Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة الأعراف: الآيات ١٧٢ - ١٧٤ والجمع، قال الله تعالى: ﴿هَبْ لِ مِن لَّدُنْكَ ذُرِيَّةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [آل عمران: ٣٨]، فهذا للواحد؛ لأنه إنما سأل هِبةً ولدٍ، فَبُشِّر بيحيى. وأجمع القراءُ على التوحيد في قوله: ﴿مِنْ ذُرَِّّةِ مَدَمَ﴾ [مريم: ٥٨]، ولا شيءَ أكثرُ من ذُرِّية آدمَ، وقال: ﴿وَكُنَّا ذُرِيَّةً مِنَّ بَعْدِمِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣] فهذا للجمع. وقرأ الباقون ((ذُرِّيَّاتِهِمْ)) بالجمع، لأنَّ الذُّرِّية لمَّا كانت تقعُ للواحد؛ أَتى بلفظٍ لا يقع للواحد، فجمعَ لتخلص الكلمةُ إلى معناها المقصود إليه لا يَشْرَكُها فيه شيء، وهو الجمع؛ لأنَّ ظهورَ بني آدم استُخرج منها ذُرِّياتٌ كثيرةٌ متناسبة، أعقابٌ بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلَّا اللهُ، فجمع لهذا المعنى. السادسة: قوله تعالى: ﴿بَلَ﴾ تقدَّم القولُ فيها في ((البقرة)) عند قوله: ﴿بَلَّ مَن كَبَ سَيِّئَةٌ﴾ [الآية: ٨١]، مستوفّى، فتأمَّلْه هناك(١). ((أَنْ يَقولوا))، ((أَوْ يقولوا)): قرأ أبو عمرو بالياء فيهما (٢)، ردّهما على لفظ الغَيْبة المُتكرِّر قبلَه، وهو قوله: ﴿من بني آدم من ظهورهم ذُرِّيَّاتِهم وأَشْهَدَهُم على أنفسهم﴾، وقوله: ﴿قَالُواْ بَلَ﴾ أيضاً لفظ غَيْبة. وكذا ﴿وَكُنَّا ذُرِيَّةٌ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، ﴿وَلَعَلَّهُمْ﴾ فحملَه على ما قبلَه وما بعده مِن لفظ الغَيْبة. وقرأ الباقون بالتاء فيهما، ردُّوه(٣) على لفظ الخِطاب المتقدِّم في قوله: ﴿أَسْتُ بِرَيْكُمْ قَالُواْ بٌَ﴾. ويكون: (شَهِدنا))، من قول الملائكة. لمَّا قالوا: ((بلى)) قالت الملائكة: ((شَهِدنا أَنْ تقولوا)) ((أَوْ تقولوا)) أي: لئلا تقولوا. وقيل: معنى ذلك: أنهم لمَّا قالوا: ((بلى))، فأَقرُّوا له بالرُّبوبيَّة، قال الله تعالى للملائكة: اشهدوا، قالوا: شَهِدنا بإقراركم لئلا تقولوا، أو تقولوا. وهذا قولُ مجاهد (١) ٢٢٦/٢. (٢) السبعة ص٢٩٨، والتيسير ص١١٤ . (٣) في النسخ الخطية: ردَّه، والمثبت من (م)، وهو الموافق للكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٨٤، والكلام منه. ٣٨٢ سورة الأعراف: الآيات ١٧٢ - ١٧٥ والضحَّاك والسُّدِّيِّ(١). وقال ابنُ عباس وأُبَيُّ بن كعب: قوله: ((شَهِدنا)) هو مِن قول بني آدم، والمعنى: شَهِدنا أنك ربُّنا وإلهُنا (٢)، وقال ابن عباس: أشهدَ بعضهم على بعض، فالمعنى على هذا: قالوا: بلى شَهِدَ بعضُنا على بعض(٣). فإذا كان ذلك من قول الملائكة؛ فيوقَف على ((بلى))، ولا يحسنُ الوقفُ عليه إذا كان من قول بني آدم (٤)؛ لأنَّ (أنْ)) متعلِّقة بما قبل ((بلى)) من قوله: ﴿وَأَشْهَلَهُمْ عَى أَنْفُسِهِمْ﴾ لئلا يقولوا. وقد روى مجاهد عن ابن عمرو(٥) أنَّ النبيِّ ﴾ قال: «أخذَ ربُّك مِن بني آدم مِن ظُهورهم ذريَّاتِهم، كما يُؤخذ بالمُشط مِن الرأس، فقال لهم: أَلستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى، قالت الملائكة: شَهِدنا أنْ تقولوا)). أي: شَهِدنا عليكم بالإقرار بالرُّبوبية؛ لئلا تقولوا، فهذا يدلُّ على التاء. قال مكِّيّ: وهو الاختيارُ لِصحّة معناه، ولأنَّ الجماعةَ عليه. وقد قيل: إنَّ قوله: ((شَهِدنا)) من قول الله تعالى والملائكة. والمعنى: فَشَهِدنا على إقراركم؛ قاله أبو مالك، ورُوي عن السُّدِّي أيضاً (٦). ﴿وَكُنَّا ذُرِيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: اقتدَيْنا بهم. ﴿أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ بمعنى: لست تفعل هذا. ولا عذر للمقلِّد في التوحید. قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَدِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ ١٧٥ ذكَّرَ أهلَ الكتاب قصَّةً عَرَفوها في التوراة. واختلف في تعيين الذي أُوتيَ الآيات، (١) أخرجه الطبري ٥٥٢/١٠، و٥٦١. (٢) أخرجه الطبري ٥٥٦/١٠ - ٥٥٧ . (٣) تفسير البغوي ٢/ ٢١٢ . (٤) المحرر الوجيز ٤٧٦/٢، وينظر تفسير الرازي ١٥/ ٥٢ . (٥) في النسخ والكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٨٤/١، والكلام منه: عمر وسلف في المسألة الأولى. (٦) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٦٣ . ٣٨٣ سورة الأعراف: الآية ١٧٥ فقال ابن مسعود وابن عباس: هو بِلْعَامُ بن باعُورَاء(١)، ويقال: باعر(٢)، مِن بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، وكان بحيث إذا نظرَ رأى العرش، وهو المعنيّ بقوله: ﴿وَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا﴾ ولم يَقُلْ: آية، وكان في مجلسِهِ اثنتا عشرةَ ألف مِخْبَرة للمتعلِّمين الذين يكتبون عنه، ثم صار بحيث إنَّه كان أوَّلَ مَن صنَّفَ كتاباً أنَّ لیس للعالم صائِعٌ. قال مالك بن دينار: بُعِثَ بِلعام بن باعوراء إلى مَلِك مَدْيَن ليدعوَه إلى الإيمان، فأعطاه وأقطعَه فاتَّبعَ دينَه، وتركَ دينَ موسى، ففيه نزلَتْ هذه الآياتُ(٣). روى(٤) المعتمر بنُ سليمان عن أبيه قال: كان بِلعام قد أُوتِي النُّبوَّة(٥)، وكان مُجابَ الدَّعوة، فلمّا أقبلَ موسى في بني إسرائيل يريدُ قتالَ الجبَّارين، سألَ الجبّارون بِلعام بن باعوراء أنْ يدعُوَ على موسى، فقام ليدعُوَ، فتحوَّلَ لسانُهُ بالدعاء على أصحابه، فقيل له في ذلك، فقال: لا أقدِرُ على أكثرَ ممَّا تسمعون، واندلَعَ لسانُه على صدرِهِ، فقال: قد ذهبَتْ منِّي الآنَ الدنيا والآخرة، فلم يَبْقَ إلَّ المَكْرُ والخديعَةُ والحيلَةُ، وسأمكرُ لكم، فإنّي أرى أنْ تُخرجوا إليهم فَتَياتِكم، فإنَّ الله يُبغِضُ الزِّنى، فإنْ وقعوا فيه هلَكوا، ففعلوا، فوقَعَ بنو إسرائيل في الزِّنى، فأرسلَ الله عليهم الطاعونَ، فماتَ منهم سبعون ألفاً. وقد ذكَّرَ هذا الخبرَ بكماله الثعلبيُّ وغيرُه(٦). ورُويَ أنَّ بِلعامَ بن باعوراء دعا ألَّا يدخُلَ موسى مدينةَ الجبَّارين، فاستُجِيبَ له وبقيَ في التِّيه، فقال موسى: يا ربّ، بأيِّ ذنبٍ بَقِينا في التِّيه؟ فقال: بدعاء بلعام، (١) أخرجه الطبري ٥٦٦/١٠ - ٥٦٨. (٢) في (د) و(ز) و(ظ): باعم، وفي (م): ناعم، والمثبت من (خ). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٦١٨/٥ . (٤) قوله: روى، من (م). (٥) قوله: أوتي النبوة، مردود، کما سیرد. (٦) عرائس المجالس ص٢٣٩ - ٢٤١ ، وأخرجه الطبري ١٠ / ٥٧٦ عن سيَّار. ٣٨٤ سورة الأعراف: الآية ١٧٥ قال: فكما سمعتَ دعاءَه عليَّ فاسمَعْ دعائي عليه، فدعا موسى أنْ يَنْزِعَ اللهُ عنه الاسمَ الأَعظمَ، فسلخَهُ الله ما كان عليه(١). وقال أبو حامد في آخِر كتابٍ ((منهاج العارفين)) له: وسمعتُ بعضَ العارفين يقول: إنَّ بعضَ الأنبياء سألَ الله تعالى عن أمرٍ بِلعام وطردِهِ بعدَ تلك الآيات والكرامات، فقال الله تعالى: لم يشكُرْني يوماً مِن الأيامِ على ما أعطيتُهُ، ولو شكرَني على ذلك مرَّةً لما سلبتُه. وقال عكرمة: كان بِلعام نبيًّا وأُوتِي كتاباً، وقال مجاهد: إنَّه أُوتِي النبوَّةَ، فرشاهُ قومُهُ على أنْ يسكتَ ففعلَ وتركَهم على ما هم عليه(٢). قال الماوردِيُّ: هذا غيرُ صحيح؛ لأنَّ الله تعالى لا يَصطفي لنبؤَّتِهِ إِلَّ مَن يعلمُ(٣) أنَّه لا يَخرجُ عن طاعتِهِ إلى معصيتِه (٤). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم: نزلَتْ في أمَيَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقفيِّ، وكان قد قرأَ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ الله مرسِلٌ رسولاً في ذلك الوقت، وتمنَّى أنْ يكونَ هو ذلك الرسولَ، فلمّا أرسلَ الله محمداً# حسدَهُ وكَفَرَ به(٥). وهو الذي قال فيه رسولُ اللهِ ﴾: ((آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَر قلبُهُ))(٦). وقال سعيد بن المسيَّب: نزلَتْ في أبي عامر بن صيفي، وكان يَلبَسُ المُسُوحَ في (١) عرائس المجالس ص٢٤١، وتفسير البغوي ٢١٤/٢، وهذه الأخبار كلها من الإسرائيليات. (٢) أخرجه الطبري ١٠/ ٥٧٣ - ٥٧٤ . (٣) في (م): علم. (٤) النكت والعيون ٢٧٩/٢، وردَّه أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٧٦/٢ وقال: وهذا قول مردود لا يصحّ عن مجاهد. (٥) أسباب النزول للواحدي ص٢٢٣، وأخرجه مختصراً الطبري ١٠/ ٥٧٠ - ٥٧١ من قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٦) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٧/٤ بهذا اللفظ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرج أحمد (١٩٤٥٧)، ومسلم (٢٢٥٥) من حديث الشريد بن سويد أن النبي # استنشده من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده ... فقال النبي : ((فلقد كاد يُسلِمُ في شعره)). ٣٨٥ سورة الأعراف: الآية ١٧٥ الجاهليَّةِ، فكفَر بالنبيِّ ﴾، وذلك أنَّه دخَلَ على النبيِّ :﴿ المدينةَ، فقال: يا محمد، ما هذا الذي جئتَ به؟ قال: ((جئتُ بالحنيفيَّةِ دينٍ إبراهيم)»، قال: فإنّي عليها، فقال النبيُّ﴾: ((لستَ عليها، لأنَّك أدخلتَ فيها ما ليس منها))، فقال أبو عامر: أماتَ الله الكاذبَ منَّا طريداً وحيداً، فقال النبيُّ ﴾: ((نَعَمْ، أماتَ الله الكاذبَ منَّا كذلك))، وإنَّما قال هذا يُعرِّضُ برسول الله ﴾ حيث خَرجَ مِن مَّةَ. فخرَجَ أبو عامر إلى الشَّام، ومَرَّ إلى قيصر، وكتَبَ إلى المنافقين: استعدُّوا، فإِنِّي آتيكُمْ مِن عند قيصرَ بجند لِنُخرِجَ محمداً مِن المدينة، فماتَ بالشام وحيداً (١)، وفيه نزل: ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلٌ﴾ [التوبة: ١٠٧]، وسيأتي في ((براءة)). وقال ابن عباس في روايةٍ: نزلَتْ في رجلٍ كان له ثلاثُ دَعَوَاتِ يُستجابُ له فيها، وكانت له امرأةٌ يُقال لها: البَسُوس، وكان له منها ولدٌ، فقالت: اجعَلْ لي منها دعوةً واحدةً، فقال: لك واحدةٌ، فما تأمُرِين؟ قالت: ادْعُ الله أنْ يجعلَني أجملَ امرأةٍ في بني إسرائيل، فلمّا علمَتْ أنَّه ليس فيهم مثلُها رَغِبَتْ عنه، فدعا الله عليها أنْ يجعلَها كلبةً نبَّاحةً. فذهبَ فيها دعوتان، فجاءَ بنوها وقالوا: لا صبرَ لنا عن هذا، وقد صارَتْ أمّنا كلبةً يُعيِّرنا الناسُ بها، فادعُ الله أنْ يردَّها كما كانت(٢)، فدعا الله فعادَتْ إلى ما كانت، وذهبَتْ الدعواتُ فيها(٣). والقولُ الأوَّلُ أشهرُ، وعليه الأكثرُ. قال عبادة بن الصامت: نزلَتْ في قريشٍ، آتاهم الله آياتهِ التي أنزلها الله تعالى على محمد#، فانسلخوا منها، ولم يقبلُوها(٤). قال ابن عباس: كان بِلعام مِن مدينةٍ الجبّارین، وقيل: كان مِن اليمن(٥). (١) عرائس المجالس ص٢٤٢، ومجمع البيان ٩/ ٦٥ - ٦٦ . (٢) في (خ) و(ظ): إلى مثل ما كانت عليه. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٦١٧/٥، وأورده الواحدي في أسباب النزول ص٢٢٣ - ٢٢٤ وأورده ابن كثير في تفسيره ٥٠٧/٣ - ٥٠٨، وقال: غريب. (٤) لم تقف عليه. (٥) أخرجهما الطبري ٥٦٨/١٠ - ٥٦٩ من قول ابن عباس رضي الله عنهما. ٣٨٦ سورة الأعراف: الآيات ١٧٥ ﴿فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: مِن معرفةِ الله تعالى، أي: نُزِعَ منه العلمُ الذي كان يعلمُه، وفي الحديث عن النبيِّ ﴾: ((العلمُ علمان: علمٌّ في القلبِ، فذلك العلمُ النَّافِعُ، وعلمٌ على اللِّسان، فذلك حُجَّةُ الله تعالى على ابنِ آدم))(١)، فهذا مثلُ علمٍ بِلْعام وأشباهِه، نعوذُ بالله منه، ونسألُه التوفيقَ والمماتَ على التحقيق. والانسلاخُ: الخروجُ، يُقال: انسلخَتِ الحيَّةُ مِن جلدِها، أي: خرجَتْ منه (٢)، وقيل: هذا مِن المقلوب، أي: انسلخَتِ الآياتُ منه. ﴿فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لَحِقَ به، يُقال: أتبعت القوم، أي: لحقتهم. وقيل: نزلَتْ في اليهودِ والنَّصارى، انتظَروا خُروجَ محمدٍ ﴾ فكفروا به(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْتَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَغْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَتَّبَعَ هَوَهُ فَثَلُ كَمَثَلِ الْكَلّبِ إِن تَحِْلْ عَلَيْهِ بَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَنَّ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَّا فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَّكَّرُونَ (٣) سَلَةَ مَثَلَاَ اَلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ M قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَتَنَهُ﴾ يرِيدُ بِلعامَ، أي: لو شِئنا لأَمتناهُ قبلَ أنْ يعصيَ، فرفعناهُ إلى الجنَّة، ﴿بِهَا﴾ أي: بالعمَلِ بها(٤). ﴿وَلَكِنَّهُ، أَغْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: رَكَّنَ إليها، عن ابن جبير والسّدي. مجاهد: سَكَنَ إليها(٥)، أي: سَكَنَ إلى لذَّاتِها، وأصلُ الإخلادِ اللُّزومُ، يُقال: أخلَدَ فلانٌ بالمكانِ: إذا أقامَ به ولزمَهُ، قال زهير: لِمَنِ الدِّارُ غَشِيتَها بِالفَدْفَدِ كالوَحْي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ (٦) (١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٢٣٥/١٣، والدارمي في سننه (٣٦٥)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٥٠) عن الحسن مرسلاً. وأخرجه الدارمي (٣٦٤) من قول الحسن. (٢) تفسير أبي الليث ٥/١ . (٣) تفسير البغوي ٢١٥/٢، وتفسير الرازي ٥٤/١٥ - ٥٥ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٦٣/٢ . (٥) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٠/ ٥٨٤ . (٦) ديوان زهير ص٢٦٨، ووقع في النسخ: بالغرقد، والمثبت من الديوان، وهو الصواب فيما قاله = ٣٨٧ سورة الأعراف: الآيتان ١٧٦ - ١٧٧ يعني: المُقيم، فكأنَّ المعنى: لزِمَ لذَّاتِ الأرض، فعبَّر عنها بالأرض، لأنَّ متاعَ الدنيا على وجه الأرض. ﴿وَأَتََّعَ هَوَنَهُ﴾ أي: ما زيَّنَ له الشيطان. وقيل: كان هواه مع الكفَّارُ(١). وقيل: اتّبع رِضا زوجتِه (٢)، وكانت رغِبَتْ في أموالٍ حتى حملَتْه على الدعاء على موسى. ﴿فَثَلُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ﴾ ابتداءٌ وخبر، ﴿إِن تَحْمِلْ عَيْهِ يَلْهَتْ﴾ شرطٌ وجوابُه، وهو في موضع الحال، أي: فمثلُه كمثلِ الكلب لاهِثاً، والمعنى: أنَّه على شيء واحدٍ لا يَرعَوي عن المعصية، كمثلِ الكلبِ الذي هذه حالُهُ(٣)، فالمعنى: أنَّه لاهِثُ على كلِّ حال، طردتَه أو لم تطرده. قال ابنُ جُريج: الكلبُ منقطعُ الفؤاد، لا فؤادَ له، إنْ تَحمل عليه يَلهتْ أو تتركْه يَلهثْ، كذلك الذي يتركُ الهدى لا فؤادَ له، وإنَّما فؤادُه منقطعٌ(٤). قال القتبيّ: كلُّ شيءٍ يَلهثُ فإنَّما يَلهثُ مِن إعْياءٍ أو عطش، إلَّ الكلبَ فإنَّه يَلهثُ في حال الكلالِ وحال الراحةٍ، وحال المرضِ وحال الصحّةِ، وحال الريِّ وحال العطش، فضربَه الله مثلاً لمن كذَّبَ بآياتِه فقال: إن وعظتَه ضلَّ، وإنْ تركتَه ضلَّ، فهو كالكلبِ إنْ تركْتَه لهثَ، وإنْ طردْتَه لهثَ، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى اٌلْمُدَى لَا يَتَِّعُوكُمْ سَوَءٍ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِنُونَ﴾ (٥) [الأعراف: ١٩٣]. قال الجوهريّ: لَهَثَ الكلبُ؛ بالفتحِ؛ يَلهَتُ لَهْئاً ولُهاثاً؛ بالضمّ: إذا أخرجَ لسانَهُ مِن الثَّعبِ أو العَطش، وكذلك الرجُلُ إذا أعْيَى. وقولُه: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ لأنَّك إذا حملْتَ على الكلبِ نَبَحَ وولَّى هارباً، وإنْ تركتَهُ شدَّ عليك ونَبَحَ، = الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تفسير الطبري (طبعته) ١٣/ ٢٧٠ . قال ثعلب شارح الديوان: الفدفد: المرتفع فيه صلابة وحجارة. كالوحي: كالكتاب. (١) أخرجه الطبري ٥٨٥/١٠ من قول ابن زید. (٢) ذكره أبو الليث ١/ ٥٨٣ . (٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): حالته، والمثبت من (ظ) وإعراب القرآن للنحاس ١٦٣/٣، والكلام منه. (٤) أخرجه الطبري ٥٨٦/١٠ - ٥٨٧ . (٥) تأويل مشكل القرآن ص٢٨٦ . ٣٨٨ سورة الأعراف: الآيتان ١٧٦ - ١٧٧ فيُتْعِبُ نفسَهُ مُقبِلاً عليك ومُدبِراً عنك، فيعتَرِيه عند ذلك ما يعتَرِيه عند العَطشِ مِن إخراجِ اللِّسانِ(١). قال الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول))(٢): إنَّما شبَّهه بالكلبِ مِن بين السِّباع؛ لأنَّ الكلبَ ميتُ الفؤاد، وإنَّما لُهاثُهُ(٣) لموتٍ فؤادِهِ. وسائرُ السباعِ ليست كذلك، فلذلك لا يَلْهِثْنَ. وإنَّما صارَ الكلبُ كذلك؛ لأنَّه لمَّا نزلَ آدمُ :# إلى الأرضِ شَمِتَ به العدوُّ، فذهبَ إلى السِّباع فأَشلاهم(٤) على آدم، فكان الكلبُ مِن أشدِّهم طلباً، فنزلَ جبريلُ بالعصا التي صُرفَتْ إلى موسى بمدين، وجعلها آيَةً له إلى فرعونَ وملئِهِ، وجعلَ فيها سلطاناً عظيماً، وكانت مِن آسِ الجنَّة، فأعطاها آدمَ # يومئذ لِيطردَ بها السِّباعَ عن نفسِه، وأمرَه فيما رُوِي أنْ يدنوَ مِن الكلبِ ويضعَ يدَه على رأسِه، فمِن ذلك أَلِفَه الكلبُ، وماتَ الفؤادُ منه لسلطانِ العصا، وأَلِفَ به وبولدِه إلى يومنا هذا؛ لوضع يدِه على رأسِه، وصار حارساً مِن حُرَّاسٍ ولدِهِ. وإذا أُدِّبَ وعُلِّمَ الاصطيادَ تأدَّبَ وقَبِلَ التعليم، وذلك قوله: ﴿تُعَلُّونَهُنَّ ◌ِمَّا عَلََّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]. السديّ: كان بِلعام بعد ذلك يلهثُ كما يلهثُ الكلب(٥). وهذا المَثَلُ في قول كثير مِن أهل العلم بالتأويل عامٌّ في كلِّ مَن أُوتي القرآن فلم يعمل به. وقيل: هو في كلِّ مُنافق. والأوَّل أصُ. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَثَلُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ بَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أي: إنْ تحمِلْ عليه بدابَّتك أو برِجلك يلهَثْ، أو تتركُه يلهَثْ، وكذلك مَن يقرأُ الكتابَ ولا يعملُ بما فيه. وقال غيرُه: هذا شرُّ تمثيل؛ لأنَّه مثَّله في أنَّه قد غلَبَ عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضَرًّا ولا نفعاً بكلب لاهثٍ أبداً، (١) الصحاح (لهث). (٢) قوله: في نوادر الأصول، من (م) ولم نقف عليه في المطبوع منه، وهذا الخبر الذي أورده المصنف منه باطل. (٣) في (خ) و(ز) و(ظ): إلهائه، وسقطت العبارة من (د)، والمثبت من (م). (٤) أي: دعاهم، وأشليتُ الكلب على الصيد مثل: أغريته، وزناً ومعنَى. المصباح المنير (شلو). (٥) أخرجه الطبري ٥٨٨/١٠ . ٣٨٩ سورة الأعراف: الآيتان ١٧٦ - ١٧٧ حُمِل عليه أو لم يُحمَلْ عليه، فهو لا يملك لنفسه تركَ اللَّهَثان(١). وقيل: مِن أخلاق الكلب الوقوعُ بمن لم يُخِفْه على جهة الابتداء بالجَفاء، ثم تهدأُ طائشتُه بِنَيْل كلِّ عِوَضٍ خَسيس. ضربَه الله مَثَلاً للذي قَبِلَ الرِّشوة في الدِّين حتى انسلخَ مِن آیات ربِّه. فدلَّت الآيةُ لمن تدبَّرها على ألَّا يغترَّ أحدٌ بِعَمَلِهِ ولا بِعِلْمِهِ، إذْ لا يدري بما يُختم له. ودلَّت على منع أخذ الرِّشوة لإبطال حَقٌّ أو تغييرٍه، وقد مضى بيانُه في ((المائدة))(٢). ودلَّت أيضاً على مَنْع التقليد لعالم إلَّا بحجّة يُبيِّنها؛ لأنَّ الله تعالى أخبرَ أنَّه أعطى هذا آياتِهِ فانسلخَ منها، فوجب أنْ يُخافَ مثلُ هذا على غيره، وألَّا يقبل منه إلَّا بحجّة(٣). قوله تعالى: ﴿ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَيْنَاْ فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . سََّ مَثَلَا أَلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: هو مثلُ جميع الكفار. وقولُه: ﴿سَُّ مَثَلًا أَلْقَوْمُ﴾ يُقال: ساءَ الشيءُ: قَبُح، فهو لازمٌ، وساءه يَسوؤه مَسَاءَةً، فهو مُتعَدٍّ، أي: قَبُح مَثَلُهم، وتقديرُه: ساء مَثَلاً مَثَلُ القوم، فحذف المضاف، ونصب ((مَثَلاً)) على التمييز(٤). قال الأخفش(٥): فجُعِلِ المَثَلُ القومَ مجازاً. والقومُ مرفوعٌ بالابتداء، أو على إضمار مبتدأ، التقديرُ: ساء المَثَلُ مَثَلاً هو مَثَلُ القوم. وقدَّره أبو عليّ: ساءَ مَثَلاً مَثَلُ القوم(٦). وقرأَ عاصمُ الجَحدَريّ والأعمشُ: ((ساءَ مَثَلُ القوم)): رفعَ مَثَلاً بـ ((ساء))(٧). (١) معاني القرآن للنحاس ١٠٦/٣، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٥٨٦/١٠ . (٢) ٦ / ١٨٣. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٦٤ . (٤) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ١٥/ ٥٧ . (٥) في معاني القرآن ٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ١٦٤ . (٦) وهو قول الزجاج كما في معاني القرآن ٣٩١/٢. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٦٤، وقراءة عاصم الجحدري في القراءات الشاذة ص٤٧ . ٣٩٠ سورة الأعراف: الآيات ١٧٨ - ١٨٠ قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىِّ وَمَن يُضْلِلْ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَبِرُونَ تقدَّم معناه في غير موضع. وهذه الآيةُ تردُّ على القدريَّة كما سبق، وتردُّ على مَن قال: إنَّ الله تعالى هدى جميع المُكلَّفين، ولا يجوز أن يُضِلَّ أحداً. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنّ وَالْإِنسِّ لَمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ ◌ِهَا وَلَمْ أَعْنٌّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَانَانٌ لَا يَسْبَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَِ بَلَ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْقَافِلُونَ أخبر تعالى أنَّه خلقَ للَّار أهلاً بعَدْله، ثم وصفَهم فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ أي: هم (١) بمنزلة مَن لا يفقهُ؛ لأنَّهم لا ينتفعون بها(٢)، ولا يعقِلون ثواباً ولا يخافون عقاباً. و﴿أَعْيُنٌّ لَا يُصِرُونَ بِهَا﴾ الهدى. و﴿مَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ المواعظَ، وليس الغرضُ نفيَ الإدراكات عن حواسّهم جملةً كما بيَّنَّاه في ((البقرة))(٣). ﴿أُوْلَكَ كَالْأَتْعَِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنَّهم لا يهتدون إلى ثواب، فهم كالأنعام، أي: هِمَّتهم الأكلُ والشرب، وهم أضلُّ؛ لأنَّ الأنعامَ تُبصِر مَنَافعَها ومَضارَّها وتَتْبعُ مالكَها، وهم بخلاف ذلك(٤). وقال عطاء: الأنعامُ تعرفُ الله، والكافرُ لا يعرفُه. وقيل: الأنعامُ مُطيعةٌ لله تعالى، والكافرُ غيرُ مُطيع (٥). ﴿ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ أي: تركوا التدبُّر، وأَعرضوا عن الجنَّة والنَّار. قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُنْنَ فَادْعُوهُ بِهَّا وَذَرُواْ أَلَّذِينَ يُّلْحِدُونَ فِيَ أَسَْنَّهِ. سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ آلاَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَآدعُوهُ چِّ ﴾ فیه ستُّ مسائل: (١) لفظة ((هم)) ليست في (م). (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٦٤. (٣) ٣٢٤/١. (٤) الوسيط ٤٣٠/٢ . (٥) تفسير أبي الليث ٥٨٤/١ ، وتفسير الرازي ١٥/ ٦٥ ٣٩١ سورة الأعراف: الآية ١٨٠ الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَادْعُوهُ بَِّ﴾ أمرَ بإخلاص العبادة لله، ومجانبةٍ(١) المشركين والمُلحِدين. قال مقاتل وغيرُهُ مِن المفسرين: نزلَت الآيةُ في رجل من المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم. فقال رجل مِن مشركي مكة: أليس يزعمُ محمدٌ وأصحابُه أنَّهم يعبدون ربًّا واحداً، فما بالُ هذا يدعو ربَّين اثنين؟ فأنزلَ الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَّهِ آلْأَسْمَاءُ اَلْمُسْنَ فَدَعُوهُ بِّْ﴾(٢). الثانية: جاء في كتاب الترمذيّ و((سنن)) ابن ماجه(٣) وغيرهما حديثٌ عن أبي هريرة عن النبيِّ ﴿ نَصَّ فيه: ((تسعةً وتسعينَ اسماً))، وفي أحدهما ما ليس في الآخر. وقد بيَّنَّا ذلك في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٤). قال ابن عطية(٥) - وذكرَ حديثَ الترمذيّ -: وذلك الحديثُ ليس بالمتواتر - وإنْ كان قد قال فيه أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفُه إلَّا مِن حديث صفوان بن صالح، وهو ثقةٌ عند أهل الحديث - وإنَّما المتواترُ منه قولُهُ ﴾: ((إنَّ لله تسعةً وتسعينَ اسماً، مئةً إلا واحداً مَنْ أخصَاها دَخَلَ الجنَّةَ»(٦)، ومعنى ((أحصاها)»: عدَّها وحفِظَها. وقيل غير هذا مما بيَّنَّاه في كتابنا(٧). وذكرنا هناك تصحيح حديث الترمذيّ(٨)، وذكرنا مِن الأسماء ما اجتمع عليه وما اختلف فيه مما وقفنا علیه في گُتب أئمتنا ما (١) في (ظ): واجتناب. (٢) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٢١٧ . (٣) سنن الترمذي (٣٥٠٧)، وسنن ابن ماجه (٣٨٦١). (٤) ص٨٠ وما بعدها. (٥) في المحرر الوجيز ٢/ ٤٨١ . (٦) أخرجه أحمد (٧٥٠٢)، والبخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﴾. (٧) الأسنى ص٣٢ . (٨) الأسنى ص ٨٣ . ٣٩٢ سورة الأعراف: الآية ١٨٠ يُنْيِّف على مئتي اسم(١). وذكرنا قبل تعيينها في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلاً فيما يتعلَّق بأحكامها، فمن أراده وقفَ عليه هناك أو في غيرِهِ مِن الكُتبِ الموضوعةِ في هذا الباب. والله الموفّقُ للصّواب، لا ربَّ سِواه. الثالثة: واختلفَ العلماءُ مِن هذا الباب في الاسم والمسمَّى، وقد ذكرنا ما للعلماء مِن ذلك في ((الكتاب الأسنى))(٢). قال ابن الحصار: وفي هذه الآية وقوعُ الاسم على المسمَّى ووقوعُه على التسمية. فقولُه: ((ولله)) وقع(٣) على المسمَّى، وقولُه: ((الأسماءُ)) - وهو جمعُ اسم - واقعٌ على التَّسميات، يدلُّ على صحَّة ما قلناه قولُه: ((فادعوهُ بها))، والهاء في قوله: ((فادعوهُ)) تعود على المسمَّى سبحانه وتعالى، فهو المدعوّ، والهاء في قوله: ((بها)) تعود على الأسماء، وهي التسميات التي يُدعَى بها لا بغيرها، هذا الذي يقتضيه لسانُ العرب. ومثلُ ذلك قول رسول الله﴾: ((لي خمسةُ أسماءٍ؛ أنا محمدٌ، وأحمدُ)) الحديثَ(٤). وقد تقدَّم في ((البقرة)) شيء من هذا(٥). والذي يَذْهبُ إليه أهلُ الحقِّ أنَّ الاسمَ هو المسمَّى، أو صفةٌ له تتعلَّقُ به، وأنَّه غيرُ التسمية. قال ابن العربيّ عند كلامِه على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ اَلُْْنَى﴾(٦): فيه ثلاثة أقوال: قال بعض علمائنا: في ذلك دليلٌ على أنَّ الاسمَ المسمَّى؛ لأنَّه لو كان غيرَه لوجب أنْ تكونَ الأسماء لغير الله تعالى. (١) الأسنى ص٩٦ وما بعدها. (٢) ص٥٩ وما بعدها. (٣) في (خ) و(ز) و(ظ): واقع. ه. (٤) أخرجه أحمد (١٦٧٣٤)، والبخاري (٣٥٣٢)، ومسلم (٢٣٥٤) من حديث جُبير بن مطعم (٥) ١/ ٤٢٠ . (٦) لم نقف عليه في أحكام القرآن. وذكره المصنف أيضاً في الأسنى ص ٦٠ - ٦٣. ٣٩٣ سورة الأعراف: الآية ١٨٠ الثاني: قال آخرون: المرادُ به التسميات؛ لأنَّه سبحانه واحدٌ، والأسماءُ جمعٌ. قلت: ذكرَ ابن عطية في ((تفسيره)) أنّ الأسماءَ في الآية بمعنى التَّسميات إجماعاً مِن المتأوِّلين لا يجوز غيره(١). وقال القاضي أبو بكر في كتاب ((التمهيد(٢)): وتأويلُ قول النبيّ ◌ِ﴾: («لله تسعةٌ وتسعون اسماً، مَن أَحصاها دخلَ الجنَّة))، أي: إنَّ له تسعةً وتسعين تسميةً بلا خلاف، وهي عباراتٌ عن كون الله تعالى على أوصافٍ شتَّى، منها ما يستحقُّه لنفسه، ومنها ما يستحقُّه لصفةٍ تتعلَّق به، وأسماؤه العائدةُ إلى نفسه هي هو، وما تعلَّق بصفةٍ له فهي أسماءٌ له، ومنها صفاتٌ لذاته، ومنها صفاتُ أفعال. وهذا هو تأويلُ قوله تعالى: ﴿وَلِلَِّ اَلْأَسْمَاءُ اَلُْْنَ فَادْعُوهُ بِهِاْ﴾ أي: التسمياتُ الحُسنى. الثالث: قال آخرون منهم: ولله الصفات. الرابعة: سمَّى اللهُ سبحانه أسماءَه بالحُسنى؛ لأنَّها حسنةٌ في الأسماعِ والقلوب، فإنّها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله. و((الحُسنی)) مصدرٌ وُصِف به. ويجوز أنْ يقدَّر (الحُسنى)) فُعلى، مؤنَّث الأَحسن، كالكُبرى تأنيثُ الأكبر، والجمعُ الكُبَر والحُسَن. وعلى الأوَّلِ أُفرِد كما أُفرِد وصفُ ما لا يعقل، كما قال تعالى: ﴿مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، و﴿يَجِبَالُ أَقِّبِىِ مَعَهُ﴾(٣) [سبأ: ١٠]. الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي: اطلبوا منه بأسمائه، فيُطلَب بكلِّ اسم ما يليقُ به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكُمْ لي، یا رزَّاق ارزقني، یا هادي اهدني، يا فتَّاح افتح لي، يا توَّاب تُبْ عليَّ، هكذا فإنْ دعوتَ باسم عامّ؛ قلتَ: يا مالكُ ارحمني، يا عزيزُ احْكُمْ لي، يا لطيف ارزقني. وإِنْ دعوتَ بالاسم(٤) الأعظم، (١) المحرر الوجيز ٤٨٠/٢ . (٢) تمهيد الأوائل ص٢٦٣ . (٣) المحرر الوجيز ٤٨٠/٢ . (٤) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): بالأعم. والمثبت من (خ) وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٨٠٥/٢ ، والكلام منه. ٣٩٤ سورة الأعراف: الآية ١٨٠ فقلت: يا الله، فهو متضمِّنٌ لكلِّ اسم. ولا تقول: يا رزَّاق اهدني، إلَّا أنْ تريدَ: يا رزَّاق ارزُقني الخير(١). قال ابن العربيّ: وهكذا، رتِّبْ دعاءَك تكنْ مِن المُخلصين(٢). وقد تقدَّمَ في ((البقرة))(٣) شرائط الدعاء، وفي هذه السورة أيضاً (٤)، والحمد لله. السادسة: أدخل القاضي أبو بكر بن العربيِّ عدَّةً مِن الأسماء في أسمائه سبحانه، مثل: مُتِمُّ نوره، وخيرُ الوارثين، وخيرُ الماكرين، ورابعُ ثلاثة، وسادسُ خمسة، والطَّيِّبُ، والمعلِّم، وأمثال ذلك(٥). قال ابن الحصار: واقتدى في ذلك بابن بَرَّجان(٦)، إذ ذكرَ في الأسماء ((النظيفَ)) وغيرَ ذلك مما لم يَرِد في كتابٍ ولا سنَّة. قلت: أمَّا ما ذكرَ مِن قوله: مما لم يَرِدْ في كتاب ولا سنَّة، فقد جاء في ((صحيح)) مسلم: ((الطيِّب))(٧). وخرَّج الترمذيّ: ((النظيف)) (٨). وخرَّج عن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﴾ كان يقول في دعائه: ((ربِّ أَعِنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصُرْني ولا تَنصر عليَّ، وامكُرْ لي (١) في أحكام القرآن: الهدى. (٢) في أحكام القرآن: وهكذا رتِّب دعاءك على اعتقادك تكن من المحسنين. (٣) ١٨٢/٣ وما بعدها. (٤) ص ٢٤٤ من هذا الجزء. (٥) أحكام القرآن ٧٩٦/٢ - ٧٩٧ و٧٩٩ و٨٠٤ . ولم نقف على ذكر المعلم من أسمائه تعالى. ولعله في كتابه ((الأمد الأقصى)) الذي أشار إليه في أحكام القرآن ٨٠٣/٢ . (٦) عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال، أبي الحكم اللخمي المغربي، ثم الأندلسي الإشبيلي، كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث، له تصانيف مفيدة، توفي سنة (٥٣٦هـ). السير ٢٠/ ٧٢ . (٧) الحديث (١٠١٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((إن الله طيِّب، لا يقبل إلا طيّباً ... )) وسلف ٢١/٣ . (٨) الحديث (٢٧٩٩) عن سعد بن أبي وقاص مرفوعاً، وفيه (( .. إن الله طيب يحب الطَّيِّب، نظيفٌ يحب النظافة .. )). وفي إسناده خالد بن إلياس، قال البخاري: ليس بشيء، وقال أحمد والنسائي: متروك. ميزان الاعتدال ١/ ٦٢٧ . ٣٩٥ سورة الأعراف: الآية ١٨٠ ولا تمكُّر عليَّ)) الحديثَ، وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيح(١). فعلى هذا جائزٌ أنْ يُقال: يا خيرَ الماكرين امكُر لي ولا تمكُر عليَّ. والله أعلم. وقد ذكرنا ((الطيِّب، والنظيف)) في كتابنا(٢) وغيره مما جاء ذكره في الأخبار، وعن السلفِ الأخيار، وما يجوزُ أنْ يُسمَّى به ويُدعى، وما يجوزُ أنْ يُسمَّى به ولا يُدعى، وما لا يجوزُ أنْ يُسمَّى به ولا يُدعى. حسبَ ما ذكره الشيخ أبو الحسن الأشعريّ. وهناك يتبيَّن لك ذلك إن شاء الله تعالى(٣). قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ أَلَّذِينَ يُلْسِدُونَ فِيَّ أَسْمَنْبِهِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ((يُلحِدون)) الإلحاد: الميلُ وتركُ القصد، يقال: لحدَ (٤) الرجل في الدين، وأَلْحدَ: إذا مال. ومنه اللَّحدُ في القبر؛ لأنَّه في ناحيته(٥). وقُرئ: ((يَلْحَدون))(٦) لغتان. والإلحادُ يكون بثلاثة أوجه: أحدها: بالتغييرِ فيها كما فعلَه المشركون، وذلك أنَّهم عدَلوا بها عما هي عليه، فسمَّوا بها أوثانَهم، فاشتقوا اللَّاتَ مِن الله، والعُزَّى مِن العزيز، ومَناةَ مِن المنَّان، قاله ابن عباس وقتادة(٧). الثاني: بالزِّيادةِ فيها. الثالث: بالنُّقصانِ منها، كما يفعلُه الجُهَّال الذين يخترعون أدعيةً يُسمُّون فيها الله تعالى بغيرِ أسمائه، ويذكرونَه بغير صفاته و(٨) ما يذكر مِن أفعاله، إلى غير ذلك مما لا يليق به. (١) سنن الترمذي (٣٥٥١)، وسلف ١٥٢/٥ . (٢) الأسنى ص ٢٣٥ و٢٣٩، والكلام السالف فيه ص ٤٢ - ٤٣ . (٣) الأسنى ص٣٩ - ٤٠ وعزاه المصنف لكتاب الإيجاز لأبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى. (٤) في (د) و(م): ألحد. (٥) في النسخ الخطية: ناحية، والمثبت من (م). وينظر مجمل اللغة ٨٠٣/٣ . (٦) قرأ بها حمزة. السبعة