Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة التوبة: الآيتان ٣٦ - ٣٧ قال بعضُ العلماء: كان الفرض(١) بهذه الآية قد توجَّه على الأعيان، ثم نُسخ ذلك بعدُ(٢) وجُعل فرضَ كفاية. قال ابن عطية(٣): وهذا الذي قاله لم يُعلم قٌ من شرع النبيِّ# أنه أَلزم الأمةَ جميعاً النَّفْر، وإنما معنى هذه الآية: الحضُّ على قتالهم والتحزُّبِ عليهم وجمع الكلمة. ثم قيَّدها بقوله: ﴿كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَفَّةٌ﴾ فبِحَسَب قتالهم واجتماعِهم لنا يكون فَرْضُ اجتماعِنا لهم. واللهُ أعلم. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلنَِّىُِّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُونَهُم عَامًا وَيُحَرِمُونَهُ عَامًا لِيُوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُسِلُواْ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ زُيْنَ لَهُمْ سُوَّهُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَثِفِرِينَ ◌َ ﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَِّىِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ هكذا يقرأ أكثرُ الأئمة. قال النحاس(٤): ولم يَروِ أحدٌ عن نافع فيما علمناه: ((إِنَّمَا النَّسيُّ)) بلا همزٍ إلا وَرْشٌ وحدَه(٥). وهو مشتق من نسأه وأَنسأه: إذا أخّره؛ حَكَى اللغتين الكسائيُّ. الجوهريُّ(٦): النَّسيء فعيلٌ بمعنى مفعول؛ من قولك: نسأتُ الشيء فهو منسوء: إذا أخَّرتَه. ثم يحوّل منسوءٌ إلى نَسيءٍ؛ كما يحوّل مقتول إلى قتيل. ورجل ناسئ وقوم نَسَأَة، مثلُ: فاسِقٍ وَفَسَقَّةٍ. قال الطبريُ(٧): النسيءُ بالهمزة معناه الزيادة؛ يقال: نَسَأْ يَنْسَأ: إذا زاد. قال: ولا يكون بترك الهمز إلا من النسيان، كما قال الله تعالى: ﴿فَعُواْ اللَّهُ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. ورَدَّ على نافع قراءَته، واحتجَّ بأنْ قال: إنه يتعدَّى بحرف الجر؛ يقال: (١) في (د) و(ظ) و(م): الغرض، والمثبت موافق لما في المحرر الوجيز ٣١/٣، والكلام منه. (٢) قوله: بعد، من (ظ) والمحرر الوجيز. (٣) في المحرر الوجيز ٣١/٣ . (٤) في إعراب القرآن ٢/ ٢١٣ . (٥) ووافقه حمزة وهشام وقفاً. التيسير ص١١٨ . (٦) في الصحاح (نسأ). (٧) في تفسيره ٤٤٩/١١ - ٤٥٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ٩٢٩/٢. ٢٠٢ سورة التوبة: الآية ٣٧ نسأ اللهُ في أَجَلك، كما تقول: زادَ الله في أجلك، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن سَرَّه أن يُبْسَطَّ له في رزقه، ويُنْسأَ له فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَه))(١). قال الأزهري(٢): أنسأتُ الشيء إنساءً ونسيئاً، اسمٌ وُضع موضعَ المصدر الحقيقيّ. وكانوا يحرِّمون القتالَ في المحرَّم، فإذا احتاجوا إلى ذلك؛ حَرَّموا صَفَراً بدلَه وقاتلوا في المحرّم. وسبب ذلك أن العرب كانت أصحابَ حروب وغارات، فكان یَشُقُّ علیھم أن یمکثوا ثلاثة أشهر متواليةٍ لا يُغِیرون فيها، وقالوا: لئن تَوالت علینا ثلاثةُ أشهر لا نُصيب فيها شيئاً لنَهلكنَّ. فكانوا إذا صدروا عن مِنّى يقوم من بني كنانة، ثم من بني فُقَيم منهم رجلٌ يقال له: القَلَمَّس، فيقول: أنا الذي لا يُرَدُّ لي قضاءٌ. فيقولون: أَنْسِتْنا شهراً، أي: أخّر عنا حُرمةَ المحرَّم، واجعلها في صَفَر؛ فيُحِلُّ لهم المحرَّم. فكانوا كذلك شهراً فشهراً، حتى استدار التحريمُ على السَّنةِ كلِّها، فقام الإسلامُ وقد رجع المحرَّم إلى موضعه الذي وضعه الله فيه(٣). وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الزمانَ قد استدار كهيئته يومَ خَلَقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ))(٤). وقال مجاهد: كان المشركون يحجُّون في كلِّ شهرٍ عامين؛ فحجُّوا في ذي الحجة عامين، ثم حُّوا في المحرَّم عامين، ثم حجُوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور كلِّها، حتى وافقت حجةُ أبي بكر التي حجَّها قبل حجَّة الوداع، ذا القَعدة من السنة التاسعة. ثم حجَّ النبيُّ# في العام المقبل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة؛ فذلك قولُه في خطبته: ((إن الزمان قد استدار)) الحديث(٥). أراد بذلك أنَّ أشهر الحج (١) أخرجه أحمد (١٣٥٨٥)، والبخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧) من حديث أنس (٢) في تهذيب اللغة ٨٣/١٣ . (٣) ينظر سيرة ابن هشام ١/ ٤٤، ومعاني القرآن للفراء ٤٣٦/١ - ٤٣٧، وتفسير الطبري ٤٥٦/١١ ، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٠ . (٤) سلف ٣٢٧/٣ . (٥) أخرجه الطبري ٤٥٥/١١، وسلف مختصراً ص ١٠٣ من هذا الجزء. ٢٠٣ سورة التوبة: الآية ٣٧ رجعت إلى مواضعها، وعاد الحجّ إلى ذي الحجة، وبطل النسيُ. وقول ثالث: قال إياس بن معاوية: كان المشركون يحسُبون السنة اثني عشر شهراً وخمسةَ عشرَ يوماً؛ فكان الحجُّ يكون في رمضان وفي ذي القَعدة، وفي كلِّ شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسةَ عَشَرَ يوماً، فحجَّ أبو بكر سنةً تسع في ذي القَعدة بحكم الاستدارة، ولم يحجَّ النبيُّ#؛ فلمَّا كان في العام المقبل وافق الحجّ ذا الحجة في العشر، ووافق ذلك الأهِلة (١). وهذا القولُ أشبهُ بقول النبيّ ﴾: ((إنَّ الزمانَ قد استدَارَ))(٢). أي: زمان الحجّ عاد إلى وقته الأصليِّ الذي عيَّنه اللهُ يومَ خَلَق السماواتِ والأرضَ بأصل المشروعية التي سَبَقَ بها علمُه، ونَفَذَ بها حُكْمُه. ثم قال: ((السنة اثنا عشر شهراً)). يَنْفي بذلك الزيادةَ التي زادوها في السنة - وهي الخمسةً عشرَ يوماً - بتحكُّمهم؛ فتعيَّن الوقتُ الأصليُّ، وبَطَل التحكّم الجَهْلي. وحكى الإمام المازَريُّ(٣) عن الخُوَارِزْميِّ(٤) أنه قال: أوَّل ما خلَق اللهُ الشمسَ أجراها في بُرْج الحَمَل، وكان الزمانُ الذي أشار به(٥) النبيُّ ﴾ صادَف حلولَ الشمسِ برجَ الحَمَل. وهذا يحتاج إلى توقيفٍ؛ فإنه لا يُتوصَّل إليه إلا بالنقل عن الأنبياء، ولا نَقْلَ صحيحاً عنهم بذلك، ومَن ادَّعاه فلْيُسْنِدْه. ثم إن العقل يجوِّزُ خلافَ ما قال، وهو أن يخلق اللهُ الشمسَ قبل البروج، ويجوِّزُ أن يخلق ذلك كلَّه دفعةً واحدة. ثم إن علماء التعديل قد اختبروا ذلك، فوجدوا الشمسَ في برج الحوت وقتَ قوله عليه الصلاة (١) المفهم ٤٣/٥، وإكمال المعلم ٤٨١/٥ . (٢) المفهم ٥/ ٤٤ . (٣) في المعلم ٢/ ٢٥١، ونقله عنه القاضي عياض في إكمال المعلم ٥/ ٤٨٠، وأبو العباس في المفهم ٤٤/٥. (٤) محمد بن موسى، أصله من خُوارزم، كان منقطعاً إلى خزانة كتب الحكمة للمأمون، له من الكتب: الزيج الأول، وكتاب العمل بالاصطرلاب، وكتاب الجبر والمقابلة. أخبار العلماء للقفطي ص١٨٧ -١٨٨ . (٥) في المصادر: أشار إليه. ٢٠٤ سورة التوبة: الآية ٣٧ والسلام: ((إن الزمان قد استدار)) بينها وبين الحَمَل عشرون درجة. ومنهم مَن قال عشر درجات. واللهُ أعلم(١). واختلف أهلُ التأويل في أوَّل مَن نَسَأَ؛ فقال ابنُ عباس وقتادة والضحاكُ: بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة(٢). وروى جُوَيْبِر (٣)، عن الضحاك، عن ابن عباس أنَّ أوَّل مَن فعل ذلك: عمرو بن لُحَيّ بن قَمعة بن خِنْدِف. وقال الكلبيُّ: أوّل مَن فَعَل ذلك رجل من بني كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، ثم كان بعده رجلٌ يقال له: جُنادة بن عوف، وهو الذي أدركه رسول الله ﴾(٤). وقال الزُّهريُّ: حيٍّ من بني كِنانة، ثم من بني فُقَيم؛ منهم رجل يقال له: القَلَّمَّس، واسمه حذيفة بن عبيد(٥)، وفي روايةٍ: مالك بن كنانة(٦). وكان الذي يلي النَّسيء يظفر بالرياسة؛ لتريُّس العرب إياه، وفي ذلك يقول شاعرهم: ومنَّا ناسِئُ الشهرِ القَلَمَّسْ(٧) وقال الكُمَيْت(٨): ألسنا الناسِئِينَ على مَعَدِّ شهورَ الحِلِّ نجعلُها حراما قوله تعالى: ﴿زِيَادَةٌ فِ آلْكُفْرِ﴾ بيانٌ لِمَا فعلته العرب من جمعها بين(٩) أنواع (١) المفهم ٤٤/٥، وينظر إكمال المعلم ٤٨١/٥ . (٢) تفسير البغوي ٢/ ٢٩١ . (٣) في النسخ: جرير، والمثبت من تفسير البغوي ٢/ ٢٩١، والكلام منه. (٤) تفسير البغوي ٢/ ٢٩١ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٩٣١/٢. (٦) لم نقف على هذه الرواية، والذي ذكره ابن العربي ٩٣١/٢ أن مالك بن كنانة هو من أجداد القلمَّس، فذكر نسبه: حذيفة بن عبيد بن فقيم ... بن الحارث بن مالك بن كنانة. وكذلك نسبه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ١/ ٤٤ . (٧) ذكره الطبري ١١/ ٤٥٦ ضمن خبر أخرجه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذلك البغوي ٢٩١/٢ . (٨) كذا قال المصنف، ولم نقف عليه عن الكميت، ونُسب لعمير بن قيس الكناني كما في السيرة ٤٥/١، ومعجم الشعراء ص٧٢، وتهذيب اللغة ٨٣/١٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٩٣٢/٢. (٩) في النسخ: من، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٩٣٥/٢ ، والكلام منه. ٢٠٥ سورة التوبة: الآية ٣٧ الكفر؛ فإنها أنكرت وجود البارئ تعالى فقالت: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] في أصح الوجوه، وأنكرت البعث فقالت: ﴿مَنْ يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وأنكرت بعثة الرسل فقالوا: ﴿أَبَتْرًا مِنَّا وَحِدًا تََّّعُهُ﴾ [القمر: ٢٤]، وزعمت أن التحليل والتحريم إليها، فابتدعته من ذاتها مُقتفيةً لشهواتها، فأحلَّت ما حرَّم الله. ولا مبدِّلَ لكلماته ولو كره المشركون. قوله تعالى: ﴿يُضَلُّ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِمُونَهُ عَامًا لِيُوَاِقُواْ عِدَّةً مَا حَدَّمَ اللَّهُ فَيُسِلُواْ مَا حََّمَ اللَّهُ زُّنَ لَهُمْ سُوَّهُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ فيه ثلاث قراءات. قرأ أهلُ الحَرَمين وأبو عمرو: ((يَضِلُّ)، وقرأ الكوفيون: ((يُضَلُ)(١) على الفعل المجهول. وقرأ الحسن وأبو رجاء: ((يُضِلُّ)(٢). والقراءاتُ الثلاث كلُّ واحدة منها تؤدِّي عن معنى، إلا أنَّ القراءة الثالثة حُذف منها المفعولُ. والتقدير: يُضِل به الذين كفروا مَن يَقْبَل منهم(٣). و﴿ الَّذِينَ﴾ في محل رفع. ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى الله عزَّ وجلَّ؛ التقدير: يُضِل الله به الذي كفروا (٤)، كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ [الرعد: ٢٧] وكقوله في آخر الآية: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْكَّفِرِينَ﴾. والقراءة الثانية: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ کفروا﴾ يعني المحسوب لهم(٥). واختار هذه القراءةَ أبو عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿زُّنَ لَهُمْ سُوَهُ أَعْمَلِهِمْ﴾. والقراءة الأولى اختارها أبو حاتم؛ لأنهم كانوا ضالِّين به، أي: بالنسيء؛ لأنهم كانوا يحسبونه فيضِلون به. والهاء في ((يُحِلُّونه)) ترجع إلى النسيء. وروي عن أبي رجاء: ((يَضَلُّ) بفتح الياء والضاد. وهي لغة؛ يقال: ضَلَلْتُ أضِل، (١) قرأ نافع المدني وابن كثير المكي وعاصم في رواية شعبة وأبو عمرو البصري وابن عامر الشامي: يَضِلُّ. وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي: يُضَلُّ. السبعة ص٣١٤ ، والتيسير ص١١٨ . (٢) هي قراءة يعقوب من العشرة. النشر ٢٧٩/٢، وينظر المحتسب ٢٨٨/١ - ٢٨٩. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢١٤/٢ . (٤) الإملاء للعكبري (على هامش الفتوحات الإلهية) ١٥٩/٣ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢١٤/٢ . ٢٠٦ سورة التوبة: الآيتان ٣٧ - ٣٨ وضَلِلتُ أضَلُّ(١). ﴿ لَيُوَاِئُوا﴾ نصب بلام كَيْ، أي: ليوافقوا. تَواطَأ القومُ على كذا، أي: اجتمعوا عليه، أي: لم يُحِلُّوا شهراً إلا حَرَّمُوا شهراً لتبقى الأشهرُ الحُرُم أربعةً. وهذا هو الصحيح، لا ما يُذكر أنهم جعلوا الأشهر خمسة؛ قال قتادة: إنهم عمدوا إلى صَفَرَ فزادُوه في الأشهر الحُرُم، وقَرَنوه بالمحرَّم في التحريم. وقاله عنه قُظْرُب والطبريّ(٢). وعليه يكون النسيء بمعنى الزيادة. واللهُ أعلم. قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِّ فَمَا مَتَعُ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ((ما)) حرف استفهام معناه التقريرُ والتوبيخ؛ التقدير: أيُّ شيء يمنعكم عن كذا، كما تقول: ما لَكَ عن فلان مُعْرِضاً(٣)؟ ولا خلافَ أن هذه الآيةَ نزلت عتاباً على تخلّفٍ مَن تخلَّف عن رسول الله # في غزوة تَبُوك، وكانت سنةَ تسع من الهجرة بعد الفتح بعام، وسيأتي ذكرها في آخر السورة إن شاء الله (٤). والنَّفْر: هو التنقُّل بسرعة من مكان إلى مكان لأمرٍ يحدث؛ يقال في ابن آدم: نَفَر إلى الأمر يَنْفِر نفيراً (٥). وقوم نُفور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهْ نُفُورًا﴾ (١) المحتسب ٢٨٨/١، وذكر الجوهري في الصحاح أن أهل العالية يقولون: ضلِلْتُ أضِلُّ، بالكسر فيهما. (٢) أخرج الطبري خبر قتادة ٤٥٤/١١ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٩٣٦/٢. (٤) ص٤٠٦ وما بعدها من هذا الجزء. (٥) في (م): نفوراً، والكلام في المحرر الوجيز ٣٤/٣ . ٢٠٧ سورة التوبة: الآية ٣٨ [الإسراء: ٤٦] ويقال في الدَّابَّة: نَفَرَتْ تَنْفر - بضم الفاء وكسرها - نِفَاراً ونُفوراً. يقال: في الدابة نِفار، وهو اسم؛ مثل الحِران. ونفر الحاجُ من مِنّى نَفْراً(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَثَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضَِّ﴾ قال المفسرون: معناه: انَّاقلتم إلى نعيم الأرض، أو إلى الإقامة بالأرض. وهو توبيخٌ على ترك الجهاد، وعتابٌ على(٢) التقاعُد عن المبادرة إلى الخروج، وهو نحو من أَخْلَد إلى الأرض. وأصله: تثاقلتم، أدغمت التاء في الثاء لقربها منها، واحتاجت إلى ألف الوصل لتَصِلَ إلى النطق بالساكن، ومثله: ﴿أَذَّارَكُوا﴾ [الأعراف: ٣٨] و﴿فَأَدَّرَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] و﴿أَطََّّْنَا﴾ [النمل: ٤٧] و﴿ وَأَزَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤](٣). وأنشد الكسائيُّ: تُؤْلي الضَّجيعَ إذا ما اسْتَافَها خَصِراً عَذْبَ المَذاق إذا ما اتَّابع القُبَلُ(٤) وقرأ الأعمش: ((تَثَاقَلْتُمْ)) على الأصل؛ حكاه المهدويُّ(٥). وكانت تبوك - ودعا الناسَ إليها - في حرارة القَيْظ وظِيب الثمار وبَرْد الظُّلال - كما جاء في الحديث الصحيح على ما يأتي(٦) - فاستولى على الناس الكسل، فتقاعدوا وتثاقلوا؛ فوبَّخهم الله بقوله هذا، وعاب عليهم الإيثارَ للدنيا على الآخرة. ومعنى ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةَ﴾ أي: بدلاً؛ التقدير: أرضيتُم بنعيم الدنيا بدلاً من نعيم الآخرة. فـ ((مِن)) تتضمن معنى البدل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ ◌َجَعَلْنَا مِنْكُم مَّلَئِكَةً فِىِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] أي: بدلاً منكم. وقال الشاعر: (١) الصحاح (نفر) وقوله: الحِران؛ من: حَرَن الفرس يحرُنُ: إذا لم ينقد، وإذا اشتدّ به الجَرْيُ وقف. (٢) في (ظ): في، وفي (خ): من. (٣) معاني القرآن للفراء ٤٣٨/١، وتأويل مشكل القرآن ص٢٧٥، والمحرر الوجيز ٣٤/٣. (٤) معاني القرآن للفراء ٤٣٨/١، وتفسير الطبري ١١٩/٢ و٤٥٩/١١. الاستياف: الاشتمام. وماء خصر، أي: بارد. ينظر الصحاح (سوف) و(خصر). (٥) المحرر الوجيز ٣٤/٣، والقراءة في القراءات الشاذة ص٥٣. (٦) ص٤٠٨ من هذا الجزء، وسيذكر المصنف الحديث هناك. ٢٠٨ سورة التوبة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ فليت لنا من ماء زمزم شربةً مُبرَّدَةً باتت على طَهَيَان(١) ويروى: من ماء حَمْنان(٢). أراد: ليت لنا بدلاً من ماء زمزم شربةً مبرَّدة. والطّهَيان: عُودٌ ينصَب في ناحية الدار للهواء، يُعلَّق عليه الماء حتى يَبْرُدَ(٣). عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة؛ إذ لا تُنال راحةُ الآخرة إلا بنَصَبِ الدنيا. قال﴿ لعائشة وقد طافت راكبةً: ((أجْرُكِ على قدر نَصَبِك». خرَّجِه البخاريُّ(٤). قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُوهُ شَيْئًا وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ فيه مسألة واحدة: وهو أنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَفِرُوا﴾ شرط؛ فلذلك حُذفت منه النون، والجواب: «يُعَذِّبْكُمْ))، ((وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَیْرَگُمْ)). وهذا تهديدٌ شديد ووعيد مؤگّد في ترك النفير. قال ابن العربي(٥): ومن محقّقات [مسائل] الأصول: أنَّ الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثرُ من اقتضاء الفعل. فأما العقابُ عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر، ولا يقتضيه الاقتضاء، وإنما يكون العقابُ بالخبر عنه؛ كقوله: إن لم تفعل كذا عذَّبتُك بكذا، كما ورد في هذه الآية. فوجب بمقتضاها النفيرُ للجهاد والخروجُ إلى الكفار (١) نسبه أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني ١٤٩/٢٢ ليعلى الأحول بن مسلم الأزدي. ونُسب للأحول الكندي في معجم البلدان ٤/ ٥٢، واللسان (طها)، والخزانة ٩/ ٤٥٣؛ قال البغدادي: وهذا خلافُ ما عليه الرواة؛ فإنهم قالوا: إن البيت آخِرُ قصيدة ليعلى الأَزْدي. اهـ وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٩٣٧/٢ دون نسبة. (٢) اللسان (حمن) و(طها) وفيه: حمنان: مكة. اهـ وقال صاحب الأغاني: ويروى: من ماء حمياء. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٣٧ . وقيل: طَهَيان: جبل. ينظر معجم البلدان ٤/ ٥٢، والخزانة ٩/ ٤٥٣ . (٤) بنحوه (١٧٨٧)، وهو بنحوه أيضاً عند أحمد (٢٤١٥٩)، ومسلم (١٢١١): (١٢٧)، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي. وينظر التلخيص الحبير ١٧٧/٤، وفتح الباري ٣/ ٦١١ . (٥) في أحكام القرآن ٩٣٧/٢ ، وما قبله وما سيأتي بين حاصرتين منه. ٢٠٩ : سورة التوبة: الآية ٣٩ لمقاتلتهم على أنْ تكونَ كلمةُ الله هي العليا. روى أبو داود(١) عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِبْكُمْ عَذَابًا أَلِمًا﴾ وَ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠-١٢١] نسختها الآيةُ التي تليها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَاَفَّةٌ﴾. وهو قول الضحاكِ والحسن وعكرمة(٢). ﴿يُعَذِّبُّكُمْ﴾ قال ابن عباس: هو حَبْسُ المطر عنهم. قال ابن العربيّ(٣): فإن صحّ ذلك عنه فهو أعلمُ مِن أين قاله، وإلّا فالعذاب الأليم هو في الدنيا باستيلاء العدوِّ، وبالنار في الآخرة. قلت: قول ابنِ عباس خرَّجه الإمام أبو داود في سننه عن ابن نُفيع قال: سألت ابنَ عباس عن هذه الآية: ﴿إِلَّا نَفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِمًا﴾ قال: فأمسَكَ عنهم المطرَ، فكان عذابهم(٤). وذكره الإمام أبو محمد بنُ عطية(٥) مرفوعاً عن ابن عباس قال: استنفر رسولُ الله ◌ِ﴾ قبيلةً من القبائل، فقعدت، فأمسك الله عنهم المطرَ وعذَّبها به. و (أليم)) بمعنى مؤلم، أي: موجع. وقد تقدَّم (٦). ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ توعُدٌ بأن يُبدِّلَ لرسوله قوماً لا يقعدون عند استنفاره إياهم؛ قيل: أبناء فارس، وقيل: أهل اليمن(٧). ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ عطف. والهاء (١) في سننه (٢٥٠٥). (٢) أخرجه الطبري ٤٦٢/١١ عن الحسن وعكرمة. وقال مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص٣١٥ : هي محكمة غير منسوخة، ومعناها: إلا تنفروا إذا احتيج إليكم. وينظر في رد القول بنسخ الآية وترجيح أنها محكمة أيضاً تفسير الطبري ١١/ ٤٦٢ - ٤٦٣ والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٣٦/٢، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص١٧٦ . (٣) في أحكام القرآن ٩٣٨/٢ ، وسيرد تخريج أثر ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) سنن أبي داود (٢٥٠٦)، وابن نُفيع - وهو نجدة - مجهول، كما ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب، وينظر ميزان الاعتدال ٢٤٥/٤ . (٥) في المحرر الوجيز ٣٤/٣ . (٦) ٣٠١/١. (٧) تفسير البغوي ٢/ ٢٩٢ . ٢١٠ سورة التوبة: الآيتان ٣٩ - ٤٠ قيل: لله تعالى، وقيل: للنبيّ ﴾(١). والتثاقل عن الجهاد مع إظهار الكراهةِ حرامٌ على كل أحد. فأمَّا مِن غير كراهةٍ؛ فمَن عيَّنه النبيُّ # حَرُم عليه التثاقل، وإن أَمِنَ منهما فالفرض فرضُ كفاية؛ ذكره القشيريّ. وقد قيل: إن المراد بهذه الآية وجوبُ النفير عند الحاجة وظهورِ الكَفَرة واشتدادِ شو کتهم. وظاهر الآية يدلُّ على أنَّ ذلك على وجه الاستدعاء، فعلى هذا لا يتَّجهُ الحملُ على وقت ظهور المشركين، فإنَّ وجوب ذلك لا يختصُّ بالاستدعاء؛ لأنه متعيِّن. وإذا ثبت ذلك فالاستدعاء والاستنفار يَبْعُد أن يكونَ موجِباً شيئاً لم يجب من قبل؛ إلَّا أنَّ الإمام إذا عيَّن قوماً وندبهم إلى الجهاد، لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند التعيين، ويصير بتعيينه فرضاً على مَن عيَّنه؛ لا لمكان الجهاد، ولكن لطاعة الإمام(٢). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِىِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَّلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُورٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّغْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ فِى الْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾ يقول: تُعِينوه بالنَّفْر معه في غزوة تَبُوك، عاتبهم الله بعد انصراف نبيِّه عليه الصلاة والسلام من تبوك. قال النقَّاش(٣): هذه أوّل (١) النكت والعيون ٣٦٣/٢، ونسب الماوردي القول الأول للحسن، والثاني للزجاج، وهو في معاني القرآن له ٤٤٨/٢ . (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٠٣/٣ . (٣) ذكر قوله ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥/٣ . ٢١١ سورة التوبة: الآية ٤٠ آية نزلت من سورة براءة. والمعنى: إن تركتم نَصْرَه فالله متكفِّلٌ به؛ إذ قد نَصَره الله في مواطنِ القلّة، وأَظْهَره على عدوّه بالغلبة والعزة. وقيل: فقد نَصّره الله بصاحبه في الغار بتأنيسه له، وحمله على عُنُقه، وبوفائه ووقايته له بنفسه، ومُواساتِه له بماله(١). قال الليث بن سعد: ما صَحِبَ الأنبياءَ عليهم السلام مثلُ أبي بكر الصديق. وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله : . نَنصُرُوهُ﴾(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَبَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهو خرج بنفسه فارًّا، لكنْ بإِلجائهم [له] إلى ذلك حتى فَعَله، فَنَسب الفعلَ إليهم ورتَّب الحُكْمَ فيه عليهم، فلهذا يُقتل المُكرِهُ على القتل، ويَضمَنُ المالَ المُتَلَفَّ بالإكراه؛ لإلجائه القاتلَ والمُتِلِفَ إلى القتل والإتلاف(٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ أي: أحدَ اثنين، وهذا كثالث ثلاثةٍ، ورابعِ أربعة. فإذا اختلف اللفظ فقلتَ: رابعَ ثلاثةٍ وخامسَ أربعةٍ، فالمعنى: صَيَّر الثلاثةَ أربعةٌ بنفسه(٤)، والأربعةَ خمسةً. وهو منصوبٌ على الحال، أي: أخرجوه منفرداً من جميع الناس إلَّا من أبي بكر(٥). والعامل فيها (٦): (نَصَرهُ الله))، أي: نَصَره منفرداً، ونصره أحد اثنین. وقال عليّ بنُ سليمان: التقدير: فخرج ثاني اثنين، مثل: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (١) أحكام القرآن لابن العربي ٩٤٠/٢ . (٢) المحرر الوجيز ٣٦/٣. وقال ابن عطية: بل خرج منها كلُّ مّن شاهَد غزوة تبوك ولم يتخلّف. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٤٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) المحرر الوجيز ٣٥/٣. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢١٥/٢، ومشكل إعراب القرآن ٣٢٨/١، وهو على هذا القول حال من الهاء في ((أخرجه)). وما سيذكره المصنف من أن العامل فيه ((نصره)) فهو قول ذكره الزجاج في معاني القرآن ٤٤٩/٢ . (٦) لعل صواب العبارة: أو العامل فيها. ينظر التعليق السابق. ٢١٢ سورة التوبة: الآية ٤٠ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧](١). وقرأ جمهور الناس: (ثانِيَ)) بنصب الياء. قال أبو حاتم: لا يُعرف غيرُ هذا. وقرأت فرقةٌ: ((ثانيْ)) بسكون الياء. قال ابن جِنِّي(٢): حكاها أبو عمرو بنُ العلاء، ووَجْهُها أنه سكّن الياء تشبيهاً لها بالألف. قال ابنُ عطية(٣): فهي كقراءة الحسن: ((ما بقيْ مِنَ الرِبا)»(٤) وکقول جرير: هو الخليفة فَارْضَوْا ما رَضِيْ لِكُمُ ماضِي العزيمةِ ما في حُكْمِه جَنَفُ (٥) الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ الغارُ: ثقب(٦) في الجبل. يعني: غارَ ثَوْر. ولمَّا رأت قريش أَنَّ المسلمين قد صاروا (٧) إلى المدينة قالوا: هذا شرٌّ شاغِلٌ لا يُطاق، فأجمعوا أمرَهُم على قتل رسول الله ﴾، فبيَّتوه ورصدوه على باب منزله طولَ ليلتهم لِيقتُلوه إذا خرج، فأمر النبيُّ # عليّ بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يُعَمِّيَ عليهم أَثَرَه، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غَشِيَهم النوم، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض (٨)، فلمَّا أصبحوا خرج عليهم عليَّ ﴾ وأخبرهم أَنْ ليس في الدار أحدٌ، فعلموا أنَّ رسول الله ﴾ قد فات ونجا. وتَوَاعَدَ رسول الله ﴿ مع أبي بكر الصديقِ للهجرة، فدفعا راحِلتيهما إلى عبد الله ابن أَرْقَط - ويقال: ابن أُرَيْقِط - وكان كافراً؛ لكنَّهما وَثِقا به، وكان دليلاً بالطرق، (١) إعراب القرآن للنحاس ٢١٥/٢، والشاهد في الآية أن ((نباتاً) مصدر لفعل دل عليه ((أنبتكم))، أي: فنبتم نباتاً. مشكل إعراب القرآن ٢/ ٧٦١ . (٢) في المحتسب ٢٨٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦/٣، وما قبله منه. (٣) في المحرر الوجيز ٣٦/٣. (٤) ذكرها ابن جني في المحتسب ١٤١/١، وهي من الآية (٢٧٨) من سورة البقرة. (٥) سلف ٤/ ٤١٣ . (٦) في (ظ): نقب. (٧) في (ظ): ساروا. (٨) في (ظ): ومضى. ٢١٣ سورة التوبة: الآية ٤٠ فاستأجراه ليدلَّ بهما إلى المدينة. وخرج رسول الله # من خَوْخة في ظهر دار أبي بكر التي في بَني جُمَح، ونهضا نحو الغار في جبل ثور، وأَمَر أبو بكر ابنَهُ عبدَ الله أن يتسمَّع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامرَ بنَ فُهَيرة أن يرعى غنمه ويُريحَها عليهما ليلاً ليأخذا منها حاجتهما، ثم نهضا فدخلا الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام، ويأتيهما عبد الله بنُ أبي بكرٍ بالأخبار، ثم يتلوهما عامرُ بنُ فُهَيرة بالغنم، فيُعَفِّي آثارهما. فلما فقدتهُ قريش جعلت تطلبه بقائف معروف، فقَفَى (١) الأثر حتَّى وقف على الغار؛ فقال: هنا انقطع الأثر، فنظروا؛ فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته - ولهذا نهى النبيُّ # عن قتله - فلمَّا رأَوْا نسجَ العنكبوت؛ أَيقنوا أنْ لا أحدَ فيه، فرجعوا وجعلوا في النبيِّ # مئةَ ناقة لمن ردَّهُ عليهم(٢). الخبر مشهور، وقصة سُراقةَ بنِ مالك بنِ جُعْثُم في ذلك مذكورة(٣). وقد رُويَ من حديث أبي الدَّرداء وثَوْبان رضي الله عنهما: أنَّ الله عزَّ وجلَّ أمر حمامةً فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقُّدُ على بيضها، فلمَّا نظر الكفار إليها ردَّهم ذلك عن الغار(٤). الخامسة: روى البخاريُّ(٥) عن عائشةَ قالت: استأجر رسول الله # وأبو بكر (١) في (م): بقفاء. (٢) الدرر في اختصار المغازي والسير ص٧٣ - ٧٥ ، دون ذكر النهي عن قتل العنكبوت، فليس فيه نص صحيح، وهو في نوادر الأصول. (٣) أخرجه البخاري (٣٦١٥)، ومسلم في الزهد (٢٠٠٩): (٧٥). (٤) الدرر ص٧٤، وأخرج ابن سعد في الطبقات ٢٢٩/١، والبزار (كشف الأستار) (١٧٤١) والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣ من طريق عوين بن عمرو القيسي، عن أبي مصعب المكي، عن أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة نحوه مطولاً. وأعله العقيلي بعوين، قال: ولا يتابع عليه، وأبو مصعب مجهول. ورويت قصة نسج العنكبوت عن ابن عباس كما في مسند أحمد (٣٢٥١). (٥) في صحيحه (٢٢٦٣) و(٢٢٦٤)، واللفظ أعلاه منهما. ٢١٤ سورة التوبة: الآية ٤٠ رجلاً من بني الدِّيلِ هادياً خِرِّيتاً (١)، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ بعد ثلاثِ ليالٍ، فأتاهما براحلتيهما صبيحةً ثلاث، فارتحلا وانطلق (٢) معهما عامرُ بن فُهيرة والدليلُ الدِّيلي، فأخذ بهم طريق الساحل. قال المُهَلَّبُ: فيه من الفقه ائتمانُ أهل الشرك على السرِّ والمال إذا عُلم منهم وفاءٌ ومروءةٌ، كما ائتَمن النبيَُّ﴾ هذا المشرك على سِرِّه في الخروج من مكة وعلى الناقتين. وقال ابن المنذر: فيه استئجارُ المسلمين الكفارَ على هداية الطريق. وقال البخاريُّ في ترجمته: باب استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام(٣). قال ابنُ بطَّال: إنما قال البخاريُّ في ترجمته: أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، من أجل أنَّ النبيَّ :﴿ إنَّما عامَل أهلَ خيبرَ على العمل في أرضها؛ إذ لم يوجد من المسلمين مَن ينوبُ منابَهُم في عمل الأرض، حتى قويَ الإسلام واستُغْنيَ عنهم، أَجلاهُم عمر(٤). وعامةُ الفقهاء يُچِيزون استئجارَهُم عند الضرورة وغيرها. وفيه: استئجار الرجلين الرجلَ الواحد على عمل واحدٍ لهما. وفيه: دليلٌ على جواز الفِرار بالدِّين خوفاً من العدوِّ، والاستخفاءِ في الغِيران وغيرها، وألَّا يُلقيّ الإنسان بيده إلى العدوِّ توُّلاً على الله واستسلاماً له. ولو شاء ربكم لعصَمَه مع كونه معهم، ولكنَّها سُنَّةُ الله في الأنبياء وغيرهم(٥)، ولن تجدَ لِسُنَّة الله تبديلاً. وهذا أدلُّ دليلٍ على فساد مَن مَنَع ذلك وقال: مَن خاف مع الله سواه كان (١) الخريت: هو الماهر الذي يهتدي لأَخْرات المفازة، وهي طرقها الخفية ومضايقها. النهاية (خرت). (٢) في (خ) و(د) و(ز) و(م): وارتحل، والمثبت من (ظ) وصحيح البخاري. (٣) قبل الحديث (٢٢٦٣). (٤) لعل صواب العبارة: فأجلاهم عمر، وسلفت قصة معاملة النبي # لأهل خيبر وإجلاء عمر ﴾ لهم ٤١٢/٤ وص١٥٤ من هذا الجزء. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٤٠ . ٢١٥ سورة التوبة: الآية ٤٠ ذلك نقصاً في توكُّله، ولم يؤمِن بالقدر. وهذا كلَّه في معنى الآية، ولله الحمدُ والهداية. السادسة: قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِهِ، لَا تَخْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هذه الآية تضمَّنت فضائلَ الصِّدِّيق ﴾. روى أَضبغُ وأبو زيدٍ عن ابن القاسم عن مالك: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هو الصِّدِّيقِ. فحقَّق الله تعالى قولَهُ له بكلامه، ووصف الصحبة(١) في كتابه. قال بعض العلماء: مَن أَنكر أن يكون عمر وعثمانُ أو أحدٌ من الصحابة صاحَبَ رسول الله ﴿ فهو كذَّابٌ مُبتَدِعٌ. ومَن أنكر أن يكونَ أبو بكر رضي الله عنه صاحبَ رسولَ الله ﴾ فهو كافرٌ؛ لأنه ردَّ نصَّ القرآن(٢). ومعنى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي: بالنصرِ والرِّعاية والحفظِ والكلاءة. روى الترمِذيُّ والحارث بنُ أبي أُسامةَ قالا: حدّثنا عفَّان قال: حدّثنا همَّام قال: أخبرنا ثابتٌ، عن أنسٍ أنَّ أبا بكر حدَّثه قال: قلتُ للنبيِّ ﴾ ونحن في الغار: لو أنَّ أحدَهُم نظر إلى قدَمَيه لأبصرنا تحت قدَمَيه، فقال: ((يا أبا بكرٍ، ما ظنُّكَ باثنين، اللهُ ثالثُهما))(٣). قال المُحاسِبيُّ: يعني معهما بالنصر والدفاع، لا على معنَى ما عمَّ به الخلائق؛ فقال: ﴿مَا يَكُنُ مِن تَجْوَىْ ثَلَاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. فمعناه العمومُ أنَّهُ یسمع ویری من الكفار والمؤمنین. السابعة: قال ابن العربيّ(٤): قالت الإمامية قبَّحها الله: حزنُ أبي بكرٍ في الغار (١) في (ظ): ووصفه بالصحبة، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٩٣٨/٢ - ٩٣٩ (٢) الوسيط ٤٩٩/٢ ونسب هذا القول للحسن بن الفضل. (٣) سنن الترمذي (٣٠٩٦)، وهو عند أحمد (١١) عن عفّان، وعند البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١) من