Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة الأعراف: الآية ١٤٢
قال ابن عباس: إنَّ موسى قال لقومه: إنَّ ربي وعدني ثلاثين ليلةً أنْ ألقاه،
وأُخلِّف فيكم هارون، فلما فَصَل(١) موسى إلى ربه زاده اللهُ عشراً، فكانت فتنتُهم في
العشر الذي زاده اللـهُ (٢)، بما فعلوه مِن عبادة العجل، على ما يأتي بيانه(٣).
ثم الزيادةُ التي تكون على الأجل تكون مقدَّرة، كما أنَّ الأجل مقدَّر. ولا يكون
إلَّا باجتهادٍ(٤) من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلّقةِ بالأمر؛ مِن وقتٍ وحالٍ
وعمل، فيكون مثل ثُلث المدَّةِ السالفة، كما أجَّل اللهُ لموسى. فإنْ رأى الحاكمُ أنْ
يَجمعَ له الأصلَ في الأجل والزيادة في مدَّةٍ واحدةٍ جاز، ولكن لابدَّ من التربُّص
بعدها لِما يطرأ من العذر على البشر، قاله ابنُ العربيّ.
روى البخاريُّ عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﴾ قال: ((أَعْذَر اللهُ إلى امرئ أخَّر أَجَلَه
حتى بلَغ سِتِين سَنة))(٥).
قلت: وهذا أيضاً أصلٌ لإعذار الحُكّام إلى المحكوم عليه مرَّةً بعد أخرى. وكان
هذا لُظْفاً بالخَلْقِ، ولينفّذَ القُيَّامُ عليهم بالحقّ. يقال: أعْذَرَ في الأمر، أي: بالغ
فيه(٦)، أي: أعذر غايةَ الإعذار الذي لا إعذارَ بعده.
وأكبرُ الإعذارِ إلى بَني آدم بِعْثُ الرسل إليهم؛ لِنتِمَّ حُجَّتُه عليهم، ﴿وَمَا كُنَّ مُعَذِِّينَ
حَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٧] قيل: هم
(١) أي: خرج، الصحاح (فصل).
(٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ١١٥/٣، عزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) ص٣٣٣ من هذا الجزء.
(٤) عبارة أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٨١ (والكلام منه): الزيادة التي تكون على الأجل غير مقدَّرة،
كما أن الأجل غير مقدَّر، وإنما يكون ذلك باجتهاد ...
(٥) صحيح البخاري (٦٤١٩)، وهو عند أحمد (٧٧١٣). قال الحافظ ابن حجر ٢٤٠/١١: المعنى: أنه لم
يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مُدَّلي في الأجل لَفعلتُ ما أُمرت به.
(٦) الصحاح (عذر).

٣٢٢
سورة الأعراف: الآية ١٤٢
الرسل. ابن عباس: هو الشَّيب(١). فإنه يأتي في سِنِّ الاكتهال، فهو علامةٌ لمفارقة
سِنِّ الصِّبا.
وجَعَل الستين غايةَ الإعذار؛ لأن الستين قريبٌ من مُعترَك العباد(٢)، وهو سِنُّ
الإنابةِ والخشوع والاستسلام لله، وترقُّبِ المَنِيَّة ولقاءِ الله، ففيه إعذارٌ بعد إعذار(٣)؛
الأوَّلُ بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام، والثاني بالشَّيب، وذلك عند كمالِ الأربعين، قال
الله تعالى: ﴿وَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةٌ قَالَ رَبٍ أَوَزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥]. فذكر عزَّ
وجلَّ أنَّ مَن بلغ أربعين، فقد آنَ له أن يعلمَ مِقدارَ نِعَم اللهِ عليه وعلى والديه
ويَشْکرها.
قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا ويُخالطون الناس، حتى
يأتيَ لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتَتْ عليهم؛ اعتزلوا الناس.
الثالثة: ودلَّت الآيةُ أيضاً على أنَّ التاريخ يكون بالليالي دون الأيام؛ لقوله
تعالى: ((ثلاثين ليلةً))، لأن اللياليَ أوائلُ الشهور. وبها كانت الصحابةُ ﴾ تُخْبر عن
الأيام، حتى رُوي عنها أنها كانت تقول: صُمْنا خمساً مع رسول اللـه 8﴾. والعجم
تخالف في ذلك، فتحسُب بالأيام؛ لأن معوَّلها على الشمس. ابن العربيّ(٤):
وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك؛ ولهذا قال: ﴿ وَوَعَدْنَا مُوسَى
ثَثِينَ لَيْلَةُ﴾. يقال: أَرَّخت تأريخاً، وورَّخت توريخاً، لغتان(٥).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَدرُونَ أَخْلُفْنِى فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ﴾ المعنى: وقال
موسى - حين أراد المُضِيَّ للمناجاة والمَغيبَ فيها - لأخيه هارون: كن خليفتي(٦)،
(١) أخرجه البيهقي ٣/ ٣٧٠ .
(٢) في (د) و(ز): العبادة. وسيذكر المصنف هذا المعنى عند تفسير الآية (٣٧) من سورة فاطر، وفيه:
معترك المنايا، بدل: معترك العباد.
(٣) ذكر هذا الكلام الحافظ ابن حجر في الفتح ١١/ ٢٤٠ ونسبه لابن بطَّال.
(٤) في أحكام القرآن ٧٨١/٢ ، وما قبله منه.
(٥) الصحاح (أرخ).
(٦) المحرر الوجيز ٤٥٠/٢ .

٣٢٣
سورة الأعراف: الآية ١٤٢
فدلَّ على النِّيابة.
وفي ((صحيح)) مسلم: عن سعد بن أبي وقَّاص قال: سمعتُ رسولَ اللـه :# يقول
لعليّ حين خلَّفه في بعض مغازيه: ((أَمَا تَرْضى أن تكونَ مني بمنزلةِ هارون من موسى،
إلاَّ أنه لا نبيَّ بعدي))(١).
فاستدلَّ بهذا الروافضُ والإماميَّةُ وسائرُ فِرَقِ الشّيعة على أنَّ النبيَّ # استخلف
عليًّا على جميع الأُمّة، حتى كفَّر الصحابةَ الإماميةُ - قبَّحهم الله - لأنهم عندهم تركوا
العملَ الذي هو النصُّ على استخلاف عليّ، واستخلفوا غيرَه بالاجتهاد منهم. ومنهم
من كفَّر عَلِيًّا إذ لم يَقُم بطلب حقّه. وهؤلاء لا شكَّ في كُفرهم وكُفرِ مَن تَبِعهم على
مَقالتهم (٢). ولم يعلموا أنَّ هذا استخلافٌ في حياة - كالوكالة التي تنقضي بعزل
الموكّلِ أو بموته - لا يقتضي أنه مُتمادٍ بعد وفاته، فينْحَلُّ على هذا ما تعلَّق به الإماميةُ
وغيرهم(٣). وقد استخلف النبيُّ﴾ على المدينة ابنَ أمُّ مكتومٍ وغيرَه(٤)، ولم يَلْزم من
ذلك استخلافُه دائماً بالاتّفاق. على أنه قد كان هارونُ شُرِّك مع موسى في أصل
الرسالة، فلا يكونُ لهم فيه على ما رامُوه دلالة(٥). والله الموفّق للهداية.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أمرٌ بالإصلاح. قال ابنُ جُريج: كان من الإصلاح أن
يزجرَ السامِريَّ ويُغيِّر عليه (٦). وقيل: أي: أُرْفُقْ بهم، وأُضلِخ أمرهم، وأُصلِحْ
نفسَك، أي: كُن مُصلحاً. ﴿وَلَا تَنَّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تَسلُكْ سبيلَ العاصِين،
ولا تکن عوناً للظالمین.
(١) صحيح مسلم (٢٤٠٤)، وهو عند أحمد (١٥٨٣) و(١٦٠٨)، والبخاري (٤٤١٦). وقد سلف ٣٩٨/١.
(٢) المفهم ٦/ ٢٧٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٥٠/٢ .
(٤) سلف ١/ ٤٠٠ .
(٥) المفهم ٦/ ٢٧٣ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٥٠/٢، وأخرجه الطبري ٤١٦/١٠ بنحوه.

٣٢٤
سورة الأعراف: الآية ١٤٣
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِ أَنْفُرْ إِلَيْكَّ قَالَ
لَنْ تَرَِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أُسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَبِيٍّ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ
لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا فَلَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ
١٤٢
أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءُ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾ أي: في الوقت الموعود. ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُُّ﴾
أي: أسمعَه كلامَه من غير واسطة. ﴿قَالَ رَبٍّ أَرِفِ أَنْفُرْ إِلَيْكَ﴾ سأل النَّظرَ إليه،
واشتاقَ إلى رؤيته لمَّا أسمعَه كلامَه. فـ ﴿قَالَ لَنْ تَرَِ﴾ أي: في الدنيا.
ولا يجوز الحَمْلُ على أنه أراد: أرني آيةً عظيمةً لأَنظرَ إلى قُدرتك؛ لأنه قال:
((إِليكَ)) وقال: ((لن تراني)). ولو سأل آيَةً لأعطاه اللهُ ما سأل، كما أعطاه سائرَ الآيات.
وقد كان لموسى عليه السلام فيها مَقْنَعٌ عن طلب آيةٍ أُخرى، فبطل هذا التأويل(١).
﴿وَلَكِنْ أَتُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَبِىٌ﴾ ضَرَبَ له مِثالاً ممَّا هو
أقوى مِن بِنْيَته وأثبتُ، أي: فإنْ ثَبَتَ الجبلُ وسكن؛ فسوف تراني، وإنْ لم يَسكن؛
فإنك لا تُطيق رؤيتي؛ كما أنَّ الجبل لا يُطيق رؤيتي.
وذكر القاضي عياضٌ(٢) عن القاضي أبي بكرِ بنِ الطَّيِّب ما معناه: أنَّ موسى عليه
السلام رأى اللهَ، فلذلك خَرَّ صَعِقاً، وأنَّ الجبل رأى ربَّه، فصار دًَا بإدراكِ خلقه اللهُ
له. واستَنْبط ذلك من قوله: ﴿وَلَكِنْ أَتُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَانَمُ فَسَوْفَ تَرَئِ﴾.
ثم قال: ﴿فَلَّا تَجَلََّ رَبُُّ لِلْجَبَّلِ جَعَلَهُ دَئًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ و((تجلَّى)) معناه:
ظهر، مِن قولك: جَلَوْتُ العروسَ، أي: أبرزتُها. وجَلَوْتُ السيف: أبرزتُه من
الصَّدأ، جِلاءً فيهما. وتجلَّى الشيء: انكشفَ(٣). وقيل: تجلَّى أمرُه وقدرته؛ قاله
قُطْرُبٌ وغيره.
(١) تفسير الرازي ٢٣٠/١٤ .
(٢) في الشفا ١/ ٣٨٥.
(٣) الصحاح (جلو).

٣٢٥
سورة الأعراف: الآية ١٤٣
وقراءة أهلِ المدينة وأهلِ البصرة: (دَأَّا))(١)، يدلُّ على صِحَّتها ﴿ذُكَّتِ الْأَرْضُ
ذَكَا﴾ [الفجر: ٢١]، وأنَّ الجبل مذكّر. وقرأَ أهلُ الكوفة: ((دَّاءَ)»(٢)، أي: جعله مِثْلَ
أرضٍ(٣) دّاءَ، وهي الناتئة لا تبلُغُ أن تكونَ جبلاً. والمذكَّر: أَدَّ، وجمع دَّاء:
دّاوات ودٌُّ، مثل: حَمْراوات وحُمْر(٤). قال الكِسائيّ: الدُّكُّ من الجبال:
العِراض، واحدها: أدَُّّ. غيرُه: والدَّاوات جمع دَّاء: رَوَابٍ من طينٍ ليست
بالغِلاظ. والدَّكْداكُ كذلك من الرمل: ما التبدَ بالأرض فلم يرتفع. وناقة دَّاء: لا
سَنامَ لها(٥).
وفي التفسير: فساخ الجبلُ في الأرض، فهو يذهب فيها حتى الآن. وقال ابن
عباس: جعله تراباً. عَطِيَّةُ العَوْفي: رملاً هائلاً.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: مَغْشِيًّا عليه، عن ابن عباس والحسنِ وقتادة. وقيل:
ميتاً (٦)؛ يقال: صَعِق الرجل فهو صَعِقٌ. وصُعِق فهو مصعوق(٧). وقال قتادة والكلْبيّ:
خَرَّ موسى صَعِقاً يومَ الخميس يومَ عَرَفة، وأُعطي التوراةَ يوم الجمعةِ يومَ النَّحر(٨).
﴿فَلَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَّكَ تَّبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد: من مسألة الرؤيةِ في الدنيا(٩).
وقيل: سأل مِن غير استئذان؛ فلذلك تاب(١٠). وقيل: قاله على جهة الإنابة إلى الله
(١) قرأ بها نافع المدني وأبو عمرو البصري، ووافقهما ابن كثير المكي وابن عامر الشامي وعاصم الكوفي.
السبعة ص٢٩٣ ، والتيسير ص١١٣ .
(٢) قرأ بها حمزة والكسائي من أهل الكوفة، وأما عاصم الكوفي فقرأ: ((دكًا))، كما سلف.
(٣) في (د) و(ز) و(ظ): الأرض.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٤٨/٢، وينظر معاني القرآن له ٧٥/٣.
(٥) مجمل اللغة ٣١٨/١.
(٦) تفسير البغوي ٢/ ١٩٧ - ١٩٨، وتنظر هذه الآثار في تفسير الطبري ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٨ .
(٧) تهذيب اللغة ١٧٨/١ .
(٨) تفسير البغوي ١٩٨/٢ عن الكلبي.
(٩) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٣٤ .
(١٠) الوسيط ٤٠٨/٢ .

