Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة الأنعام: الآيات ١٦١ - ١٦٣ ثم القراءة(١). قال ابن القاسم: لم يَرَ مالكٌ هذا الذي يقوله الناسُ قبلَ القراءة: سبحانك اللهمَّ وبحمدك. وفي مختصر ما ليس في المختصر: أنَّ مالكاً كان يقوله في خاصَّةِ نفسِه؛ لِصحة الحديث به، وكان لا يراه للناس مَخافةَ أنْ يعتقدوا وجوبَه(٢). قال أبو الفرج الجوزي: وكنت أُصلِّي وراءَ شيخِنا أبي بكر الدِّينَوَرِيِّ الفقيه(٣) في زمان الصِّبا، فرآني مَرَّةً أفعل هذا، فقال: يا بنيَّ، إنَّ الفقهاءَ قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلفَ الإمام، ولم يختلفوا أنَّ الافتتاحَ سُنَّةٌ، فاشتغِلْ بالواجب، ودَعِ السُّنَّنَ (٤). والحُجَّةُ لمالك قولُه :﴿ للأعرابيِّ الذي عَلَّمه الصلاةَ: ((إذا قُمْتَ إلى الصلاة فكَبِّر، ثم اقرأ))(٥) ولم يقل له: سَبِّح، كما يقول أبو حنيفة، ولا قلْ: وجهتُ وجهي، كما يقول الشافعيُّ. وقال لأُبيِّ: ((كيف تقرأُ إذا افتتحتَ الصلاةَ))؟ قال: قلتُ: الله أكبر، الحمدُ لله ربِّ العالمين(٦). فلم يذكر تَوْجِيهاً ولا تسبيحاً. فإن قيل: فإن عليًّا قد أخبر أنَّ النبيَّ ﴾ كان يقوله. قلنا: یحتمل أن یکون قاله قبل التكبير، ثم گبَّر، وذلك حَسَنٌ عندنا. فإن قيل: فقد روى النَّسائيُّ والدَّار قطنيُّ أنَّ النبيَّ ﴾ كان إذا افتتحَ الصلاةَ كَبَّر، ثم يقول: ((إنَّ صلاتي ونُسُكي)) الحديث(٧). قلنا: هذا نَحمِلُه على النافلة في صلاة الليل، كما جاء في كتاب النَّسائيِّ عن أبي (١) النوادر والزيادات ١/ ١٧٠ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٧٦٠/٢ . (٣) هو أحمد بن محمد بن أحمد، توفي سنة (٥٣٢هـ). المنتظم ٣٢٨/١٧. (٤) تلبيس إبليس ص ١٣٥ . (٥) سلف ١/ ٢٦٢ . (٦) سلف ١٤٦/١، وليس في الحديث قوله: الله أكبر. (٧) المجتبى ٢/ ١٣٠، وسنن الدارقطني (١١٣٧)، وهو من حديث علي ﴾، المشار إليه قبل. ١٤٢ سورة الأنعام: الآيات ١٦١ - ١٦٣ سعيد قال: كان رسولُ اللهِ﴾ إذا افتتح الصلاةَ بالليل قال: ((سبحانك اللهمَّ وبحمدك، تبارك اسمُكَ، وتعالى جَدُّك، ولا إلهَ غيرُك))(١). أو في النافلة مطلقاً، فإن النافلةَ أخفُّ من الفرض؛ لأنه يجوز أن يُصلِّيَها قائماً وقاعداً وراكباً، وإلى القِبْلةِ وغيرها في السفر، فأمْرُها أَيْسَرُ. وقد روى النَّسائيُّ، عن محمد بن مَسْلَمة، أن رسولَ اللهِ :﴿ كان إذا قام يصلّي تطوُّعاً قال: ((اللهُ أكبرُ، وَجَّهتُ وَجْهِيَ للذي فَطَرَ السماواتِ والأرضَ حنيفاً وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكِي وَمَحْيايَ ومماتي للهِ ربِّ العالمين، لا شريكَ له، وبذلك أُمِرْتُ وأنا أَوَّلُ المسلمين، اللهُمَّ أنتَ المَلِكُ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك)). ثم يقرأ(٢). وهذا نصٌّ في التطوع لا في الواجب. وإنْ صَحَّ أن ذلك كان في الفريضة بعد التكبير، فَيُحمل على الجواز والاستحباب، وأما المَسنون فالقراءةُ بعد التكبير، والله بحقائق الأمور عليم. ثم إذا قاله فلا يقل: ((وأنا أوّلُ المسلمين)). وهي: الرابعة: إذ ليس أحدُهم بأوَّلهم إلا محمداً﴾. فإن قيل: أو ليس إبراهيمُ والنبيُّون قبلَه؟ قلنا: عنه ثلاثةُ أجوبة: الأوّل: أنه أوَّلُ الخلق أجمعَ معنًى، كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه الصلاة والسلام: ((نحن الآخِرُون الأوَّلونَ يومَ القيامة، ونحن أوَّلُ مَنْ يدخلُ الجنة(٣)) وفي حديث حذيفة: ((نحنُ الآخِرون من أهل الدنيا، والأوَّلون يومَ القيامة، المَقْضِيُّ لهم قبل الخلائق))(٤). الثاني: أنه أوَّلُهم لكونه مقدَّماً في الخَلْق عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبْعِنَ مِثَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]. قال قتادة: إن النبيَّ ﴾ قال: ((كنتُ أَوَّلَ (١) المجتبى ١٣٢/٢، وسلف ١٣٦/١. (٢) المجتبى ١٣١/٢. (٣) أخرجه أحمد (٧٧٠٦)، والبخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥). (٤) أخرجه مسلم (٨٥٦). ١٤٣ سورة الأنعام: الآيات ١٦١ - ١٦٤ الأنبياء في الخَلْقِ، وآخرَهم في البَعْث)»(١). فلذلك وقع ذِكرُه هنا مقدَّماً قبلَ نوح وغيره. الثالث: أوَّلُ المسلمين من أهل مِلَّته. قاله ابنُ العربيّ(٢)، وهو قول قتادة(٣) وغيرِه. وقد اختلفت الرواياتُ في ((أوَّل)» ففي بعضها ثبوتُها وفي بعضها لا(٤)، على ما ذكرنا. : وروى عِمرانُ بن حُصين قال: قال رسولُ اللهِ﴾: ((يا فاطمةٌ، قومي فاشهدي أُضْحِيَّتَكِ، فإنه يُغْفَرُ لكِ في أوَّلِ قَظْرةٍ من دمها كلُّ ذَنْبِ عَمِلْتِهِ، ثم قولي: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَعَاقِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ، لَا شَرِيِكَ لََّ وَِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُتْلِينَ﴾)). قال عمرانُ: يا رسولَ الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصةً، أَمْ للمسلمين عامَّةً؟ قال: ((بل للمسلمين عامَّةً))(٥). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيَّرَ اَللَّهِ أَبِىِ رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شٍَّ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَهَّ وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم ◌َّرْجِئُكُمْ فَيُنَبِّئُكُ بِمَا كُمْ فِيهِ تَغَْلِفُونَ. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيَّرَ اَللَّهِ أَنْفِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىٍَّ﴾ أي: مالِكُه. رُوي أنَّ الكفارَ (١) أخرجه الطبري ٢٣/١٩ وفي إسناده انقطاع. وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٦٦٢) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة ﴾ مرفوعاً. وسعيد بن بشير قال فيه البخاري: يتكلَّمون في حفظه، وقال ابن معين: ليس بشيء. والحسن - وهو البصري - لم يسمع من أبي هريرة، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص٣٨. وينظر المقاصد الحسنة (٨٣٧). (٢) في أحكام القرآن ٢/ ٧٦٢ . (٣) أخرجه الطبري ٤٨/١٠ . (٤) يعني في الحديث، ففي بعض الروايات: ((وأنا أول المسلمين)) وفي بعضها: ((وأنا من المسلمين)). كما سلف في المسألة الثالثة. (٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٥٣٠)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٣٨/٥ - ٢٣٩ . وفي إسناده أبو