Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ سورة التوبة: الآية ٤١ الثامن: الخِفافُ: الرجال، والثقالُ: الفرسان؛ قاله الأوزاعيُّ. التاسع: الخِفافُ: الذين يَسْبقون إلى الحرب، كالطليعة، وهو مُقدَّمُ الجيش، والثقالُ: الجيش بأسره. العاشر: الخفيف: الشُّجاع، والثقيل: الجبان؛ حكاه النقَّاشُ(١). والصحيح في معنى الآية: أنَّ الناس أُمِروا جُملةً، أي: انفِروا خَفَّت عليكم الحركةُ أو ثَقُلَتْ. ورُوي أنَّ ابن أمِّ مكتوم جاء إلى رسول اللـه ﴾ وقال له: أَعَلَيَّ أن أنفِر؟ فقال: نعم، حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧](٢). وهذه الأقوال إنَّما هي على معنى المثال في الثِّقَل والخِفَّة. الثالثة: واختلف في هذه الآية؛ فقيل: إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٦١](٣). وقيل: الناسخ لها قولُه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢](٤). والصحيح أنها ليست بمنسوخة(٥)؛ روى ابن عباس عن أَبي طلحةً في قوله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قال: شُبَّاناً وكهولاً، ما سمع الله عُذْرَ أحد. فخرج إلى الشام، فجاهد حتى مات ت﴾(٦). وروى حمَّادٌ عن ثابت وعليٍّ بن زيد، عن أنس: أنَّ أبا طلحةً قرأ سورة براءة، فأتى (١) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٤٦٨/١١ - ٤٧٤، ومعاني القرآن للنحاس ٢١١/٣ - ٢١٣، والنكت والعيون ٣٦٥/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٩٤٢/٢، والمحرر الوجيز ٣٧/٣. (٢) ذكره الزجاج في معاني القرآن ٤٤٩/٢، والزمخشري في الكشاف ١٩١/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧/٣. وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٦١ (١٠٢٠٥). وينظر ما سلف ٧/ ٥٥ - ٥٦ . (٣) ذكره ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص١٧٦ عن السدي. (٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٣٨٥) عن ابن عباس. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٤٢ . (٦) أخرجه الطبري ٤٦٨/١١ من طريق أنس عن أبي طلحة، وفيه: ما أسمعُ اللهَ عذَرَ أحداً، بدل: ما سمع الله عذر أحد. ولم نقف عليه عن ابن عباس. ٢٢٢ سورة التوبة: الآية ٤١ على هذه الآية: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا﴾ فقال: أي بَنيَّ، جَهِّزُوني جهِّزوني. فقال بنوه: يرحمك الله! قد غَزَوْتَ مع النبيِّ # حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. قال: لا، جهّزوني. فغزا في البحر، فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرةً يدفنونه فيها إلَّا بعد سبعة أيام، فدفنوه فيها ولم يتغيَّر ﴾(١). وأسند الطبريُّ(٢) عمَّن رأى المِقداد بنَ الأسود بحِمص على تابوتِ صَرَّاف، وقد فَضَلَ على التابوت من سِمَنه وهو يتجهَّز للغَزْو. فقيل له: لقد عذَرك اللهُ. فقال: أتت علينا سورة البعوث(٣): ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. وقال الزُّهريُّ: خرج سعيد بن المسيِّب إلى الغَزْوِ وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل، فقال: إِستنفر الله الخفيفَ والثقيل، فإن لم يُمكنِّ الحرب كَثَّرتُ السوادَ وحَفِظْتُ المتاع(٤). ورُويَ أنَّ بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلاً قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، فقال له: يا عم، إنَّ الله قد عَذَرك! فقال: يا ابن أخي، قد أُمِرنا بالنَّفْر خِفَافاً وثِقالاً (٥). ولقد قال ابن أمِّ مكتوم ﴾ ـ واسمه عمرو (٦) - يوم أحد: أنا رجل أعمى، فسلِّموا (١) أخرجه ابن سعد ٣/ ٥٠٧، وابن حبان (٧١٨٤)، وأبو يعلى (٣٤١٣). (٢) في تفسيره ١١/ ٤٧٣ . (٣) كذا في النسخ: البعوث، وكذلك وقع في نسخ تفسير الطبري ٤٧٣/١١ وفي المحرر الوجيز ٣٧/٣ (والكلام منه)، وأخرجه بهذا اللفظ أيضاً ابن سعد ١٦٣/١، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٥٥٦)، وأبو نعيم في الحلية ١٧٦/١. وأخرجه الطبري ٤٧٣/١١ - ٤٧٤ في رواية ثانية، والحاكم ٣٤٩/٣، والبيهقي ٢١/٩ بلفظ: البحوث. قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله في حاشية تفسير الطبري ٢٦٧/١٤ (طبعة دار المعارف): لم أجد مَن سمَّى سورة التوبة: سورة البعوث، بل أجمعوا على تسميتها سورة البحوث. اهـ ووقع في بعض المصادر: أبت، بدل: أتت. (٤) تفسير البغوي ٢٩٦/٢ - ٢٩٧، والكشاف ٢/ ١٩١ . (٥) المحرر الوجيز ٣٧/٣، وأخرجه الطبري ٤٧٠/١١ . (٦) كذا سمَّاه أهل العراق. وأهل المدينة يقولون: عبد الله. السير ٣٦٠/١. ٢٢٣ سورة التوبة: الآية ٤١ لي اللواء؛ فإنه إذا انهزم حاملُ اللواء انهزم الجيش، وأنا ما أدري مَن يَقصِدني بسيفه فما أَبرح. فأخذ اللواء يومئذٍ مصعبُ بنُ عُمير على ما تقدَّم في ((آل عمران)) بيانه(١). فلهذا - وما كان مثلُه مما رُوي عن الصحابة والتابعين - قلنا: إنَّ النسخ لا يصحّ. وقد تكون حالةٌ يجب فيها نفيرُ الكل، وهي: الرابعة: وذلك إذا تعيَّن الجهادُ بِغَلَبة العدوِّ على قُطرِ من الأقطار، أو بحلوله بالعُقْر (٢). فإذا كان ذلك، وَجَبَ على جميع أهل تلك الدارِ أن ينفِروا ويخرجوا إليه خِفافاً وثقالاً، شباباً وشيوخاً، كلٌّ على قَدْر طاقته، مَن كان له أبٌّ بغير إذنه، ومَن لا أبَ له، ولا يتخلَّف أحدٌ يقدر على الخروج، مِن مقاتل أو مُكثِّر. