Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة التوبة: الآيتان ١٠ - ١١
لليهود خاصّة. والدليل على هذا: ﴿أَشْتَرَوْاْ بِعَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني اليهود، باعُوا
حُجج الله عزَّ وجلَّ وبيانَه بطلب الرياسة وطمعٍ في شيء. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَّدُونَ﴾
أي: المجاوِزون الحلالَ (١) إلى الحرام بنقض العهد.
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ
وَنُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ أي: عن الشرك، والتزموا أحكام الإسلام ﴿فَإِخْوَتُكُمُّ﴾
أي: فهُم إخوانُكم في الدِّين. قال ابن عباس: حرَّمت هذه دماءَ أهل القبلة(٢). وقد
تقدّم هذا المعنى(٣).
وقال ابن زيد: افترض الله الصلاة والزكاة، وأبى أن يفرِّق بينهما، وأبى أن يقبل
الصلاة إلا بالزكاة (٤).
وقال ابن مسعود: أُمِرتم بالصلاة والزكاة، فَمَن لم يُزَكِّ فلا صلاةً له(٥).
وفي حديثٍ أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((مَن فرَّق بين ثلاث؛ فرَّق الله بينه وبين رحمته
يوم القيامة؛ مَن قال: أُطيع الله ولا أُطيع الرسول، والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ ومَن قال: أقيم الصلاةَ ولا أُوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا
الضَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾. ومَن فرَّق بين شكر الله وشكر والديه، والله عزَّ وجلَّ يقول:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلَوْلِيَكَ﴾))(٦).
(١) في (خ) و(ظ): للحلال.
(٢) المحرر الوجيز ١١/٣، وأخرجه الطبري ٣٦٢/١١.
(٣) ص١١٢ من هذا الجزء.
(٤) أخرجه الطبري ١١/ ٣٦٢ .
(٥) أخرجه الطبري ١١/ ٣٦٢.
(٦) لم نقف عليه، وأورد أبو الليث نحوه في تنبيه الغافلين ص٦٣ ولم يرفعه، فقال: ويقال: ثلاث آيات
نزلت مقرونة بثلاث ...

١٢٢
سورة التوبة: الآية ١٢
قوله تعالى: ﴿وَنُفَصِّلُ اَلَيَتِ﴾ أي: نُبيِّنُها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ خصَّهم لأنهم هم
المنتفعون بها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَئِنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِىِ دِينِكُمْ فَقَِلُواْ
أَبِمَّةَ أَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكَنُوا﴾ النَّكْثُ: النقضُ، وأصلُه في كلِّ ما فُتِل ثم
حُلَّ، فهي في الأيمان والعهود مستعارةٌ(١). قال:
وإنْ حَلَفَتْ لا ينقض النَّأيُ عهدَها فليس لمخضُوبِ البَنّانِ يَمِينُ(٢)
أي: عهد. وقوله: ﴿وَطَعَنُواْ فِ دِينِكُمْ﴾ أي: بالاستنقاص(٣) والحرب، وغيرِ
ذلك مما يفعله المشرك. يقال: طعنَه بالرمح، وطَعَن بالقول السَّيِّءٍ فيه، يطعُنُ، بضم
العين فيهما. وقيل: يَطْعُن بالرمح؛ بالضم، ويَطْعَن بالقول؛ بالفتح (٤). وهي هنا
استعارةٌ، ومنه قوله ﴿ حين أَمَّرَ أُسامةَ: (إنْ تَطْعُنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه
من قبلُ، وايْمُ اللهِ إنْ كان لَخَليقاً للإمارة)). خَرَّجه الصحيح(٥).
الثانية: استدلَّ بعضُ العلماء بهذه الآية على وجوب قتل مَن طَعَنَ في الدِّين(٦)؛
إذ هو كافرٌ.
والطعن: هو أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترضَ بالاستخفاف على ما هو مِن
(١) المحرر الوجيز ١١/٣، وينظر مفردات الراغب (نكث).
(٢) قائله كُثِيِّر عَزَّة، وهو في ديوانه ص٣٦٤ .
(٣) في (د) و(ظ) و(م): بالاستنقاض، والكلام في المحرر الوجيز ١٢/٣.
(٤) ينظر العين ١٥/٢، وتهذيب اللغة ١٧٧/٢، ومجمل اللغة ٥٨٣/١.
(٥) المحرر الوجيز ١١/٣ - ١٢، والحديث في صحيح البخاري (٣٧٣٠)، وصحيح مسلم (٢٤٢٦) عن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وسلف ١٣٢/٨.
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٨٨/٣.

١٢٣
سورة التوبة: الآية ١٢
الدين؛ لِمَا ثبت من الدليل القطعيِّ على صحة أصوله واستقامة فروعه (١).
وقال ابنُ المنذر(٢): أجمع عوامٌ(٣) أهل العلم على أنَّ مَن سبَّ النبيَّ # عليه
القتل. وممن قال ذلك مالكٌ والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعيِّ. وقد
حُكيَ عن النعمان أنه قال: لا يُقتلُ مَن سبَّ النبيَّ :﴿ من أهل الذِّمَّة، على ما يأتي.
ورُوي أن رجلاً قال في مجلس عليٍّ: ما قُتل كعب بن الأشرف إلا غَدْراً، فأمر
عليٍّ بضرب عنقه. وقاله آخَرُ في مجلس معاوية، فقام محمدُ بن مَسْلَمة فقال: أيقال
هذا في مجلسك وتسكت؟! واللهِ لا أُساكِنُك تحتَ سقفٍ أبداً، ولَئِن خلوتُ به
لأقتُلَنَّه(٤).
قال علماؤنا(٥): هذا يُقتل ولا يُستتاب إن نسب الغدرَ للنبيٍّ﴾. وهو الذي فهمه
عليٍّ ومحمدُ بن مسلمة رضوان الله عليهما من قائل ذلك؛ لأن ذلك زَنْدَقَةٌ. فأمَّا إِنْ
نَسَبه للمباشِرين لِقتلِه بحيثُ يقول: إنهم أمَّنُوه ثم غَدَروه، لَكانت هذه النسبةُ كذباً
مَحْضاً؛ فإنه ليس في كلامهم معه ما يدلُّ على أنهم أَمَّنوه، ولا صرَّحوا له بذلك، ولو
فعلوا ذلك لَمَا كان أمَاناً؛ لأن النبيَّ # إنما وجَّههم لقتله لا لتأمينه، وأَذِنَ لمحمد بن
مسلمة في أن يقول(٦).
وعلى هذا فيكون في قتل مَن نَسَبَ ذلك لهم نظرٌ وتردُّدٌ، وسببه: هل يلزم من
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٣/٢.
(٢) في الإشراف ٢/ ٢٤٤ .
(٣) في (م): عامة
(٤) ذكر الخبرين القاضي عياض في إكمال المعلم ١٧٧/٦، وأبو العباس في المفهم ٣/ ٦٦٠، وأخرج
الثاني الخطابي في أعلام الحديث، كما في التدوين في أخبار قزوين ٤٨/٣ . وسلفت قصة قتل كعب
ابن الأشرف ٤٥٦/٥ .
(٥) هو أبو العباس القرطبي، وكلامه في المفهم ٣/ ٦٦٠ .
(٦) إشارة إلى قول محمد بن مسلمة لرسول الله # عندما وجهه لقتل كعب بن الأشرف: ائذن لي أن أقول
شيئاً. قال: ((قل). وفيه أن محمد بن مسلمة قال لكعب: إن هذا الرجل قد سأَلَنا صدقةً، وإنه قد عنَّانا ...
الحديث في صحيح البخاري (٤٠٣٧)، وقد سلف ٤٥٦/٥ مختصراً.