٣٢٦
سورة الأعراف: الآية ١٤٣
والخشوع له عند ظهور الآيات(١).
وأجمعت الأمةُ على أنَّ هذه التوبةَ ما كانت عن معصية، فإنَّ الأنبياءَ معصومون.
وأيضاً عند أهل السنَّة والجماعةِ الرؤيةُ جائزةٌ. وعند المُبتدِعة سأل لأجل القوم لِيبيِّنَ
لهم أنها غيرُ جائزة (٢)، وهذا لا يقتضي التوبة. فقيل: أي: تبتُ إليك من قتل القِبْطي.
ذكره القشيريّ. وقد مضى في ((الأنعام))(٣) بيانُ أنَّ الرؤيةَ جائزة.
قال عليُّ بن مَهْديِّ الطبريّ(٤): لو كان سؤال موسى مستحيلاً، ما أقدم عليه مع
معرفته بالله، كما لم يَجُزْ أن يقولَ له: يا ربِّ، أَلَك صاحبةٌ وولد؟. وسيأتي في
(«القيامة))(٥) مذهبُ المعتزلة والردُّ عليهم، إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: مِن قومي. وقيل: من بني إسرائيلَ في
هذا العصر. وقيل: بأنك لا تُرَى في الدنيا؛ لِوعدك السابقِ في ذلك(٦).
وفي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة وغيرِه أنَّ رسول اللـه # قال: ((لا
تُخَيِّروا بين الأنبياء، فإنَّ الناسَ يَضْعَقون يومَ القيامة، فأرفع رأسي، فإذا أنا بموسى
آخِذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أَصَعِقَ فیمن صَعِقَ فأفاقَ قبلي، أو حُوسِبَ
بِصَعْقته الأُولى))، أو قال: ((كَفَتْه صَعْقَتُه الأُولى))(٧).
(١) مجمع البيان ٩/ ١٧ - ١٨.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٢ .
(٣) ٨/ ٤٨٢ - ٤٨٥ .
(٤) علي بن محمد بن مهدي، أبو الحسن، تلميذ أبي الحسن الأشعري، كان من المُبرِّزين في علم
الكلام، له كتاب ((تأويل الأحاديث المشكلات الواردات في الصفات))، وهو من طبقة القفَّال الشاشي.
طبقات الشافعية الكبرى ٤٦٦/٣ .
(٥) في تفسير الآيتين (٢٢ و٢٣).
(٦) تفسير الطبري ٤٣٤/١٠ - ٤٣٥، والمحرر الوجيز ٤٥٢/٢ .
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٢٦/١١ - واللفظ له - وأحمد (١١٢٨٦)، والبخاري (٢٤١٢)، ومسلم (٢٣٧٤)
من حديث أبي سعيد الخدري ﴾. وأخرجه أحمد (٧٥٨٦)، والبخاري (٢٤١١)، ومسلم (٢٣٧٣) من
حديث أبي هريرة . وسلفت القطعة الأولى منه ٢٥٣/٤ .

٣٢٧
سورة الأعراف: الآيتان ١٤٣ - ١٤٤
وذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة(١) عن كعب قال: إنَّ الله تبارك وتعالى قَسَمَ كلامَه
ورؤيته بين محمدٍ وموسى صلى الله وسلم عليهما، فكلَّمه موسى مرَّتين، ورآه
محمدٌ # مرَّتين.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَمُوسَىَ إِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِى وَبِكَلَِّى فَخُذْ مَآ
ءَاتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ
٤٤
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَمُوسَىَ إِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَِ وَبِكَلَِّى﴾ الاصطفاء:
الاجتباء، أي: فضَّلتك. ولم يقل: على الخَلْق؛ لأنَّ مِن هذا الاصطفاءِ أنه كلَّمه،
وقد كلَّم الملائكة، وأَرسله وأرسلَ غيره(٢). فالمراد: ((على النَّاسِ)) المُرسَلِ إليهم.
وقرأ: ((برسالتي)) على الإفراد نافعٌ وابنُ كثير. والباقون بالجمع(٣). والرسالة
مصدر، فيجوز إفرادُها. ومَن جَمَعَ على أنه أُرسِل بضروبٍ من الرِّسالات(٤) فاختلفت
أنواعها، فجمع المصدرُ لاختلاف أنواعه، كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ
اَلْخِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فجمَعَ لاختلاف أجناسِ الأصوات واختلافِ المُصَوِّتين، ووَخَّد
في قوله: (لَصَوْتُ)) لمَّا أراد به جنساً واحداً من الأصوات(٥). ودلَّ هذا على أنَّ قومه
لم يُشاركه في التَّكليم ولا واحد من السبعين، كما بيَّنَّاه في ((البقرة))(٦).
قوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ﴾ إشارةٌ إلى القناعة، أي: إِقنع بما أعطيتُك(٧).
﴿وَّكُنْ مِنَ الشَِّكِينَ﴾ أي: من المُظهِرِين لإحساني إليك وفَضْلي عليك، يقال: دابَّةٌ
(١) في المصنف ١١/ ٥٢٧ .
(٢) تفسير الرازي ٢٣٦/١٤ .
(٣) السبعة ص٢٩٣ ، والتيسير ص١١٣ .
(٤) في (م): الرسالة.
(٥) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٧٦/١ .
(٦) ٢ /١١٤ .
(٧) في (د) و(ز) و(ظ): آتيتك.

٣٢٨
سورة الأعراف: الآيتان ١٤٤ - ١٤٥
شَكُور: إذا ظهَر عليها من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من العَلَف(١). والشاكر معرَّضٌ للمزيد
كما قال: ﴿لَيْنِ شَكَّرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
ويُروى أنَّ موسى عليه السلام مكثَ بعد أن كلَّمه اللهُ تعالى أربعين ليلةً لا يراه
أحدٌ إلَّا مات مِن نور الله عزَّ وجلَّ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاجِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةُ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ
شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَاْ سَأُوِْكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَهِ﴾ يريد التوراة. ورُوي في
الخبر أنه قبضَ عليه جبريلُ عليه السلام بجناحه، فمرَّ به في العُلَا حتى أدناه، حتى
سَمِعٍ صَرِيفَ القلم حين كتب اللهُ له الألواح، ذكره التّرمِذيُّ الحكيم(٣).
وقال مجاهد: كانت الألواح من زُمُرُّدَةٍ خضراء. ابن جُبير: من ياقوتةٍ حمراء. أبو
العالية: من زَبَرْ جَد. الحسن: من خشب، نزلَتْ من السماء. وقيل: من صخرةٍ صمَّاء،
لَيَّنها اللهُ لموسى عليه السلام، فقطَعها بيده، ثم شَقَّها بأصابعه، فأَطاعته كالحديد
لداود. قال مقاتل: أي: كتبنا له في الألواح كنَفْش الخاتم. الربيع بنُ أنس: نزلت
التوراةُ، وهي سبعون وِقْرَ بعير. وأضافَ الكتابةَ إلى نفسه على جهة التشريف، إذ هي
مكتوبةٌ بأمره، كتبها جبريلُ بالقلم الذي كتب به الذِّكر. واستُمِدَّ من نهر النور (٤).
وقيل: هي كتابةٌ أظهرها اللهُ وخلقها في الألواح.
وأصل اللَّوحِ: اللَّمْع(٥) بفتح اللام. قال الله تعالى: ﴿بَلَّ هُوَ قُوَانٌ تَجِدٌ فِى لَوَح
(١) الكلام بنحوه في تهذيب اللغة ١٢/١٠، ومجمل اللغة ٥١٠/١.
(٢) أخرج هذا القول ابن عدي في الكامل ١٦١٨/٤، والحاكم ٥٧٦/٢ من قول عبد الرحمن بن معاوية
أبي الحويرث قال الذهبي في تلخيص المستدرك: إسناده لَيِّن.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من نوادر الأصول، وأخرج الطبري ١/ ٦٦٧ نحوه من قول أبي العالية.
(٤) تنظر هذه الأقوال في تفسير ابن أبي حاتم ١٥٦٢/٥ - ١٥٦٣، والنكت والعيون ٢٥٩/٢ - ٢٦٠،
والوسيط ٤٠٨/٢ - ٤٠٩، وتفسير البغوي ١٩٩/٢ .
(٥) في (ظ) و(م): لوح، والمثبت من (خ) و(د) و(ز). وينظر معجم مقاييس اللغة ٢٢٠/٥.

٣٢٩
سورة الأعراف: الآية ١٤٥
◌َّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢]. فكأن اللَّوحَ تلوح فيه المعاني(١). ويُروى أنها لوحان، وجاء
بالجمع؛ لأنَّ الاثنينِ جَمْع(٢). ويقال: رجلٌ عظيم الألواح، إذا كان كبيرَ عَظْمِ اليدين
والرِّجلين(٣).
ابنُ عباس: وتكسَّرت الألواحُ حين ألقاها، فرُفعت إلَّا سُدسَها. وقيل: بقيَ
سُبُعُها ورُفعت سِنَّةُ أسباعِها. فكان في الذي رُفع تفصيلُ كلِّ شيءٍ، وفي الذي بقيَ
الهدى والرحمة (٤). وأسند أبو نعيم الحافظُ عن عمرو بنِ دِينار قال: بلغني أنَّ موسى
ابنَ عِمرانَ نبيَّ اللهِ # صام أربعين ليلة، فلمَّا ألقى الألواحَ تكسَّرت، فصام مثلَها
فُرُدَّت إليه(٥).
ومعنى ((مِنْ كُلِّ شيء)): مما يُحتاج إليه في دينه من الأحكام وتبيينِ الحلال
والحرام(٦)، عن الثوريٍّ وغيره. وقيل: هو لفظً يُذكر تفخيماً ولا يُراد به التعميم؛
تقول: دخلت السُّوقَ فاشتريتُ كلَّ شيءٍ. وعند فلانٍ كلُّ شيءٍ. و﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[الأحقاف: ٢٥]. ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. وقد تقدَّم (٧).
﴿مَّوْعِظَةٌ وَتَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: لكل شيءٍ أُمِروا به من الأحكام، فإنه لم يكن
عندهم اجتهادٌ، وإنما خصَّ بذلك أُمَّةً محمد ◌ِلـ
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ في الكلامِ حَذْفٌ، أي: فقلنا له: خُذْها بقوّة؛ أي: بجِدٍّ ونشاط.
نظيره: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّقٍ﴾ [البقرة: ٦٣] وقد تقدَّم(٨).
(١) النكت والعيون ٢٦٠/٢ .
(٢) زاد المسير ٢٥٨/٣ .
(٣) تهذيب اللغة ٢٤٨/٥ .
(٤) النكت والعيون ٢٦٣/٢ - ٢٦٤ .
(٥) حلية الأولياء ٣٤٩/٣ .
(٦) النكت والعيون ٢٦٠/٢، وزاد المسير ٢٥٨/٢ .
(٧) ٣٣٨/١.
(٨) ١٦٥/٢ .

٣٣٠
سورة الأعراف: الآيات ١٤٥
﴿وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ أي: يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي، ويتدَبَّروا
الأمثالَ والمواعظ. نظيره: ﴿وَأَنَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أَنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ [الزمر: ٥٥].
وقال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. والعَفْوُ أحسنُ من الاقتصاص، والصبرُ
أحسنُ من الانتصار. وقيل: أحسنُها الفرائض والنوافل، وأَذْوَنُها المباح(١).
﴿سَأُؤْرِكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾، قال الكلبيّ: ((دارَ الفاسقين)) ما مَرُّوا عليه إذا سافروا
من منازل عادٍ وثمود، والقرونِ الذين(٢) أُهلكوا. وقيل: هي جهنم؛ عن الحسن
ومجاهد. أي: فَلْتكُن منكم على ذِكْر، فاحْذَرُوا أن تكونوا منها. وقيل: أراد بها
مصرَ، أي: سأُريكم ديار القِبط ومساكنَ فرعونَ خاليةً عنهم؛ عن ابن جُبير. قتادة:
المعنى: سأُربكم منازلَ الكفارِ التي سكنوها قبلكم من الجبابرة والعمالقة لِتعتبروا
بها، يعني الشام(٣). وهذان القولان يدلُّ عليهما ﴿ وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] الآية.
﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥] الآيةَ، وقد تقدَّم(٤). وقرأ
ابن عباسٍ وقَسَامةُ بنُ زهير: ((سأُورِثكم))(٥) مِن ((ورث)). وهذا ظاهر.
وقيل: الدار: الهلاك، وجمعه أدوار. وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا أغرقَ فرعون،
أَوْحى إلى البحر أن اقذِف بأجسادهم إلى الساحل، قال: ففعل، فنظر إليهم بنو
إسرائيل، فأراهم هلاكَ الفاسقين(٦).
(١) تفسير البغوي ٢/ ٢٠٠، وزاد المسير ٢٥٩/٣ .
(٢) في (خ) و(د) و(ز) و(م): التي، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لتفسير البغوي ٢/ ٢٠٠ والكلام منه.
(٣) تنظر هذه الأقوال في النكت والعيون ٢/ ٢٦١، والمحرر الوجيز ٤٥٣/٢، والوسيط ٤٠٩/٢ - ٤١٠،
وتفسير البغوي ٢٠٠/٢، وزاد المسير ٢٦٠/٣.
(٤) ص٣١٦ من هذا الجزء.
(٥) القراءات الشاذة ص٤٦. قال الزمخشري في الكشاف ٢/ ١١٧: هي قراءة حسنة، يصححها قوله:
﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون﴾ وينظر البحر ٣٨٩/٤. وقسامة بن زهير: المازني التميمي
البصري، روى عن أبي موسى الأشعري وأبي هريرة رضي الله عنهما، توفي بعد الثمانين. تهذيب
التهذيب ٤٤٠/٣ .
(٦) تفسير ابن أبي حاتم ١٥٦٦/٥ (٨٩٨٠).