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوِّهم، كان على مَن قارَبَهُم وجاوَرَهُم أن يخرجوا على حَسَب ما لَزِم أهلَ تلك البلدة، حتى يعلموا أنَّ فيهم طاقةً على القيام بهم ومُدَافَعتِهم. وكذلك كلُّ مَن عَلم بضعفهم عن عدوِّهم وعَلم أنه يُدركهم ويُمكِنه غيانُهم؛ لزمه أيضاً الخروجُ إليهم، فالمسلمون كلَّهم يدٌ على مَن سِواهم، حتى إذا قام بدفع العدوِّ أهلُ الناحية التي نزل العدوُّ عليها واحتلَّ بها، سقط الفرض عن الآخَرِين. ولو قارَب العدوُّ دار الإسلام ولم يدخلوها، لزمهم أيضاً الخروجُ إليه(٣)؛ حتى يظهرَ دينُ الله، وتُحمَى البَيْضةُ، وتُحفظ الحَوْزةُ، ويُخْزى العدوّ [ويستنقذ الأسرى] ولا خلافَ في هذا (٤). (١) كذا قال المصنف، ولم نقف على شيء من هذا الكلام فيما سلف من الكتاب، ولم نقف على خبر ابن أم مكتوم عند غير المصنف، والمشهور عنه أن رسول الله # استخلفه يوم أحد على من بقي بالمدينة، كذا ذكر ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤ و٦٦ ، وابن عبد البر في الدرر ص ١٥٧ ، وابن حجر في الإصابة ٧/ ٨٤ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٤٢ - ٩٤٣ . (٣) الكافي ١/ ٤٦٢ - ٤٦٣ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٤٣، وما بين حاصرتين منه. والحوزة: كل ما يدخل في حيّزك ويجب عليك حفظه، ومنه حوزة الإسلام لما يدخل في حدوده ونواحيه مما يجب أن يمنعه المسلمون ويحفظوه. معجم متن اللغة (حوز). ٢٢٤ سورة التوبة: الآية ٤١ وقسمٌ ثان من واجب الجهاد: فرضٌ أيضاً على الإمام إغزاءُ طائفةٍ إلى العدوِّ كلَّ سنةٍ مرَّة؛ يَخرج معهم بنفسه، أو يُخرِج مَن يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغِّبَهم(١)، ويَكُفَّ أذاهم، ويُظهِرَ دينَ الله عليهم، [ويقاتلهم] حتى يدخلوا في الإسلام، أو يُعطوا الجزية(٢). ومن الجهاد أيضاً ما هو نافلةٌ، وهو إخراجُ الإمام طائفةً بعد طائفةٍ، وبَعْثُ السَّرايا في أوقات الغِرَّة، وعند إمكان الفُرصة، والإرصادُ لهم بالرِّباط في موضع الخوف(٣)، وإظهارُ القوَّة. فإن قيل: كيف يصنع الواحد إذا قصَّر الجميع، وهي: الخامسة: قيل له: يَعمد إلى أسير واحد فيَفديه؛ فإنه إذا فدى الواحدَ، فقد أدَّى في الوحدة(٤) أكثرَ ممَّا كان يَلزمه في الجماعة؛ فإنَّ الأغنياء لو اقتسموا فداءً الأُسارى ما أدَّى كلُّ واحد منهم إلا أقلَّ من درهم، ويغزو بنفسه إن قدر، وإلَّ جهّز غازياً؛ قال : ((مَن جهّزَ غازياً فقد غزا، ومَن خَلَفه في أهله بخيرٍ فقد غزا))(٥). أخرجه الصحيح(٦). وذلك لأنَّ مكانه لا يُغني ومالَه لا يَكفي. السادسة: رُوي أنَّ بعض الملوك عاهد كفاراً على ألَّا يحبسوا أسيراً، فدخل رجل من المسلمين جهةَ بلادهم، فمرَّ على بيت مغلَق، فنادته امرأة: إنِّي أسيرة، فأبْلِغ صاحبك خبري. فلما اجتمع به واستطعمه عنده وتجاذبا ذيل الحديث، انتهى الخبر إلى هذه المعذّبة. فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه، وخرج غازياً من (١) في (ظ): ويرعهم، وفي (خ) و(ز): ويزعهم. (٢) بعدها في (م): عن يد، والكلام في الكافي ١/ ٤٦٣، وعقد الجواهر الثمينة ٤٦٤/١، وما سلف بين حاصرتین منهما. (٣) الكافي ١/ ٤٦٣ . (٤) في (خ) و(م): في الواحد. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٩٤٤/٢ . (٦) صحيح البخاري (٢٨٤٣)، وصحيح مسلم (١٨٩٥)، وهو عند أحمد (١٧٠٣٩) وهو من حديث زيد بن خالد الجهني ﴾. ٢٢٥ سورة التوبة: الآيتان ٤١ - ٤٢ فَوْره، ومشى إلى الثَّغْرِ حتى أخرج الأسيرة، واستولى على الموضع، ﴾. ذكره ابن العربيّ(١) وقال: ولقد نزل بنا العدوّ ـ قَصَمَه الله - سنةً سبع وعشرين وخمسٍ مئةٍ، فجاس ديارَنا وأسَرَ خِيْرتَنا، وتوسَّطَ بلادنا في عددٍ هال الناسَ عددُه، وكان كثيراً وإن لم يبلغ ما حدَّدوه، فقلت للوالي والمُولَّى عليه: هذا عدوُّ الله قد حصل في الشَّرَكِ والشبكة، فلتكنْ عندكم بَرَكة، ولْتظهرْ منكم إلى نُصرة الدين المتعيِّنةِ علیکم حركة، فليخرج إليه جميعُ الناس، حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقّطار، فيحاط به؛ فإنه هالك لا محالةَ إن يسَّركم(٢) الله له. فغلَبت الذنوب، ورجفت(٣) القلوب بالمعاصي، وصار كلُّ أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى وِجاره(٤)، وإن رأى المكيدة(٥) بجاره. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وحسبنا الله ونعم الوكيل. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَجَهَدُوا﴾ أمر بالجهاد، وهو مشتقٌّ من الجُهد ﴿بِأَتَوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ روى أبو داود(٦) عن أنس، أن رسول اللـه﴾ قال: ((جاهِدوا المشركين بأموالكم وأنفُسِكُم وأَلْسِنَتِكم)). وهذا وصفٌ لأكملِ ما يكون من الجهاد، وأنفعِه عند الله تعالى. فحضَّ على كمال الأوصاف، وقدَّم الأموال في الذِّكر؛ إذ هي أوَّلُ مَصْرِفٍ وقتَ التجهيز. فرَّبَ الأمر كما هو في نفسه(٧). قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيَبًا وَسَفَرًّا قَاصِدًا لَّأَتَبَّهُوَكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوٍ أُسْتَطَعْنَا لَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٤٢ لمَّا رجع النبيُّ # من غزوة تبوك؛ أَظهر الله نفاقَ قوم. والعَرَض: ما يَعرضُ من (١) في أحكام القرآن ٢/ ٩٤٣، وما قبله منه. (٢) في (ظ): سيركم. (٣) في (ظ): ورجعت. (٤) الوجار؛ بالكسر والفتح: جحر الضَّبُع وغيرِها. القاموس (وجر). (٥) في أحكام القرآن: المكروه. (٦) في سننه (٢٥٠٤)، وهو عند أحمد (١٢٢٤٦)، والنسائي (المجتبى) ٦/ ٧ . (٧) المحرر الوجيز ٣٧/٣ . ٢٢٦ سورة التوبة: الآية ٤٢ منافع الدنيا، والمعنى: غنيمةً قريبة، أَخبر عنهم أنهم لو دُعُوا إلى غنيمة لاتَّبعوه. ﴿عَضًا﴾ خبر كان . ﴿قَرِبًا﴾ نعته .﴿وَسَقَرًا قَاصِدًا﴾ عطف عليه. وحُذِفَ اسم كان لدلالة الكلام عليه. التقدير: لو كان المدعوُّ إليه عَرَضاً قريباً وسفراً قاصداً - أي: سهلاً معلومَ الطَّرُق - لا تَّبعوك. وهذه الكناية للمنافقين كما ذكرنا؛ لأنهم داخلون في جملة مَن خُوطب بالنفير. وهذا موجود في كلام العرب، يَذكرون الجملة ثم يأتون بالإضمار عائداً على بعضها، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]: إنها القيامة. ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّلِينَ فِيهَا جِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] يعني جلَّ وعزَّ جهنمَ (١). ونظير هذه الآية من السُّنَّة في المعنى قولُه عليه الصلاة والسلام: (لو يَعلمُ أحدُهم أنه يَجِدُ عَظْماً سميناً، أو مِرْماتَين حسنتَين، لشَهِد العِشاء))(٢). يقول: لو علم أحدهم أنه يجد شيئاً حاضراً مُعجَّلاً يأخذه، لأَتى المسجدَ من أَجْله. ﴿وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُفَّةُ﴾ حكى أبو عبيدةَ وغيرُه أن الشُّقَّة: السفرُ إلى أرض بعيدة(٣). يقال منه: شُقَّة شاقَّة. والمراد بذلك كلِّه غزوةُ تبوك. وحكى الكسائي(٤) أنه يقال: شُقّة وشِقَّة. قال الجوهري(٥): الشُّقَّة؛ بالضم: من الثياب، والشُّقَّة أيضاً: السفرُ البعيد، وربما قالوه بالكسر. والشّقَّة: شَظِيَّةٌ تُشْظَى من لوح أو خَشَبة. يقال للغضبان: احتدَّ، فطارَتْ منه شِقّةٌ، بالكسر. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا﴾ أي: لو كان لنا سَعَةٌ في الظّهْرِ والمال ﴿ـ (١) إعراب القرآن للنحاس ٢١٧/٢ . (٢) أخرجه أحمد (٧٣٢٨)، والبخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١) عن أبي هريرة ، وسلف ٢٥٦/٩ . (٣) مجاز القرآن ٢٦٠/١. (٤) قوله في إعراب القرآن للنحاس ٢١٧/٢ . (٥) في الصحاح (شقق). ٢٢٧ سورة التوبة: الآيتان ٤٢ - ٤٣ مَعَكُمْ﴾. نظيرُه: ﴿وَلِّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فَسَّرها النبيُّ# فقال: ((زادٌ وراحلة)) وقد تقدَّم (١). ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بالكذب والنفاق ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ في الاعتلال. قوله تعالى: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقِّ يَتَبَّنَ لَكَ أَلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِنَ ﴾﴾ : قوله تعالى: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ قيل: هو افتتاحُ كلام، كما تقول: أصلحك الله وأعزَّك ورَحِمَك، كان كذا وكذا. وعلى هذا التأويل يَحْسُن الوقف على قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾؛ حكاه مكيٍّ والمهدويُّ والنحاس(٢). وأخبره بالعفو قبل الذنب؛ لئلا يطيرَ قلبه فَرَقاً. وقيل: المعنى: عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذِنت لهم، فلا يَحسُن الوقف على قوله: ﴿عَفَا ◌َللّهُ عَنكَ﴾ على هذا التقدير؛ حكاه المهدويُّ واختاره النحاس(٣). ثم قيل في الإذن قولان: الأوّل: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ في الخروج معك، وفي خروجهم بلا عُدَّةٍ ونِيَّةٍ صادقةٍ فسادٌ. الثاني: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ في القعود لمَّا اعتلُّوا بأعذار؛ ذكرهما القشيري؛ قال: وهذا عتابُ تلطّفٍ؛ إذ قال: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنْكَ﴾. وكان عليه الصلاة والسلام أَذِن من غير وخي نزل فيه؛ قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثِنْتان فَعَلَهما النبيُّ ﴾ لم يؤمر بهما: إذنُه لطائفة من المنافقين في التخلُّف عنه، ولم يكن له أن يُمضِيَ شيئاً إلا بوَحي، وأَخْذُه من الأسارى الفِديةَ. فعاتبه الله كما تسمعون(٤). قال بعض العلماء: إنما بَدَر منه تركُ الأَوْلى، فقدَّم الله له العفوَ على (١) ٥/ ٢٢٢ . (٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢١٧/٢، والمكتفى في الوقف والابتداء للداني ص٢٩٤ . (٣) في إعراب القرآن ٢/ ٢١٧. (٤) أخرج قولهما الطبري ٤٧٩/١١، وهذا لفظ خبر عمرو بن ميمون. ٢٢٨ سورة التوبة: الآيات ٤٣ - ٤٥ الخطاب الذي هو في صورة العتاب(١). قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَّنَ لَّكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِنَ﴾ أي: ليتبيَّن لك مَن صَدَقَ ممن(٢) نافَقَ. قال ابن عباس: وذلك أنَّ رسول اللـه ﴾ لم يكن يومئذٍ يَعرِفُ المنافقين(٣)، وإنما عَرفَهُم بعد نزول سورة التوبة. وقال مجاهد: هؤلاء قوم قالوا: نستأذن في الجلوس، فإن أُذِنَ لنا جلسنا، وإنْ لم يُؤْذَنْ لنا جلسنا (٤). وقال قتادة: نَسَخ هذه الآيةَ بقوله في سورة النور: ﴿فَإِذَا أُسْتَنْذَنُكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [الآية: ٦٢]. ذكره النحاس في ((معاني