١٢٤
سورة التوبة: الآية ١٢
نسبة الغدر لهم نسبتُه للنبيِّ ﴾؛ لأنه قد صوَّبَ فعلَهم ورضي به، فيلزم منه أنه قد
رَضِيَ بالغدر؟ ومَن صرَّح بذلك قُتل، أوْ لا يلزم مِن نسبة الغدر لهم نسبتُه للنبيِّ ﴾،
فلا يُقتل. وإذا قلنا: لا يقتل، فلابُدَّ من تَنْكيل ذلك القائل وعقوبته بالسَّجْن، والضربِ
الشديد، والإهانة العظيمة.
الثالثة: فأما الذِّمِّيُّ إذا طَعن في الدين انْتَقَض عهدُه في المشهور من مذهب
مالك؛ لقوله: ﴿وَإِن تَّكَثُواْ أَيْمَنَهُم﴾ الآية. فأمر بقتلهم وقتالِهم(١). وهو مذهب
الشافعيِّ رحمه اللهُ. وقال أبو حنيفة في هذا: إنه يُستتاب، وإنَّ مجرَّدَ الطعنِ لا يُنْقَض
به العهد إلا مع وجود النَّكْث(٢)؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ إنما أَمَرَ بقتلهم بشرطين:
أحدهما: نقضُهم العهدَ، والثاني: طعنُهم في الدين. قلنا: إن عملوا بما(٣) يخالف
العهدَ انتقضَ عهدُهم(٤)، وذِكرُ الأمرين لا يقتضي توقُّف قتاله على وجودهما؛ فإن
النكثَ يبيح ذلك(٥) بانفراده عقلاً وشرعاً. وتقدير الآية عندنا: فإنْ نكثوا(٦) حلَّ
قتالهم، وإن لم ينكثوا بل طعنوا في الدِّين مع الوفاء بالعهد حلَّ قتالُهم.
وقد رُويَ أن عمر رُفع إليه ذِمِّيٌّ نَخَس دابةً عليها امرأةٌ مسلمة، فرَمَحت
فأسقطتها، فانكشف بعض عورتها، فأمر بصلبه في الموضع(٧).
الرابعة: إذا حارَب الذِّمِّيُّ نُقِض عهدُه، وکان ماله وولده فَيْئاً معه. وقال محمد بن
مسلمة: لا يؤاخَذ ولدُه به؛ لأنه نَقَضَ وحدَه. وقال: أمَّا مالُه فيؤخذ. وهذا تعارُضٌ لا
يُشْبِهِ منصِب محمد بنِ مسلمة؛ لأن عهده هو الذي حَمَی مالَه وولده، فإذا ذهب عنه؟
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٣/٢، والمحرر الوجيز ١٢/٣.
(٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٨٣/٣ .
(٣) في (ظ): ما.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٣/٢ .
(٥) في (م): يبيح لهم ذلك، وفي أحكام القرآن للكيا الطبري ١٨٣/٣ (والكلام منه): يقتضي ذلك.
(٦) بعدها في (م): عهدهم، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما في أحكام القرآن للكيا الطبري.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٣/٢ قوله: رمحت، أي: ضربت برجلها.

١٢٥
سورة التوبة: الآية ١٢
ذهب عنه ولده وماله(١).
وقال أشهب: إذا نقضَ الذّمِّيُّ العهدَ فهو على عهده، ولا يعود [الحرُّ] في الرِّق
أبداً. وهذا من العجب! وكأنه رأى العهدَ معنّى(٢) محسوساً. وإنما العهدُ حكمٌ اقتضاه
النظرُ، والتزمَه المسلمون له، فإذا نَقَضه انتقَض كسائر العقود(٣).
الخامسة: أكثرُ العلماء على أنَّ مَن سبَّ النبيَّ # من أهل الذِّمَّة، أو عَرَّض، أو
استَخفَّ بقَدْرِهِ، أو وَصَفه بغير الوجه الذي كَفَر به (٤)، فإنه يقتل؛ لأنَّا لم نعطه الذِّمَّةَ
أو العهدَ على هذا. إلا أبا حنيفة والثَّوريَّ وأتباعَهما من أهل الكوفة؛ فإنهم قالوا: لا
يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكنْ يؤذَّب ويُعَزَّرُ. والحجةُ عليه قوله تعالى:
﴿وَإِن تَكَنُواْ﴾ الآية. واستدلَّ عليه بعضُهم بأمره ﴿ بقتل كعب بن الأشرف، وكان
معاهَداً(٥).
وتَغيَّظ أبو بكرٍ على رجل من أصحابه، فقال أبو بَرْزةَ: ألَا أضرب عُنُقَه؟ فقال:
ما كانت لأحدٍ بعد رسول اللهِ ﴾(٦).
وروى الدَّارَ قُظْنيُّ(٧) عن ابن عباس: أنَّ رجلاً أعمى كانت له أمُّ ولدٍ، له منها
ابنان مثلُ اللؤلؤتين، فكانت تشتُم النبيَّ # وتقعُ فيه، فينهاها فلم تنته، ويزجرها فلم
(١) في النسخ: فإذا ذهب عنه ماله ذهب عنه ولده، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٣/٢،
والكلام منه.
(٢) في (ظ): حكماً.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٤/٢ ، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) وَصْفُه بغير الوجه الذي كفر به: كأن يقول: ليس بنبي، أو: لم يُرسل، أو: لم ينزل عليه قرآن. وأما وَصْفُه
بالوجه الذي كفر به، فكأن يقول: إن محمداً لم يُرسَل إلينا وإنما أُرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى،
ونحو هذا، قال ابن القاسم: لا شيء عليه؛ لأن الله تعالى أقرهم على مثله. ينظر الشفا ٢/ ٥٦٩ .
(٥) الشفا ٢ / ٥٦٥ - ٥٦٦ .
(٦) أخرجه أحمد (٥٤)، وأبو داود (٤٣٦٣)، والنسائي في المجتبى ١٠٨/٧ - ١٠٩ من حديث أبي برزة
الأسلمي ﴾.
(٧) في سننه (٣١٩٤)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي في المجتبى ١٠٧/٧ - ١٠٨.

١٢٦
سورة التوبة: الآية ١٢
تنزجر، فلما كان ذاتَ ليلةٍ ذَكرتِ النبيَّ ﴾، فما صَبَر(١) أنْ قام إلى مِغْولٍ(٢)، فوضعَه
في بطنها، ثم اتَّكأ عليها حتى أَنفذه. فقال النبيُّ :﴿: ((أَلَا اشْهَدوا أنَّ دمَها هَذْرٌ)).
وفي روايةٍ عن ابن عباس: فقتَلَها، فلما أصبح؛ قيل ذلك للنبيٍّ #، فقام الأعمى
فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تَشْتمُك وتقع فيك، فأَنْهاها فلا تنتهي،
وأزجرُها فلا تنزجِر، ولي منها ابنان مثلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رَفيقةً، فلمّا كان
البارحةَ جعلَتْ تشتمك وتقع فيك فقتلتُها، فقال النبيُّ ﴾: ((أَلَا اشْهَدوا أنَّ دَمَها
هَدْرٌ))(٣).
السادسة: واختلفوا إذا سَبَّهُ ثم أسلم تَقِيَّةً من القتل؛ فقيل: يُسقط إسلامُه قتلَه، وهو
المشهور من المذهب؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قَبْله. بخلاف المسلم إذا سَبَّه ثم تاب؛ قال
الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقيل: لا يُسقط الإسلامُ قتلَه؛ قاله في ((العُثْبِيَّة))؛ لأنه حقٌّ للنبيِّ # وجَبَ لانتهاكه(٤)
حرمتَه، وقَصْدِه إلحاقَ النَّقِيصةِ والمعرَّة به، فلم يكن رجوعُه إلى الإسلام بالذي
يُسْقِطُه، ولا يكون أحسنَ حالاً مِن المسلم(٥).
السابعة: قوله تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ((أئمة)) جمع إمام، والمراد:
صناديدُ قريش - في قول بعض العلماء - كأبي جهل وعتبةً وشيبةً وأمية بن خلف. وهذا
بعيدُ فإنَّ الآية في سورة براءة، وحین نزلت وقُرئت على الناس كان الله قد استأصل
شَأْفَةَ قريش، فلم يبق إلا مسلمٌ أو مُسالِمٌ. فيحتمل أن يكون المراد ﴿فَقَدِلُواْ أَبِنَّةَ
الْكُفْرِ﴾: أنَّ(٦) مَن أَقدَم على نكث العهد والطعن في الدين يكون أصلاً ورأساً في
(١) بعدها في (د) و(م): سيدها.
(٢) المغول: شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطيه، وقيل: هو حديدة دقيقة لها حد ماضٍ
وقَفاً. وقيل: هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس. النهاية (غول).
(٣) سنن الدارقطني (٣١٩٥).
(٤) في (ظ): لانتهاك.
(٥) ينظر البيان والتحصيل ٣٩٧/١٦ - ٣٩٨، والشفا ٥٦٧/٢ - ٥٦٨، والمحرر الوجيز ١٢/٢.
(٦) في (م): أي.

١٢٧
سورة التوبة: الآية ١٢
الكفر، فهو من أئمة الكفر على هذا [التأويل]. ويحتمل أن يُعنى به المتقدِّمون
والرؤساءُ منهم، وأنَّ قتالهم قتالٌ لأتباعِهم، وأنهم لا حُرْمةً لهم (١).
والأصل: أَأُمِمَة، كمثال وأمثلة، ثم أُدغمت الميم في الميم، وقُلبت الحركة
على الهمزة، فاجتمعت همزتان، فأبدلت من الثانية ياء. وزعم الأخفش أنك تقول:
هذا أَيَمُّ من هذا، بالياء. وقال المازنيُّ: أَوَمُّ من هذا، بالواو. وقرأ حمزة: ((أئمة)).
وأكثر النحويين يذهب إلى أنَّ هذا لحن؛ لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة(٢).
﴿إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أي: لا عهودَ لهم؛ أي: ليست عهودهم صادقةً يُوفون
ـها.
وقرأ ابن عامر: ((لا إيمان لهم)) بكسر الهمزة(٣) من الإيمان، أي: لا إسلامَ لهم.
ويحتمل أن يكون مصدرَ: آمَنتُه إيماناً، من الأمن، الذي ضدُّه الخوف، أي: لا
يؤمَّنون، من: آمنته إيماناً، أي: أَجَرْته(٤)؛ فلهذا قال: ﴿فَقَدِلُواْ أَبِنَّةَ الْكُفْرِّ﴾.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي: عن الشرك.
قال الكَلْبِيُّ: كان النبيُّ :﴿ وادَعَ أهل مكة سنةً وهو بالحُدَيْبِيَة، فحبسوه عن
البيت، ثم صالحوه على أن يرجع، فمكثوا ما شاء الله، ثم قاتَل حلفاءَ رسولِ الله ﴾
من خُزاعة حلفاءُ بني أُميَّة من كِنَانة، فأمدَّت بنو أمية حلفاءَهم بالسلاح والطعام،
فاستعانت(٥) خُزاعة برسول الله﴾، فنزلت هذه الآيةُ، وأُمر رسولُ اللـه# أن يُعين
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٨٣، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٤/٢ - ٢٠٥، وقراءة ﴿أَبيَّةَ﴾ بهمزتين قرأ بها مع حمزةَ عاصمٌ وابن عامر
والكسائي، وقرأ الباقون بتسهيل الثانية. ينظر السبعة ص٣١٢، والتيسير ص١١٧ . وذكر ابن الجزري
في النشر ٣٧٩/١ لبعضهم إبدالها ياءً محضة.
(٣) السبعة ص٣١٢ ، والتيسير ص١١٧ .
(٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٤٢٥/١، والكشف عن وجوه القراءات ٥٠٠/١ . وقال مكي: ويبعد في
المعنى أن يكون من الإيمان الذي هو التصديق؛ لأنه قد وصفهم بالكفر قبله، فاستعماله بمعنى آخرّ
أولى؛ ليُفيد الكلام فائدتین.
(٥) في (ظ): فاستغاثت.