٣٣١
سورة الأعراف: الآيتان ١٤٦ - ١٤٧
قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَِىَ اَلَّذِينَ يَتَكَّرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأ
كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْأْ سَيِلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأ
سَبِيلَ الْفَّيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَهُمْ كَذَّبُوا بِعَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ (٢٦)
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَآءِ الْآَخِرَةِ خَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَِقَ الَّذِينَ يَتَكَبُّونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال قتادة:
سأمنعُهم فَهْمَ كتابي، وقاله سفيانُ بن عيينة. وقيل: سأَضرِفهم عن الإِيمان بها(١).
وقيل: سأصْرِفهم عن نَفْعها(٢)، وذلك مُجازاةً على تكبُّرِهم؛ نظيرُه: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ
اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٦١]. والآياتُ على هذا: المعجزاتُ، أو الكُتب المُنزلة. وقيل:
خَلقُ السماواتِ والأرض، أي: أَضْرِفُهم عن الاعتبارِ بها(٣). ﴿يَتَكَبَُّونَ﴾: يَرَوْنَ
أنَّهم أفضلُ الخلق، وهذا ظرٍّ باطل، فلهذا قال: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فَلَا يَتَّبعون نَبِيًّا، ولا
يُضْغُون إليه لتحُّرِهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْأَ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ
سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأُ سَبِيلَ الْفِىّ يَتَّخِذُوهُ سَكِيلًا﴾ يعني: هؤلاء المُتكبِّرين. أخبر عنهم أنَّهم
يتركون طريقَ الرَّشاد، ويتَّبِعون سبيلَ الغيِّ والضلال؛ أي: الكفر؛ يتَّخذوه دِيناً. ثم
علَّل فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِمَايَئِنَا﴾ أي: ذلك الفعلُ الذي فعلْتُه بهم بتكذيبهم.
﴿وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ﴾ أي: كانوا في تَرْكهم تدبُّرَ الحقِّ كالغافلين. ويَحتمِلُ أنْ
يكونوا غافلين عما يُجازَوْن به؛ كما يقال: ما أغفلَ فلاناً عمَّا يُرادُ به(٤).
وقرأ مالك بنُ دِينار: ((وإِنْ يُروا)) بضمِّ الياءِ في الحرفين؛ أي: يُفْعَل ذلك بهم(٥).
(١) زاد المسير ٢٦٠/٣، وقول سفيان أخرجه الطبري ٤٤٣/١٠ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٧٩/٢ .
(٣) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٤٣ من قول ابن جريج.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٧٩/٣، وزاد المسير ٢٦١/٣ .
(٥) ذكرها الزمخشري في الكشاف ١١٧/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٥٤/٢ .

٣٣٢
سورة الأعراف: الآيات ١٤٦ - ١٤٨
وقرأَ أهلُ المدينة وأهلُ البصرةِ: ((سَبِيلِ الرُّشْد)) بضمِّ الراء وإسكان الشين(١). وأهلُ
الكوفةِ إلا عاصماً: ((الرَّشَد)) بفتح الراء والشين.
قال أبو عُبيد: فرَّق أبو عمرو بينَ الرُّشْد والرَّشَد فقال: الرُّشْد في الصَّلاح.
والرَّشَد في الدِّين.
قال النحاس(٢): سيبويه يذهبُ إلى أنَّ الرُّشْد والرَّشَد مثلُ السُّخْط والسَّخَط،
وكذا قال الكسائي.
والصحيحُ عن أبي عمرو غيرُ ما قال أبو عُبيد؛ قال إسماعيلُ بن إسحاق: حدّثنا
نصرُ بن عليّ، عن أبيه، عن أبي عمرو بن العلاء قال: إذا كان الرُّشْد وسطَ الآية فهو
مُسَكَّن، وإذا كانَ رأسَ الآيةِ فهو محرّك.
قال النحاس: يعني برأسِ الآية نحو ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]،
فهما عنده لغتان بمعنّى واحد؛ إلَّا أنَّه فتحَ هذا لِتتفقَ الآيات. ويقال: رَشَد يَرْشُد،
ورَشِدَ يَرْشَدُ. وحكى سيبويه رَشد يَرشد(٣). وحقيقة الرُّشْد والرَّشَد في اللغة: أن يظفَر
الإنسان بما يُريد، وهو ضدُّ الخَيْبة.
قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيْهِمْ ◌ِجْلَا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ
يَرَوَا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أَتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد خروجه إلى الظُّور .﴿مِنْ
◌ُلِيْهِمْ﴾ هذه قراءةُ أهلِ المدينة وأهلِ البصرة(٤). وقرأَ أهلُ الكوفة إلَّا عاصماً: ((من
(١) قرأ بها من أهل المدينة نافع، ومن أهل البصرة أبو عمرو، وقرأ بها أيضاً ابن كثير المكي وابن عامر
الشامي، وعاصم من الكوفيين. السبعة ص٢٩٣ ، والتيسير ص١١٣ .
(٢) في إعراب القرآن ١٤٩/٢ - ١٥٠، وما قبله منه.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) قرأ بها من أهل المدينة نافع، ومن أهل البصرة أبو عمرو، وقرأ بها أيضاً ابن كثير المكي وابن عامر
الشامي وعاصم الكوفي. السبعة ص٢٩٤ ، والتيسير ص١١٣ .

٣٣٣
سورة الأعراف: الآية ١٤٨
حِلِيِّهِمْ)) بكسر الحاء. وقرأَ يعقوبُ: ((من حَلْيِهِم)) بفتح الحاءِ والتخفيف(١). قال
النحاس(٢): جمعُ حليٍ : حُلِيٍّ وحِلِيٍّ؛ مثلُ نَدي وثُدِيٍّ وثدِيٍّ. والأصلُ: حُلُوي، ثم
أدغمت الواو في الياء، فانكسرت اللام لمجاورتها الياء، وتكسرُ الحاءُ لكسرةِ اللام،
وضَمُّها على الأصل.
﴿عِجْلَا﴾ مفعول. ﴿جَسَدًا﴾ نعتٌ أو بدل. ﴿لَّهُ خُوَارٌ﴾ رفع بالابتداء. يقال: خار
يَخُور خُواراً: إذا صاح. وكذلك جَار يَجْأَر جُواراً(٣). ويقال: خَوِرَ يَخْوَرُ خَوَراً: إذا
جَبُن وضَعُف.
ورُوي في قصص العجل(٤): أنَّ السّامِريَّ - واسمه موسى بن ظَفَر - ينسب إلى
قريةٍ تدعى سَامِرة. وُلد عام قَتْل الأبناء، وأَخْفته أمُّه في كهف جبلٍ فغذًّاه جبريلُ؛ فعرفَه
لذلك، فأخذ - حين عبرَ البحر على فرسٍ وَدِيق(٥) ليتقدَّم فرعونَ في البحر - قبضةً من
أثر حافر الفرس. وهو معنى قوله ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦].
وكان موسى وعد قومَه ثلاثين يوماً، فلما أبطأ في العشر الزائد، ومضت ثلاثون
ليلةً قال لبني إسرائيل - وكان مطاعاً فيهم -: إنَّ معكم حُلِيًّا من حُلِيٍّ آل فرعون - وكان
لهم عيدٌ يتزينون فيه، ويستعيرون مِنَ القِبْطِ الحُلِيّ، فاستعاروا لذلك اليوم، فلمّا
أخرجهم الله من مصر، وغرّق القِبْطَ، بَقِيَ ذلك الحُلِيُّ في أيديهم - فقال لهم
السَّامِرِيّ: إنَّه حرامٌ عليكم؛ فهاتوا ما عندكم فنحرقه.
وقيل: هذا الحُلِيّ ما أخذَه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق، وأنَّ هارون
قال لهم: إن الحُلِيّ غنيمةٌ، وهي لا تَحِلّ لكم؛ فجمعها في حُفْرةٍ حَفَرِها، فأخذَها
السَّامِرِيُّ.
(١) ويعقوب من العشرة. النشر في القراءات العشر ٢٧٢/٢ .
(٢) في إعراب القرآن ٢/ ١٥٠، وما قبله منه.
(٣) في النسخ خار يخار خواراً، والمثبت من (م) وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ١٥١/٢ والكلام
منه.
(٤) تنظر هذه القصص في تفسير الطبري ٦٦٩/١ وما بعدها، وعرائس المجالس ص ٢١٠ - ٢١١.
(٥) هي التي تشتهي الفحل. النهاية (ودق).