القرآن)) له(٥). قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَن يُجَهِدُواْ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ ﴿﴿ إِنَّمَا يَسْتَقْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَرَدَّدُونَ ٤٥ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَعْذِتُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الآَخِرِ﴾ أي: في القعود ولا في الخروج، بل إذا(٦) أمرت بشيء ابتدروه، فكان الاستئذان في ذلك الوقت من علامات النفاق لغير عذر؛ ولذلك قال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَقْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ اُلْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ بَرَدَّدُونَ﴾. (١) لطائف الإشارات ٣٠/٢. (٢) في (ظ): ومن. (٣) الوسيط للواحدي ٢/ ٥٠١، وتفسير البغوي ٢٩٧/٢، وزاد المسير ٤٤٥/٣ . (٤) أخرجه الطبري ٤٧٨/١١، وابن أبي حاتم ١٨٠٥/٦ (١٠٠٧٧)، ووقع في تفسير مجاهد ٢٨٠/١ : ... فإن أُذن لكم فاقعدوا، وإن لم يؤذن لكم فانفروا. (٥) ٢١٣/٣ - ٢١٤، وأخرجه الطبري ٤٧٨/١١. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩/٣: وهذا غلط؛ لأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسولَ الله # في بعض شأنهم. (٦) في (ظ): متى. ٢٢٩ سورة التوبة: الآيات ٤٤ - ٤٦ روى أبو داود(١) عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ نسختها التي في ((النور)): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الآية: ٦٢]. ﴿أَنْ يُجَهِدُوا﴾ في موضع نصبٍ بإضمارِ ((في))؛ عن الزجَّاج (٢). وقيل: التقدير: كراهيةَ أن يجاهدوا(٣)، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ﴾ [النساء: ١٧٦]. ﴿وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: شكَّتْ في الدِّين. ﴿فَهُمْ فِ رَبِّهِمْ يَتَرَدَُّونَ﴾ أي: في شگھم یذهبون ویرجعون. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ أَنْعَانَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُّواْ لَهُ عُذَّةٌ﴾ أي: لو أرادوا الجهاد لتأهَّبوا أُهْبةَ السفر. فتَرْكُهم الاستعداد دليلٌ على إرادتهم التخلُّف. ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ أَنْيِعَائَهُمْ﴾ أي: خروجَهم معك. ﴿فَتَبَّطَهُمْ﴾ أي: حَبَسهم عنك وخذلهم؛ لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس، أَفْسَدْنا وحرَّضنا على المؤمنين. ويدلُّ على هذا أن بعده: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. ﴿وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اَلْقَاحِدِينَ﴾ قيل: هو من قول بعضهم لبعض. وقيل: هو من قول النبيِّ#، ويكون هذا هو الإذن الذي تقدَّم ذكره (٤). قيل: قاله النبيُّ ﴾ غضباً، فأخذوا بظاهر لفظه وقالوا: قد أُذن لنا. وقيل: هو عبارةٌ عن الخذلان، أي: أَوْقَع الله في قلوبهم القعود. ومعنى ﴿مَعَ اُلْقَعِدِينَ﴾ أي: مع أُولي الضَّرر والعُميان والزَّمْنَى والنِّسوان والصّبيان(٥). سـ (١) في سننه (٢٧٧١). (٢) في معاني القرآن له ٢/ ٤٥٠ . (٣) مشكل إعراب القرآن ٣٣٠/١. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢١٨/٢. (٥) تفسير البغوي ٢٩٨/٢ . ٢٣٠ سورة التوبة: الآية ٤٧ قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِيْئَةَ وَفِيَكُرْ سَمَّعُونَ لَهُمُّ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالنَِّمِينَ قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ هو تسليةٌ للمؤمنين في تخلُّف المنافقين عنهم. والخَبال: الفساد والنميمة، وإيقاعُ الاختلاف والأراجيف. وهذا استثناءٌ منقطع، أي: ما زادوكم قوَّةً ولكنْ طلبوا الخَبال. وقيل: المعنى: لا يزيدونكم فيما يتردّدون فيه من الرأي إلا خَبالاً؛ فلا يكون الاستثناء منقطعاً. قوله تعالى: ﴿وَلَوْضَعُوا ◌ِلَلَكُمْ﴾ المعنى: لَأسرعوا فيما بينكم بالإفساد. والإيضاعُ: سرعةُ السير. وقال الراجز: يا ليتني فيها جَذَعْ أَخُبُّ فيها وَأَضَعْ(١) يقال: وَضعَ البعيرُ: إذا عدا، يَضَعُ وَضْعاً ووُضوعاً(٢): إذا أسرع السير، وأَوْضَعْتُه: حَمَلْته على العَدْوِ، وقيل: الإيضاع سَيْرٌ مثلُ الخَبَب(٣). والخَلَلِ: الفُرجةُ بين الشيئين، والجمع: الخلال، أي: الفُرَج التي تكون بين الصفوف. أي: لَأَوْضَعوا خلالکم بالنميمة وإفساد ذات البین. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ مفعول ثان. والمعنى: يطلبون لكم الفتنة، أي: الإفساد والتحريض. ويقال: أبغيته كذا: أعنته على طلبه، ويَغَيته كذا: طلبته له (٤). وقيل: الفتنة هنا الشرك. (١) قائله دُريد بن الصِّمة، وهو في ديوانه ص٩٣ . الجَذَع: الشابُّ الحَدَث. والخَبَب: ضَرْبٌ من العَدْوِ. القاموس (جذع) و(خبب). (٢) كذا في النسخ، وفي المعاجم وتفسير الطبري ٢٧٨/١٤ (تحقيق الشيخ محمود شاكر): موضوعاً، وقد ذُكر ((وضوعاً) في المعاجم مصدراً لوضع ولكن لمعنّى آخر، فقد قال الزبيدي في تاج العروس (وضع): ومن المجاز: وضع فلان نفسه وَضْعاً ووُضوعاً: أذلها. وينظر الصحاح والقاموس واللسان (وضع)، وتفسير الطبري ١١/ ٤٨٣ (طبعة دار هجر). (٣) ينظر تهذيب اللغة ٣/ ٧٢ - ٧٣ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢١٨/٢ . ٢٣١ سورة التوبة: الآيات ٤٧ - ٥٠ ﴿وَفِيكُنْ سَمَّعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيون لهم ينقلون إليهم الأخبارَ منكم. قتادة: وفيكم مَن يَقْبَلُ منهم قولَهم ويُطيعهم(١). النحاس(٢): والقول الأوّل أَولى؛ لأنه الأغلبُ من مَعْنييه أنَّ معنى سَمَّاع: يسمع الكلام، ومثله: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤٢]. والقول الثاني لا يكاد يقال فيه إلا سامع، مثل قائل. قوله تعالى: ﴿لَقَدِ آبْتَغَوْ اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُواْ لَكَ الْأُوَرَ حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْهُ اَللَّهِ وَهُمْ كَرِفُونَ ٤٨) قوله تعالى: ﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْ اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أي: لقد طلبوا الإفساد والخَبال من قبلٍ أن يظهر أمرهم وينزلَ الوَحْيُ بما أسرُّوه وبما سيفعلونه(٣). وقال ابن جُريج: أراد اثني عشر رجلاً من المنافقين، وقفوا على ثَنِيَّة الوداع ليلة العقبة ليفتِكوا بالنبيِّ ◌َ﴾(1). ﴿وَقَلَّوْا لَكَ اْأُمُورَ﴾ أي: صرَّفوها وأجالوا الرأي في إبطال ما جئتَ به. ﴿حَقِّ جَآءَ الْحَقُّ وَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: دينُه ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِىِ وَلَا نَفْتِنِّيَ أَلَا فِ اَلْفِتْنَةِ سَقَطُوَأْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَّفِينَ ﴾ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةُ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ (@) قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَنْذَن ◌ِ﴾ من أَذِنَ يَأْذَنُ. وإذا أَمرتَ زِدتَ همزةً (١) أخرجه الطبري ٤٨٦/١١، وأخرج القول الذي قبله عن مجاهد وابن زيد. (٢) في معاني القرآن ٢١٦/٣ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢١٨/٢ . (٤) ذكره الزمخشري ١٩٤/٢، والرازي ٨٣/١٦. وأخرجه أحمد (٢٣٧٩٢) عن أبي الطفيل، والبيهقي في دلائل النبوة ٢٦٠/٥ - ٢٦١ عن حذيفة، وسيذكره المصنف ص٣٠٤ من هذا الجزء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ والعقبة المذكورة هي عقبة تبوك كما سيرد ص٣٠٤ من هذا الجزء. ٢٣٢ سورة التوبة: الآيتان ٤٩ - ٥٠ مكسورة وبعدها همزةٌ هي فاءُ الفعل، ولا يجتمع همزتان، فأبدلت من الثانية ياء لكسرة ما قبلها، فقلت: إِيذن. فإذا وَصَلْتَ زالت العلة في الجمع بين همزتين، ثم همزْتَ فقلت: ((ومنهم من يقول ائذن لي)). وروى وَرْشٌ عن نافع: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اوذَنْ لي﴾ خَفَّف الهمزة(١). قال النحاس(٢): يقال: إِيذنْ لفلان ثم اِتُذَن لفلان(٣)، هجاءُ الأولى والثانية واحد بألف وياء قبل الذال في الخط. فإن قلت: إِيذن لفلان وأُذَنْ لغيره، كان الثاني بغير ياء، وكذا الفاء. والفرق بين ((ثم)) والواو والفاء(٤): أنَّ ((ثمَّ)) يُوقف عليها وتنفصل، والواو والفاء لا يوقف عليهما ولا ينفصلان. قال محمد بن إسحاق: قال رسول الله ﴿ للجَدِّ بن قيس أخي بني سلمةً لمَّا أراد الخروج إلى تبوك: ((يا جَدُّ، هل لك في چِلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراريَّ ووُصَفاء)) فقال الجَدُّ: قد عَرَف قومي أني مُغرٌ بالنساء، وإني أخشى إن رأيتُ [نساء] بني الأصفر ألَّا أَصْبرَ عنهنّ، فلا تَفْتَنِّي وأُذَنْ لي في القعود وأُعينك بمالي، فأَعرَض عنه رسول الله ﴿ وقال: ((قد أَذِنْتُ لك)). فنزلت هذه الآية(٥). أي: لا تفتنِّي بصباحة وجوههنَّ. ولم يكن به علةٌ إلَّا النفاق. قال المهدويُّ: والأصفر رجل من الحبشة كانت له بناتٌ لم يكن في وقتهن أجملُ منهن، وكان ببلاد الروم(٦). وقيل: سُمُّوا بذلك لأنَّ الحبشة غَلَبت على الروم، (١) وهذا عند الوصل، ووافقه السوسي عن أبي عمرو. وقرأ الجميع عند البدء بها: ((إيذن)). ينظر التيسير ص٣٤ . (٢) في إعراب القرآن ٢١٩/٢، وما قبله منه. (٣) في النسخ: ثم إيذن له، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٤) قوله: والفاء، من (ظ) وإعراب القرآن للنحاس. (٥) السيرة النبوية ٥١٦/٥ وما سلف بين حاصرتين منه، وأسباب النزول للواحدي ص٢٤٦، وتفسير الطبري ٤٩٢/١١ وليس عندهم قوله: تتخذ منهم سراريَّ ووصفاء، وورد في زاد المسير ٤٤٩/٣ من رواية أبي صالح عن ابن عباس، وهي رواية ضعيفة جداً. (٦) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢/٣، وقال: وهذا ضعيف. ٢٣٣ سورة التوبة: الآيتان ٤٩ - ٥٠ وولدت لهم بنات، فأخذن من بياض الروم وسواد الحبشة، فكُنَّ صُفْراً لُعْساً (١). قال ابن عطية: في قول ابن إسحاق فُتُور(٢). وأسند الطبريُّ أن رسول الله﴾ قال: ((اغزوا [تبوك] تغنموا بناتِ الأصفر)) فقال له الجدُّ: إيذن لنا ولا تفتنَّا بالنساء(٣). وهذا منزٌ غيرُ الأوّل، وهو أشبهُ بالنفاق والمُحادّة(٤). ولمَّا نزلت قال النبيُّ﴿ لبني سلمةَ - وكان الجدّ بن قيس منهم -: ((مَن سيِّدُكم يا بني سَلِمة))؟ قالوا: جدُّ بن قيس، غير أنه بخيلٌ جبان. فقال النبيُّ ﴾: ((وأيُّ داءٍ أَدْوى من البخل، بل سيِّدكم الفتى الأبيض [الجَعْد) بِشرُ بنُ البراء بنِ مَعْرُور))(٥). فقال حسان بن ثابت الأنصاريُّ فیه: وحُقَّ لبشر بن البرا أن يُسَوَّدَا وسُوِّد بشر بنُ البراء لجوده وقال خذوه إنه(٦) عائد غدا(٧) إذا ما أتاه الوقْدُ أَذْهَبَ مالَه (١) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤٠، وجارية لعساء: في لونها أدنى سواد، مُشْربة من الحمرة. القاموس (لعس). (٢) كذا ذكر المصنف، لكن كلام ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٤٢ إنما هو في قول الجد بن قيس، وليس في قول ابن إسحاق، فقد قال معقّباً على قول الجد بعد أن ذكره عن ابن إسحاق: ونحو هذا من القول الذي فيه فتور كثير وتخلف في الاعتذار. (٣) تفسير الطبري ١١/ ٤٩١ عن مجاهد، وما سلف بين حاصرتين منه ضعيف لإرساله. (٤) المحرر الوجيز ٤٢/٣ . (٥) أسباب النزول للواحدي ص٢٤٦ - ٢٤٧ وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه الحاكم ٢١٩/٣ من حديث أبي هريرة ، والطبري ١١/ ٤٩٢ - ٤٩٣ عن ابن زيد. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٩٦) عن جابر ، إلا أنه ذكر عمرو بن الجموح بدل بشر بن البراء، وينظر الإصابة ٩٥/٧. (٦) في النسخ: إنني، والمثبت من المصادر كما سيأتي. (٧) ديوان حسان ٤٦١/١ (دار صادر)، وأسباب النزول للواحدي ص٢٤٧ . وذكرهما ابن عبد البر في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٢٩٣/٨، والأول منهما عند ابن حجر في الإصابة ٩٦/٧ وفيهما: فسُوِّد عمرو بن الجموح لجوده ... ٢٣٤ سورة التوبة: الآيات ٤٩ - ٥١ ﴿أَلَا فِىِ أَلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ أي: في الإثم والمعصية وقعوا. وهي النفاق والتخلُّف عن النبيِّ﴾. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِلْكَفِرِينَ﴾ أي: مصيرُهم(١) إلى النار، فهي تُحدِقُ بھم. قوله تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ﴾ شرط ومجازاة، وكذا ﴿وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ﴾ عطف عليه. والحسنة: الغنيمة والّفَر. والمصيبة: الانهزام. ومعنى قولهم: ﴿أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾ أي: احتَظْنا لأنفسنا وأخذنا بالحزم فلم نخرج إلى القتال. ﴿وَيَتَوَلَّوا﴾ أي: عن الإيمان. ﴿وَهُمْ نَرِحُون﴾ أي: معجبون بذلك. قوله تعالى: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَئِنَأْ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَّا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ قيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: ما أخبرنا به في كتابه من أنَّا إمَّا أن نظفرَ فيكونَ الَّفَرِ حُسنى لنا، وإمَّا أن نُقتل فتكونَ الشهادةُ أعظمَ حسنى لنا (٢). والمعنى: كلُّ شيء بقضاء وقدر. وقد تقدَّم في ((الأعراف)(٣) أنَّ العلم والقدر والكتاب سواء. ﴿هُوَ مَوْلَنَاْ﴾ أي: ناصِرُنا. والتوثُّل: تفويضُ الأمر إليه. وقراءة الجمهور: ﴿يُصِيبَنَا﴾ نصب بلن. وحكى أبو عبيدة أنَّ مِن العرب مَن يجزم بها. وقرأ طلحة بنُ مُصَرِّف: ((هل يصيبُنا)). وحُكيَ عن أَغْيَن قاضي الرَّيِّ أنه قرأ: ((قل لن يصِيبًا)) بنون مشدّدة. وهذا لحن؛ لا يؤَّد بالنون ما كان خبراً، ولو كان هذا في قراءة طلحةً لجاز. قال الله تعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُمُ مَا يَفِيٌ﴾ [الحج: ١٥](٤). (١) في (م): مسيرهم. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٤٥٢ . (٣) ٢١٥/٩ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢١٩/٢، وأعين قاضي الري هو ابن عبد الله. الجرح والتعديل ٣٢٥/٢. وقراءة: ((يصيبنا)) بنون مشددة قرأ بها أيضاً طلحة بن مصرف كما في القراءات الشاذة ص٥٣ . ٢٣٥ سورة التوبة: الآيتان ٥٢ - ٥٣ قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَّصُونَ بِنَّ إِلََّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِّ وَغَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ، أَوْ بِأَيَدِينَا فَتَرَبَُّواْ إِنَّا مَعَكُم مُتََّتِسُونَ نه قوله تعالى: ﴿قُلّ هَلْ تَرَّصُونَ بِنَا﴾ والكوفيون يُدْغمون اللام في التاء (١). فأمَّا لامُ المعرفة فلا يجوز [معها] إلَّ الإدغام، كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿التَِّبُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] لكثرة لام المعرفة في كلامهم. ولا يجوز الإدغام في قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوَا﴾ [الأنعام: ١٥١] لأن ((قل)) معتلّ، فلم يَجمعوا عليه علتين(٢). والتَّربُّص: الانتظار. يقال: تربَّص بالطعام، أي: انتظر به إلى حين الغلاء. والحسنى تأنيث الأحسن. وواحد الحسنيين: حُسنى، والجمع: الحُسَن(٣). ولا يجوز أن يُنطق به إلا معرَّفاً. لا يقال: رأيت امرأة حُسنى (٤). والمراد بالحُسْنَيين: الغنيمة والشهادة؛ عن ابن عباس ومجاهدٍ(٥) وغيرهما. واللفظ استفهام، والمعنى التوبيخ. ﴿وَحْنُ نََرَبَُّ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهٍِ﴾ أي: عقوبة تُهلككم، كما أصاب الأمم الخالية من قبلكم ﴿أَوْ بِأَدِيناً﴾ أي: يُؤذّن لنا في قتالكم ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديد ووعيد. أي: انتظروا مَوّاعِد الشيطان، إنَّا منتظرون مواعد الله. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا or فَسِقِينَ فيه أربعُ مسائل: (١) أدغمها من الكوفيين حمزة والكسائي، دون عاصم، ووافقهما هشام. التيسير ص٤٠٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٠/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في (م): الحسنى. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٢٠ . (٥) أخرج قولهما الطبري ٤٩٦/١١ - ٤٩٧ . ٢٣٦ سورة التوبة: الآية ٥٣ الأولى: قال ابن عباس: نزلت في الجَدِّ بنٍ قيس إذ قال: ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينُك به(١). ولفظ ﴿أَنفِقُواْ﴾ أمرٌ، ومعناه الشرط والجزاء. وهكذا تَستعمل العرب في مثل هذا؛ تأتي بأو، كما قال الشاعر: أَسيئي بنا أو أَحْسني لا ملومةٌ لدينا ولا مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ (٢) والمعنى: إن أسأتٍ أو أحسنتٍ فنحن على ما تعرفين. ومعنى الآية: إن أنفقتم طائعين أو مُكْرَهين فلن يُقبل منكم. ثم بيَّنَ جلَّ وعزَّ لِمَ لا يَقبل منهم فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَیِرَسُولِهِ﴾(٣)، فكان في هذا أدلّ دليل وهي: الثانية: على أنَّ أفعال الكافر إذا كانت بِرًّا، كصلة القرابة وجَبْر الكسير وإغاثة الملهوف، لا يُثاب عليها ولا يَنتفع بها في الآخرة، بَيْدَ أنه يُطْعَم بها في الدنيا. دليلُه: ما رواه مسلم(٤) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جُدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويُطعم المسكينَ، فهل ذلك نافِعُه؟ قال: ((لا يَنفعُه، إنه لم يَقُلْ يوماً: رَبِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدِّين)). ورَوَى عن أنس قال: قال رسول الله﴾: ((إنَّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يُعْطَى بها في الدنيا، ويُجْزَى بها في الآخرة، وأمَّا الكافر فيُطعم بحسناتٍ ما عَمِلَ لله بها في الدنيا، حتى إذا أَفْضَى إلى الآخرة لم يكن له حسنةٌ يُجزَى بها))(٥). وهذا نصّ. (١) أخرجه الطبري ٤٩٢/١١ و٤٩٩ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو منقطع. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢١٥٤) و(١٢٦٥٤) دون قوله: وهذا مالي ... ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٠/٧ : فيه يحيى الحماني وهو ضعيف، وسلف بأطول منه عن ابن إسحاق ص٢٣٢. (٢) قائله كثيِّر عزة، وهو في ديوانه ص ٨٠، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٠/٢، والكلام منه. وقوله: مقلية، من قلاه قِلَّى وقَلاء: أبغضه وكرهه غاية الكراهة، فتركه. القاموس (قلى). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٠/٢. (٤) في صحيحه (٢١٤)، وهو عند أحمد (٢٤٦٢١). (٥) صحيح مسلم (٢٨٠٨)، وهو عند أحمد (١٢٢٣٧)، وسلف ٣٢٢/٦ . ٢٣٧ سورة التوبة: الآية ٥٣ ثم قيل: هل بحُكْم هذا الوعدِ الصادق لا بدَّ أن يُطعَم الكافر ويُعطَى بحسناته في الدنيا، أو ذلك مُقيَّد بمشيئة الله المذكورة في قوله: ﴿عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]؟ وهذا هو الصحيح من القولين(١)، والله أعلم. وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنةً إنما هو بحسَب ظنِّ الكافر، وإلا فلا يصحُّ منه قُرْبةٌ؛ لعدم شرطها المصحِّح لها وهو الإيمان. أو سُمِّيت حسنةً لأنها تُشبه صورةً حسنةِ المؤمن ظاهراً (٢). قولان أيضاً. الثالثة: فإن قيل: فقد روى مسلم عن حكيم بن حِزام أنه قال لرسول الله #: أيْ رسولَ الله! أرأيتَ أموراً كنتُ أَتحنَّثُ بها في الجاهلية من صدقةٍ أو عتاقةٍ أو صلةٍ رحِم، أفيها أَجْرٌ؟ فقال رسول الله ﴾: ((أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ من خير))(٣). قلنا: قوله: ((أسلمتَ على ما أسلفت من خير)) مخالفٌ ظاهرُه للأصول؛ لأن الكافر لا يصحُّ منه التقرُّب لله تعالى فيكونَ مثاباً على طاعته؛ لأنَّ مِن شَرْطِ المتقرِّب أن يكون عارِفاً بالمتقرَّب إليه، فإذا عُدِم الشرط انتفى صحةُ المشروط. فكان المعنى في الحديث: إنك اكتسبتَ طباعاً جميلةً في الجاهلية أكسبتك عادةً جميلةً في الإسلام(٤). وذلك أن حكيماً ﴾ عاش مئة وعشرين سنة، ستِين في الإسلام وستِّين في الجاهلية(٥)، فأعتق في الجاهلية مئة رقبةٍ، وحَمَل على مئة بعير. وكذلك فعل في الإسلام(٦). وهذا واضح. وقد قيل: لا يَبْعُد في كرم الله أن يُتيبه على فِعْله ذلك بالإسلام، كما يُسقط عنه ما ارتكبه في حال كفره من الآثام. وإنما لا يثاب مَن لم يُسلم ولا تاب، ومات (١) المفهم ١/ ٤٦٠ . (٢) المصدر السابق. (٣) صحيح مسلم (١٢٣): (١٩٥)، وهو عند أحمد (١٥٣١٨)، والبخاري (١٤٣٦). وقال مسلم إثر الحديث: التحنث؛ التعبد. (٤) إكمال المعلم ١/ ٤١٥ . (٥) الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٣/ ٥٤ . (٦) أخرجه البخاري (٢٥٣٨)، ومسلم (١٢٣): (١٩٦) من حديث عروة بن الزبير. ٢٣٨ سورة التوبة: الآية ٥٣ كافراً (١). وهذا ظاهر الحديث. وهو الصحيح إن شاء الله. وليس عُدْمُ شرطٍ الإيمان في عُدْمٍ ثواب ما يفعله من الخير ثم أسلم ومات مسلماً بشرطٍ عقليٍّ لا يتبدَّل، والله أكرمُ من أن يضيِّع عمله إذا حَسُن(٢) إسلامه. وقد تأوَّل الحربيُّ الحديث على هذا المعنى فقال: ((أسلمتَ على ما أسلفتَ))؛ أي: ما تقدم لك من خير عملته فذلك لك. كما تقول: أسلمت على ألف درهم؛ أي: على أن أحرَزَها لنفسه(٣). والله أعلم. الرابعة: فإن قيل: فقد روى مسلم عن العباس قال: قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يَحُوطُك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: ((نعم، وجدتُه في غمراتٍ من النار، فأخرجتُه إلى ضَخْضاح)) (٤). قيل له: لا يبعد أن يُخفّف عن الكافر بعضُ العذاب بما عمل من الخير، لكنْ مع انضمامٍ شفاعةٍ، كما جاء في أبي طالب. فأمَّا غيرُه فقد أخبر التنزيل بقوله: ﴿فَمَا تَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. وقال مُخبِراً عن الكافرين: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠-١٠١]. وقد روى مسلم(٥) عن أبي سعيد الخُدريِّ أن رسول الله ﴿ ذُكر عنده عمُّه أبو طالب فقال: ((لعلَّه تنفعُه شفاعتي يومَ القيامة، ڤيُجعلَ في ضخضاح من النار يبلغ کعبیه یغلي منه دماغه». من حديث العباس : ((ولولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل من النار))(٦). (١) ينظر أعلام الحديث للخطابي ٧٦٨/١، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٤١/٢ - ١٤٢. (٢) في (د) و(ز) و(ظ): أحسن. (٣) المفهم ١/ ٣٣٢، وذكر قول الحربي أيضاً القاضي عياض في إكمال المعلم ٤١٦/١، والحافظ في الفتح ٣٠٢/٣ . ووقعت العبارة الأخيرة في إكمال المعلم: أسلمتُ على ألف درهم، أي: على أن أعطاها. وفي الفتح: أسلمتُ على أن أحوز لنفسي ألف درهم. (٤) صحيح مسلم (٢٠٩): (٣٥٨)، وهو عند أحمد (١٧٦٨)، والبخاري (٣٨٨٣). والغمرات: المواضع التي تكثر فيها النار. والضحضاح: ما رقَّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار. النهاية (غمر) و(ضحضح). (٥) في صحيحه (٢١٠)، وهو عند أحمد (١١٠٥٨)، والبخاري (٣٨٨٥). (٦) صحيح مسلم (٢٠٩): (٣٥٧)، وهو عند أحمد (١٧٦٣)، والبخاري (٣٨٨٣). ٢٣٩ سورة التوبة: الآيات ٥٤ - ٥٦ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ أي: كافرين. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ٥٤ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ ((أنْ)) الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع. والمعنى: وما مَنَعهم من أن تُقبل منهم نفقاتهم إلا كفرُهم. وقرأ الكوفيون: ﴿أَن يُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ بالياءِ(١)؛ لأنَّ النفقات والإنفاق واحد. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ عُسَالى﴾ قال ابن عباس: إن كان في جماعة صلَّى وإن انفرد لم يُصلِّ(٢). وهو الذي لا يرجو على الصلاة ثواباً ولا يخشى في تركها عقاباً. فالنفاقُ يُورِث الكسل في العبادة لا محالة. وقد تقدَّم في ((النساء))(٣) القولُ في هذا كلِّه. وقد ذكرنا هناك حديث العلاء مُوعَباً (٤). والحمد لله. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لأنهم يَعُدُّونها مَغْرَماً ومَنْعَها مَغْنماً. وإذا كان الأمر كذلك فهي غير مُتَقَبَّةٍ ولا مُثابٍ عليها حَسْبَ ما تقدَّم. قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (@) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ٥٦ أي: لا تَستحسِنْ ما أعطيناهم ولا تَمِلْ إليه؛ فإنه استدراج. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ (١) هي قراءة حمزة والكسائي دون عاصم، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٢٢١/٢، وينظر السبعة ص٣١٥ ، والتيسير ص١١٨ . (٢) ذكره البغوي ٤/ ٥٣٢ في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]. (٣) ١٩١/٧ وما بعدها. (٤) لعل الصواب: حديث الأعرابي، كما تقدم ٧/ ١٩٢ . ٢٤٠ سورة التوبة: الآيات ٥٥ -٥٧ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا﴾ قال الحسن: المعنى: بإخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله. وهذا اختيار الطبري(١). وقال ابن عباس وقتادة: في الكلام تقديمٌ وتأخير. والمعنى: فلا تعجبْكَ أموالُهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله لِيعذُّبهم بها في الآخرة. وهذا قول أكثر أهل العربية؛ ذكره النحاس(٢). وقيل: يعذبهم بالتعب بالجمع(٣). وعلى هذا التأويل وقولِ الحسن لا تقديمَ فيه(٤) ولا تأخير، وهو حسنٌ. وقيل: المعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله لِيعذِّبَهم بها في الدنيا لأنهم منافقون؛ فهم ينفقون كارهين فيُعذَّبون بما ينفقون(٥). ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ نصٌّ في أنَّ الله يريد أن يموتوا كافرين(٦)، سبق بذلك القضاء. ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ بيَّن أنَّ من أخلاق المنافقين الحَلِفَ بأنهم مؤمنون، نظيرُه: ﴿إِذَا جَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون: ١]. والفَرَق: الخوف، أي: يخافون أن يُظهروا ما هم عليه فيُقتلوا. قوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَنَا أَوْ مَغَرَتٍ أَوْ مُدَّخَلَا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ. قوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَنًا﴾ كذا الوقفُ عليه. وفي الخطِّ بألِفَين: الأولى (١) في تفسيره ١١/ ٥٠١ . (٢) في معاني القرآن ٢١٨/٣، وأخرج قول ابن عباس وقتادة الطبري ٥٠٠/١١ . (٣) تفسير البغوي ٢/ ٣٠١ . (٤) في (خ): فيها. (٥) معاني القرآن للنحاس ٢١٨/٣ . (٦) وهذا مذهب أهل السنة، وهو التفريق بين الرضا والإرادة، فالله سبحانه يريد الكفر من الكافر، وبإرادته كَفّر، ولا یرضاه له ولا يحبه. وسيأتي بیان ذلك في سورة الزمر الآية (٧).