١٢٨
سورة التوبة: الآيتان ١٢ - ١٣
حلفاءَه كما سبق(١).
وفي البخاريِّ عن زيد بن وهب قال: كنّا عند حُذيفة فقال: ما بقيَ من أصحابٍ
هذه الآية - يعني ﴿فَقَدِلُواْ أَبْعَّةَ أَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَنَ لَهُمْ﴾ - إلا ثلاثةٌ، ولا بقي من
المنافقين إلا أربعةٌ. فقال أعرابيّ: إنكم أصحاب محمدٍ تخبرون أخباراً لا ندري ما
هي! تزعمون ألَّا منافق إلا أربعة، فما بالُ هؤلاء الذين يَبْقُرُون بيوتنا، ويَسرِقون
أعلاقَنا؟ قال: أولئك الفُسَّاق. أَجَلْ، لم يبقَ منهم إلا أربعةٌ؛ أحدُهم شيخٌ كبير، لو
شرب الماءَ البارد لَمَا وجد بَرْدَه(٢).
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي: عن كفرهم وباطلهم وأَذِيَّتهم للمسلمين.
وذلك يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم دفْعَ ضَرَرِهم لينتهوا عن مقاتلتنا، ويدخلوا
في ديننا(٣).
قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم
بَدَهُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ أَخْشَوْنَهُمَّ قَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ
١٣
قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَائِلُونَ قَوْمًّا نَّكَنُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ توبيخٌ، وفيه معنى
التحضيض(٤). نزلت في كفار مكة كما ذكرنا آنفاً. ﴿وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ أي:
كان منهم سببُ الخروج، فأُضيف الإخراج إليهم. وقيل: أَخْرَجوا الرسولَ عليه
الصلاة والسلام من المدينة لقتال أهل مكة؛ للنَّكث الذي كان منهم؛ عن الحسن(٥).
﴿وَهُم بَدَهُوكُمْ﴾ بالقتال. ﴿أَوَّلَ مَرَّوْ﴾ أي: نقضوا العهدَ، وأعانوا بني بَكْر على
(١) ص٩٨ من هذا الجزء.
(٢) صحيح البخاري (٤٦٥٨)، وسنن البيهقي ٢٠٠/٨ بنحوه. قوله: يبقرون بيوتنا، أي: يفتحونها
ويوسعونها. ويسرقون أعلاقنا، أي: نفائس أموالنا. النهاية (بقر) و(علق).
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٨٤.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٥/٢ .
(٥) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ١٣ عنه بنحوه.
٠

١٢٩
سورة التوبة: الآيات ١٣ - ١٥
خُزاعة. وقيل: بدؤوكم بالقتال يومَ بدر؛ لأن النبيَّ :# خرَج للعِير، ولمَّا أحرزوا
عِيرَهم كان يمكنهم الانصراف، فأبَوْا إلّا الوصولَ إلى بدر وشُربَ الخمر بها، كما
تقدَّم(١). ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ أي: تخافوا عقابه في ترك قتالهم؛ من أن تخافوا أن
ينالكم في (٢) قتالهم مكروه.
وقيل: إخراجُهم الرسولَ منعُهم إياه من الحجِّ والعُمْرة والطّواف، وهو ابتداؤهم.
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ
صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينٌَ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمُ ﴾
قوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ﴾ أَمْرٌ ﴿يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ جوابه، وهو جزم بمعنى المجازاة.
والتقدير: إن تقاتلوهم يعذُّبْهم اللهُ بأيديكم، ويخزهم وينصرْكم، عليهم ويَشْفِ
صدورَ قومٍ مؤمنين(٣).
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ دليلٌ على أنَّ غَيْظَهم كان قد اشتدَّ. قال مجاهد: يعني
خُزاعةً حلفاءَ رسولِ الله ◌ِ﴾(٤).
وكلُّه عطفٌ، ويجوزُ فيه كلِّه الرفعُ على القطع من الأوَّل. ويجوز النصبُ على
إضمار ((أنْ))، وهو الصَّرْفُ عند الكوفيين(٥)، كما قال:
ربيعُ الناسِ والشهرُ الحرامُ
فإنْ يَهْلِك أبو قابوسَ يَهلِكْ
أَجَبِّ الَّهْرِ ليس له سَنامُ
ونأخذْ بعدَه بِذِنابٍ عَيْشٍ
(١) ص٤١ من هذا الجزء.
(٢) في (ظ): من.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٥/٢ .
(٤) تفسير مجاهد ٢٧٤/١، وأخرجه الطبري ٣٧٠/١١.
(٥) سلف شرح معنى النصب على الصرف ٢٢٦/٣، وتنظر الأقوال في ضبط قوله: أجبّ الظهر في خزانة
الأدب الشاهد (٧٥٦). وجواز الرفع والنصب المذكور في الآية؛ يعني في اللغة، لا في القراءة.

١٣٠
سورة التوبة: الآيتان ١٤ - ١٥
وإنْ شئت رفعت ((ونأخذ)) وإن شئت نصبته(١).
والمراد بقوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ﴾ بنو خُزاعة، على ما ذكرنا عن
مجاهد. فإنَّ قريشاً أعانت بني بكر عليهم، وكانت خزاعةُ حلفاء النبيِّ #. فأنشد
رجلٌ من بني بكر هجاءً رسولِ اللهِ ﴾، فقال له بعضُ خزاعةً: لئن أَعَدْتَه لأكسرنَّ
فَمَك، فأعاده فكسرَ فاه، وثارَ بينهم قتالٌ، فقتلوا من الخُزاعيين أقواماً (٢)، فخرج
عمرو بنُ سالم الخُزاعيُّ في نفرٍ إلى النبيِّ # وأخبره به، فدخل منزلَ ميمونة وقال:
(سكِبوا إليَّ ماء)). فجعل يغتسل وهو يقول: ((لا نُصِرتُ إن لم أَنْصر بني كعب)). ثم
أَمر رسولُ الله # بالتجهُّزِ والخروجِ إلى مكة، فكان الفتح(٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللّهُ عَلى مَن يَشَاءُ﴾ القراءةُ بالرفع على الاستئناف؛ لأنه ليس
من جنس الأوَّل، ولهذا لم يقل: ويُتُبْ، بالجزم؛ لأن القتال غيرُ مُؤْجِبٍ لهم التوبةَ
من الله جلَّ وعزَّ، وهو موجبٌ لهم العذابَ والخِزْيَ، وشفاءً صدور المؤمنین،
وذهابَ غيظِ قلوبهم، ونظيرُه: ﴿فَإِن ◌َلِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَ قَلِكٌ﴾ تَمَّ الكلامُ، ثم قال:
﴿وَيَمْحُ اَللَّهُ الْبَطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] (٤). والذين تابَ الله عليهم مثل أبي سفيان، وعِكرمة
ابن أبي جهل، وسهيل بن عمرو؛ فإنهم أسلموا(٥).
وقرأ ابنُ أبي إسحاق: ((ويَتُوبَ)) بالنصب. وكذا رُويَ عن عيسى الثَّقفيِّ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٥/٢ - ٢٠٦، والبيتان للنابغة الذبياني، وهما في ديوانه ص ١١٠، والبيت
الثاني في الكتاب ١٩٦/١، والخزانة ٥١١/٧ . ووقع في الديوان: ونمسك بعده ... وأبو قابوس هو
النعمان بن المنذر.
(٢) ذكره بنحوه البلاذري في فتوح البلدان ص٤٩، وينظر ما سلف ص٩٨ من هذا الجزء.
(٣) سلف مطولاً ص٩٨ - ٩٩ من هذا الجزء.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/٢ وذكر فيه ٨١/٤ أن لفظ ((يمح)) يجب أن يكتب بالواو، إلا أنه وقع في
السواد بغير واو؛ كتب على اللفظ على الإدراج.
(٥) الوسيط ٤٨٢/٢، وأسباب النزول كلاهما للواحدي ص ٢٤٠ ، ووقع في النسخ: سليم بن أبي عمرو،
بدل: سهيل بن عمرو، وهو خطأ.