طريقين آخرين عن همَّام بهذا الإسناد. (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٩٤١، وما سيرد بين حاصرتين منه. ٢١٦ سورة التوبة: الآية ٤٠ [مع كونه مع النبي #] دليلٌ على جهله ونقصه، وضعفٍ قلبه وخَرَقه(١). وأجاب علماؤنا عن ذلك: بأنَّ إضافةَ الحزنِ إليه ليس بنقصٍ، كما لم يَنْقُصْ إبراهيم حين قال عنه: ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفْ﴾ [هود: ٧٠]. ولم ينقُصْ موسى قولُه: ﴿فَأَوْجَسَ فِ نَفْسِهِ، ◌ِفَةٌ مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ [طه: ٦٧]. وفي لوط: ﴿ وَلَا تَّحْزَنَّ إِنَّا مُتَعُوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]. فهؤلاء العظماءُ صلواتُ الله عليهم قد وُجدت عندهم التَّقِيَّةُ(٢) نصًّا، ولم يكن ذلك طعناً عليهم ووصفاً لهم بالنقص؛ وكذلك في أبي بكرٍ. ثم هي عند الصدّيق احتمالٌ؛ فإنه قال: لو أنَّ أحدهم نظر إلى(٣) قدميه لأبْصَرَنا. جواب ثان: إنَّ حزن الصدِّيق إنما كان خوفاً على النبيِّ # أنْ يصلَ إليه ضررٌ، ولم يكن النبيُّ# في ذلك الوقت معصوماً [من الضرر]، وإِنَّما نزل عليه ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] بالمدينة. الثامنة: قال ابنُ العربيّ(٤): قال لنا أبو الفضائل المعدَّلُ(٥): قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم(٦): قال موسى #: ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقال في محمد # [وصاحبه]: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ لا جَرَم لمَّا كان الله مع موسى وحدَه ارتدَّ أصحابُه بعده، فرجع من عند ربه ووجدهم يعبدون العجل. ولمًّا قال في محمد ﴿ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاْ﴾ بقي أبو بكر مهتدياً مُوَحِّداً عالماً جازماً قائماً بالأمر ولم يتطرَّق إليه اختلال. (١) في (خ) و(د) و(ز): وحزنه، وفي أحكام القرآن: وحيرته، والمثبت من (ظ) و(م). والخّرَق: هو الدَّهَش من خوف أو حياء، أو أن يبهت فاتحاً عينيه. ينظر القاموس (خرق). (٢) في (ظ): وجدت منهم الخيفة. (٣) في (خ) و(د) و(م): تحت. (٤) في أحكام القرآن ٩٣٩/٢، وما سيرد بين حاصرتين منه، والقبس ١٠٦٥/٣. (٥) في النسخ: العدل، وفي أحكام القرآن: ابن المعدل، والمثبت من القبس وفيه: قال لنا الشيخ الأَجَّلُّ المعدَّل أبو الفضائل بن طوق. (٦) عبد الكريم بن هوازن القشيري المفسِّر، صاحب ((الرسالة)). السير ٢٢٧/١٨. : ٢١٧ سورة التوبة: الآية ٤٠ التاسعة: خرَّج الترمِذيُّ من حديث نُبَيْط بنِ شُرَيْط، عن سالم بن عُبيد - له صحبة - قال: أُغميَ على رسول اللـه ﴾ ... ؛ الحديث. وفيه: واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار نُدخِلهم معنا في هذا الأمر. فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فقال عمر : مَنْ له مثلُ هذه الثلاث: ﴿ثَانِى أَثْنَیْنِ إِذْ هُمَا فِىِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ مَن ((هما))؟ قال: ثم بَسَطَّ يده، فبايعَه وبايعه الناس بَيْعةٌ حَسَنةً جميلةٍ(١). قلت: ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالى: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ ما يدلُّ على أنَّ الخليفة بعد النبيِّ ﴾ أبو بكر الصديق ﴾؛ لأنَّ الخليفة لا يكون أبداً إلا ثانياً. وسمعتُ شيخنا الإمامَ أبا العباس أحمد بنَ عمر يقول: إنما استحقَّ الصدِّيق أن يقال له: ثاني اثنين؛ لقيامه بعد النبيِّ# بالأمر، كقيام النبيِّ # به أولاً. وذلك أنَّ النبيَّ ﴾ لمَّا مات ارتدَّت العرب كلُّها، ولم يبقَ الإسلام إلا بالمدينة ومكةً وجُوَاثا(٢)، فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلُهم على الدخول في الدين كما فعل النبيُّ #، فاستحقَّ من هذه الجهة أن يقال في حقّه: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾. قلت: وقد جاء في السنة أحاديثُ صحيحةٌ، يدلُّ ظاهرُها على أنه الخليفة بعده(٣)، وقد انعقد الإجماعُ على ذلك ولم يبقَ منهم مُخالِف. والقادِحُ في خلافته مقطوعٌ بخَطَئه وتفسيقه. وهل يكفَّر أم لا؟ مُختلفٌ فيه، والأظهرُ تكفيرُه (٤). وسيأتي (١) الشمائل المحمدية للترمذي (٣٧٩)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٧٠٨١). وسالم بن عبيد هو الأشجعي، من أهل الصفة، ثم نزل الكوفة، روى له أصحاب السنن حديثين. الإصابة ٤/ ١٠٠ . (٢) مدينة بالبحرين لعبد القيس. معجم ما استعجم ٢/ ٤٠١ . (٣) منها ما أخرجه أحمد (٢٥١١٣)، والبخاري (٥٦٦٦)، ومسلم (٢٣٨٧) - واللفظ له - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله﴾: ((ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمثّی متمنٌّ ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)). وينظر أيضاً ما أخرجه أحمد (١٦٧٥٥)، والبخاري (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦) من حديث جبير بن مطعم ﴾. (٤) المفهم ٢٤٩/١ - ٢٥٠ . ٢١٨ سورة التوبة: الآية ٤٠ لهذا المعنى مزيدُ بيانٍ في سورة الفتح إن شاء الله(١). والذي يُقطع به من الكتاب والسنة وأقوالِ علماء الأمة، ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة، فضلُ الصديق على جميع الصحابة. ولا مبالاةَ بأقوال أهل الشِّيَع ولا أهلِ البِدَع؛ فإنهم بين مُكَفَّرٍ تُضرب