . (٥) عقد الجواهر الثمينة ٣٤٩/١ . (٦) في أحكام القرآن ٢/ ٩٦١ . ٢٨٠ سورة التوبة: الآية ٦٠ قلت: هذا مذهب أصحاب الرأي في إعطاء النِّصاب. وقد كره ذلك أبو حنيفةً مع الجواز، وأجازه أبو يوسف؛ قال: لأنَّ بعضه لحاجته مشغول للحال، فكان الفاضل عن حاجته للحال(١) دون المئتين. وإذا أعطاه أكثرَ من مئتي درهم جملةً؛ كان الفاضل عن حاجته للحال قَدْرَ المئتين، فلا يجوز(٢). ومِن متأخّري الحنفية مَن قال: هذا إذا لم يكن له عيالٌ ولم يكن عليه دين، فإن كان عليه دينٌّ، فلا بأس أن يعطيَه مئتي درهم أو أكثر، مقدارَ ما لو قَضَی به دَینَه یبقی له دون المئتین. وإن کان مُعِیلاً؛ لا بأس بأن یعطیه مقدار ما لو وَزَّع علی عیاله أصاب كلُّ واحد منهم دون المئتين(٣)؛ لأنَّ التصدُّق عليه في المعنى تصدُّقٌ عليه وعلى عياله. وهذا قول حسن. الثامنة والعشرون: اعلم أن قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ مطلقٌ ليس فيه شرطٌ وتقييد، بل فيه دلالةٌ على جواز الصَّرف إلى جملة الفقراء كانوا من بني هاشم أو غيرهم، إلا أنَّ السنَّةَ وردت باعتبارٍ شروط: منها ألا يكونوا من بني هاشم، وألا يكونوا ممن تَلزمُ المتصدِّق نفقتُه. وهذا لا خلافَ فيه. وشرط ثالث: ألا يكون قويًّا على الاكتساب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا تحلُّ الصدقةُ لغنِيٍّ، ولا لذي مِرَّةِ سَوِيّ))(٤). وقد تقدّم القول فيه (٥). ولا خلافَ بين علماء المسلمين أنَّ الصدقةَ المفروضةَ لا تحلُّ للنبيِّ #، ولا لبني هاشم ولا لمواليهم(٦). وقد روي عن أبي يوسف جوازُ صرف صدقة الهاشميِّ للهاشميِّ. حكاه الكيا الطبريّ(٧). (١) قوله: للحال، من (م). (٢) ينظر مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٤٨٦/١ . (٣) ينظر بدائع الصنائع ٢/ ٤٨٠ . (٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٠٩/٣ . (٥) ص٢٥٣ من هذا الجزء. (٦) التمهيد ٩١/٣ . (٧) في أحكام القرآن ٢٠٩/٣ .