Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة الأنفال: الآيتان ٤٦ - ٤٧ الكفار(١)، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُفْلِكَتْ عاد بالدَّبُور))(٢). قال الحَكّم: ((وتَذْهِبَ ريحكُم)) يعني الصَّبا؛ إذ بها نُصر محمد عليه الصلاة والسلام وأمّتُه. وقال مجاهد: وذهبت ريحُ أصحاب محمد 8# حين نازعوه يومَ أحَد(٣). قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ أمرٌ بالصبر، وهو محمودٌ في كلِّ المَواطِن؛ وخاصَّةً موطنَ الحرب، كما قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَتْبُتُوا﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ يعني أبا جهل وأصحابَه الخارجين يوم بدر لنُصرة العِير؛ خرجوا بالقِيَان والمغنّاتِ والمعازف، فلما وردوا الجُحْفةَ بعث خُفَافُ الكِنانيُّ(٤) - وكان صديقاً لأبي جهل - بهدايا إليه مع ابنٍ له، وقال: إن شئتَ أمددتُك بالرجال، وإن شئتَ أمددتُك بنفسي مع مَن خفَّ من قومي. فقال أبو جهل: إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد؛ فوالله ما لنا بالله من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس؛ فوالله إنَّ بنا على الناس لقوّةً، واللهِ لا نرجع عن قتال محمد حتى نَرِدَ بدراً، فنشربَ فيها الخمور، وتعزف علينا القِيان، فإن بدراً موسم من مواسم العرب، وسوقٌ من أسواقهم، حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخِرَ الأبد(٥). فَورَدُوا بدراً، ولكنْ جرى ما جرى من هلاكهم. (١) تفسير البغوي ٢٥٣/٢، وأخرجه عن ابن زيد الطبري ٢١٥/١١ - ٢١٦ . (٢) أخرجه أحمد (٢٠١٣)، والبخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد سلف ٤٩٩/٢. الصَّبا: الريح الشرقية، والدَّبُور: الريح الغربية. إكمال المعلم ٣٢٨/٣. (٣) المحرر الوجيز ٥٣٦/٢ - ٥٣٧، وخبر مجاهد في تفسيره ٢٦٤/١، وأخرجه الطبري ٢١٥/١١ . (٤) هو خفاف بن إيماء الغفاري ذكره ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ١/ ٦٢١، والطبري في التاريخ ٤٤١/٢، وابن كثير في البداية والنهاية ٨٤/٥، وذكروا أن الذي بعث بالهدايا هو خفاف أو أبوه إيماء ابن رحضة، وقال الحافظ في الإصابة ١٤٧/٣: له ولأبيه صحبة، وتوفي في خلافة عمر أو قبل ذلك. (٥) من قوله: والله لا نرجع عن قتال محمد ... ، أخرجه الطبري ٢١٧/١١ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٤٢ سورة الأنفال: الآيتان ٤٧ - ٤٨ والبَطَر في اللغة: التقويةُ بنعم الله عزَّ وجلَّ وما ألبسه من العافية على المعاصي. وهو مصدرٌ في موضع الحال(١)، أي: خرجوا بَطِرِين مُرائين صادِّين. وصدُّهم إضلالُ الناس. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمّ فَلَمَا تَرَاءَتِ الْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِ بَرِىٌّ ◌ِّنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اَللّه وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ ٤٨ رُويَ أنَّ الشيطانَ تَمثَّل لهم يومئذ في صورة سُراقةً بن مالك بن جُعْشُم، وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم؛ لأنهم قتلوا رجلاً منهم. فلما تمثّل لهم قال ما أخبر الله به عنه(٢). وقال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده، وألقى في قلوبهم أنهم لن یُهزموا وهم يقاتلون علی دین آبائهم(٣). وعن ابن عباس قال: أَمدَّ الله نبيَّه محمداً :﴿ والمؤمنين بألفٍ من الملائكة، فكان جبريل عليه السلام في خمس مئة من الملائكة مُجَنِّبة، وميكائيل في خمس مئة من الملائكة مُجَنِّبة. وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه رايةٌ في صورة رجال من بني مُذْلِج، والشيطان في صورة سراقةً بن مالك بن جُعْشم. فقال الشيطان للمشركين: لا غالبَ لكم اليوم من الناس وإِنِّي جار لكم. فلما اصطفَّ القومُ قال أبو جهل: اللهم أَوْلانا بالحق فانصره. ورفع رسولُ الله # يده فقال: ((يا رَبّ إن تَهلك(٤) هذه العصابةُ (١) إعراب القرآن للنحاس ١٨٩/٢. (٢) السيرة النبوية لابن هشام ٦١٢/١. وينظر ما ذكره الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير ٣٤/٩ - ٣٥ عن خروج سراقة بن مالك في قومه لنصرة المشركين، ثم انخذاله عنهم بتقدير من الله عزَّ وجلَّ ليتمّ نصرُ المسلمین. (٣) معاني القرآن للنحاس ١٦٢/٣. (٤) في (خ) و(د) و(م): يا رب إنك إن تهلك. ٤٣ سورة الأنفال: الآية ٤٨ فلن تُعبد في الأرض أبداً)). فقال جبريل: ((خُذْ قبضةً من التراب)). فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينَيْه ومِنخَرَيْه وفمه. فولَّوْا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس، فلما رآه وكانت(١) يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده ثم ولی مدبراً وشِيعَتُه؛ فقال له الرجل : یا سُراقة! ألم تزعُم أنك لنا جارٌ؟ قال: إني بريءٌ منكم؛ إني أرى ما لا تَرَوْن. ذكره البيهقيُّ وغيره(٢). وفي مُوَّأ مالك عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز: أنَّ رسولَ الله ﴾ قال: «ما رؤي الشيطانُ يوماً (٣) هو فيه أصغرُ ولا أحقرُ ولا أَدْحَرُ ولا أَغْيَظُ منه في يوم عرفةَ، وما ذاك إلا لِمَا رأى (٤) من تَنَزُّل الرحمةِ، وتجاوزِ الله عن الذنوب العظام، إلا ما رأى يومَ بدر)». قيل: وما رأى يومَ بدرٍ يا رسول الله؟ قال ((أمَا إنَّه رأى جبريلَ يَزَعُ الملائكة)»(٥). ومعنى نكص: رجع، بلغة سُليم. عن مؤرِّجٍ وغيره. وقال الشاعر: ليس النكوصُ على الأدبار مَكْرُمةً إنَّ المكارمَ إقدامٌ على الأَسَل(٦) وقال آخر : ولا ضرَّ أهلَ السابقاتِ التقدُّمُ (٧) وما ينفع المستأخرين نكوصُهمْ (١) في النسخ: كانت، والمثبت من المصادر. (٢) دلائل النبوة ٧٨/٣ - ٧٩، وأخرج بعضه الطبري ٢٢١/١١، وابن أبي حاتم ١٧١٥/٥ (٩١٥٧). (٣) في (د) و(م): ما رأى الشيطان نفسه يوماً. (٤) في النسخ الخطية: یری. (٥) الموطأ ٤٢٢/١، وهو مرسل من هذا الوجه، ووصله البيهقي في الشعب (٤٠٧٠) بإسناد ضعيف. قوله: يزع الملائكة، أي: يرتبهم ويسويهم ويصفُّهم للحرب. النهاية (وزع). (٦) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٨/٢، والكلام منه. والأسَل: الرماح والنبل. تهذيب اللغة ٧٥/١٣. (٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٢٥/٢ . ٤٤ سورة الأنفال: الآيات ٤٨ - ٥١ وليس هاهنا فَهْقَرى بل هو فرار، كما قال: ((إذا سَمِع الأذانَ أَذْبرَ وله ضُراط))(١). ﴿إِنّ ◌َخَافُ اَللَّهَ﴾ قيل: خاف إبليس أن يكونَ يومُ بدر اليومَ الذي أُنْظِر إليه. وقيل: كذب إبليسُ في قوله: إني أخاف الله، ولكنْ عَلم أنه لا قوةً له(٢). ويُجمع جار على أجوار وجِيران، وفي القليل: جِيرةٍ(٣). قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُّ غَزَّ هَوَّلَاءِ دِينُهُمّ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَإِنَ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) قيل: المنافقون: الذين أظهروا الإيمانَ وأبطنوا الكفرَ، والذين في قلوبهم مرض: الشاكُّون، وهم دون المنافقين؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وفيهم بعضُ ضعفٍ نيةٍ. قالوا عند الخروج إلى القتال وعند التقاء الصفَّين: غَرَّ هؤلاءِ دينُهم. وقيل: هما واحد، وهو أوْلى، ألَا ترى إلى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيٍّ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٣ ٤] وهما لواحد (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ يَتَوَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَبِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ، ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ بِظََّبٍ لِلْمُبِيدِ @ قيل: أراد من بقيَ(٥) ولم يُقتل يوم بدر. وقيل: هي فیمن قُتل بیدر. وجواب (لو)) محذوف، تقديره: لرأيتَ أمراً عظيماً. ﴿يَضْرِبُونَ﴾ في موضع الحال(٦). (١) سلف ٨/ ٧١. (٢) وهذا قول قتادة كما أخرجه عنه الطبري ٢٢٣/١١، والقول الذي قبله ذكره الزجاج في معاني القرآن ٤٢١/٢، ونقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٩/٢ وقال: ويقويه أنه - أي إبليس - رأى خّرْق العادة ونزول الملائكة للحرب. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٩٠/٢. (٤) المصدر السابق. (٥) في (ظ): يتوفى. (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٩٠/٢. ٤٥ سورة الأنفال: الآيتان ٥٠ - ٥١ ﴿وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ أي: أستاههم، كنى عنها بالأدبار. قاله مجاهد وسعيد بن جُبير(١). الحسن: ظهورهم، وقال: إنَّ رجلاً قال لرسول الله ﴾: يا رسول الله، إنِّي رأيت بظهر أبي جهلٍ مثلَ الشِّراك! قال: ((ذلك ضربُ الملائكة))(٢). وقيل: هذا الضرب يكون عند الموت، وقد يكون يومَ القيامة حين يصيرون بهم إلى النار(٣). ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ قال الفرَّاء(٤): المعنى: ويقولون: ذوقوا، فحذف. وقال الحسن: هذا يومَ القيامة، تقول لهم خَزَنُ جهنم: ذوقوا عذابَ الحريق. ورُويَ(٥) في بعض التفاسير: أنه كان مع الملائكة مقامِعُ من حديد، كلَّما ضَربوا الْتَهبتْ النارُ في الجراحات، فذلك قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾(٦). والذَّوق يكون محسوساً ومعنّى، وقد يوضع موضعَ الابتلاء والاختبار، تقول: إِركب هذا الفرسَ فذُقْه، وانظر فلاناً فذُقْ ما عنده. قال الشمَّاخ يصف قوساً(٧): فذاق فأعطَتْهُ من اللِّين جانباً كفَى ولها أنْ يُغْرِقَ السهمَ حاجِزُ (٨) وأصله من الذَّوْق بالفم. (١) أخرجه عنهما الطبري ٢٣٠/١١. (٢) أخرجه الطبري ٢٣٠/١١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٩٠/٢. (٤) في معاني القرآن ١/ ٤١٣ . (٥) في النسخ غير (ظ): ورُوي أنَّ. (٦) تفسير البغوي ٢٥٦/٢ . (٧) في النسخ: فرساً، والصواب ما أثبتناه. (٨) ديوان الشماخ ص ١٩٠، والمعاني الكبير ٢/ ١٠٤٢، وتهذيب اللغة ٢٦٣/٩، ومقاييس اللغة ٣٦٥/٢. قال ابن قتيبة: ذاق يعني: راز ونظر. كفى، أي: وكفى ذلك اللين منها، وإن أراد أن يغرق النبل فيها منعت ذلك، أي: فيها لين وشدة. وقال ابن فارس: يقال: ذاق القوس: إذا نظر ما مقدارُ إعطائها، و کیف قوتُها. ٤٦ سورة الأنفال: الآيات ٥٠ - ٥٣ ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع رفع، أي: الأمرُ ذلك. أو: ذلك جزاؤكم. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِيكُمْ﴾ أي: اكتسبتم من الآثام. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ إذ قد أوضح السبيلَ وبعث الرسلَ، فلِمَ خالفتُم؟ و ((أنَّ) في موضع خفضٍ عطف على ((ما))، وإنْ شئت نَصَبْتَ، بمعنى: وبأنَّ، وحذفت الباء، أو بمعنى: وذلك أنَّ الله. ويجوز أن يكون في موضع رفعٍ نسقاً على ذلك(١). قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنٌ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِئَايَتِ اَللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِزَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْمِقَابِ الدَّأُبُ: العادة. وقد تقدَّم في ((آل عمران))(٢)، أي: العادةُ في تعذيبهم عند قَبْضٍ الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون(٣). وقيل: المعنى: جُوزيَ هؤلاء بالقتل والسَّبْي كما جُزيّ آلُ فرعون بالغرق، أي: دأبُهم كدأب آل فرعون(٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمٌّ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ (٥٣) تعليلٌ، أي: هذا العقاب؛ لأنهم غيَّروا وبدَّلوا، ونعمةُ الله على قريش الخِصْبُ والسَّعَة، والأمن والعافية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧] وقال السُّدّيّ: نعمةُ الله عليهم محمدٌ ﴾، فكفروا به، فتُقل إلى المدينة، وحَلَّ بالمشركين العقابُ(٥). (١) إعراب القرآن للنحاس ١٩١/٢. (٢) ٥/ ٣٥. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٩١. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤٢٠/٢ . (٥) أخرجه الطبري ٢٣٣/١١ . ٤٧ سورة الأنفال: الآيات ٥٤ - ٥٧ قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ (D٤ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَّ وَّكُلُّ كَانُواْ ظَلِمِينَ ليس هذا بتكرير؛ لأنَّ الأوّلَ للعادة في التعذيب(١)، والثاني للعادة في التغيير، وباقي الآية بیِّن. الَّذِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (@) عَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: مَنْ يَدِبُّ على وجه الأرض في علم الله وحُكمِه ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. نظيرُه: ﴿اُلُّمُّ الْبَّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]. ثم وصَفَهم فقال: ﴿الَّذِينَ عَدَتَّ مِنْهُمْ ثَُ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّقِ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون الانتقامَ. و(مِن)) في قوله ((منهم)) للتبعيض؛ لأنَّ العهدَ إنما كان يجري مع أشرافهم، ثم ينقضونه. والمعنيُّ بهم: قُريظةُ والنَّضِيرُ؛ في قول مجاهد وغيره(٢). نقضوا العهدَ، فأعانوا مشركي مكةً بالسلاح، ثم اعتذروا فقالوا: نسينا، فعاهدهم عليه الصلاة والسلام ثانيةً، فنقضوا يومَ الخندق(٣). قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ OV شرطٌ وجوابه. ودخلت النون توكيداً لمّا دخلت ((ما))؛ هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: تدخل النونُ الثقيلةُ والخفيفةُ مع ((إِمَّا)) في المجازاة؛ للفَرْق بين المجازاة والتخيير (٤). (١) في النسخ: التكذيب، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ١٩١/٢، والكلام منه. (٢) أخرجه الطبري ٢٣٥/١١ بذكر بني قريظة فقط، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٢/٢: أجمع المتأولون أن الآية نزلت في بني قريظة، وهي بعدُ تعمُّ كل مَن اتّصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة. (٣) ذكره أبو الليث في تفسيره ٢/ ٢٣ عن ابن عباس، وذكره البغوي ٢/ ٢٥٧ عن مقاتل والكلبي. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٩١/٢. ٤٨ سورة الأنفال: الآية ٥٧ ومعنى ((تثقفتَّهم)): تأسِرُهم وتجعلُهم(١) في ثِقَاف، أو تلقاهم بحالٍ ضَعْفٍ تَقْدِرُ عليهم فيها وتغلبُهم. وهذا لازمٌ من اللفظ؛ لقوله: ((في الحرب))(٢). وقال بعض الناس: تصادفُهم(٣) وتلقاهم؛ يقال: ثَقِفْتُه أَتْقَفُه ثَقْفاً، أي: وجدتُه. وفلانٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، أي: سريع الوجود لِمَا يحاولُه ويطلبُه. وثَقْفٌ لَقْفٌ. وامرأة ثَقاف(٤). والقولُ الأوّلُ أَوْلى؛ لارتباطه بالآية(٥) كما بيًَّا. والمصادَف قد يُغلَب؛ فيُمْكِن التشريدُ به، وقد لا يُغلب. والثِّقَاف في اللغة: ما تُشدُّ به القناة ونحوُها(٦). ومنه قول النابغة : تدعو قُعَيناً وقد عَضَّ الحديدُ بها عَضَّ الثِّقافِ على صُمِّ الأنابيبِ(٧) ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنَ خَلْفَهُمْ﴾ قال سعيد بن جُبير: المعنى: أنذِرْ بهم مَن خَلْفَهُم(٨). قال أبو عبيد: هي لغة قريش؛ شَرِّدْ بهم: سَمِّعْ بهم. وقال الضحاك: نَكِّلْ بهم(٩). الزجاج(١٠): افْعَلْ بهم فِعْلاً من القتل تُفرِّقْ به مَن خَلْفَهُم. والتشريد في اللغة: التبديدُ والتفريق؛ يقال: شرَّدتُ بني فلان: قلعتُهم عن (١) في (ظ): وتحصلهم. (٢) المحرر الوجيز ٥٤٢/٢ . (٣) في النسخ غير (د): تصادفتَّهم. (٤) أي: فَطِنة. القاموس (ثقف)، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٨٦٠/٢. (٥) في (خ): لارتباط الآية. (٦) المحرر الوجيز ٥٤٢/٢، وقال الجوهري في الصحاح (درب): الثقاف خشبة تشد بها الرماح. (٧) ديوان النابغة الذبياني ص١٦ . عض الثقاف بأنابيب الرمح، وعض عليها: لزمها. معجم متن اللغة ٤/ ١٣٠ وقُعین حي في بني أسد، وقُعين أيضاً في قيس بن عيلان. اللسان (قعن). (٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٦١، والطبري ٢٣٧/١١. (٩) معاني القرآن للنحاس ١٦٤/٣، وقول الضحاك أخرجه الطبري ٢٣٨/١١. (١٠) في معاني القرآن له ٤٢٠/٢ . ٤٩ سورة الأنفال: الآية ٥٧ مواضعهم وطردتُهم عنها حتى فارقوها. وكذلك الواحد: تقول: تركتُه شريداً عن وطنه وأهله؛ قال