Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة الأعراف: الآيات ٢٢ - ٢٦ ما يستُرُ به عورتَه إلا ورقَ الشجر؛ لَزِمَه أن يستَتِر بذلك؛ لأنه سُترةٌ ظاهرةٌ يُمكنه التسترُ بها، كما فعل آدمُ في الجنة. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَنَادَنْهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا النَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ ◌ُبِينٌ قَالَ رَبَّنَا ◌َنَآَ أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ أي: قال لهما: ألم أَنْهكما؟ قالا: ((رَبَّنَا)) نداءٌ مضاف. والأصل: يا ربَّنا. وقيل: إنَّ في حذف ((يا)) معنى التعظيم(١). فاعترفا بالخطيئة وتابا، وقد مضَى في ((البقرة))(٢). ومعنى قوله: ﴿قَالَ أَهْرِطُواْ﴾ تقدَّم أيضاً إلى آخر الآية(٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ فِيَهَا تَحْوَنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ الضمائر كلُّها للأرض، ولم يذكرِ الواوَ في ((قال))، ولو ذكرها لجاز أيضاً، وهو کقولك: قال زيدٌ لعمرو کذا، قال له كذا. قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ مَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِشَّاً وَلِمَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَبْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَِّ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فیہ أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿یَبَقِّ ءَادَمَ قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ قال کثیرٌ من العلماء: هذه الآية دليلٌ على وجوب سَتر العَورة؛ لأنَّه قال: ﴿يُؤَرِى سَوْءَكُمْ﴾. وقال قوم: إنَّه ليس فيها دليلٌ على ما ذكروه، بل فيها دَلالةٌ على الإنعام فقط (٤). قلت: القول الأوَّل أصحُ، ومن جُملة الإنعام سَتْرُ العَورة، فبيَّن أنَّه سبحانه (١) إعراب القرآن للنحاس ١١٩/٢. وقال مكي في مشكل إعراب القرآن ٢٨٥/١: وذلك أن النداء فيه طرف من معنى الأمر، لأنك إذا قلت: يا زيد، فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت ((يا)) من نداء الربّ ليزول معنى الأمر وينقص، لأن ((يا)» تؤكّده وتُظهر معناه. (٢) ١ / ٤٨١ - ٤٨٢ . (٣) ٤٧٤/١ وما بعدها. (٤) أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٣٤. ١٨٢ سورة الأعراف: الآية ٢٦ وتعالى جعل لذرِّيته ما يستُرون به عوراتِهم، ودلَّ على الأمر بالتستُّر. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العَورة عن أَعْيُن الناس. واختلفوا في العورة ما هي؟ فقال ابن أبي ذِئب: هي من الرَّجل الفَرْجُ نفسُه؛ القُبُلُ والدُّبُر دون غيرهما، وهو قول داود، وأهل الظاهر، وابن عُلَيَّة(١) والطبري؛ لقوله تعالى: ﴿َِاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، ﴿بَدَتْ لَمَا سَوْءَاتَّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]، وفي البخارِيِّ عن أنس: فَأَجَرَى رسولُ الله ◌ِ﴾ في زقاق خيبرَ. وفيه: ثم حَسَرَ الإزارَ عن فَخِذِه؛ حتى إنِّي أنظرُ إلى بياضٍ فَخِذٍ نبيِّ الله ﴾(٢). وقال مالك: السُّرَّة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشفَ فَخِذَه بحضرة زوجته(٣). وقال أبو حنيفة: الرُّكْبَة عورة، وهو قول عطاء. وقال الشافعِيُّ: ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح، وحكى أبو حامد الترمذيُّ(٤) أن للشافعيِّ في السُّرة قولين. وحُجَّة مالك قولُه عليه الصلاة والسلام لجَرْهد: ((غَطّ فَخِذَك، فإنَّ الفَخِذَ عورةٌ))، خرَّجه البخاريُّ تعليقاً وقال: حديثُ أنس أسندُ، وحديثُ جَرْهدٍ أحوطُ حتى يُخرَجَ مِن اختلافهم(٥). وحديث جَرْهَد هذا يدلُّ على خلافٍ ما قال أبو حنيفة. ورُوِيَ أنَّ أبا هريرةَ قبَّلَ سُرَّةَ الحسن بن عليٍّ وقال: أُقبّل منك ما كان رسول الله ﴿ يُقَبِّل منك(٦)، فلو كانت السُّرة عورةً ما قبَّلها أبو هريرةَ، ولا مكَّنه الحسنُ منها. (١) في (د) و(م): ابن أبي عبلة، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للتمهيد ٣٨٠/٦، والاستذكار ٤٣٩/٥ ، والكلام منهما. (٢) صحيح البخاري (٣٧١)، وأخرجه أحمد (١١٩٩٢)، ومسلم ٢/ ١٠٤٣ (١٣٦٥) (كتاب النكاح). (٣) قال ابن عبد البر في الاستذكار ٤٣٩/٥: وهذا ما لا أعلم أن أحداً قاله غيره. (٤) في الاستذكار: ابن حامد، ولم نعرفه. (٥) صحيح البخاري (قبل الحديث: ٣٧١)، وأخرجه أحمد (١٥٩٣٢). وجرهد: هو ابن خويلد بن بُجرة، كان من أهل الصُّفّة، مات آخر خلافة يزيد. الإصابة ٧٤/٢ . (٦) أخرجه أحمد (٧٤٦٢). ١٨٣ سورة الأعراف: الآية ٢٦ وأمَّا المرأةُ الحُرَّة، فعورةٌ كلُّها إلَّ الوجهَ والكفَّين، على هذا أكثرُ أهلِ العلم(١). وقد قال النبيُّ ﴾: ((مَن أرادَ أن يتزوَّجَ امرأةً فَلْينظُرْ إلى وَجْهِها وكفَّيْها))(٢)، ولأنَّ ذلك واجبٌ كشفُه في الإحرام. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كلُّ شيء من المرأة عورةٌ حتى ◌ُفرها. ورُوي عن أحمد بن حنبل نحوه. وأما أمُّ الولد؛ فقال الأثْرَم: سمعتُه - يعني أحمد بن حنبل - يُسأل عن أمِّ الولد: كيف تُصلِّي؟ فقال: تُغطّي رأسَها وقدمَيْها؛ لأنَّها لا تُباع، وتُصلِّي كما تصلِّي الحُرَّة(٣). وأمَّا الأَمَة؛ فالعَورة منها ما تحت ثدييها (٤) ولها أن تُبديَ رأسَها ومِعصَمَيْها، وقيل: حُكمها حُكم الرجل، وقيل: يُكره لها كشفُ رأسها وصدرها، وكان عمرُ ﴾ يضرِبُ الإماءَ على تغطيتهن رؤوسَهنَّ، ويقول: لا تَشبَّهن بالحرائر(٥). وقال أصبغ: إن انكشف فخذُها أعادت الصلاة في الوقت(٦). (١) التمهيد ٣٧٩/٦ - ٣٨١ و٣٦٤، والاستذكار ٤٣٨/٥ - ٤٣٩. (٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أحمد (١٤٥٨٦) عن جابر﴾ قال: قال رسول الله #: ((إذا خطب أحدُكم المرأةَ، فإن استطاع أن ينظرَ منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل))، وقال النبي # للمغيرة بن شعبة: ((اذهب فانظر إليها .. )) أخرجه أحمد (١٨١٣٧)، وعن أبي هريرة ﴾ أن رجلاً خطب امرأة، فقال النبي #: ((انظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً))، أخرجه أحمد (٧٨٤٢)، ومسلم (١٤٢٤). وترجم البخاري: باب النظر إلى المرأة قبل التزويج. وذكر حديث سهل بن سعد ﴾ (٥١٢٦)، أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﴾ فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله فصعَّد النظر إليها وصوَّبه ... (٣) التمهيد ٣٦٤/٦ - ٣٦٦، والاستذكار ٤٤٤/٥ - ٤٤٥ . (٤) في (خ): بدنها، وفي (ظ): يديها، وفي (ز) و(م): ثديها، والمثبت من المفهم ١/ ٥٩٧ ، والكلام منه. (٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٠٦٤)، وابن أبي شيبة في المصنف ٢٣١/٢. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧٧١/٢ . ١٨٤ سورة الأعراف: الآية ٢٦ وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كلُّ شيء من الأمَّة عورة حتى ظُفرِها(١). وهذا خارجٌ عن أقوال الفقهاء؛ لإجماعهم على أنَّ المرأةَ الحرَّة لها أن تصلِّيَ المكتوبةَ ويداها ووجهُها مكشوفٌ ذلك كلُّه، تُباشر الأرضَ به(٢)، فالأمَة أَولى، وأمّ الولد أغلظُ حالاً من الأَمة. والصبيُّ الصغير لا حُرمةَ لعورته. فإذا بلغت الجاريةُ إلى حَدِّ تأخذُها العين، وتُشْتَهَى سترتْ عورتها. وحُجَّة أبي بكر بن عبد الرحمن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِينَ يُدْنِينَ عَِّنَّ مِن جَبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وحديثُ أمِّ سلمة أنها سُئلت: ماذا تصلِّ فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تُصلِّي في الدِّرع والخِمار السابغ الذي يُغَيِّب ظُهورَ قدميها، وقد رُوي مرفوعاً، والذين أوقفوه على أمِّ سلمة أكثرُ وأحفظُ، منهم مالك(٣) وابن إسحاق وغيرهما. قال أبو داود: ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بنٍ دينار، عن محمد بن زَيْد، عن أُمِّه، عن أمّ سلمة، أنَّها سألت رسولَ الله ﴾(٤). قال أبو عمر(٥): عبد الرحمن هذا ضعيفٌ عندهم، إلّا أنَّه قد خرَّج البخاريُّ بعضَ حديثه، والإجماعُ في هذا الباب أقوى من الخبر. الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنَزَلْنَا عَلَيْكُوْ لِيَاسًا﴾ يعني: المطرَ الذي يُنبت القطن والكتَّان، ويُقيم البهائم الذي منها الأصواف والأَوْبَار والأشعار(٦)، فهو مجاز مثل: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ اُلْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةً أَزْوَجِ﴾ [الزمر: ٦] على ما يأتي. وقيل: هذا الإنزالُ إنزالُ شيء من اللباس مع آدم وحوّاء؛ ليكون مثالاً لغيره. (١) المفهم ٥٩٨/١ . وسلف القول نفسه في المرأة. (٢) التمهيد ٦/ ٣٦٥، وذكر ابن عبد البر هذا الكلام تعقُّباً على القول الأول لأبي بكر بن عبد الرحمن. (٣) الموطأ ١٤٢/١، ومن طريق مالك أخرجه أبو داود (٦٣٩). (٤) سنن أبي داود (٦٤٠). (٥) في التمهيد ٣٦٨/٦ وما قبله منه. (٦) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٢٨٦/١. ١٨٥ سورة الأعراف: الآية ٢٦ وقال سعيد بن جبير: ((أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ)) أي: خلقنا لكم؛ كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَّةَ أَزْوَج﴾ أي: خلق. على ما يأتي. وقيل: أَلهمناكم كيفيةَ صَنْعته(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَرِيثًا﴾ قرأ أبو عبد الرحمن والحسنُ وعاصمٌ من رواية المُفَضَّل الضبِّي، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجُعْفِيّ: ((ورِياشاً)). ولم يَحْكِه أبو عُبيد إلا عن الحسن، ولم يُفسِّر معناه(٢). وهو جمع ريشٍ. وهو ما كان من المال واللِّباس. وقال الفرَّاء(٣): رِيشٌ ورياش، كما يقال: لِيس ولياس. وريشُ الطائر: ما سَتره اللهُ به. وقيل: هو الخِصْب ورَفاهِيَةٌ العيش(٤). والذي عليه أكثرُ أهل اللغة أن الرِّيشَ ما سَتَر من لباس أو معيشة. وأنشد سيبويه: فرِيشِي منكمُ وهَوايَ مَعْكُمْ وإنْ كانت زيارتكم لِماما(٥) وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهيتُ له دابَّةً بريشها؛ أي: بكسوتها وما عليها . من اللَّاس(٦). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلِيَاسُ اٌلَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ بيَّن أن التقوى خيرٌ لباس؛ كما قال: تقلّبَ عُریاناً وإن كان كاسيا إذا المرءُ لم يلبَسْ ثياباً من الثُّقَى ولا خيرَ فيمن كان لله عاصياً (٧) وخيرُ لِباسِ المرءِ طاعةُ ربِّه (١) زاد المسير ٣/ ١٨١، ومجمع البيان ٣٦/٨ - ٣٧. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢٠/٢، وذكر هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٣، وابن جني في المحتسب ٢٤٦/١ . والقراءة المتواترة عن عاصم وأبي عمرو بن العلاء كقراءة الجماعة. (٣) في معاني القرآن ٣٧٥/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٢٠/٢. (٤) تفسير الطبري ١٠/ ١٢٣. (٥) الكتاب ٢٨٧/٣، ونسبه سيبويه للراعي، وليس في ديوانه، وهو في ديوان جرير ٢٢٥/١، وصدره فيه: وريشي منكم وهواي فيكم. (٦) معاني القرآن للنحاس ٢٣/٣، وينظر مجاز القرآن ٢١٣/١. (٧) البيت الأول لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص٤٣٤، ولم نقف على البيت الثاني. ١٨٦ سورة الأعراف: الآية ٢٦ وروى قاسم بن مالك، عن عوف، عن مَعْبَدِ الجُهَنِيّ قال: ((لِباسُ التَّقوى)) الحَياءُ(١). وقال ابن عباس: ((لِباسُ التَّقوى)) هو العمل الصالح. وعنه أيضاً: السَّمْتُ الحسن في الوجه (٢). وقيل: ما علَّمه عزَّ وجلَّ وهدى به، وقيل: ((لِبَاسُ التَّقْوَى)): لُبْس الصوف والخَشِن من الثياب؛ مما يُتواضع به لله تعالى ويُتعبَّد له خيرٌ من غيره(٣)، وقال زيد بن عليّ: ((لِباسُ التَّقوى)): الدِّرع والمِغْفَر، والساعدان (٤)، والساقان؛ يُتَّقى بهما في الحرب(٥)، وقال عروة بن الزبير: هو الخشيةُ لله، وقيل: هو استشعارُ تقوى الله تعالى فيما أَمَر به ونَهى عنه (٦). قلت: وهو الصحيح، وإليه يَرجِع قولُ ابن عباس وعروة، وقولُ زيدٍ بن عليّ حَسَنٌ؛ فإنَّه حَضَّ على الجهاد. وقال ابن زيد: هو ستر العورة(٧)، وهذا فيه تَكْرار؛ إذ قال أوَّلاً: ﴿قَدْ أَزْنَا عَلَيْكُ ◌ِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾. ومن قال: إنَّه لُبْس الخَشِن من الثياب فإنَّه أقربُ إلى التواضع وترك الرُّعُونات، فدَغْوَى؛ فقد كان الفضلاءُ من العلماء يَلْبَسون الرفيعَ من الثياب مع حصول التقوى، على ما يأتي مبيّناً إن شاء الله تعالى(٨). وقرأ أهلُ المدينة والكسائيُّ: ((ولِباسَ)) بالنَّصب(٩) عطفاً على ((لِبَاساً)) الأَوَّل، وقيل: انتصب بفعل مُضْمَر، أي: وأنزلنا لباسَ التقوى. (١) معاني القرآن للنحاس ٢٤/٣، وأخرجه الطبري ١٢٥/١٠ - ١٢٦ (٢) أخرجهما الطبري ١٢٦/١٠ - ١٢٧ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٠/٢. (٤) في (ظ): والساعد. (٥) تفسير البغوي ٢/ ١٥٥ . (٦) تفسير الطبري ١٢٧/١٠ و١٣٠. (٧) أخرجه الطبري ١٢٨/١٠ بنحوه. (٨) ص٢٠٣ وما بعدها من هذا الجزء. (٩) وقرأ بها ابن عامر الشامي أيضاً، كما في السبعة ص٢٨٠، والتيسير ص١٠٩. ١٨٧ سورة الأعراف: الآيتان ٢٦ - ٢٧ والباقون بالرفع على الابتداء، و((ذلك)) نعته، و((خَيْرٌ)) خبر الابتداء. والمعنى: ولباسُ التقوى المُشار إليه، الذي عَلِمتموه، خيرٌ لكم من لُبْس الثياب التي تُوارِي سوءاتِكم، ومن الرِّياش الذي أنزلنا إليكم، فالبَسوه. وقيل: ارتفع بإضمار هو، أي: وهو لباسُ التقوى، أي: وهو ستر العَورة، وعليه يُخرَّج قولُ ابن زيد. وقيل: المعنى: ولباسُ التقوى هو خيرٌ، فـ(ذلك)) بمعنى هو، والإعرابُ الأوَّل أحسنُ ما قيل فيه(١). وقرأ الأعمش: ((ولباسُ التقوى خيرٌ))، ولم يقرأ: ((ذلك))(٢)، وهو خلافُ المصحف. ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ أي: مما يدلُّ على أنَّ له خالقاً(٣). و((ذلك))(٤) رفع على الصِّفة، أو على البدل، أو عطف بيان. قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُ الشَّيْطَانُ كُمَّا أَخْرَجَ أَبَوَبِّكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاْ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا يَفْتَنَّكُمُ﴾ أي: لا يَصْرِفَنَّكم الشيطانُ عن الدِّين كما فَتَن أبويكم بالإخراج من الجنَّة. ((أَبِّ)) للمذكَّر، و((أبةٌ)) للمؤنَّث، فعلى هذا قيل: أبوَان. ﴿يَزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ في موضع نصب على الحال، ويكون مستأنفاً فيُوقَف على «مِنَ الجنة)). (١) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ١٢٠/٢ - ١٢١. (٢) معاني القرآن للنحاس ٢٤/٣، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٣، ونسبها لابن مسعود ﴾. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢١/٢. (٤) يعني في قوله: ((ذلك خير)). مشكل إعراب القرآن ٢٨٦/١، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٦١ . ١٨٨ سورة الأعراف: الآية ٢٧ ﴿لِيُيَهُمَا﴾ نصب بلام كي. ﴿إِنَُّ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ الأصل: ((يَرْأَاكم))، ثم خُفِّقت الهمزة، ((وَقَبِيلُهُ)) عطف على المُضمر، و((هو)) توكيدٌ لِيحسنَ العطف، كقوله: ﴿أَشْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وهذا يدلُّ على أنَّه يَقْبُح رأيتُك وعمرٌو، وأنَّ المُضمَر كالمُظهَر(١). وفي هذا أيضاً دليلٌ على وجوب ستر العَورة؛ لقوله: ((يَنْزِعُ عنهما لِياسَهما))، قال الآخرون: إنما فيه التحذيرُ من زوال النعمة كما نزل بآدمَ ﴿، هذا أنْ لو ثبت أنَّ شرعَ آدم يلزمُنا، والأمر بخلاف ذلك(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ («قَبِيلُهُ»: جنوده، قال مجاهد: يعني الجنَّ والشياطين. ابن زيد: ((قبيله)): نَسْلُه، وقيل: چِيلُه(٣). ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمَّ﴾. قال بعض العلماء(٤): في هذا دليلٌ على أنَّ الجنَّ لا يُرَوْنَ؛ لقوله: ((مِنْ حيث لا تَرونَهم)). وقيل: جائزٌ أن يُرَوْا؛ لأنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُريَهم كشفَ أجسامَهم حتى تُری. قال النحاس(٥): ((مِنْ حيث لا تَرونَهم)) يدلُّ على أنَّ الجنَّ لا يُرَون إلَّا في وقت نبيّ؛ ليكونَ ذلك دَلالةً على نبؤَّته؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ خَلَقهم خَلْقاً لا يُرَون فيه، وإِنما يُرون إذا نُقِلوا عن صورهم، وذلك من المعجزات التي لا تكون إلّا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. (١) إعراب القرآن للنحاس ١٢١/٢، وفيه: وأنه ليس المضمر كالمظهر. (٢) أحكام القرآن للكيا الهراسي ١٣٤/٣. (٣) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٣٦/١٠، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢١٣/١، ومعاني القرآن للنحاس ٢٤/٣، والنكت والعيون ٢١٦/٢ . وقوله: جيله، يعني جنسه، كما في اللسان (جيل)، ووقع في (د) و(ز): خَيْله. (٤) الكشاف ٧٤/٢ - ٧٥، ومجمع البيان ٣٨/٨. (٥) في إعراب القرآن ١٢١/٢ . ١٨٩ سورة الأعراف: الآيتان ٢٧ - ٢٨ قال القشيريُّ: أجرى اللهُ العادةَ بأنَّ بني آدم لا يَرون الشياطين اليوم. وفي الخبر: ((إنَّ الشيطان يجري من ابن آدمَ مَجرى الدَّم)) (١)، وقال تعالى: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ للملَك لَمَّةً وللشيطانِ لَمَّة - أي: بالقلب - فأما لَمَّة الملَك: فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق، وأما لَمَّةُ الشيطان: فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ)). وقد تقدَّم في ((البقرة))(٢). وقد جاء في رؤيتهم أخبارٌ صحيحة، وقد خرَّج البخاريُّ عن أبي هريرة قال: وكَلَني رسولُ اللـه ﴿ بحفظ زكاةٍ رمضان، وذكر قصَّةً طويلة؛ ذكَر فيها أنَّه أخذ الجِنِّيَّ الذي كان يأخذ التمر، وأنَّ النبيَّ ﴾ قال له: ((ما فعلَ أَسيرُكَ البارحةَ)»، وقد تقدَّم في (البقرة)(٣). وفي ((صحيح)) مسلم أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((والله لولا دعوةُ أخي سليمانَ لأصبحَ مُوتَقاً يلعبُ به وِلدان أهلِ المدينة)»(٤)؛ في العِفريت الذي تَفَلَّت عليه. وسيأتي في ((ص)) إن شاء الله تعالى(٥). ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةٌ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: زيادةً في عقوبتهم، وسؤَّينا بينهم في الذهاب عن الحقِّ(٦). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَنَا وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَ، أَتَقُولُونَ عَلَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ الفاحشة هنا في قول أكثرِ المفسرين: طوافُهم بالبيت عُراةً، وقال الحسن: هي (١) أخرجه أحمد (١٢٥٩٢)، ومسلم (٢١٧٤) من حديث أنس ﴾، وسلف ٤٤٩/١، وأخرجه البخاري (٢٠٣٥) من حديث صفية رضي الله عنها. (٢) ٤/ ٣٥٥، واللَّمَّة: الخطرة تقع في القلب، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه. النهاية (لمم). (٣) ٢٦٤/٤، والحديث في صحيح البخاري (٢٣١١). (٤) صحيح مسلم (٥٤٢) وهو من حديث أبي الدرداء ، وفي الباب عن أبي سعيد الخدري ﴾ أخرجه أحمد (١١٧٨٠)، وعن أبي هريرة ﴾ أخرجه البخاري (٤٦١). (٥) عند تفسير الآية (٣٥) منها. (٦) معاني القرآن للزجاج ٣٢٩/٢ - ٣٣٠. ١٩٠ سورة الأعراف: الآيات ٢٨ - ٣٠ الشّرك والكفر (١). واحتجُوا على ذلك بتقليدهم أسلافَهم، وبأنَّ الله أمرهم بها. وقال الحسن: ﴿وَلَّهُ أَمْرَنَا بِهَا﴾ قالوا: لو كَرِه الله ما نحن عليه لَنقلنا عنه(٢). ﴿قُلْ إِنَّ اللّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَأِْ﴾ بيَّن أنهم مُتحكّمون، ولا دليلَ لهم على أنَّ الله أمرهم بما ادَّعَوا. وقد مضى ذُّ التقليد وذمُّ كثير من جَهالاتهم (٣). وهذا منها. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبٍِ بِالْقِسْطٍ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِِّنَّ كُمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ (٣٦) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ إِنَّهُمُ أَّخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَخْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ بَقٍِ بِالْقِسْطِ﴾ قال ابنُ عبَّاس: لا إله إلّا اللـه (٤)، وقيل: القِسْط: العَدْل(٥)، أي: أمر بالعدل فأطيعوه، ففي الكلام حذفٌ. ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُومَكُمْ﴾ أي: توجَّهوا إليه في كلِّ صلاة إلى القبلة. ﴿عِندَ كُلِّ سَسْجِدٍ﴾ أي: في أيِّ مسجدٍ كنتم. ﴿وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلِينَ﴾ أي: وحّدوه ولا تُشرِكوا به. ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾؛ نظيره: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقد تقدَّم(٦). والكاف في موضع نصب، أي: تعودون كما بدأكم، أي: كما خلقَكم أوَّل مرَّة يُعيدُكم. وقال الزجَّاج: هو متعلّق بما قبله، أي: ومنها تُخْرَجون كما بدأكم تعودون(٧). ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ ((فريقاً)) نصبٌ على الحال من المضمَر في ((تَعُودُونَ)) أي: تعودون فريقين: سعداء وأشقياء، يُقوِّي هذا قراءةُ أُبَيٍّ: ((تعودون فريقينٍ فريقاً هدَى وفريقاً (١) أورده الماوردي في النكت والعيون ٢١٦/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ١٨٥/٣. (٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٣٩/٨ . (٣) ١٥/٣ وما بعدها. (٤) تفسير البغوي ١٥٦/٢، وتفسير الرازي ١٤/ ٥٧ . (٥) أخرجه الطبري ١٣٩/١٠ من قول مجاهد والسدي. (٦) ٨/ ٤٦٢ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ١٢٢/٢، وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٣١/٢. ١٩١ سورة الأعراف: الآيات ٢٩ - ٣١ حقَّ عليهِم الضلالة))، عن الكسائي(١). وقال [محمد بن] كعب القُرظيُّ في قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الشَّكَلَةُ﴾ قال: مَن ابتدأ اللهُ خَلْقَه للضلالة صيَّره إلى الضلالة وإنْ عَمِلَ بأعمال أهل الهُدى(٢)، ومَن ابتدأ اللهُ خَلْقَه على الهُدى صيَّره إلى الهدى وإنْ عَمِل بأعمال الضلالة، ابتدأ اللهُ خَلْقَ إبليس على الضلالة، وعَمِل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم ردَّه اللهُ إلى ما ابتدأ عليه خَلْقَه، قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤](٣). وفي هذا ردِّ واضحٌ على القدرية ومن تابعهم. وقيل: ((فَرِيقاً)) نُصِبَ بـ ((هَدَى))، ((وفَرِيقاً) الثاني نُصِبَ بإضمار فعل، أي: وأضلَّ فريقاً، وأنشد سيبويه (٤): أَملِكُ رأسَ البعيرِ إنْ نَفَرا أصبحتُ لا أحملُ السِّلاحَ ولا وحدي وأخشَى الرياحَ والمطرا والذِّئْبَ أخشاه إن مررتُ به قال الفرَّاء(٥): ولو كان مرفوعاً لجاز. ﴿إِنَّهُمُ أَخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اَللَّهِ﴾ وقرأ عيسى بن عمر: ((أَنَّهم)) بفتح الهمزة، بمعنى لأنَّهم(٦). قوله تعالى: ﴿يَفِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفَوَأْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فيه سبع مسائل : (١) إعراب القرآن للنحاس ١٢٢/٢، وينظر مشكل إعراب القرآن لمكي ٢٨٧/١ - ٢٨٨، والمحرر الوجيز ٣٩٢/٢، وقراءة أبيّ ه ذكرها أيضاً الفراء في معاني القرآن ٣٧٦/١ . (٢) في (ز): السعادة. (٣) أخرجه بنحوه الطبري ١٤٣/١٠، وابن أبي حاتم (٨٣٦٧) وما بين حاصرتين منهما. (٤) في الكتاب ٨٩/١ ونسبهما للربيع بن ضَبُع الفزاري، وأوردهما أبو علي القالي في أماليه ٢/ ١٨٥ . (٥) في معاني القرآن ٣٧٦/١ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ١٢٢/٢ - ١٢٣، والمحرر الوجيز ٣٩٢/٢. ١٩٢ سورة الأعراف: الآية ٣١ الأولى: قوله تعالى: ﴿يَبَِّّ ◌َادَمَ﴾ هو خطابٌ لجميع العالَم، وإنْ كان المقصودُ بها مَن كان يطوفُ مِن العرب بالبيتِ عُرياناً، فإنَّه عامٌّ في كلِّ مسجد للصلاة؛ لأنَّ العِبْرةَ للعُمومِ لا للسَّبب. ومِن العلماءِ مَن أنكرَ أنْ يكونَ المرادُ به الطوافَ؛ لأنَّ الطوافَ لا يكونُ إلَّا في مسجدٍ واحد، والذي يعمُّ كلَّ مسجد هو الصلاة، وهذا قولُ مَن خَفِيَ عليه مقاصدُ الشريعة. وفي ((صحيح)) مسلم (١) عن ابن عبّاس قال: كانت المرأةُ تطوفُ بالبيت وهي عُرْيانة وتقولُ: مَن يُعِيرُني تِظْوَافاً؟ تجعلُه على فَرْجِها، وتقولُ: اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّهُ وما بَدَا منه فلا أُحِلُّهُ فنزلتْ هذه الآية: ﴿خُذُواْ زِينَكٌ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(٢). التِّطواف بكسر التاء، وهذه المرأةُ هي ضُباعة بنتُ عامر بن قُرْط، قاله القاضي عياض (٣). وفي ((صحيح)) مسلم (٤) أيضاً عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كانت العربُ تطوفُ بالبيتِ عُراةً إلَّ الحُمْسَ - والحُمْسُ: قريشٌ وما ولدَت - كانوا يطوفون بالبيت عُراةً إلَّا أنْ تُعطيَهم الحُمْسُ ثياباً، فيُعطِي الرجالُ الرجال والنساءُ النساءَ، وكانت الحُمْسُ لا يَخْرجون من المُؤْدلِفة، وكان الناس كلُّهم يَقِفُون(٥) بعرفات. في غير مسلم(٦): ويقولون: نحن أهلُ الحَرَمِ، فلا ينبغي لأحد مِن العربِ أنْ يطوفَ إِلَّا في ثيابنا، ولا يأكلَ إذا دخلَ أرضَنا إلَّا مِن طعامنا. فمن لم يكنْ له مِن (١) الحديث (٣٠٢٨). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٦٧ و ٧٦٩. (٣) نقله المصنف عنه بواسطة المفهم لأبي العباس القرطبي ٧/ ٣٤٦، وينظر إكمال المعلم للقاضي عياض ٥٨٩/٨. (٤) الحديث (١٢١٩): (١٥٢)، وهو في صحيح البخاري (١٦٦٥) بنحوه. (٥) في صحيح مسلم: يبلغون عرفات. وسُمُّوا الحمس لأنهم شدَّدوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلوا بحجّ أو عمرة لا يأكلون لحماً، ولا يضربون وبراً ولا شعراً. فتح الباري ٥١٦/٣ . (٦) في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٦٧ - ٧٦٨ ، والكلام منه إلا آخر المسألة. ١٩٣ سورة الأعراف: الآية ٣١ العربٍ صديقٌ بمَّة يُعيرُه ثوباً، ولا يَسارٌ يَستأجِرُهُ به؛ كان بين أحدٍ أمرَين: إمّا أنْ يطوفَ بالبيت ◌ُرياناً، وإمَّا أنْ يطوفَ في ثيابه، فإذا فَرَغَ مِن طوافِه ألقى ثوبَه عنه؛ فلم يمسَّه أحدٌ، وكان ذلك الثوبُ يُسمَّى اللَّقَى، قال قائلٌ مِن العرب: كفَى حَزَناً كَرِّي عليه كأنَّه لَقَّى بين أيدي الطائفين حَرِيمُ(١) فكانوا على تلك الجهالةِ والبدعةِ والضلالةِ حتى بعثَ الله نبيَّه محمداً ﴾، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ الآية، وأَذَّنَ مؤذِّنُ رسولِ الله﴾: ((أَلَا لا يطوفُ بالبيتِ عُرْيَانٌ))(٢). قلت: ومَن قال بأنَّ المرادَ الصلاةُ؛ فزينتُها النِّعالُ، لِمَا رواه كُرْز بن وَبْرَة، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبيِّ # أنَّه قال ذاتَ يوم: ((خذُوا زينةَ الصلاة))، قيل: وما زينةُ الصلاة؟ قالَ: ((إِلِبَسُوا نِعالَكُم فصَلُّوا فيها))(٣). الثانية: دلَّت الآيةُ على وُجوبٍ سَتْرِ العَورة كما تقدَّم(٤)، وذهبَ جُمهورُ أهلٍ العلمِ إلى أنَّها فرضٌ مِن فروضِ الصلاة، وقال الأبهريُّ: هي فرضٌ في الجملةِ، وعلى الإنسان أنْ يسترَها عن أعينِ الناس في الصلاةِ وغيرِها، وهو الصحيحُ؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام لِلمِسْوَر بن مَخْرَمَة: (إِرْجِعْ إلى ثوبِكَ فخذْهُ، ولا تَمْشُوا عُراةً)، أخرجه مسلم(٥). وذهبَ إسماعيلُ القاضي إلى أنَّ سَتْرَ العَورةِ مِن سُنَنِ الصلاة، (١) أورده أبو العباس في المفهم ٧/ ٣٤٦ ، وابن منظور في اللسان (حرم). (٢) أخرجه أحمد (٧٩٧٧)، والبخاري (٣٦٩)، ومسلم (١٣٤٧) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ٦/ ٢١٧١، وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية قال ابن معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث، فيما