٣٣٤
سورة الأعراف: الآية ١٤٨
وقيل: استعاروا الحُلِيَّ ليلةَ أرادوا الخروجَ من مصر، وأَوهموا القِبْطَ أنَّ لهم
عرساً أو مجتمعاً، وكان السَّامِرِيّ سَمِعَ قولَهم: ﴿أَجْعَل لَّا إِلَهَا كَمَا لَمْ ءَإِهَةٌ﴾
[الأعراف: ١٣٨]، وكانت تلكَ الآلهةُ على مِثال البقر؛ فصاغ لهم عجلاً جسداً، أي:
مُضْمَتاً، غيرَ أنهم كانوا يسمعون منه خُواراً.
وقيل: قَلبه الله لحماً ودماً(١). وقيل: إنَّه لمَّا ألقى تلك القبضةَ من التراب في
النار على الحُلِيِّ؛ صار عجلاً له خُوار، فخارَ خَوْرَةً واحدةً ولم يُثَنِّ(٢)، ثم قال
للقوم: ﴿هَذّا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ﴾ [طه: ٨٨]. يقول: نَسِيَه هاهنا وذهب يَطلبه
فَضَلَّ عنه، فتعالَوْا نعبدْ هذا العجل. فقال الله لموسى وهو يُناجيه: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ
مِنْ بَعْدِكَ وَأَلَّهُ التَّامِىُّ﴾ [طه: ٨٥]. فقال موسى: يا ربّ، هذا السَّامريُّ أخرج لهم
عجلاً من حُلِيِّهم، فمن جعل له جسداً؟ - يريد اللَّحم والدَّم - ومَن جعل له خُواراً؟
فقال الله سبحانه: أنا، فقال: وعزَّتك وجلالك، ما أضلّهم غیرُك. قال: صدقتَ یا
حكيمَ الحُكَماءِ(٣). وهو معنى قوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقال القَفّال: کان السامريُّ احتال بان جوَّف العجل، وکان قابل به الرِیح، حتى
جاء من ذلك ما يُحاكي الخُوار، وأَوْهَمهم أنَّ ذلك إنَّما صار كذلك لمّا طرح في
الجسدٍ من التراب الذي كان أخذه من تراب قوائم فرس جبريل. وهذا كلامٌ فيه
تهافتٌ، قاله القُشَيريّ.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَرَوَاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ بَيَّن أنَّ المعبودَ يجب أن يتَّصف بالكلام.
﴿وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً إلى حُجَّة(٤). ﴿أَتَّخَذُوهُ﴾ أي: إلهاً. ﴿وَكَانُوا
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٣٦/٢ عن قتادة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٥٦٨/٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) أخرجه الطبري ٦٧١/١ عن السدي بنحوه، وينظر عرائس المجالس ص٢١٢ . وهذه الأخبار من
الإسرائيليات. قال الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير ٩/ ١١٠: ما وقع في القصص أنه كان لحماً
ودماً ويأكل ويشرب؛ فهو من وضع القصاصين.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٧٨/٢ .

٣٣٥
سورة الأعراف: الآيتان ١٤٨ - ١٤٩
ظَلِمِينَ﴾ أي: لأنفسهم فيما فعلوا من اتّخاذه. وقيل: وصاروا ظالمين، أي:
مشركين(١) لجعلهم العجل إلهاً.
قوله تعالى: ﴿وَلَا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا
٩
رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَا سُقِطَ فِى أَيَدِيِهِمْ﴾ أي: بعد عَوْدِ موسى من المِيقات. يقال
للنادم المُتحيِّر: قد سُقِطَ في يده.
قال الأخفش(٢): يقال: سُقط في يده، وأُسْقِطَ. ومَن قال: ((سَقَطَ في أيديهم))
على بناء الفاعل(٣)؛ فالمعنى عنده: سَقط الندم؛ قاله الأزهرِيُّ والنحاس وغيرهما (٤).
والندمُ يكون في القلب، ولكنَّه ذكَرَ اليدَ؛ لأنَّه يقال لمن تحصَّل على شيءٍ: قد
حصل في يده أمرُ كذا؛ لأنَّ مباشرةَ الأشياء في الغالب باليد، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ
بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]. وأيضاً: الندمُ وإِنْ حَلَّ بالقلب(٥) فأثره يظهرُ في
البدن(٦)؛ لأنَّ النادم یَعَضُّ یده، ویضرب إحدى يديه على الأُخرى، قال الله تعالى:
◌ِفَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٤٢] أي: نَدِمَ. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى
يَدَيْهِ﴾ أي: من النَّدَم. والنادمُ يضعُ ذَقنَه في يده(٧).
وقيل: أصلُه من الاستئسار، وهو أنْ يضربَ الرجلُ الرجلَ، أو يصرعَه، فيرميَ
به من يَدَيْه إلى الأرض لِيأْسِرَه أو يَكْتِفَه؛ فالمَرْمِيُّ مسقوطٌ به في يدِ الساقط (٨).
(١) ذكره الواحدي في الوسيط ٢/ ٤١١ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) في معاني القرآن ٥٣٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٥١/٢.
(٣) قرأ بها ابن السميفع. القراءات الشاذة ص٤٦ .
(٤) تهذيب اللغة ٨/ ٣٩٢، وإعراب القرآن ١٥١/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٣٧٨/٢.
(٥) في (م): في القلب.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣٧٨/٢ .
(٧) مجمع الأمثال للميداني ٣٣١/١.
(٨) تفسير الطبري ٤٤٨/١٠ .