الشاعر من هُذيل(١): أُطَوِّفُ في الأباطح كلَّ يومٍ مخافةَ أن يُشرِّدَ بي حكِيمُ(٢) ومنه: شَرَدَ البعير والدابَّة: إذا فارقَ صاحبه. و((مَن)) بمعنى الذي؛ قاله الكسائيّ(٣). ورويَ عن ابن مسعود: ((فَشَرِّد)) بالذال المعجَمَةِ (٤)، وهما لغتان. وقال قُطْرُب: التشريذ بالذال المعجمة: التنكيل، وبالدال المهملة: التفريق. حكاه الثعلبيُّ. وقال المَهْدَوِيّ: الذال لا وجَه لها، إلا أن تكون بدلاً من الدال المهملة لتقارُبهما، ولا يُعرف في اللغة ((فشرذ))(٥). وقرئ: ((مِن خَلْفِهم)) بكسر الميم والفاء(٦). ﴿لَعَلَّهُمْ يَّذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتذكّرون تَوتُدَكَ(٧) إياهم. وقيل: هذا يرجع إلى ((مَن خَلْفَهم))؛ لأنَّ مَن قُتل لا يتذكر، أي: شرِّد بهم مَنْ خلفَهم: مَن عَمِلَ بمثل عملهم. (١) كذا قال، والشاعر من قريش كما سيرد، وليس من هذيل. (٢) في (د): يشرِّدني حكيم، وهي رواية، والبيت قائله الحارث بن أمية الأصغر كما في أخبار مكة للأزرقي ٢٤٢/٢، وأخبار مكة للفاكهي ٢٨١/٣، والمنمق لابن حبيب ص٢٨٦ . وحكيم هو ابن أميةً ابن حارثة السلمي حليف بني أمية، وكانت قريش قد استعملته على سفهائها، فأحدث الحارث بن أمية الأصغر حدثاً، فطلبه حكيم ففرَّ منه، فهدم داره، فقال الحارث هذا البيت. وذكره ياقوت في معجم البلدان ١٤٧/٥ برواية: أطوف بالمطابخ، وقال: المطابخ موضع في مكة مذكور في قصة تبع. وقال ابن الأثير في أسد الغابة ٤٣/٢ : حكيم بن أمية أسلم قديماً بمكة. .(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٩١/٢. (٤) القراءات الشاذة ص ٥٠، وذكرها ابن جني في المحتسب ١/ ٢٨٠ عن الأعمش. (٥) قال نحوه ابن جني في المحتسب ١/ ٢٨٠، وقال الزمخشري في الكشاف ١٦٥/٢: وكأنه مقلوبُ شَذَر من قولهم: ذهبوا شَذّر مّذّر، ومنه الشَّذّر الملتقط من المعدن لتفرُّقه. (٦) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥٠ عن أبي حَيْوة. قال أبو حيان في البحر ٥٠٩/٤ : مفعول فشرد محذوف، أي: ناساً من خلفهم. (٧) في (د): توعد، وفي باقي النسخ: بوعدك، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ١٩٢/٢ والكلام منه. ٥٠ سورة الأنفال: الآية ٥٨ قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَّخَافَ مِن قَوْرٍ خِيَانَةٌ فَنَئِذٍ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَلَهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ (٥٨) اْقَآيِنِينَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوٍَّ خِيَانَةٌ﴾ أي: غِشَّا ونقضاً للعهد. ﴿فَئِذٍ إِلَيْهِمْ عَى سَوَاءٍ﴾ وهذه الآية نزلت في بني قريظة(١)، وحكاه الطبري(٢) عن مجاهد. قال ابن عطية (٣): والذي يظهر من ألفاظ القرآن أنَّ أمر بني قريظة انقضى عند قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنَّ خَلْفَهُمْ﴾، ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بأمره فيما يصنعه في المستقبل مع مَن يَخافُ منه خيانة [إلى سالف الدهر، وبنو قريظة لم يكونوا في حدٍّ مَن تُخاف خيانتُه] فترتَّبَ فيهم هذه الآية، وإنما كانت خيانتُهم ظاهرةً [مُشْتَهِرة]. الثانية: قال ابن العربيّ(٤): فإن قيل: كيف يجوز نقضُ العهد مع خوف الخيانة، والخوفُ ظنٍّ لا يقينَ معه، فكيف يسقط يقينُ العهد مع ظنٍّ(٥) الخيانة؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ الخوفَ قد يأتي بمعنى اليقين، كما قد يأتي الرجاء بمعنى العلم، قال الله تعالى: ﴿َّا لَكُمْ لَا نَرَّجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. الثاني: إذا ظهرت آثارُ الخيانة وثبتت دلائلُها؛ وَجَب نبذُ العهد؛ لئلا يُؤْقِع التمادي عليه في الهَلَكة، وجاز إسقاطُ اليقين هنا [بالظن] ضرورة. وأما إذا عُلم اليقين؛ فيستغنى عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبيُّ # إلى أهل مكة عامَ الفتح؛ لمَّا اشْتَهر منهم نقضُ العهد من غير أن ينبِذ إليهم عهدَهم. (١) بعدها في (م): وبني النضير. (٢) في تفسيره ٢٣٩/١١ . (٣) في المحرر الوجيز ٢/ ٥٤٣، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٨٦٠ ، وما سیرد بین حاصرتين منه. (٥) في أحكام القرآن: بظن، بدل: مع ظن. ٥١ سورة الأنفال: الآية ٥٨ والنَّبْذُ: الرَّمْيُ والرَّفْض. قال الأزهريّ(١): معناه: إذا عاهدتَ قوما، فَخِفْتَ(٢) منهم النقضَ بالعهد، فلا تُؤْقِع بهم سابقاً إلى النقض حتى تُلقيَ إليهم أنك قد نقضتَ العهد والمُوادَعة؛ فيكونوا [معك] في علم النقض مستوين، ثم أَوْقِع بهم. قال النحاس: هذا مِنْ مُعْجِز ما جاء في القرآن، مما لا يوجد في الكلام مثلُه على اختصاره وكثرة معانيه. والمعنى: وإما تخافَنَّ من قوم - بينك وبينهم عهدٌ - خيانةً، فانبِذْ إليهم العهد، أي: قُلْ لهم: قد نبذتُ إليكم عهدَكم، وأنا مُقاتِلُكم؛ ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواءً، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهدٌ وهم يثقون بك(٣)؛ فيكون ذلك خيانةً وغدراً، ثم بيَّن هذا بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الَْيْنِينَ﴾. قلت: ما ذكره الأزهريُّ والنحاس من إنباذ العهد مع العلم بنقضه يردُّه فعلُ النبيِّ # في فتح مكة؛ فإنهم لمَّا نقضوا؛ لم يوجِّه إليهم، بل قال: ((اللَّهُمَّ اقْطَعْ خَبرَنَا عنهم))(٤). وغزاهم. وهو أيضاً معنى الآية؛ لأنَّ في قطع العهد منهم