رقبته، وبين مُبتَدِعٍ مُفَسَّقٍ لا تُقبَلُ كلمتُه. ثم بعدَ الصديق عمرُ الفاروق(٢)، ثم بعده عثمان. روى البخاري(٣) عن ابن عمر قال: كنا نُخيِّر بين الناس في زمن رسول الله ﴾ فَنُخَيِّرُ أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان. واختلف أئمة أهل السنة(٤) في عثمانَ وعليٍّ، فالجمهور منهم على تقديم عثمان. ورُويَ عن مالك أنه تَوقَّف في ذلك. ورُويَ عنه أيضاً أنه رجع إلى ما عليه الجمهور. وهو الأصح إن شاء الله. العاشرة: قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: على النبيِّ﴾. والثاني: على أبي بكرٍ. ابنُ العربيّ(٥): قال علماؤنا: وهو الأقوى؛ لأنه خاف على النبيِّ # من القوم، فأنزل الله سكينته عليه بتأمين النبيِّ ﴾، فسكن جأشُه، وذهب رَوْعُه، وحصلَ [له] الأمنُ، وأنبت الله سبحانه ثُمامةً (٦)، وأَلهم الوَكْرَ هناك حمامةً، وأرسل العنكبوتَ فنسجت بيتاً عليه. فما أضعفَ هذه الجنود في ظاهر الحِسِّ، وما أقواها في باطنِ المعنى! ولهذا المعنى قال النبيُّ :﴿ لِعُمَرَ حين تَغْامَر مع الصِّدِّيق: ((هل أنتم تارِكو لي صاحبي، إنَّ الناس كلَّهم قالوا: كذبت، وقال أبو بكر: (١) عند تفسير الآية (٢٩) منها. (٢) المفهم ٢٣٨/٦، ثم ذكر أبو العباس بعده الخلاف في عثمان وعلي، وسيأتي. (٣) برقم (٣٦٥٥). (٤) في (خ) و(د) و(ز) و(م): السلف، والكلام في المفهم ٢٣٨/٦. (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٩٣٩ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٦) الثُّمام: نبت معروف في الجاهلية. اللسان (ثمم). ٢١٩ سورة التوبة: الآية ٤٠ صدقت)) رواه أبو الدرداء(١). الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَيَدَهُ بِجُنُورٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ أي: من الملائكة. والكناية في قوله: ((وَأَيَّدَهُ)) ترجع إلى النبيِّ﴾. والضميران يختلفان، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب(٢). ﴿وَجَعَلَ كَلِيَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّغْلَى﴾ أي: كلمةَ الشرك. ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِ الْعُلْيَأْ﴾ قيل: لا إله إلا الله. وقيل: وغْدُ النصر. وقرأ الأعمش ويعقوب: ((وَكَلِمَةَ اللّهِ)) بالنصب حملاً على ((جَعَلَ))(٣). والباقون بالرفع على الاستئناف. وزعم الفرَّاء(٤) أنَّ قراءة النصب بعيدةٌ؛ قال: لأنك تقول: أعتق فلانٌ غلامَ أبيه، ولا تقولُ: غلامَ أَبي فلان. وقال أبو حاتم نحواً من هذا. قال: كان يجب أن يقال: وكلمتَه هي العُليا. قال النخَّاس(٥): الذي ذكره الفرّاء لا يُشْبِه الآية، ولكنْ يُشْبِهها ما أنشد سيبويه(٦): لا أرى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيءٌ نغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفقِيرا فهذا حسن جيِّد لا إشكالَ فيه، بل يقول النَّحْويون الحُذَّاق: إن في إعادة الذِّكر في مثل هذا فائدة، وهي أنَّ فيه معنى التعظيم؛ قال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١-٢]؛ فهذا لا إشكالَ فيه. وجَمْعُ الكَلِمة: كَلِم. وتميم تقول: هي كِلْمَةٌ بكسرِ الكاف. وحكى الفرَّاءُ فيها ثلاث لغات: گلِمة وكلمة وگلمة، مثل: گچِد وكِبْد وگبْد، ووَرِق ووِزْق ووَرْق. (١) هو قطعة من حديثه أخرجه البخاري (٤٦٤٠). وتغامر، أي: تخاصم. ينظر النهاية (غمر). (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢١٦/٢. (٣) هي قراءة يعقوب من العشرة. النشر ٢٧٩/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٢ عن الأعمش. (٤) في معاني القرآن ٤٣٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢١٦/٢ . (٥) في إعراب القرآن ٢١٦/٢ . (٦) في الكتاب ٦٢/١، وسلف ١٣٣/٢. ٢٢٠ سورة التوبة: الآيتان ٤٠ - ٤١ والكلمة أيضاً: القصيدةُ بطولها؛ قاله الجوهريُّ(١). قوله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَّعْلَمُونَ ﴾﴾ فيه سبع مسائل: الأولى: روى سفيان، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغِفاريِّ قال: أول ما نزل من سورة براءة: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. وقال أبو الضُّحى كذلك أيضاً. قال: ثم نزل أولُها وآخرها(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا﴾ نصب على الحال، وفيه عشرةُ أقوال : الأول: يُذكَرُ عن ابن عباس ﴿إِنْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: ٧١]: سَرَايَا متفرِّقين(٣). الثاني: رُوِيَ عن ابن عباس أيضاً وقتادة: نُشَّاطاً وغيرَ نُشَّاطٍ. الثالث: الخفيفُ: الغنيُّ، والثقيلُ: الفقير؛ قاله مجاهد. الرابع: الخفيف: الشاب، والثقيل: الشيخ؛ قاله الحسن. الخامس: مشاغيلَ وغير مشاغيل؛ قاله زيد بن عليٍّ والحَكَمُ بنُ عتيبة. السادس: الثقیل: الذي له عیال، والخفیف: الذي لا عیالَ له؛ قاله زید بن أُسلم. السابع: الثقيل: الذي له ضَيْعةٌ يكره أَنْ يدَعَها، والخفيف: الذي لا ضيعةً له؛ قاله ابن زید. (١) في الصحاح (كلم). (٢) معاني القرآن للنحاس ٢١١/٣، وأثر أبي مالك أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٠١٦)، وابن أبي شيبة ٣٠٦/٥، وأثر أبي الضحى أخرجه الطبري ١١/ ٤٧٥ . (٣) أخرجه الطبري ٢١٨/٧ في تفسير الآية (٧١) من سورة النساء، ولم يذكره ولا غيره في تفسير هذه الآية.