٣٣٦
سورة الأعراف: الآيات ١٤٩ - ١٥١
﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي: انقلبوا بمعصية الله.
﴿قَالُواْ لَيْن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ أخذوا في الإقرار
بالعبودية والاستغفار. وقرأ حمزةُ والكسائيّ: ((لئن لم تَرْحَمنا ربَّنا وتَغْفِرْ لنا)) بالتاء
على الخطاب، وفيه معنى الاستغاثة والتضرُّع والابتهال في السُّؤال والدُّعاء. ((ربَّنا))
بالنصب على حَذْفِ النداء، وهو أيضاً أبلغُ في الدُّعاء والخُضوع، فقراءتُهما أبلغُ في
الاستكانة والتضرُّع، فهي أَوْلى(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِنْسَمَا خَلَقْتُهُونِي مِنْ بَعْدِىّ
أَعَجِلْتُمْ أَقَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُّهُ إِلَيْهِ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ
اَلْقَوْمَ لُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَ ثُثْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ وَلَا تَّتْعَلْنِى مَعَ اَلْقَوْمِ
قَالَ رَبٍّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِ رَحْمَتِكٌ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
اٌلْنَّالِمِينَ
١٥١)
الزَّحِمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَقَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا﴾ لم ينصرف ((غَضْبَانَ)) لأنَّ
مؤنَّته غَضْبَى، ولأنَّ الألف والنونَ فيه بمنزلة ألفي(٢) التَّأنيث في قولك: حمراء. وهو
نصب على الحال.
و ((أَسِفاً)»: شديدَ الغضب. قال أبو الدَّرداء: الأَسَفُ منزلةٌ وراء الغضب أشدُّ من
ذلك(٣). وهو أَسِفٌ وأَسِيفٌ وأَسْفانُ وأَسُوفٌ. والأَسِيفُ أيضاً: الحزِين.
ابن عباس والسُّدِّي: رجع حزيناً من صنيع قومه (٤). وقال الطبريّ: أخبره الله عزَّ
وجلَّ قبل رجوعه أنَّهم قد فُتِنوا بالعجل؛ فلذلك رجع وهو غضبان(٥).
(١) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٧٧/١، وينظر السبعة ص٢٩٤، والتيسير ص١١٣.
(٢) في (ظ): ألف والكلام في إعراب القرآن للنحاس ١٥١/٢ .
(٣) أخرجه الطبري ٤٥٠/١٠ .
(٤) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٥٠ .
(٥) تفسير الطبري ٤٤٩/١٠ .

٣٣٧
سورة الأعراف: الآيتان ١٥٠ - ١٥١
ابن العربيّ: وكان موسى عليه السلام من أعظم الناس غضباً، لكنَّه كان سريع
الفَيْئة؛ فتلك بتلك. قال ابن القاسم: سمعتُ مالكاً يقول: كان موسى عليه السلام إذا
غَضِب طلع الدُّخَان من قَلَنْسُوَتِهِ، ورفعَ شعرُ بدنه جُبَّتَهَ(١). وذلك أنَّ الغضب جَمْرة
تتوقّد في القلب؛ ولأجله أمرَ النبيُّ ﴿ مَن غضب أن يضطجع، فإنْ لم يذهب غضبُه
اغتسل (٢)؛ فيُخْمِدُها اضطجاعُه ويطفئها اغتساله(٣). وسُرْعةُ غضبه كان سبباً لصَكّه
مَلَكَ الموت ففقأ عينَه. وقد تقدَّم في ((المائدة))(٤) ما للعلماء في هذا.
وقال الترمِذيُّ الحكيم(٥): وإنما استجازَ موسى عليه السلام ذلك لأنَّه كليمُ الله؛
كأنَّه رأى أنَّ مَنِ اجتراً عليه أو مدَّ إليه يداً بأذى فقد عظم الخطب فيه. ألا ترى أنه
احتجَّ عليه فقال: من أين تنزِعُ روحي؟ أمن فمِي وقد ناجيتُ به ربي! أمْ مِن سمعي
وقد سمعت به كلام رَبِّي! أم مِن يدي وقد قبضتُ منه(٦) الألواح! أم مِن قدمي وقد
قمتُ بين يديه أكلِّمه بالظُور! أمْ مِن عيني وقد أشرقَ وجهي لنوره. فرجعَ إلى ربّه
مُفْحَماً.
وفي ((مُصَنّف)) أبي داود عن أبي ذرِّ قال: إن رسول الله ﴾ قال لنا: ((إذا غَضِبَ
أحدُكم وهو قائمٌ فَلْيجلِسْ، فإنْ ذهبَ عنه الغضبُ؛ وإلا فَلْيضطجع)»(٧). ورَوَى أيضاً
عن أبي وائل القاصّ قال: دخلنا على عروةَ بنِ محمد السّعدِيّ(٨) فكلَّمه رجلٌ
(١) سلف ٧/ ٤٠٧، وهو من الإسرائيليات.
(٢) لم نقف عليه بهذا السياق، والقسم الأول منه سيرد قريباً، والقسم الثاني أخرجه أبو نعيم في الحلية
١٣٠/٢ من حديث معاوية ، وفي إسناده ياسين بن معاذ الزيات. قال البخاري: منكر الحديث، وقال
النسائي وابن الجنيد: متروك. ميزان الاعتدال ٣٥٨/٤ . وتحرف في مطبوع الحلية: ياسين (يعني ابن
معاذ) عن عبد الله، إلى: ياسين بن عبد الله.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٨٢ - ٧٨٣ .
(٤) ٦ / ١٣١ .
(٥) في نوادر الأصول ص٤٣ .
(٦) في (ظ): بها.
(٧) سنن أبي داود (٤٧٨٢)، وهو في مسند أحمد (٢١٣٤٨).
(٨) عامل عمر بن عبد العزيز على اليمن، وكان من صالح العُمَّال، ينظر تهذيب الكمال ٣٢/٢٠ .

٣٣٨
سورة الأعراف: الآيتان ١٥٠ - ١٥١
فأغضبَه؛ فقامَ، ثم رجعَ وقد توضأ، فقال: حدّثني أبي عن جدّي عطيّة قال: قال
رسول الله #: ((إنَّ الغضبَ من الشيطان، وإنَّ الشيطانَ خُلِقَ مِن النار، وإنما تَعْفَأُ
النارُ بالماء، فإذا غَضِبَ أحدُكُمْ فَلْيتوضَّأُ))(١).
قوله تعالى: ﴿ِسَمَا خَلَفْتُنِ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ ذَمِّ منه لهم، أي: بئس العملُ عَمِلتُم(٢)
بعدي. يقال: خَلَفَه، بما يكره، ويقال في الخير أيضاً؛ يقال منه: خَلَفَه بخير أو بِشَرِّ
في أهله وقومه بعد شُخوصه(٣).
﴿أَعَِتُمْ أَقَ رَبِّكُمْ﴾ أي: سبقتموه. والعَجَلة: التقدُّم بالشيء قبلَ وقته، وهي
مذمومة. والسرعةُ: عَمَلُ الشيء في أوَّل أوقاته، وهي محمودة(٤)؛ قال يعقوب:
يقال: عَجِلتُ الشيءَ: سبقته، وأَعجلتُ الرجلَ: استعجلته(٥)، أي: حملتُه على
العَجَلة. ومعنى ((أَمْرَ رَبِّكم)) أي: مِيعادَ ربّكم، أي: وَعْدَ أربعينَ ليلة. وقيل: أي:
تعجَّتم سَخط ربّكم. وقيل: أَعَجِلتُم بعبادة العجل قبل أن يأتيّكم أَمْرُ ربّكم (٦).
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ أي: ممَّا اعتراه من الغضب والأَسَف
حين أشرفَ على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، وعلى أخيه في إِهمال
أمرهم؛ قاله سعيد بن جُبير (٧). ولهذا قيل: ((ليسَ الخبرُ كالمعاينة))(٨). ولا التفاتَ لما
(١) سنن أبي داود (٤٧٨٤)، وهو في مسند أحمد (١٧٩٨٥) وإسناده ضعيف.
(٢) في (خ): عملكم، وفي (ظ): عملتموه.
(٣) تفسير البغوي ٢٠٢/٢ . وقوله: شخوصه؛ في القاموس: شخص من بلد إلى بلد: ذهب.
(٤) تفسير الرازي ١١/١٥، وعزاه للواحدي.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٥١/٢.
(٦) في (خ) و(م): من ربكم. وينظر تفسير الرازي ١٥/ ١١ .
(٧) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٥١ ، من قول سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٨) هو حديث عن النبي ؛ أخرجه أحمد (١٨٤٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وسلف ٣٠٩/٤.