ونكثه مع العلم به حصولَ نقضٍ عهدِهم والاستواء معهم، فأما مع غير العلم بنقض العهد منهم، فلا يَحِلُّ ولا يجوز. روى الترمذِيُّ وأبو داود عن سُلَيْم بن عامر قال: كان بين معاويةَ والرومِ عهدٌ، (١) في تهذيب اللغة ١٤/ ٤٤١، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) في النسخ: فعلمتَ، والمثبت من تهذيب اللغة، وهو الأشبه، وقد نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٧٩/٦ كلام الأزهري هذا، وفيه: فخشيت. (٣) في (د) و(ز) و(ظ): يتقونك. (٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وهو بنحوه في سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٧، وطبقات ابن سعد ١٣٤/٢ والثقات لابن حبان ٤٠/٢، وتاريخ الطبري ٤٧/٣، وأخرج نحوه البيهقي في دلائل النبوة ٧/٥ من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، و ١١/٥ عن موسى بن عقبة. والطبراني في الكبير ٢٣/ (١٠٥٢) من حديث ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها. قلنا: وما ذكره المصنف عن الأزهري والنحاس من إنباذ العهد مع العلم بنقضه، فإن قولهما إنما هو في حال الخوف من الخيانة وتوقّعها كما سلف ذكر ذلك عنهما، وليس في حال العلم بحصولها - كما كان عليه الحال في فتح مكة - فلا يخالف قولُهما فعلَ رسول الله في فتح مكة. وينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ١٦٢. ٥٢ سورة الأنفال: الآية ٥٨ وكان يسيرُ نحو بلادهم ليقرُب؛ حتى إذا انقضى العهدُ غزاهم؛ فجاءه رجلٌ على فرسٍ أو بِرْذَوْنٍ وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، [وفاءٌ لا غدرٌ]. فنظروا؛ فإذا هو عمرو بن عَبَسَةٍ(١)، فأرسل إليه معاويةُ فسأله، فقال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((مَنْ كان بينه وبين قومٍ عهدٌ، فلا يشدَّ عُقْدَةً ولا يَحُلَّها حتى ينقضيَ أمدُها، أويَنِذَ إليهم على سواء)». فرجع معاوية بالناس. قال الترمذيُّ: هذا حديث حسن صحيح(٢). والسَّواء: المساواة والاعتدال. وقال الراجز: حتى يُجيبوك إلى السَّوَاءِ (٣) فاضْرِبْ وجوهَ الغُدَّرِ الأعداءِ وقال الكسائيُّ: السَّواء: العَدْل(٤). وقد يكون بمعنى الوَسَط، ومنه قوله تعالى: ﴿فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]. ومنه قول حسان(٥): يا وَيْحَ أنصارٍ (٦) النَّبيِّ ورَهْطِهِ بعدَ المُغَيَّبِ في سواء المُلْحَدِ الفرّاء(٧): ويقال: ((فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءِ»: جَهْراً لا سِرًّا. الثالثة: روى مسلم عن أبي سعيد الخُدرِيِّ قال: قال رسول اللـه﴾: ((لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة؛ يُرفع له بقَدْر غَدْرِه (٨)، أَا ولا غادِرَ أعظمُ غَدْراً من أميرٍ عامَّةٍ))(٩). (١) في النسخ: عنبسة، والصواب ما أثبتناه. (٢) سنن الترمذي (١٥٨٠)، وسنن أبي داود (٢٧٥٩)، وما بين حاصرتين منهما. وهو عند أحمد (١٧٠١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٦٧٩). (٣) هو في غريب الحديث للخطابي ١٨٧/٢، وأحكام القرآن للجصاص ٦٧/٣، والمحرر الوجيز ٢/ ٥٤٤ والكلام منه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٩٢ . (٥) في ديوانه ص٥٨، وسلف ٢/ ٣١٢ . (٦) في (د) و(ز) و(م): أصحاب. (٧) في معاني القرآن ١/ ٤١٤ . (٨) في (ظ) و(د): غدرته. (٩) صحيح مسلم (١٧٣٨)، وهو عند أحمد (١١٤٢٧). ٥٣ سورة الأنفال: الآيتان ٥٨ - ٥٩ قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما كان الغدرُ في حقِّ الإمام أعظمَ وأفحشَ منه في غيره لِمَا في ذلك من المَفْسَدة؛ فإنَّهم إذا غدَروا وعُلم ذلك منهم ولم ينبِذوا بالعهد، لم يأمنهم العدوُّ على عهد ولا صلح، فتشتدُّ شوكتُه ويعظُمُ ضررُه، ويكون ذلك منقِّراً عن الدخول في الدِّين، وموجباً لذمِّ أئمة المسلمين. فأمَّا إذا لم يكن للعدوِ عهدٌ، فينبغي أن يُتْحَيَّلَ عليه بكل حيلة، وتُدارَ عليه كلُّ خديعة. وعليه يُحمل قولُه ◌ِ﴾: (الحرب خُذعة))(١). وقد اختلف العلماء؛ هل يُجاهَد مع الإمام الغادر؛ على قولين؛ فذهب أكثرُهم إلى أنه لا يقاتَل معه، بخلاف الخائن والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. والقولان في مذهبنا(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَغَرُواْ سَبَقُوْاْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ٥٩٦ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ أي: مَنْ أفلتَ من وقعة بدر سَبَقَ إلى الحياة. ثم استأنف فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي: في الدنيا حتى يُظْفِرِك الله بهم. وقيل: يعني في الآخرة. وهو قول الحسن. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة: ((يَحْسَبَنَّ)) بالياء، والباقون بالتاءِ(٣)، على أنْ يكون في الفعل ضميرُ الفاعل، و((الذين كفروا)) مفعول أوّل، و((سَبَقُوا)» مفعول ثان. وأما قراءة الياء فزَعَم جماعة من النحويين - منهم أبو حاتم - أنَّ هذا لحنٌ لا تَحِلُّ القراءة به، ولا يُسمع(٤) لمن عَرَف الإعراب أو عُرِّفه(٥). قال أبو حاتم: لأنه لم يأت (١) المفهم ٥٢١/٣، والحديث أخرجه أحمد (١٤١٧٧)، والبخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وقوله: خُدعة؛ يُروى بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال، وبضمها مع فتح الدال. النهاية (خدع). (٢) المفهم ٥٢١/٣ . (٣) وفتحَ السين من قرأ بالياء، وكسرَها من قرأ بالتاء، غير شعبة، فإنه فتحّها. السبعة ص٣٠٧، والتيسير ص١١٧ . (٤) في النسخ: ولا تسع، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ١٩٢/٢ والكلام منه. (٥) في (ظ): أو فرقه. ٥٤ سورة الأنفال: الآية ٥٩ لـ ((يحسبنَّ)) بمفعول، وهو يحتاج إلى مفعولين. قال النحاس(١): وهذا تَحامُلٌ شديد، والقراءة تجوز، ويكون المعنى: ولا يحسبنَّ مَن خَلْفَهم الذين كفروا سبقوا، فيكون الضمير يعود على ما تقدَّم، إلا أنَّ القراءة بالتاء أَبْيَن. المَهْدوِيُّ: ومَن قرأ بالياء احْتَمَل أن يكون في الفعل ضميرُ النبيِّ #، ويكون ((الذين كفروا سبقوا)) المفعولين. ويجوز أن يكون ((الذين كفروا)) فاعلاً، والمفعول الأوّل محذوف، المعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنفُسَهم سبقوا. مَكِّي(٢): ويجوز أن يُضمَر مع ((سبقوا)): أنْ، فيسدّ مسدَّ المفعولين، والتقدير: ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنْ سبقوا؛ فهو مثل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ﴾ [العنكبوت: ٢] في سدِّ أنْ مسدّ المفعولين. وقرأ ابن عامر: ((أَنَّهم لا يُعجزون)) بفتح الهمزة(٣)، واستبعد هذه القراءةً أبو حاتم وأبو عُبيد. قال أبو عبيد: وإنَّما يجوز على أن يكون المعنى: ولا تحسبنَّ الذين كفروا أنهم لا يُعجزون. قال النحاس(٤): الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحویین البصریین، [لا يجوز:] حسبت زيداً أنه خارج، إلا بكسر إنَّ(٥)، وإنما لم يجز لأنه في موضع المبتدأ(٦)، كما تقول: حسبت زيداً [أبوه خارج. ولو فتحتَ لصار المعنى: حسبت زيداً] خروجَه. وهذا محال. وفيه أيضاً من البعد أنه لا وجهَ لِمَا قاله يصحُّ به معنًى، إلا أن يجعل ((لا)) زائدة، ولا وجهَ لتوجيه حرفٍ في كتاب الله عزَّ وجلَّ إلى التطوُّل(٧) بغير حجة يجب التسليمُ لها. والقراءة جيدةُ على أن يكون المعنى: لأنهم لا يعجزون. (١) في إعراب القرآن ٢/ ١٩٢. (٢) في الكشف عن وجوه القراءات ٤٩٥/١ (٣) السبعة ص٣٠٨، والتيسير ص ١١٧ . (٤) في إعراب القرآن ١٩٣/٢، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه. (٥) في (د) و(م): بكسر الألف. (٦) يعني أن مفعول حسب إذا كان جملة وكان مفعولاً ثانياً، كانت إن فيه مكسورة؛ لأنه موضع ابتداء وخبر. الدر المصون ٦٢٦/٥ . (٧) يعني الزيادة. ينظر حاشية تفسير الطبري بتحقيق الشيخ محمود شاكر رحمه الله ٣٠/١٤. ٥٥ سورة الأنفال: الآيتان ٥٩ - ٦٠ مَكِّيٌّ (١): فالمعنى: لا يحسبنَّ الكفارُ أنفسَهم فاتوا لأنهم لا يُعْجِزون، أي: لا يفوتون. فـ ((أنَّ) في موضع نصبٍ بحذفِ اللام، أو في موضع خفضٍ على إعمال اللام؛ لكثرة حذفها مع ((أنّ)، وهو يُروى عن الخلیل والكسائيّ. وقرأ الباقون بکسر ((إن)) على الاستئناف والقطع مما قبله، وهو الاختيار؛ لِمَا فيه من معنى التأكيد، ولأن الجماعة عليه. ورُويَ عن ابن مُحِيْصِن أنه قرأ: ((لا يُعجِّزونٍ)) بالتشديد وكسر النون. النحاس(٢): وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن معنى عجَّزه: ضعَّفه وضعَّف أمره. والآخَر: أنه کان یجب أن یکون بنونین(٣). ومعنی أعجزه: سبقَه وفاته حتی لم یقدر علیه. قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ ◌ِهِ، عَدُوَ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمِّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَعِذُواْ لَهُم﴾ أمرَ الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوَّة(٤) للأعداء بعد أن أكَّد تَقْدِمةَ التقوى. فإنَّ الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام، والتَّغْلِ في وجوههم، وبحَفْنة من تراب كما فعل رسولُ اللـه *(٥). ولكنَّه أراد أن يبتَلِيَ بعضَّ (١) في الكشف عن وجوه القراءات ٤٩٤/١ . (٢) في معاني القرآن ١٦٥/٣ - ١٦٦، وما قبله منه. (٣) قال أبو حيان في البحر ٥١١/٤: أما كونه بنون واحدة فهو جائز لا واجب، وقد قرئ به في السبعة [يعني في مواضع]. وأما عجَّزني مشدّداً فذكر صاحب اللوامح أن معناه: بطَّأ وثبّط، قال: وقد يكون بمعنى: نسبني إلى العجز، والتشديدُ في هذه القراءة من هذا المعنى، فلا تكون القراءة خطأ كما ذكر النحاس. (٤) في (خ): العدة. (٥) سلف ص ٤٣ من هذا الجزء. ٥٦ سورة الأنفال: الآية ٦٠ الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ(١). وكلُّ ما تُعِدُّه لصديقك من خیر، أو لعدوّك من شرّ، فهو داخل في عُدَّتك. قال ابن عباس: القوّة هاهنا السلاح والقِيّ(٢). وفي «صحيح)) مسلم(٣) عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسولَ الله 8# وهو على المِنْبر يقول: ((وأعِدُّوا لهم ما استطعتُم من قوة، ألا إنَّ القوةَ الرّميُّ، ألا إنَّ القوةَ الرّميُّ، ألَا إنَّ القوةَ الرّميُ)). وهذا نصٌّ رواه عن عقبةً أبو عليٍّ ثمامةُ بن شُفَيٍّ الهَمْداني(٤)، وليس له في الصحيح غيره (٥). وحديث آخر في الرّمي عن عقبة أيضاً قال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((ستُفتحُ عليكم أَرَضُونَ، ويكفيكم الله، فلا يَعْجِزْ أحدُكم أن يَلُهُوَ بأَسْهُمِه))(٦). وقال﴾: ((كلُّ شيءٍ يَلْهُو به الرجلُ باطلٌ إلا رَمْيَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه، وملاعَبَتَهُ أهلَه، فإنه من الحقّ))(٧). ومعنى هذا والله أعلم: أنَّ كلَّ ما يتلقَّى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدةً، فهو