١٣١
سورة التوبة: الآيات ١٤ - ١٦
والأعرج (١)، وعليه فتكون التوبةُ داخلةً في جواب الشرط؛ لأن المعنى: إنْ تقاتلوهم
يعذبْهم اللهُ، وكذلك ما عُطف عليه. ثم قال: ((وَيَتُوبَ اللهُ)) أي: إن تقاتلوهم يجمع
بين تعذِيبهم بأيديكم، وشفاءِ صدوركم، وإذهابٍ غيظٍ قلوبكم، والتوبةِ عليكم.
والرفعُ أحسن؛ لأن التوبةَ لا يكون سببُها القتال؛ إذْ قد تُوجّد بغير قتال لمن شاء اللهُ
أن يتوب عليه في كلِّ حال(٢).
قوله تعالى: ﴿أَرْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَمْ
يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ خروجٌ من شيءٍ إلى شيءٍ ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ في موضع
المفعولَين على قول سيبويه. وعند المبرِّد أنه قد حُذف الثاني(٣). ومعنى الكلام: أم
حسبتم أن تُتركوا من غير أن تُبْتَلَوْا بما يَظهر به المؤمنُ والمنافق الظهورَ الذي يَستحقُّ
به الثواب والعقاب. وقد تقدَّم هذا المعنى في غير موضع (٤).
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ جزم بلمًا، وإن كانت ((ما)) زائدة؛ فإنها تكون عند سيبويه جواباً
لقولك: قد فعل، كما تقدَّم(٥). وكُسرت الميمُ لالتقاء الساكنين.
﴿وَلِبَةٌ﴾: بِطانةً ومُداخلة، من الولوج، وهو الدخول، ومنه سُمِّيَ الكِنَاسُ
الذي تَلِجُ فيه الوحوش: تَوْلَجاً. ولَجَ يَلِج وُلُوجاً: إذا دخل(٦). والمعنى: دخيلَةَ مودَّةٍ
من دون اللهٍ ورسوله. قال أبو عبيدة(٧): كلُّ شيءٍ أدخلتَه في شيء ليس منه فهو
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/٢، والمحتسب ٢٨٤/١ - ٢٨٥.
(٢) ينظر المحتسب ٢٨٥/١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/٢ .
(٤) ينظر ما سلف ٣/ ٤١٠ و٣٣٨/٥.
(٥) ٣٣٩/٥، وينظر الكتاب ٢٢٣/٤، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/٢ .
(٦) ينظر العين ١٨٢/٥، وتهذيب اللغة ١٩١/١١ - ١٩٢، والصحاح (ولج). والكناس: هو مستتر الظبي
في الشجر. القاموس (كنس).
(٧) في مجاز القرآن ١/ ٢٥٤ .

١٣٢
سورة التوبة: الآيتان ١٦ - ١٧
وَلِيجةٌ، والرجل يكون في القوم وليس منهم وَلِيجة. وقال ابن زيد: الوليجة: الدخيلةُ،
والوُلَجاء: الدُّخلاء.
فَوَلِيجة الرجل: مَن يختصُّ بدُخْلَةِ أمرِه دون الناس. تقول: هو وليجتي، وهم
وليجتي؛ الواحدُ والجمع فيه سواءٌ(١). قال أبَان بن تَغْلِب رحمه الله:
فبئسَ الوليجةُ للهاربين
والمعتدين وأهلِ الرِّيَبْ(٢)
وقيل: ((وليجةٌ)): بطانة. والمعنى واحد، نظيره: ﴿لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَّةً مِّن دُونِكُمْ﴾
[آل عمران: ١١٨]. وقال الفرَّاء (٣): ((وليجة)»: بطانة من المشركين يتخذونهم ويُفشون
إليهم أسرارهم ويُعْلِمونهم أمورهم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اَللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم
بِاَلْكُفْرِّ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (2)
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ الجملة من ((أَنْ يَعْمُرُوا)) في
موضع رفع اسم ((كان)). ((شَاهِدِينَ)) على الحال (٤).
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: أراد: ليس لهم الحجُّ بعد ما نُوديَ
فيهم بالمنع عن المسجد الحرام، وكانت أمور البيت كالسِّدانة والسِّقاية والرِّفادة إلى
المشركين، فبيَّن أنهم ليسوا أهلاً لذلك، بل أهلُه المؤمنون.
وقيل: إنَّ العباسَ لمَّا أُسِرَ وعُيِّر بالكفر وقطيعة الرحم قال: تذكرون مساوئنا ولا
تذكرون محاسننا. فقال عليٍّ: ألكم محاسن؟ قال: نعم، إنا لنَعْمُر المسجد الحرام،
ونَحْجُبُ الكعبة، ونَسْقي الحاجّ، ونَفُُ العَانِيّ. فنزلت هذه الآیة ردًّا علیه(٥). فیجب
(١) الوسيط للواحدي ٢/ ٤٨٢، وتفسير البغوي ٢٧٤/٢ .
(٢) لم نقف عليه.
(٣) في معاني القرآن له ٤٢٦/١ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٦/٢ .
(٥) أسباب النزول للواحدي ص ٢٤٠، والكشاف ١٧٩/٢ .