ص٢٩٨، والتيسير ص١١٤ . (٧) تفسير البغوي ٢١٨/٢، وأخرجه الطبري ١٠/ ٥٩٧ بنحوه. (٨) قوله: صفاته و، من (ظ). ٣٩٦ سورة الأعراف: الآيتان ١٨٠ - ١٨١ قال ابن العربيّ(١): فحَذَارِ منها، ولا يدعوَنَّ أحدُكم إلَّا بما في كتاب الله والكتُب الخمسة، وهي البخاريّ ومسلم والترمذيّ وأبو داود والنسائي، فهذه الكُتب التي يدورُ الإسلامُ عليها، وقد دخل فيها ما في ((الموطأ)) الذي هو أصلُ التصانيف، وذَرُوا ما سواها، ولا يقولَنَّ أحدُكم: أَختار دعاءً كذا وكذا؛ فإنَّ الله قد اختار له، وأرسل بذلك إلى الخَلْق رسولَه ﴾. الثانية: معنى الزيادةِ في الأسماء التشبيهُ، والنُّقصانِ التعطيلُ. فإنَّ المُشبِّهةَ وصفوه بما لم يأَذَنْ فيه، والمُعطِّلةَ سلبوه ما اتَّصف به، ولذلك قال أهلُ الحقِّ: إنَّ ديننا طريقٌ بين طريقين، لا بتشبيهٍ ولا بتعطيل. وسُئل الشيخ أبو الحسن البوشَنْجيّ(٢) عن التوحيد فقال: إثباتُ ذاتٍ غيرِ مشبَّهة بالذوات، ولا معطّلة مِن الصِّفات. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْبِدُونَ﴾ معناه: اتركوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعرَّضوا لهم. فالآية على هذا منسوخةٌ بالقتال، قاله ابن زيد(٣). وقيل: معناه الوعيد، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾(٤) [الحجر: ٣]. وهو الظاهِرُ مِن الآية؛ لقوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمِنَّنْ خَلَقْنَا أُنَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِ يَعْدِلُونَ في الخبر أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((هُمْ هذه الأُمَّةُ))(٥). ورُوي أنَّه قال: ((هذه لكم، وقد أعطى الله قومَ موسى مثلَها))، وقرأ هذه الآيةَ(٦). وقال: ((إنَّ مِن أمَّتي قوماً على الحقِّ (١) في أحكام القرآن ٢/ ٨٠٥ ، وما قبله منه. (٢) علي بن أحمد بن سهل، من أعلم مشايخ وقته بعلوم التوحيد وعلوم المعاملات، كان ذا خلق، متديِّناً. مات سنة (٣٤٨هـ). طبقات الصوفية ص٤٥٨ . وقوله هذا في الرسالة القشيرية ٤٥/١ . (٣) أخرجه الطبري ٥٩٩/١٠ . (٤) المحرر الوجيز ٤٨١/٢ . (٥) أخرجه الطبري ٦٠٠/١٠ عن ابن جريج مرسلاً. (٦) أخرجه الطبري ٦٠٠/١٠ عن قتادة بنحوه مرسلاً. ٣٩٧ سورة الأعراف: الآيتان ١٨١ - ١٨٢ حتى ينزلَ عيسى ابنُ مريم))(١). فدلَّت الآيةُ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يُخْلي الدنيا في وقتٍ مِن الأوقاتِ مِن داعٍ يدعُو إلى الحقِّ(٢). قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَئِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ أخبر تعالى عمن كذَّب بآياته أنَّه سيستدرجُهم من حيث لا يعلمون(٣). قال ابن عباس: هم أهلُ مَّة (٤). والاستدراجُ هو الأخذُ بالتدريج، منزلةً بعدَ منزلة. والدَّرْج: لَفُّ الشيء، يُقال: أَدرجتُه ودَرَجتُه. ومنه أُدرِج الميتُ في أكفانه(٥). وقيل: هو مِن الدَّرَجة، فالاستدراجُ أنْ يُحَظّ درجةً بعدَ درجةٍ إلى المقصود (٦). قال الضحاك: كلما جدَّدوا لنا معصیةً جدَّدنا لهم نعمة(٧). وقيل لذي النون: ما أقصى ما يُخدع به العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات؛ لذلك(٨) قال سبحانه: ﴿مَنَّتَدْرِعُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾(٩)؛ نُسبغُ عليهم النعمَ، ونُنْسيهم(١٠) الشكر، وأنشدوا : ولم تَخَفْ سوءً ما يأتي به القَدَرُ أحسنتَ ظنَّك بالأيام إذْ حَسُنَتْ (١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٦٢٣/٥ (٨٥٨٩) عن الربيع بن أنس مرسلاً. وأخرج أحمد (١٩٨٥١) من حديث عمران بن حصين مرفوعاً بلفظ: ((لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يأتيَ أمرُ الله وينزلَ عيسى ابن مريم)). وفي الباب عن المغيرة بن شعبة، أخرجه أحمد (١٨١٣٥)، والبخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١). (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٦٥/٢. (٣) قوله: من حيث لا يعلمون، من (ظ). (٤) زاد المسير ٢٩٤/٣ . (٥) تهذيب اللغة ١٠/ ٦٤٢ . (٦) الكلام بنحوه في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص١٢٦، وتفسير الرازي ١٥/ ٧٢ . (٧) الوسيط للواحدي ٤٣١/٢، وتفسير البغوي ٢١٨/٢ . (٨) في النسخ الخطية: كذلك، والمثبت من (م). (٩) أورده المُناوي في فيض القدير ٣٥٥/١. (١٠) في (د) و(ظ): يُسبع ... ينسيهم (بالياء). ٣٩٨ سورة الأعراف: الآيات ١٨٢ - ١٨٥ وسالَمَتْكَ اللَّيالي فاغتررْتَ بها وعند صَفْوِ اللَّيالي يحدثُ الكَدَرُ(١) قوله تعالى: ﴿وَأُمَلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِی مَنِينُ قوله تعالى: ﴿وَأُتْلِ لَهُمَّ﴾ أي: أُطيل لهم المُدَّةَ، وأُمهِلُهم وأُؤَخِّرُ عقوبتَهم. ﴿إِنَّ كَيْدِى﴾ أي: مَكْرِي. ﴿مَنِينٌ﴾ أي: شديدٌ قوِيٌّ. وأصلُهُ مِن المَثْنِ، وهو اللَّحمُ الغليظُ الذي عن جانبِ الصُّلب(٢). قيل: نزلَتْ في المُستهزئين مِن قريش، قتلَهم الله في ليلةٍ واحدة بعد أنْ أمهلَهم مدَّةٍ (٣). نظيرُه: ﴿حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]، وقد تقدَّم (٤). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَّكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُِّينُ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ﴾ أي: فيما جاءَهم به محمدٌ ﴾. والوقفُ على (يتفكّرُوا)) حسنٌ(٥). ثم قال: ﴿مَا بِصَاحِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ ردُّ لقولهِم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. وقيل: نزلَتْ بسببٍ أنَّ رسولَ الله ◌ِ﴾ قامَ ليلةً على الصَّفا يدعو قريشاً، فَخِذاً فَخِذَاً، فيقول: ((يا بني فلان))، يُحذِّرُهم بأسَ الله وعقابه، فقال قائلُهم: إنَّ صاحبكم(٦) هذا لمجنونٌ، بات يُصوَّتُ حتى الصَّباحِ(٧). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اَللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَتِّ حَدِيثِمٍ بَعْدَمُ يُؤْمِنُونَ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ مَلَكُوتِ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه أربعُ مسائل: (١) نسبهما الأبشيهي في المستطرف ١٣٤/٢ للإمام الشافعي. (٢) مجمع البيان للطبرسي ٩/ ٧٣ . (٣) تفسير البغوي ٢١٨/٢، وزاد المسير ١٩٤/٣. (٤) ٦ /٤٢٦ . (٥) ذكر أبو بكر ابن الأنباري في الإيضاح ٦٧١/٢، وأبو عمرو الداني في المكتفى ص٢٨١ أنه وقفٌ تامّ. (٦) في (خ) و(د) و(ز) و(م): صاحبهم، والمثبت من (ظ). (٧) أخرجه الطبري ١٠/ ٦٠٢ عن قتادة مرسلاً. ٣٩٩ سورة الأعراف: الآية ١٨٥ الأولى: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ عَجِبَ مِن إعراضِهم عن النَّظَرِ في آياتِه؛ لِيعرِفُوا كمالَ قُدرتِه، حسب ما بيَّنَّاه في سورةِ ((البقرة))(١). والمَلَكوتُ مِن أبنيةٍ المبالغةِ، ومعناه: المُلكُ العظيمُ، وقد تقدَّم(٢). الثانية: استدلَّ بهذه الآيةِ - وما كان مثلها مِن قوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى السَّمَآِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَلَيْنَهَا﴾ [ق: ٦]، وقولِه: ﴿أَفَلَا يَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] الآية، وقوله: ﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا نُصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] - مَن قال بوجوبِ النظرِ في آياتِهِ والاعتبارِ بمخلوقاتِهِ. قالوا: وقد ذَّ الله تعالَى مَن لم يَنظرْ، وسَلَبَهُم الانتفاعَ بحواسِّهم، فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآ ية. وقد اختلفَ العلماءُ في أوَّلِ الواجبات؛ هل هو النَّظَرُ والاستدلالُ، أو الإيمانُ الذي هو التصديقُ الحاصلُ في القلبِ الذي ليس مِن شرطٍ صحَّتِه المعرِفَةُ؟ فذهبَ القاضي(٣) وغيرُه إلى أنَّ أوَّلَ الواجباتِ النَّظرُ والاستدلالُ؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى لا يُعلَمُ ضرورةً، وإنَّما يُعلَمُ بالنَّظرِ والاستدلالِ (٤) بالأدلَّةِ التي نصبَها لمعرفتِهِ، وإلى هذا ذهبَ البخاريُّ رحمه الله حيث بوَّبَ في كتابه: بابُ العلمِ قبلَ القَولِ والعملِ؛ لقولٍ الله عزَّ وجلّ: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥) [محمد: ١٩]. قال القاضي: مَن لم يكنْ عالماً بالله؛ فهو جاهلٌ، والجاهلُ به كافرٌ. قال ابنُ رُشْد في ((مقدماته))(٦): وليس هذا بالبيِّنٍ؛ لأنَّ الإيمانَ يصحُّ باليقينِ الذي قد يحصلُ لمن هداهُ الله بالتقليدِ، وبأوَّلِ وهلةٍ مِن الاعتبارِ بما أرشدَ الله إلى (١) ٢/ ٥٠٥ . (٢) ٢٣/٧ . (٣) هو أبو بكر الباقلاني، كما في مقدمات ابن رشد ٣٧/١ ، والكلام منه. (٤) من قوله: لأن الله تبارك وتعالى .. إلى هذا الموضع، من (خ) و(م). (٥) صحيح البخاري بعد الحديث (٦٧)، ينظر فتح الباري ١٥٩/١ . (٦) ٣٧/١ - ٣٨. ٤٠٠ سورة الأعراف: الآية ١٨٥ الاعتبارِ به في غيرِ ما آيةٍ. قال: وقد استدلَّ الباجيُّ على مَن قال: إنَّ النَّظرَ والاستدلالَ أوَّلُ الواجباتِ بإجماعِ المسلمينَ في جميعَ الأعصارِ على تسميةِ العامَّةِ والمُقلِّدِين (١) مؤمنين؛ قال: فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحاً لَما صحَّ أنْ يُسمَّى مؤمناً إلَّا مَن عندَه علمٌ بالنَّظرِ والاستدلال. قال: وأيضاً؛ فلو كان الإيمانُ لا يصحُّ إلَّا بعد النَّظرِ والاستدلالِ لجازَ للكفَّارِ إذا غلبَ عليهم المسلمونَ أنْ يقولوا لهم: لا يَحِلُّ لكم قتلُنا؛ لأنَّ مِن دِينِكم أنَّ الإيمانَ لا يصحُّ إلَّا بعد النَّظرِ والاستدلالِ، فأخّرونا حتى ننظرَ ونستدلَّ، قال: وهذا يؤدِّي إلى تركِهم على كفرِهم، وألّا يُقتلوا حتى يَنظُرُوا ويَستدِلُّوا. قلت: هذا هو الصحيحُ في الباب، قال رسولُ الله ﴾: ((أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويُؤمنوا بي وبما جئتُ به، فإذا فعلُوا ذلك عصمُوا مِنِّي دماءهم وأموالَهم إلَّا بحقٌّها، وحسابُهم على اللهِ))(٢). وترجَمَ ابنُ المنذر في كتاب ((الإشراف))(٣): ذِكرُ صفةٍ كمالِ الإيمان: أجمعَ كلُّ مَن يُحفظُ عنه من أهلِ العلم على أنَّ الكافرَ إذا قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وأنَّ كلَّ ما جاءَ به محمدٌ حقٍّ، وأتبرَّأُ (٤) مِن كلِّ دينٍ يُخالفُ دينَ الإسلام، وهو بالغٌ صحيحُ العقل؛ أنَّه مسلمٌ، وإنْ رَجَعَ بعد ذلك وأظهرَ الكفرَ؛ كان مرتدّاً يجبُ عليه ما يجبُ على المرتدِ. وقال أبو حفص الزَّنْجانيّ(٥): وكان شيخُنا القاضي أبو جعفر أحمدُ بن محمد (١) في النسخ: والمقلِّد، والمثبت من مقدمات ابن رشد. (٢) سلف ١/ ٢٠٤ مختصراً، وينظر تخريجه ثمة. (٣) ٢٦٠/٢ - ٢٦١. (٤) في (د) و(ز): وتبرأ، وفي (م): وأبرأ، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق للإشراف. (٥) عمر بن علي بن أحمد، قرأ الكلام على أبي جعفر السِّمناني، وسمع منه الحديث، توفي سنة (٤٥٩هـ). طبقات الشافعية ٣٠٢/٥ .