ذكره ابن عدي. وأخرجه أيضاً في الكامل ١٨٢٩/٥ من طريق آخر عن أبي هريرة ، وفيه علي بن أبي علي القرشي، قال ابن عدي: مجهول ومنكر الحديث. وأورده ابن أبي حاتم في العلل ١٤٩/١ ، وقال: قال أبي: هذا حديث منكر. وسيذكر المصنف في المسألة الثالثة أنه مروي عن أنس ﴾، وقال: لم يصح. (٤) ص١٨١ من هذا الجزء. (٥) الحديث (٣٤١). ١٩٤ سورة الأعراف: الآية ٣١ واحتجَّ بأنَّه لو كان فرضاً في الصلاةِ لكان العُريانُ لا يجوزُ له أنْ يُصلِّيَ؛ لأنَّ كلَّ شيء من فروضِ الصلاة يجبُ الإتيانُ به مع القُدرةِ عليه، أو بدلِهِ مع عدمِهِ، أو تسقط الصلاةُ جملةً، وليس كذلك(١). قال ابن العربيّ: وإذا قلنا: إنَّ سَتْرَ العورةِ فرضٌ في الصلاة، فسقَطَ ثوبُ إمام، فانكشَفَ دُبُرُه وهو راكعٌ، فرفعَ رأسَه فغطّاهُ؛ أجزأَهُ؛ قالَه ابنُ القاسم. وقال سُخنون: وكلُّ مَن نظَرَ إليه مِن المأمومين أعادَ. ورُوي عن سحنون أيضاً: أنَّه يُعيدُ ويُعيدون؛ لأنَّ سَتْرَ العَورةِ شرطٌ مِن شروطِ الصلاة، فإذا ظهَرَتْ بَطَلَتِ الصلاةُ. أصلُهُ الطهارَةُ. قال القاضي ابن العربيّ(٢): أمَّا مَن قال: إنَّ صلاتَهم لا تبطُلُ؛ فإنَّهم لم يَفقِدُوا شرطاً، وأمَّا مَن قال: إنْ أخَذَهُ مكانَه صَحَّتْ صلاتُهُ، وتبطلُ صلاةٌ مَن نظَرَ إليه؛ فصحيفةٌ يجبُ مَحْوُها، ولا يجوزُ الاشتِغالُ بها. وفي البخاريِّ والنسائيّ: عن عمرو بن سلمة قال: لمَّا رَجَعَ قومي مِن عندٍ النبيِّ ﴿ قالوا: قال: ((لِيؤمَّكُم أكثرُكم قراءةً للقرآن)»، قال: فدعوني، فعلَّموني الركوعَ والسجودَ، فكنتُ أُصلِّي بهم، وكانت عليَّ بُرْدةٌ مفتوقَةٌ، وكانوا يقولون لأبي: ألا تُغَطِّي عنَّا اسْتَ ابنِكَ. لفظ النسائي(٣). وثبتَ عن سهل بن سعد قال: لقد كانت الرجالُ عاقِدي أُزُرِهم في أعناقِهم مِن ضِيقِ الأُزُرِ خلفَ رسولِ اللـه ﴾ في الصلاةِ كأمثالِ الصِّبْيان، فقال قائلٌ: یا معشرَ النِّساء، لا ترفَعْنَ رؤوسَكُنَّ حتى يرفعَ الرجالُ. أخرجه البخاريُّ والنسائيُّ وأبو داود(٤). (١) أحكام القرآن للجصاص ٣٢/٣، والتمهيد ٣٧٦/٦ - ٣٧٩، والاستذكار ٤٣٧/٥، والمنتقى ٢٤٧/١، وعقد الجواهر الثمينة ١٥٨/١ . (٢) في أحكام القرآن ٢/ ٧٧٠ . (٣) في المجتبى ٧١/٢، وصحيح البخاري (٤٣٠٢). وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٣٣٣). (٤) صحيح البخاري (٣٦٢)، والمجتبى ٢/ ٧٠، وسنن أبي داود (٦٣٠). وأخرجه أيضاً أحمد (١٥٥٦٢)، ومسلم (٤٤١). ١٩٥ سورة الأعراف: الآية ٣١ الثالثة: واختلفوا إذا رأى عَورةَ نفسِه، فقال الشافعيُّ: إذا كان الثوبُ ضيِّقاً؛ يزرُّه أو يخلِّلُه بشيء؛ لئلا يتجافَى القميصُ فيرى من الجيب العورة، فإنْ لم يفعَلْ ورأى عَورةَ نفسِه؛ أعادَ الصلاةَ، وهو قولُ أحمدَ. ورخَّصَ مالكٌ في الصلاةِ في القميصٍ محلولِ الأزرارِ (١)، ليس عليه سراوِيلُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأبي ثور. وكان سالِمٌ يُصلِّي محلولَ الأزرارِ(٢). وقال داودُ الطائي(٣): إذا كان عظيمَ اللُّحية فلا بأسَ به، وحكَى معناه الأثرمُ عن أحمدَ. فإنْ كان إماماً فلا يُصلِّي إلَّا بردائِه؛ لأنَّه مِن الزِّينة. وقيل: مِن الزينةِ الصلاةُ في النَّعَلَين، رواهُ أنسٌ عن النبيِّ ﴾، ولم يصحَّ(٤). وقيل: زينةُ الصَّلاةِ رفعُ الأيدي في الركوعِ وفي الرفعِ منه. قال ابن عمر(٥): لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وزينةُ الصَّلاةِ التكبيرُ ورفعُ الأيدي. وقال عمرُ ﴾: إذا وَسَّعَ الله عليكم فأوسِعُوا على أنفسِكُم، جمَعَ رجلٌ عليه ثيابَه؛ صلَّى في إزارٍ ورِداء، في إزارٍ وقميص، في إزار وقَبَاء، في سَراوِيلَ ورِداء، في سَراوِيلَ وقميص، في سَراوِيلَ وقَبَاء، وأحسِبُهُ قال: في تُبَّانٍ وقميص، في تُبَّانٍ ورِداء، في تُبَّانٍ وَقَبَاء. رواه البخاريُّ والدار قطني(٦). (١) في (خ) و(ز) والتمهيد ٦/ ٣٧٥ (والكلام منه): الإزار، والمثبت من (د) و(ظ) و(م)، وهو الموافق للاستذكار ٤٣٦/٥ - ٤٣٧ (والكلام منه أيضاً). (٢) في (ز) والتمهيد: الإزار، والمثبت من (خ) و(د) و(ظ) و(م) والاستذكار. (٣) داود بن نُصير، أبو سليمان الكوفي، كان من كبار أئمة الفقه والرأي، برع في العلم بأبي حنيفة. توفي سنة (١٦٢ هـ)، وقيل: (١٦٥هـ). السير ٤٢٢/٧. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٧٠، وأخرجه العُقيلي في الضعفاء ١٤٣/٣، وفي إسناده عبَّاد بن جويرية، كذبه أحمد والبخاري. ميزان الاعتدال ٢/ ٣٦٥. وسلف نحوه في المسألة الأولى. (٥) في (خ) و(د) و(ز) و(م): قال أبو عمر، وفي (ظ): قاله ابن عمر، والمثبت من التمهيد ٨٣/٧ و٢٢٥/٩ . (٦) صحيح البخاري (٣٦٥)، وسنن الدارقطني (١٠٩١) واللفظ له. وقوله: وأحسبه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١/ ٤٧٥: قائل ذلك أبو هريرة (وهو راوي الحديث) والضمير في أحسبه راجع إلى عمر.