١٣٣
سورة التوبة: الآية ١٧
إذاً على المسلمين تَوَلِّي أحكامِ المساجد، ومنعُ المشركين من دخولها.
وقراءة العامة: ﴿يَعْمُرُوا﴾ بفتح الياء وضم الميم، من عَمَرَ يَعْمُر. وقرأ ابن
السَّمَيْفَع بضم الياء وكسر الميم(١)؛ أي: يجعلوه عامراً، أو يُعينوا على عِمارته.
وقرئ: ﴿مَسْجِدَ الله﴾ على التوحيد، أي: المسجد الحرام. وهي قراءة ابن
عباس وسعيد بن جُبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهدٍ وابن كثير وأبي عمرو وابن
مُحَيْصِن ويعقوب(٢). والباقون: ﴿مساجد﴾ على التعميم. وهو اختيار أبي عبيد(٣)؛
لأنه أعمُّ، والخاصُ يدخلُ تحت العام.
وقد يحتمل أن يُراد بقراءة الجمع المسجدُ الحرامُ خاصَّة. وهذا جائزٌ فيما كان من
أسماءِ الجنس، كما يقال: فلان يركبُ الخيلَ، وإن لم يركب إلَّا فرساً. والقراءة:
((مساجد)) أصوبُ، لأنَّه يحتمل المعنيين. وقد أجمعوا على قراءة قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ
مَسَِدَ اللَّهِ﴾ على الجمع. قاله النحاس (٤).
وقال الحسن: إنمَّا قال: ((مساجد)» - وهو المسجد الحرام - لأنه قِبلةُ المساجد
كلِّها وإمامُها(٥).
قوله تعالى: ﴿شَهِدِينَ﴾ قيل: أراد: وهم شاهدون، فلمَّا طرح ((وهم)) نصب.
قال ابنُ عباس: شهادتُهم على أنفسهم بالكفر سجودُهم لأصنامهم (٦)، وإقرارُهم
أنها مخلوقة.
(١) ذكرها أبو حيان في البحر ١٨/٥.
(٢) قراءة ابن كثير وأبي عمرو في السبعة ص٣١٣، والتيسير ص١١٨، ويعقوب من العشرة، وذكر قراءته
ابن الجزري في النشر ص٢٧٨، وتنظر القراءة عن باقي الأئمة المذكورين في معاني القرآن للفراء
٤٢٦/١، ومعاني القرآن للنحاس ١٩١/٣، ومجمع البيان ٢٨/٣ .
(٣) في (ظ): أبي عبيدة.
(٤) في معاني القرآن ١٩١/٣، وينظر تفسير الطبري ٣٧٦/١١ .
(٥) ذكره البغوي في التفسير ٢٧٤/٢ .
(٦) تفسير البغوي ٢٧٤/٢، والوسيط للواحدي ٤٨٢/٢ - ٤٨٣.

١٣٤
سورة التوبة: الآيتان ١٧ - ١٨
وقال السُّدِّيّ: شهادتُهم بالكفر هو أنَّ النّصرانيَّ تقول له: ما دِينُك؟ فيقول:
نصرانيٌّ، واليهوديّ فيقول: يهودي، والصّابئ فيقول: صابئ. ويقال للمشرك: ما
دينك؟ فيقول: مشرك(١).
﴿أُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ تقدَّم معناه(٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَّ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَبْكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَحِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاَللَّهِ﴾ دليلٌ على أنَّ
الشهادةَ لعُمَّار المساجد بالإيمان صحيحةٌ؛ لأن الله سبحانه رَبَطَه بها، وأخبر عنه
بملازمتها(٣). وقد قال بعض السلف: إذا رأيتم الرجلَ يَعْمُر المسجدَ فحسِّنوا به
الظن (٤).
ورَوَى الترمِذِيُّ عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ أنَّ رسولَ الله :﴿ قال: ((إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ
المسجدَ(٥)، فاشهدوا له بالإيمان)). قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾. وفي رواية: ((يتعاهد المسجد)). قال: حديث حسن غريب(٦).
قال ابن العربيّ(٧): هذا في ظاهر الصلاح، ليس في مقاطع الشهادات؛ فإنَّ
(١) أخرجه الطبري ١١/ ٣٧٥ .
(٢) ٤٢٨/٣ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٤/٢ .
(٤) المحرر الوجيز ١٥/٣ - ١٦ .
(٥) في (ظ): المساجد.
(٦) سنن الترمذي (٢٦١٧) و(٣٠٩٣)، وهو عند أحمد (١١٦٥١)، وابن ماجه (٨٠٢)، وابن عدي ٩٨١/٣ ،
والحاكم ٢١٢/١ - ٢١٣ من طريق درَّاج (وهو ابن سمعان) عن أبي الهيثم (وهو سليمان بن عمرو
العتواري) عن أبي سعيد به. ودرَّاج قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.
(٧) في أحكام القرآن ٢/ ٨٩٤ .

١٣٥
سورة التوبة: الآيتان ١٨ - ١٩
الشهاداتِ لها أحوالٌ عند العارِفين بها؛ فإنَّ منهم الذكيَّ الفَطِن المحصِّل لما يعلم
اعتقاداً وإخباراً، ومنهم المغفَّل، وكلُّ واحدٍ ينزَّل على منزلته، ويقدَّر على صفته.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَّ يَخْشَ إلَّا اللَّهُ﴾ إن قيل: ما من مؤمن إلا وقد خشيَ غيرَ
الله، وما زال المؤمنون والأنبياءُ يخشَوْن الأعداءَ من غيرهم. قيل له: المعنى: ولم
يخش إلا الله مما يُعبد؛ فإنَّ المشركين كانوا يعبدون الأوثانَ ويخشَونها ويرجُونها.
جواب ثان؛ أي: لم يَخَفْ في باب الدِّين إلا الله(١).
الثالثة: فإن قيل: فقد أَثبت الإيمان في الآية لمن عَمَرَ المساجد بالصلاة فيها،
وتنظيفها وإصلاح ما وَهَى منها، وآمن بالله. ولم يذكر الإيمانَ بالرسول فيها، ولا
إیمانَ لمن لم یؤمن بالرسول.
قيل له: دلَّ على الرسول ما ذُكر من إقامة الصلاة وغيرها(٢)؛ لأنه مما جاء به،
فإقامةُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة إنَّما يصحُّ من المؤمن بالرسول؛ فلهذا لم يُفْرِده بالذكر.
و((عسى)) من الله واجبة؛ عن ابن عباس وغيره(٣). وقيل: عسى بمعنى: خليق،
أي: فخليق ﴿أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾(٤).
قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةَ الَْجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ
الْأَخِرِ وَجَهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوْنَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَدِى الْقَوْمَ الَّذِينَ
فيه مسألتان(٥) :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجْ﴾ التقدير في العربية: أجعلتم أصحابَ
سِقاية الحاجِّ - أو أهلَ سِقاية الحاجِّ - مثلَ مَن آمن بالله وجاهد في سبيله؟ ويصحُّ أن
(١) معاني القرآن للزجاج ٤٣٨/٢ .
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه الطبري ٣٧٦/١١ - ٣٧٧ .
(٤) تفسير الطبري ٣٧٦/١١ .
(٥) كذا في النسخ، وهي واحدة على ما يأتي.