باطل، والإعراضُ عنه أوْلى. وهذه الأمور الثلاثة، فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلقَّى بها ويَنْشَط، فإنها حقٌّ لاتصالها بما قد يفيد، فإنَّ الرميّ بالقوس وتأديبَ الفرس جميعاً من مَعاوِن القتال. وملاعبة الأهل (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٨٦١ . (٢) أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه كما في الدر المنثور ١٩٢/٣ بنحوه، وقِسيّ جمع قوس. (٣) برقم (١٩١٧)، وهو عند أحمد (١٧٤٣٢). (٤) الأُخْروجي، ويقال: الأصبحي، المصري، سكن الإسكندرية، توفي في خلافة هشام بن عبد الملك قبل العشرين ومئة. التهذيب ٢٧٤/١ . (٥) كذا قال المصنف، إلا أن مسلماً قد روى له في الجنائز أيضاً (٩٦٨) عن فضالة بن عبيد. وينظر رجال صحيح مسلم لابن مَنْجُويه ١/ ١١١ . (٦) أخرجه أحمد (١٧٤٣٣)، ومسلم (١٩١٨). قوله: ((فلا يعجز أحدكم أن يلهوّ بأسهمه))، أي: يجعل الرمي بدلاً من اللهو، فيندرج عليه ويشتغل به حتى لا ينساه ولا يغفل عنه فيأثم. المفهم ٣/ ٧٦٠. (٧) أخرجه أحمد (١٧٣٠٠)، وأبو داود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي في المجتبى ٢٢٢/٦-٢٢٣ من حديث عقبة أيضاً ﴾. قال الترمذي: حسن صحيح. ٥٧ سورة الأنفال: الآية ٦٠ قد تؤدِّي إلى ما يكون عنه ولدٌ يوحِّد الله ويعبده؛ فلهذا كانت هذه الثلاثةُ من الحقّ (١). وفي ((سنن)) أبي داود والترمذيِّ والنسائيِّ عن عقبة بن عامر عن النبيِّ ﴾: ((إنَّ الله يُدخل ثلاثةَ نفر الجنةَ بسهم واحد؛ صانعَه يحتسب في صنعته الخيرَ، والرامِيَ، ومُنَبِّلَه))(٢). وفضلُ الرّمي عظيم، ومنفعتُه عظيمة للمسلمين، ونِكايتُه شديدة على الكافرين. قال: ((يا بني إسماعيل، إِرْمُوا، فإنَّ أباكم كان رامياً))(٣). وتعلُّمُ الفروسِيّة واستعمالِ الأسلحة فرضُ كفاية، وقد یتعیَّن. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَبَاطِ الخَيْلِ﴾ وقرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو حَيْوَةَ: ((ومِن رُبُط الخيل)) بضمِ الراء والباء، جمع رِباط، ككتاب وكُتُب (٤). قال أبو حاتم عن أبي زيد(٥): الرِّباط من الخيل: الخَمْسُ فما فوقها، وجماعته رُبُط. وهي التي تُرتَبَط؛ يقال منه: رَبَط يَرْبِطِ رَبْطاً، وارتبط يرتبط ارتباطاً. ومَرْبِطٌ الخيل ومَرابِطُها: وهي ارتباطُها بإزاء العدوّ. قال الشاعر(٦): في الحرب إنَّ الله خيرُ موفِّقِ أَمَرَ الإلهُ برَبْطِها لِعَدُوِّه وقال مکحول بن عبد الله. تلومُ على رَبْطِ الچِياد وحَبْسِها وأوْصَى بها اللهُ النبيَّ محمداً (٧) (١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٣/ ٩٠ ، وشعب الإيمان للبيهقي إثر الحديث (٦٤٩٦). (٢) سنن أبي داود (٢٥١٣)، وسنن الترمذي (١٦٣٧)، وسنن النسائي (المجتبى) ٢٢٢/٦، وهو عند أحمد (١٧٣٠٠)، وقد سلفت قطعة منه قريباً. (٣) أخرجه أحمد (١٦٥٢٨)، والبخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع، وسلف ٦/ ١٠٣. (٤) المحرر الوجيز ٥٤٦/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥٠ عن الحسن. (٥) في (م): عن ابن زيد، والكلام في التمهيد ٤/ ٢٠٥. (٦) هو كعب بن مالك، والبيت في ديوانه ص١٩٦، والتمهيد ٢٠٥/٤ . (٧) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٠٦/٤ . ٥٨ سورة الأنفال: الآية ٦٠ ورباط الخيل فضلٌ عظيم ومنزلة شريفة. وكان لعُروةَ البارقيِّ سبعون فرساً مُعَدَّةً للجهاد(١). والمستحَبُّ منها الإناث؛ قاله عكرمة وجماعة. وهو صحيح؛ فإن الأنثى بطنها كنز وظهرُها عِزّ. وفرس جبريل كان أنثى(٢). وروى الأئمةُ عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((الخيل ثلاثة؛ لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سترٌ، ولرجلٍ وِزرٌ)) الحديث(٣). ولم يخصَّ ذكّراً من أنثى. وأجودُها أعظمُها أجراً وأكثرها نفعاً. وقد سئل رسولُ الله﴾: أيُّ الرِّقاب أفضلُ؟ فقال: ((أغلاها ثمناً، وأَنْفَسُها عند أهلها)» (٤). وروى النَّسائيُّ عن أبي وَهْب الجُشَمِيِّ - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله ﴾: ((تسمَّوا بأسماء الأنبياء، وأحبُّ الأسماء إلى الله عزَّ وجلَّ عبدُ الله وعبدُ الرحمن، وارتَبِطوا الخيلَ، وامسحُوا بنَواصيها وأكْفالها، وقلِّدوها ولا تقلُّدوها الأوتار، وعليكم بكلِّ كُمَيْتٍ أغرَّ مُحَجَّل، أو أشقرَ أغرَّ محجَّل، أو أدهمَ أغَرّ مُحَجَّل))(٥). (١) أخرجه أحمد إثر الحديث (١٩٣٥٥)، والبخاري إثر الحديث (٣٦٤٣) دون قوله: معدة للجهاد. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٨٦٣/٢ . (٣) سلف ٥/ ٥٢ . (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢١٣٣١)، والبخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤) عن أبي ذر ﴾. (٥) سنن النسائي (المجتبى) ٢١٨/٦ - ٢١٩، وهو عند أحمد (١٩٠٣٢)، وأبي داود (٢٥٤٣) و(٢٥٥٣). وهو من طريق محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبي وَهْب به. قال الذهبي في الميزان ٨٨/٣: عقيل بن شبيب عن أبي وهب الجشمي، لا يعرف هو ولا الصحابي إلا بهذا الحديث. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٤/ ٣٨٠: وعقيل المذكور غير معروف الحال، وكلُّ مّن رأيته ذكر أبا وهب في الصحابة فإنما ذكره بهذا الذي قال فيه عقيل هذا. وينظر علل ابن أبي حاتم ٣١٢/٢-٣١٣ . وقوله: «وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) له شاهد من حديث ابن عمر عند مسلم (٢١٣٢). قال السندي كما في حاشية مسند أحمد: ((وارتبطوا الخيل)) كناية عن تحصيلها وتسمينها للغزو. ((وامسحوا)): المقصود من المسح تنظيفُها من الغبار، وتَعَرُّفُ حال سِمَنِها، وقد يحصل به الأنس للفرس بصاحبه. ((وقلدوها)) أي: طلب إعلاء الدين والدفاع عن المسلمين. ((الأوتار)) جمع وتر بالكسر: وهو الدم، والمعنى: لا تقلدوها طلب دماء الجاهلية، أي: اقصدوا بها الخير ولا تقصدوا بها الشر. وقيل: جمع وَتَر بفتحتين: وهو وتر القوس. والكُمَيْت: هو الذي لونه بين السواد والحُمرة. ((أغر)): هو الذي في وجهه غُرة، أي: بياض. ((محجَّل)): الذي في قوائمه بياض. ((أشقر)) الشقرة في الخيل: هي الحمرة الصافية. ((أدهم)) أي: أسود. ٥٩ سورة الأنفال: الآية ٦٠ وروى الترمِذيُّ عن أبي قتادة، أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((خيرُ الخيل الأدهمُ الأقْرَحُ الأرْثَم، [ثم الأقرح المحجَّل] طَلْقُ اليمين، فإن لم يكن أدْهَم، فكُميتٌ على هذه الشِّيّة))(١). ورواه الدارميُّ عن أبي قتادة أيضاً، أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني أريد أن أشتريّ فرساً، فأيَّها أشتري؟ قال: ((اشترِ أدهمَ أرْثمَ محجَّلاً؛ طَلْقَ اليد اليمنى، أو من الكُمَيْت على هذه الشِّيَة، تَغْنمْ وتَسْلَمْ))(٢). وكان # يكره الشِّكال من الخيل. والشكال: أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياضٌ وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى. خرَّجه مسلم عن أبي هريرة﴾(٣). ويُذكر أنَّ الفرسَ الذي قُتل عليه الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما كان أَشْكَلَ. الثالثة: فإن قيل: إن قوله: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ كان يكفي، فلِمَ خَصَّ الرّميّ والخيلَ بالذِّكر؟ قيل له: إنَّ الخيلَ لمَّا كانت هي أصلَ الحروب وأوزارِها(٤)، التي عُقِد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوّةِ وأشدُّ العُدَّةِ وحصونٌ الفرسان، وبها يجال(٥) في الميدان، خصَّها بالذِّكر تشريفاً، وأقسمَ بغبارها تكريماً. فقال: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ الآية [العاديات: ١]. ولمَّا كانت السِّهام من أنجع ما يُتعاطى في الحروب والنِّكايةِ في العدوِّ، وأقربِها تناوُلاً للأرواح، خصَّها رسولُ الله ﴾ بالذُكر لها والتنبيهِ عليها(٦). ونظيرُ هذا في التنزيل، ﴿وَِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] ومثلُه كثير. (١) سنن الترمذي (١٦٩٦)، وما سلف بين حاصرتين منه، وسلف ٥١/٥ . والأقرح: ما كان في جبهته قُرحة بالضم، وهي بياض يسير في وجه الفرس دون الغرة. والأرثم: الذي أنفه أبيض وشفته العليا. النهاية (فرح) و(رثم). (٢) سنن الدارمي (٢٤٢٨)، وسلف ٥١/٥ - ٥٢ . (٣) صحيح مسلم (١٨٧٥)، وهو عند أحمد (٧٤٠٧). (٤) الأوزار: هي السلاح وآلات الحرب. (٥) في (ظ): يصال. (٦) المحرر الوجيز ٥٤٦/٢، وينظر أحاديث السهام والرمي في المسألة الأولى. ٦٠ سورة الأنفال: الآية ٦٠ الرابعة: وقد استدلَّ بعضُ علمائنا بهذه الآية على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذِ الخزائن والخُزَّان لها عُدَّةً للأعداء. وقد اختلف عن مالك(١) في جواز وقف الحيوان - كالخيل والإبل - على قولين: المنع، وبه قال أبو حنيفةً. والصحة، وبه قال الشافعيُّ ﴾. وهو أصح(٢)؛ لهذه الآية. ولحديث عمر (٣) في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله (٤). وقولِه عليه الصلاة والسلام في حقِّ خالد: ((وأما خالدٌ؛ فإنَّكم تظلمون خالداً، فإنه قد اخْتَبَسَ أَدْراعَه وأَغْتادَه في سبيل الله )) الحديث(٥). وما رُويَ أنَّ امرأةً جعلت بعيراً في سبيل الله، فأراد زوجُها الحجَّ، فسألتْ رسولَ الله ﴿ فقال: ((ادفعيه إليه ليحُجَّ عليه؛ فإنَّ الحَّ من(٦) سبيل الله))(٧). ولأنه مال يُنتفع به في وجهِ قُربة، فجاز أن يُوقَف كالرِّباع (٨). وقد ذكر السُّهَيْليُّ في هذه الآية تسميةً خيلِ النبيِّ ﴾، وآلةِ حَرْبِهِ. مَن أرادها وجدَها في كتاب ((الإعلام))(٩). (١) في (خ) و(م): وقد اختلف العلماء، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في المفهم ٤/ ٦٠١، والكلام منه. (٢) المفهم ٤/ ٦٠١ . (٣) في النسخ: ابن عمر، والصواب ما أثبتناه. (٤) أخرجه أحمد (٢٨١)، والبخاري (١٤٩٠)، ومسلم (١٩٢٠) من حديث عمر ﴾، وأخرجه أحمد (٥١٧٧)، والبخاري (٢٧٧٥)، ومسلم (١٦٢١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قصة فرس عمر. (٥) أخرجه أحمد (٨٢٨٤)، والبخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة ﴾. (٦) في (خ): في. (٧) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود (١٩٩٠) من حديث ابن عباس ﴾ مطولاً، وفيه أن امرأة قالت لزوجها أحجني على جملك فلان، قال: ذاك حبيس في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فأتى رسولَ الله ◌ِ﴾ فذكر له ذلك، فقال: ((أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله))، وأخرج نحوه أحمد (٢٧١٠٧) و(٢٧٢٨٥)، وأبو داود (١٩٨٩) من حديث أم معقل الأسدية، والبزار (١١٥١) (زوائد) من حديث أبي طليق الأشجعي. وينظر نصب الراية ٣٩٥/٢ - ٣٩٧ . (٨) جمع رَبْع، وهي الدار بعينها حيث كانت. القاموس (ربع). (٩) هو التعريف والإعلام فيما أبهم من الأسماء والأعلام في القرآن، والكلام فيه ص٦٦ - ٦٧ .