٣٣٩
سورة الأعراف: الآيتان ١٥٠ - ١٥١
رُوي عن قتادة - إنْ صحَّ عنه، ولا يصحُّ - أنَّ إلقاءَه الألواحَ إنَّما كان لِمَا رأى فيها من
فضيلةِ أمة محمد﴾، ولم يكن ذلك لأُمَّته(١). وهذا قول رديءٌ لا ينبغي أنْ يُضاف
إلى(٢) موسى ﴾(٣).
وقد تقدَّم عن ابن عباس ﴾ أنَّ الألواحَ تكسَّرت، وأنه رُفع منها التفصيل وَبَقِيَ
فيها الهدى والرحمة(٤).
الثانية: وقد استدلَّ بعضُ جُهّال المتصوّفة بهذا على جواز رَمْي الثياب إذا اشتدَّ
طَرَبُهم على المَغْنَى. ثم منهم من يَرمِي بها صحاحاً، ومنهم مَن يَخْرِقها ثم يرمي بها؛
قال: هؤلاء في غَيْبةٍ فلا يُلامون؛ فإنَّ موسى عليه السلام لمَّا غلب عليه الغمُّ بعبادةٍ
قومه العجلَ، رمَی الألواحَ فکسرها، ولم یدرِ ما صنع.
قال أبو الفرج الجوزيّ(٥): مَن يصحِّح عن موسى عليه السلام أنه رماها رَمْيَ
كاسر؟ والذي ذكر في القرآن: إلقاءها، فمن أين لنا أنها تكسَّرت؟ ثم لو قيل:
تكسَّرت؛ فمن أين لنا أنَّه قصدَ كسرَها؟ ثم لو صحّحنا ذلك عنه قلنا: كان في غيبةٍ،
حتى لو كان بين يديه بحرٌ مِنْ نار لَخاضه. ومَن يُصحِّح لهؤلاء غَيْبتهم وهم يعرفون
المُغنِّي من غيره، ويحذرون من بئر لو كانت عندهم. ثم كيف تُقاسُ أحوال الأنبياء
على أحوال هؤلاء السفهاء.
وقد سُئِل ابنُ عَقيل(٦) عن تواجدهم وتخریق ثيابهم فقال: خطأ وحرام، وقد نهى
رسولُ الله﴾ عن إضاعة المال(٧). فقال له قائلٌ: فإنَّهم لا يعقلون ما يفعلون. فقال:
(١) أخرجه الطبري ١٠/ ٤٥٢ . قال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٧٧: كأنه تلقَّاه قتادة عن بعض أهل الكتاب،
وفيهم كذَّابون ووضّاعون وأفّاكون وزنادقة.
(٢) في (خ) و(د) و(ز): يوصف إلى.
(٣) قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٥٧/٢ .
(٤) تقدم ص٣٢٩ من هذا الجزء.
(٥) في تلبيس إبليس ص٢٥١ .
(٦) علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، أبو الوفا البغدادي الحنبلي، توفي سنة (٥١٣هـ). السير ٤٤٣/١٩.
(٧) سلف ٤/ ٤٨٢ .

٣٤٠
سورة الأعراف: الآيتان ١٥٠ - ١٥١
إنْ حضَروا هذه الأمكنة مع عِلْمهم أنَّ الطَّرب يغلِبُ عليهم فيزيلُ عقولهم، أَثِمُوا بما
أدخلوه على أنفسهم مِنَ التخريق وغيره ممَّا أفسدوا(١)، ولا يَسقطُ عنهم خطابُ
الشرع؛ لأنَّهم مُخاطبون قبل الحضور بتجنُّب هذا الموضع الذي يُفضِي إلى ذلك. كما
هم مَنِهِيُّون عن شُرب المسكر، كذلك هذا الطَّرَب الذي يُسمِّيه أهلُ التصوف وَجْداً إِنْ
صدقوا فيه أنه(٢) سُكْرُ طبع، وإنْ كَذَبوا أفسدوا مع الصَّخو، فلا سلامةً فيه مع
الحالين، وتجثُّبُ مواضعِ الرِّيَب واجبٌ(٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُُّ إِلَيْهِ﴾ أي: بلحيته وذَوابته. وكانَ هارونُ أكبرَ
من موسى صلوات الله وسلامه عليهما بثلاثٍ سنين، وأحبَّ إلى بني إسرائيل من
موسى؛ لأنَّه كان لَيِّنَ الغضب(٤).
وللعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربع تأويلات:
الأوّل: أنَّ ذلك كان متعارَفاً عندهم؛ كما كانت العرب تفعله مِنْ قبض الرجل
على لحيةٍ أخيه وصاحبه إكراماً وتعظيماً، فلم يكن ذلك على طريق الإذلال(٥).
الثاني: أنَّ ذلك إنما كان (٦) ليُسِرَّ إليه نزولَ الألواح عليه؛ لأنَّها نزلت عليه في
هذه المناجاة، وأراد أن يُخفيّها عن بني إسرائيل قبل التوراة. فقال له هارون: لا تأخذ
بلحيتي ولا برأسي؛ لئلا يشتبه سِرارُه على بني إسرائيل بإذلاله(٧).
الثالث: إنما فعل ذلك به؛ لأنَّه وقع في نفسه أنَّ هارونَ مائلٌ مع بني إسرائيل
فيما فعلوه من أمر العجل. ومثلُ هذا لا يجوز على الأنبياء.
(١) في النسخ: يفسدوا، والمثبت من (م).
(٢) في (خ) و(ظ): إن فيه، وفي (م): أن فيه.
(٣) تلبيس إبليس ص٢٥٢ .
(٤) تفسير البغوي ٢/ ٢٠٢ .
(٥) النكت والعيون ٢٦٤/٢ .
(٦) في (ظ): إنما كان ذلك.
(٧) المحرر الوجيز ٤٥٧/٢ .