١٣٦
سورة التوبة: الآية ١٩
يقدَّر الحذف في ((مَن آمَنَ)) أي: أجعلتم عَمَل سَقْي الحاجٌّ كَعَمَلٍ مَن آمَن؟(١) وقيل:
التقدير: کإيمان من آمن.
والسِّقَايةُ مصدر؛ كالسِّعاية والحماية. فجعل الاسم بموضع المصدر إذْ عُلم
معناه، مثل: إنَّما السخاءُ حاتم، وإنَّما الشِّعرُ زُهير(٢).
﴿وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ﴾ مثل ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢](٣).
وقرأ أبو وَجْزة: ((أجعلتُم سُقاةَ الحاجّ وعَمَرةَ المسجِدِ الحرامِ» (٤) سُقَاة جمع
ساقٍ، والأصل: سُقَية على فُعَلَةٍ، كذا يُجمع المعتلُّ من هذا، نحو قاضٍ وقُضَاة
وناسٍ ونُسَاة، فإن لم يكن معتلًّا جُمع على فَعَلَة، نحو ناسئ ونَسَأة، للذين كانوا
ينسؤون الشهور(٥). وكذا قرأ ابنُ الزبير وسعيد بن جبير: ((سُقاة ... وعَمَرة))، إلا أنَّ
ابنَ جُبير نصب ((المسجد)) على إرادة التنوين في ((عَمَرة))(٦).
وقال الضحّاك: سُقاية؛ بضم السين(٧)، وهي لغة.
والحَاجُ اسم جنس الحُجَّاج. وعِمارةُ المسجد الحرام: معاهَدَتُه والقيامُ
بمصالحه. وظاهرُ هذه الآية أنها مُبْطِلةٌ قولَ مَن افتخر من المشركين بسِقاية الحاجٌ
وعِمارة المسجد الحرام؛ كما ذكره السُّدِّيّ. قال: افتخر عَباسٌ بالسقاية، وشَيبَةٌ
(١) المفهم ٧٢٠/٣ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٧/٢ .
(٣) أي: على تقدير: واسأل أهل القرية. إعراب القرآن للنحاس ٢٠٧/٢ و٣٤١.
(٤) هي قراءة أبي جعفر من العشرة؛ كما في النشر ٢٧٨/٢، وعَمَرَة: جمع عامر، مثل: بارّ وبَرَرَة،
وماهر ومَهَرَة. وينظر المحتسب ٢٨٦/١ . ووقع في النسخ: ابن أبي وجزة، والصواب ما أثبتناه،
واسم أبي وجزة يزيد بن عبيد.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٧/٢ .
(٦) المحرر الوجيز ١٦/٣، وذكر قراءة عبد الله بن الزبير أيضاً ابن جني في المحتسب ٢٨٥/١،
وابن الجزري في النشر ٢٧٨/٢ .
(٧) المحتسب ٢٨٥/١ .

١٣٧
سورة التوبة: الآية ١٩
بالعِمارة، وعليٍّ بالإسلام والجهاد، فصدَّق اللهُ عليًّا وكذَّبهما(١). وأَخبر أنَّ العِمارةَ
لا تكون بالكفر، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداءِ الطاعة. وهذا بيِّن لا غُبارَ عليه.
ويقال: إنَّ المشركين سألوا اليهودَ وقالوا: نحن سُقاةُ الحاجِّ وعُمَّارُ المسجد
الحرام، أفنحن أفضلُ أم محمدٌ وأصحابه؟ فقالت لهم اليهود عناداً لرسول الله ﴾.
أنتم أفضل (٢).
وقد اعتَرض هنا إشكال، وهو ما جاء في صحيح مسلم(٣) عن النُّعمان بن بشير
قال: كنتُ عندَ منبر رسولِ الله ◌ِ﴾، فقال رجل: ما أُبالي ألَّ أعمل عملاً بعد الإسلام
إلا أن أَسقيَ الحاجّ. وقال آخرُ: ما أبالي ألَّا أعمل عملاً بعدَ الإسلامِ إلا أن أغْمُر
المسجدَ الحرامَ. وقال آخرُ: الجهادُ في سبيل الله أفضلُ مما قلتُم. فزجَرهُمْ عمرُ
وقال: لا ترفعوا أصواتَكم عندَ مِنبر رسولِ الله ﴾ - وهو يومُ الجمعة - ولكنْ إذا
صَلَّيتُ الجمعةَ، دخلتُ واستفتيتُه فيما اختلفتُم فيه. فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةً
الْآَجْ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنّ ◌َامَنَ بِالَّهِ وَالْمِ الْآَخِ﴾ إلى آخر الآية.
وهذا المسَاقُ يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في الأفضل من هذه
الأعمال، وحينئذ لا يليق أن يقالَ لهم في آخر الآية: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
13
فتعيَّن الإشكال.
وإزالته بأن يقال: إنَّ بعضَ الرواة تَسامَح في قوله: فأنزل الله الآية. وإنما قرأ
النبيُّ# الآيةَ على عمر حين سأله، فظنَّ الراوي أنَّها نزلت حينئذ. واستدلَّ بها
النبيُّ ﴿ على أنَّ الجهادَ أفضلُ مما قال أولئك الذين سمعهم عمر فاستفتى لهم، فتلا
عليه ما قد كان أُنزل عليه، لا أنها نزلت في هؤلاء. والله أعلم.
فإن قيل: فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أُنزل في الكافرين،
(١) المفهم ٧٢٠/٣، وأخرج الأثر عن السدي الطبري ١١/ ٣٨١، وأخرجه أيضاً عن محمد بن كعب
القُرَظي.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٤٣٨/٢، والكشاف ١٨٠/٢، والمحرر الوجيز ١٦/٣.
(٣) برقم (١٨٧٩)، وهو عند أحمد (١٨٣٦٧).