اهـ. والقَبّاء من الثياب، سمي به لاجتماع أطرافه، وهو في الغالب من لباس الأعاجم، ويعرف اليوم عندنا بالقنباز. معجم متن اللغة (قبي). والتبان: سراويل صغير يستر العورة المُغَلَّظة فقط، النهاية (تبن). ١٩٦ سورة الأعراف: الآية ٣١ الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُْرِفُواْ﴾ قال ابن عباس: أحلَّ الله في هذه الآيةِ الأكلَ والشُّربَ ما لم يكُنْ سَرَفاً أو مَخِيلةٌ(١). فأمَّا ما تدعو الحاجةُ إليه - وهو ما سدَّ الجَوْعةَ وسكَّنَ الظَّمَأ - فمندوبٌ إليه عَقْلاً وشرعاً؛ لما فيه مِن حِفْظِ النّفْسِ، وحِراسةِ الحواسِّ، ولذلك وردَ الشرعُ بالنهي عن الوِصال(٢)؛ لأنَّه يُضعِفُ الجسدَ، ويُميتُ النّفْسَ، ويُضعِفُ عن العبادةِ، وذلك يمنَعُ منه الشرعُ ويدفعُهُ العقلُ. وليس لمن مَنَعَ نفسَهُ قَدْرَ الحاجّةِ حظّ مِن بِّ، ولا نصيبٌ مِن زُهد؛ لأنَّ ما حرَمَها مِن فِعلِ الطاعةِ بالعَجْزِ والضَّعْفِ أكثرُ ثواباً وأعظمُ أجراً (٣). وقد اختُلِفَ في الزائدِ على قدْرِ الحاجةِ على قولين؛ فقيل: حرام، وقيل: مكروه، قال ابن العربيّ(٤): وهو الصحيح؛ فإنَّ قَدْرَ الشِّبَع يختلِفُ باختلافِ البُلدانِ والأزمانِ والأسنانِ والطّعمانِ. ثمَّ قيل: في قِلَّةِ الأكلِ منافِعُ كثيرٌ؛ منها أنْ يكونَ الرجلُ أصحَّ جسماً، وأجودَ حِفْظاً، وأذكى(٥) فَهْماً، وأقلَّ نوماً، وأخفَّ نَفَساً. وفي كَثْرةِ الأكلِ كَّ المعدةِ، ونَثْنُ التُّخَمَةِ، ويتولَّدُ منه الأمراضُ المختلفة، فَيَحتاجُ مِن العلاجِ أكثرَ ممَّا يَحتاجُ إليه القليلُ الأكل. وقال بعضُ الحكماء: أكبرُ الدواءِ تقديرُ الغِذاءِ (٦). وقد بيَّنَ النبيُّ# هذا المعنَى بياناً شافياً يُغنِي عن كلام الأطباءِ فقال: ((ما مَلأَ آدمِيٌّ وِعاءً شَرًّا مِن بَظْن، بحسْبِ ابنِ آدَمَ لُقيماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه، فإنْ كان لا مَحالةَ؛ فثُلثٌ لِطعامِهِ، وثلُثٌ لشرابِهِ، وثلُثْ (١) أخرجه الطبري ١٥٥/١٠، والبيهقي في الشعب (٦٥٧٢). (٢) سلفت أحاديث النهي عن الوصال ٢١٠/٣ - ٢١١. (٣) أدب الدنيا والدين للماوردي ص٣١٩ . (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٧٧١ . (٥) في (د) و(م): أزكى، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ). (٦) ذكره الماوردي في أدب الدنيا والدين ص ٣٢٠. ١٩٧٠ سورة الأعراف: الآية ٣١ لِنْفَسِهِ)). خرَّجَه الترمذي مِن حديثِ المِقْدام بن مَعْدِي كَرِب (١). قال علماؤنا: لو سمِعَ بُقراطُ هذه القِسْمةَ لَعَجبَ مِن هذه الحكمة(٢). ويُذكرُ أنَّ الرشيدَ كان له طبيببٌ نصرانِيٌّ حاذِقٌ، فقال لعليّ بن الحسين(٣): ليس في كتابِكُم مِن عِلْم الطِّبِّ شيءٌ، والعلمُ عِلْمان: علمُ الأديانِ وعلمُ الأبدان؟ فقال له عليٍّ: قد جَمَعَ الله الطِّبَّ كلَّه في نِصْفِ آيَةٍ مِن كتابنا، فقال له: ما هي؟ قال: قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُوا وَلَا تُْرِفُواْ﴾. فقال النصرانِيُّ: ولا يُؤثَرُ عن رسولِكم شيءٌ مِن الطِّبِّ؟ فقال عليٍّ: جَمَعَ رسولُ الله :﴿ الطِّبَّ في ألفاظِ يسيرة، قال: ما هي؟ قال: ((المَعِدَةُ بيتُ الأدواء، والحِمْيَةُ رأسُ كلِّ دواء، وأعطِ كلَّ جسدٍ ما عوَّدتَه)). فقال النصرانِيُّ: ما تركَ كتابُكم ولا نبيُّكم لجالينوس ◌ِطِبًّا(٤). قلت: ويُقال: إنَّ معالجةَ المريضِ نصفان: نصفٌ دواءٌ، ونصف حِمْيةٌ، فإن اجتمعا، فكأنَّك بالمريض قد بَرِئَ وصَحَّ بإذن الله تعالى(٥)، وإِلَّا فالحِمْيةُ به أَولی، إذْ لا ينفَعُ دواءٌ مع تركِ الحِمْية، ولقد (٦) تنفَعُ الحميةُ مع تَرْكِ الدواء، ولقد قال (١) سنن الترمذي (٢٣٨٠)، وأخرجه أحمد (١٧١٨٦) وفيهما: أُكلات، بدل: لُقيمات. وأُكلات، بالضم: جمع أُكْلة، كَلُقمة، لفظاً ومعنى. قاله السندي في حاشية المسند. (٢) تلبيس إبليس ص٢٠٨، وبقراط: هو ابن إبراقلس، سيد الطبيعيين في عصره، كان قبل الاسكندر بنحو مئة سنة، له في الطب تآليف شريفة. أخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي ص ٦٤ . (٣) علي بن الحسين بن واقد، أبو الحسن المروزي، المحدث، مولى أمير خراسان عبد الله بن عامر بن كريز القرشي، توفي سنة (٢١١هـ)، السير ٢١١/١٠ . (٤) ذكر هذه القصة الزمخشري في الكشاف ٧٦/٢ ، وابن الجوزي في زاد المسير ١٨٨/٣، وقال: هكذا نُقلت هذه الحكاية، إلا أن الحديث المذكور فيها عن النبي﴾. لا يثبت. اهـ. وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ص٣٨٩: لا يصح رفعه إلى النبي #، بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره. وجالينوس: هو الحكيم الفيلسوف الطبيعي اليوناني، إمام الأطباء في عصره، مؤلف الكتب الجليلة في صناعة الطب وغيرها، قال المسعودي: كان جالينوس بعد المسيح بنحو مئتي سنة وبعد بقراط بنحو ست مئة سنة. أخبار العلماء للقفطي ص٨٦ . (٥) قوله: بإذن الله تعالى، من (ظ). (٦) في (ظ): وقد، وفي (خ) و(د) و(ز): ولعمري، والمثبت من (م). ١٩٨ سورة الأعراف: الآية ٣١ رسولُ اللهِ ﴾: ((أصلُ كلِّ دواءِ الحِمْية))(١)، والمَعنيُّ بها - والله أعلم - أنَّها تُغني عن كلِّ دواء، ولذلك يُقال: إنَّ الهندَ جُلُّ معالجتِهم الحِميةُ، يَمتنِعُ المريضُ عن الأكلِ والشُّربٍ والكلام عدَّةَ أيَّام، فيبرَأُ ويصحُّ. الخامسة: روى مسلم عن ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ الله:# يقول: ((الكافرُ يأكُلُ فِي سَبْعةِ أَمْعاء، والمؤمنُ يأكُلُ في مِعَى واحدٍ))(٢). وهذا منه# حضّ على التقليلٍ مِن الدنيا والزُّهدِ فيها والقناعَةِ بالبُلْغَة. وقد كانت العربُ تَمتدِحُ بقلَّةِ الأكلِ وتَذُمُّ بِكَثْرتِهِ، كما قال قائلُهم: تَكْفِيهِ فِلْذَةُ كِبْدٍ إِنْ أَلمَّ بها مِن الشِّواءِ ويُرْوِي شُرْبَهُ الغُمَرُ(٣) وقالت أمُّ زَرْعٍ في ابن أبي زَرْعٍ: ويُشبِعُهُ ذِراعُ الجَفْرَةِ(٤). وقال حاتِمٌ الطائي يَذُمُ بكثرة الأكل : . وفرجَك نالا مُنتهى الذَّمِّ أجمَعَا (٥) فإنَّكَ إنْ أعطيتَ بطنَكَ سُؤَلَهُ وقال الخَطَّابِيُّ(٦): معنَى قوله :﴿: ((المؤمنُ يأكُلُ في مِعَى واحد)) أنَّه يتناوَلُ دونَ شِبَعِهِ، ويُؤثِرُ على نفسِه، ويُبقي مِن زادِه لغيرِهِ، فَيُقْنِعُه ما أكلَ. والتأويلُ الأوَّلُ أَولى، والله أعلم. وقيل في قوله عليه الصلاة والسلام: ((والكافرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاءٍ)): ليس على (١) قطعة من الحديث الذي سلف الكلام عليه. (٢) صحيح مسلم (٢٠٦٠)، وأخرجه أحمد (٤٧١٨)، والبخاري (٥٣٩٣). (٣) البيت لأعشى باهلة من قصيدة يرثي بها المُنتشر بن وهب الباهلي، وهو في الكامل ٤٥٩/١ و١٤٣١/٣، والغُمر: هو القدح الصغير. اللسان (غمر). (٤) قطعة من حديث أم زرع الطويل الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها، أخرجه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨). والجفرة: الأنثى من ولد المَعْز، إذا كان ابن أربعة أشهر وفُصل عن أُمه وأَخذ في الرعي. فتح الباري ٩/ ٢٧٠ . (٥) ديوان حاتم ص٦٨، وصدره فيه: وإنك مهما تعط بطنك سؤله. (٦) أعلام الحديث ٢٠٤٥/٣ . ١٩٩ سورة الأعراف: الآية ٣١ عمومِه؛ لأنَّ المُشاهدَةَ تدفعُهُ، فإنَّه قد يوجدُ كافرٌ أقلُّ أكلاً مِن مؤمن، ويُسلِمُ الكافرُ فلا يَقِلُّ أكلُه ولا یزیدُ. وقيل: هو إشارةٌ إلى معيَّن؛ ضافَ النبيَّ :﴿ ضيفٌ كافرٌ - يقال: إنَّه الجَهْجَاهُ الغِفاريُّ، وقيل: ثُمَامة بن أَثَال، وقيل: نَضْلة بن عمرو الغِفَاريُّ، وقيل: بَصْرة بن أبي بصرة الغِفارِيُّ(١) - فشربَ حِلَابَ سبع شياءٍ، ثم إنَّه أصبحَ فأسلمَ، فَشَرِبَ حِلابَ شاةٍ، فلم يَستتمَّهُ، فقال النبيُّ:﴿ ذلك(٢). فكأنَّه قال: هذا الكافر. والله أعلم. وقيل: إنَّ القلبَ لمَّا تنوَّر بنورِ التوحيدِ نظرَ إلى الطعام بعينِ التقوِّي على الطاعة، فأخذَ منه قَدْرَ الحاجة، وحين كان مُظلِماً بالكفْرِ كان أكلُهُ كالبهيمَةِ ترتَعُ حتى تَثْلِطَ(٣). واختُلِفَ في هذه الأمعاء، هل هي حقيقةٌ أم لا؟ فقيل: حقيقةٌ، ولها أسماءٌ معروفةٌ عندَ أهلِ العلمِ بالطبِّ والتشريحِ(٤). وقيل: هي كناياتٌ عن أسبابٍ سبعةٍ يأكُلُ بها النَّهِم(٥): يأكُلُ للحاجةِ، وللخَبَرِ، والشمِّ، والنظر، واللَّمس، والذوق، ويزيدُ استغناماً(٦). وقيل: المعنَى أنْ يأكلَ أكلَ مَن له سبعةُ أمعاء، والمؤمِنُ بخفّة أكلِه يأكلُ أكلَ مَن ليس له إلَّ مِعَى واحدٌ، فيشارِكُ الكافرَ بجزءٍ مِن أجزاءِ أكلهِ، ويزيدُ الكافرُ (١) المفهم ٣٤٣/٥ . (٢) أخرجه مالك في الموطأ ٩٢٤/٢، ومسلم (٢٠٦٣)، والترمذي (١٨١٩) من حديث أبي هريرة ﴾ دون تعيين الرجل. وقد أخرجه الطبراني في الكبير (٢١٥٢) من حديث جهجاه الغفاري، وأحمد (١٨٩٦٢) من حديث نضلة بن عمرو الغفاري، وأخرجه أحمد أيضاً (٢٧٢٢٦) من حديث أبي بصرة الغفاري، وهؤلاء الثلاثة ﴾ هم أصحاب القصة، وذكر ابن إسحاق في السيرة (سيرة ابن هشام ٦٣٨/٢) من حديث أبي هريرة أن تُمامة بن أثَال لما أسر ثم أسلم وقعت له قصة تشبه قصة جهجاه، فيجوز أن يُفسَّر الضيف بثمامة فيما ذكره الحافظ ابن حجر، وقوَّى أن تكون القصة متعددة. وينظر فتح الباري ٩/ ٥٣٨ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٧١. وقوله: تثلط: ثلط البعير إذا ألقى بعره رقيقاً. الصحاح (ثلط). (٤) الكلام بنحوه في إكمال المعلم ٦/ ٥٥٧ . (٥) في النسخ الخطية: البهيم، والمثبت من (م). (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧٧١/٢ . ٢٠٠ سورة الأعراف: الآية ٣١ عليه بسبعةٍ أمثالِهِ. والمِعَى في هذا الحديث هو المعِدَةُ(١). السادسة: وإذا تقرَّرَ هذا فاعلمْ أنَّه يُستحبُّ للإنسانِ غَسْلُ اليدِ قبلَ الطعامِ وبعدَه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الوضوءُ قبلَ الطعامِ وبعدَه بركَةٌ»، وكذا في التوراة، رواه زَاذَان عن سلمان(٢)، وكان مالك يكرَهُ غسلَ اليدِ النظيفة (٣)، والاقتداءُ بالحديثِ أولی. ولا يأكلُ طعاماً حتى يعرفَ أحارٍّ هو أم باردٌ؟ فإنَّه إنْ كان حارًّا فقد يتأذَّى. ورُوي عن رسول اللـه ﴿ أَنَّه قال: ((أَبْرِدُوا بالطعام، فإنَّ الحارَّ غيرُ ذِي بركة)). حديثٌ صحيحٌ (٤)، وقد تقدَّم في ((البقرة))(٥). ولا يَشَمُّهُ، فإنَّ ذلك مِن عَمَلِ البهائم، بل إنْ اشتهاهُ أكلَهُ، وإنْ كَرِهَه تركه، ويُصغِّرُ اللُّقمةَ ويُكثِرُ مَضْغَها لئلا يُعَدَّ شَرِهاً. ويُسمِّي الله تعالى في أوَّله ويحمَّدُه في آخرِهِ. ولا ينبغي أنْ يرفعَ صوتَه بالحَمْدِ إلَّا أنْ يكونَ جُلَساؤه قد فَرَغوا مِن الأكل؛ لأنَّ في رَفْعِ الصوتِ مَنْعاً لهم مِن الأكل. وآدابُ الأكلِ كثيرةٌ، هذه جملةٌ منها، وسيأتي بعضُها في سورة هود إنْ شاءَ الله تعالى(٦). (١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٥٤٠: ونقل الكرماني عن الأطباء في تسمية الأمعاء السبعة أنها المعدة. (٢) أخرجه أحمد (٢٣٧٣٢)، وأبو داود (٣٧٦١)، والترمذي (١٨٤٦) بلفظ: ((بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده))، قال أبو داود: وهو ضعيف، وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع يضَعَّف في الحديث. وسلمان: هو الفارسي ﴾. (٣) المفهم ٣٠٠/٥. (٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٢٠٥) من حديث أبي هريرة ﴾، وفي إسناده عبد الله بن يزيد البكري، ضعَّفه أبو حاتم، وقال: ذاهب الحديث، كما في الجرح والتعديل ٢٠١/٥، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١١٨/٤. من حديث جابر، وسكت عنه، وفي إسناده محمد بن عبيد الله العَرْزمي، قال البخاري: تركه ابن المبارك ويحيى، وقال ابن معين: ليس بشيء، ولا يُكتب حديثه. كما في تهذيب الكمال ٤١/٢٦ - ٠٤٣ وينظر المقاصد الحسنة ص١١ ، وفيض القدير ٧٧/١ . (٥) ٣٦٦/٢، وهو حديث أسماء رضي الله عنها؛ أنها كانت إذا تردت غطَّته شيئاً حتى يذهب فَوْرُه، وتقول: إني سمعت رسول الله ﴾ يقول: ((إنه أعظمُ للبركة)). (٦) عند تفسير الآية (٩٩) منها.