١٣٨
سورة التوبة: الآيات ١٩ - ٢٢
ومعلومٌ أنَّ أحكامَهم مختلفة.
قيل له: لا يُستبعد أن يُنتزع مما أنزل الله في المشركين أحكامٌ تليق بالمسلمين.
وقد قال عمر: إنَّا لو شئنا لاتخذنا سَلَائقَ وشواءً، وتُوضع صَخفةٌ وتُرفع أخرى،
ولكنَّا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْ فِ حَاتِكُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَمْتُم بِهَا﴾
[الأحقاف: ٢٠]. وهذه الآية نصٌّ في الكفار، ومع ذلك ففهم منها عمرُ الزجرَ عما
يناسب أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة، فيمكن أن تكونَ
هذه الآيةُ من هذا النوع(١). وهذا نفيسٌ، وبه يزول الإشكالُ ويرتفع الإبهامُ(٢)، والله
أعلم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ
دَرَجَةٌ عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَيْكَ مُ الْفَّبِرُونَ (٢٥)
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ
اللّهِ﴾. و(درجةً)) نصب على البيان (٣)، أي: من الذين افتخروا بالسَّقْي والعِمارة. وليس
للكافرين درجةٌ عند الله حتى يقال: المؤمن أعظمُ درجةً. والمرادُ: أنهم قدَّروا
لأنفسهم الدرجةَ بالعِمارة والسَّقي، فخاطبهم على ما قدَّروه في أنفسهم وإن كان
التقدير خطأً، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا﴾ [الفرقان: ٢٤].
وقيل: أعظمُ درجةً مِن كلِّ ذي درجة، أي: لهم المزيَّةُ والمرتبةُ العَلِيَّة. ﴿وَأُوْلَكَ ◌ّ
الْفَآَيُونَ﴾ بذلك.
قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيهَا نَعِيدٌ مُّقِيهُ
خَلِينَ فِيَهَا أَبَدَأَ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم﴾ أي: يُعْلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من
(١) المفهم ٣/ ٧٢٠ - ٧٢١ .
(٢) في (خ) و(د): الإيهام.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٧/٢.

١٣٩
سورة التوبة: الآية ٢٣
الثواب الجزيل والنعيم المقيم. والنعيم: لِيْنُ العيشِ ورَغَدُه. ﴿خَلِدِينَ﴾ نصب على
الحال. والخلود: الإقامة. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: أَعدَّ لهم في دار كرامته
ذلك الثواب.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَلَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ
أَسْتَحَبُّواْ أَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأَوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ
ظاهر هذه الآية أنها خطابٌ لجميع المؤمنين كافَّةٌ، وهي باقيةُ الحكم إلى يوم
القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. ورَوَت فرقةٌ: أنَّ هذه الآيةَ إنما نزلت
في الحضِّ على الهجرة ورفض بلاد الكَفَرَة، فالمخاطبةُ على هذا إنما هي للمؤمنين
الذين كانوا بمكةً وغيرِها من بلاد العرب؛ خُوطبوا بألَّا يوالوا الآباءَ والإخوةَ،
فيكونون لهم تَبَعاً في سُكنى بلاد الكفر(١).
﴿إِن أَسْتَحَبُوا﴾ أي: أحبُّوا، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب، أي: لا
تطيعوهم ولا تخصُّوهم. وخصَّ الله سبحانه الآباء والإخوة؛ إذ لا قرابةَ أقربُ منها.
فنفى الموالاةَ بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ
وَالنَّصَرَ أَوْلِيَّةٌ﴾ [المائدة: ٥١] ليبيِّن أن القُرْبَ قربُ الأديان؛ لا قربُ الأبدان. وفي مثله
تنشد الصوفية :
وأنت كَثِيبٌ إنَّ ذا لعجيبُ
يقولون لي دارُ الأحبَّة قد دَنّتْ
إذا لم يكن بين القلوب قريب
فقلتُ وما تُغني ديارٌ قريبةٌ
وآخَرُ جارُ الجَنْبِ مات كثيبُ (٢)
فكم من بعيدِ الدار نالَ مُرادَه
ولم يذكر الأبناء في هذه الآية؛ إذ الأغلب من البشر أنَّ الأبناء هم التََّع للآباء(٣).
(١) المحرر الوجيز ٢ / ١٧ .
(٢) البيتان الأولان في أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٥/٢. (والكلام منه)، وذكرهما ابن خلكان في وفيات
الأعيان ٢/ ٢٤٧ عن الخليل أنه أنشدهما. قال: ولم يذكر لنفسه أم لغيره. ولم نقف على البيت الثالث.
و قوله: کثیب؛ بالرفع، ضرورة.
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ١٧ .

١٤٠
سورة التوبة: الآيتان ٢٣ - ٢٤
والإحسانُ والهبة مستثناةٌ من الولاية. قالت أسماء: يا رسول الله، إن أمِّي قَدِمَتْ
عليَّ راغبةً، وهي مشركة، أفأَصِلُها؟ قال: ((صِلي أمَّك)) خرَّجه البخاري(١).
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ نَاْلَئِكَ هُمُ التَّلِمُونَ﴾ قال ابن عباس: هو مشرٌ
مثلهم؛ لأن مَن رضيَ بالشرك فهو مشرك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَبُّكُمْ وَعَشِيرَتُ وَأَقْوَلُ
أَقْتَ فْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَعْرِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
٢٢٤
الْفَسِقِينَ
لمَّا أمر رسولُ الله # بالهجرة من مكة إلى المدينة، جعلَ الرجلُ یقول لأبیه،
والأبُ لابنه، والأخُ لأخيه، والرجل لزوجته: إنا قد أُمِرنا بالهجرة، فمنهم مَن تَسَارَع
لذلك، ومنهم مَن أَبَى أن يهاجر. فيقول: والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة لا
أنفعكم ولا أنفقُ عليكم شيئاً أبداً. ومنهم مَن تتعلَّق به امرأتُه وولده ويقولون له:
أَنشُدكَ بالله ألَّ تخرجَ فنضيع بعدك، فمنهم مَن يَرقُّ، فَيَدَعُ الهجرةَ ويقيم معهم،
فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ أَسْتَحَبُواْ أَلْكُفْرَ
عَلَى الْإِيمَنْ﴾(٢). يقول: إن اختاروا(٣) الإقامةَ على الكفر بمكة على الإيمان بالله
والهجرة إلى المدينة. ﴿وَمَن يَتَوَلَّم ◌ِنَّكُمْ﴾ بعد نزول الآية ﴿فَوْلَيْكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ثم نزل في الذين تخلَّفوا ولم يهاجروا: ﴿قُلٌ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ
وَأَزْوَجْدٌ وَعَثِيرَتُهُ﴾ (٤) وهي الجماعة التي ترجع إلى عَقْدٍ واحدٍ؛ كعقدِ العِشرة فما زاد،
(١) في صحيحه (٢٦٢٠)، وسلف ١٤/٦، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٨٩٥/٢.
(٢) ذكره أبو الليث في التفسير ٢/ ٤٠، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٤٢ بنحوه عن الكلبي. وذكره
البغوي ٢٧٧/٢ عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
(٣) قوله: إن اختاروا، من (م).
(٤) أسباب النزول للواحدي ص٢٤٢ .