حمزة الثُّمالي، هو ضعيف جداً، كما في التلخيص الحبير ٤/ ١٤٣ . ١٤٤ سورة الأنعام: الآية ١٦٤ قالوا للنبيِّ ﴾: إِرْجِعْ يا محمدُ إلى ديننا، واعبُدْ آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفَّل لك بكل تِباعةٍ تتوقّعها في دنياك وآخرتك. فنزلت الآية. وهي استفهامٌ يقتضي التقريرَ والتوبيخ (١). ((وغيرَ)) نصب بـ ((أَبْغي))، و((رَبًّا)) تمييز. قوله تعالى: ﴿وَلَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَهَا﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَهًا﴾ أي: لا ينفعني في ابتغاء ربِّ غيرِ الله كونُكم على ذلك، إذْ لا تَكسِبُ كلُّ نَفْس إلَّا عليها، أي: لا يؤخذُ بما أنَتْ من المعصية ورَكِبتْ من الخطيئة سواها. الثانية: وقد استدلَّ بعضُ العلماء مِن المُخالفين بهذه الآية على أنَّ بيعَ الفُضُوليِّ لا يصحُّ. وهو قول الشافعيّ. وقال علماؤنا: المراد من الآية تحمُّلُ الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا(٢)، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ على ما يأتي. وبيعُ الفُضُوليِّ عندنا موقوفٌ على إجازة المالك، فإنْ أَجازه جازَ. هذا عُرْوةُ البارِقيُّ قد باع للنبيٍّ#، واشترى وتصرَّف بغير أمره، فأجازه النبيُّ ﴾، وبه قال أبو حنيفة (٣). وروى البخاريُّ والدار قطنيُّ عن عُروة بنِ أبي الجَعْد قال: عرض للنبيِّ # جَلَبٌ، فأعطاني ديناراً وقال: ((أيْ عُرْوة، انت الجَلَبَ، فاشترٍ لنا شاةً بهذا الدينار)). فأتيتُ الجَلَبَ فساومتُ، فاشتريتُ شاتين بدينار، فجئتُ أَسوقُهما - أو قال: أَقودُهما - فلقيّني رجلٌ في الطريق فساومني، فَبِعته إحدى الشاتين بدينار، وجئتُ بالشاة الأخرى وبدينار، فقلت: يا رسول الله، هذه الشاةُ وهذا دينارُكم. قال: ((كيف صنعتَ؟)) (١) المحرر الوجيز ٣٧٠/٢. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٧٦٣/٢ . (٣) أعلام الحديث للخطابي ٣/ ١٦٢٢ وعروة البارقي: هو ابنُ أبي الجعد. ١٤٥ سورة الأنعام: الآية ١٦٤ فحدَّثته الحديث. قال: ((اللهمَّ بارك له في صَفْقةٍ يَمينه)). قال: فلقد رأيتُني أَقفُ في كُناسة الكوفة، فأربحُ أربعين ألفاً قبل أن أَصِلَ إلى أهلي. لفظُ الدار قطنيّ(١). قال أبو عمر (٢): وهو حديثٌ جَيِّد، وفيه ثبوت صحة مِلْك النبيِّ ﴾(٣) للشّاتين، ولولا ذلك، ما أخذَ منه الدينارَ ولا أمضَى له البيعَ. وفيه دليلٌ على جواز الوَكالة، ولا خلافَ فيها بين العلماء، فإذا قال المُؤَكِّلُ لوكيله: إِشْترِ كذا. فاشترى زيادةً على ما وُكِّل به، فهل يلزم ذلك الأمرُ أَمْ لا؟ کرجلٍ قال الرجل: اشترِ بهذا الدِّرهمِ رِظْلَ لحم صفتُه كذا، فاشترى له أربعةَ أرطالٍ من تلك الصفةِ بذلك الدِّرهم. فالذي عليه مالكٌ وأصحابُه، أنَّ الجميعَ يلزمه إذا وافق الصِّفةَ و[زاد] من جِنْسها؛ لأنه مُحسِنٌ. وهو قولُ أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: الزيادة للمشتري. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليه. قوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَ﴾ أي: لا تحملُ حاملةٌ ثِقْلَ أُخرى، أي: لا تؤخذُ نفسٌ بذنب غيرِها، بل كلُّ نفس مأخوذةٌ بِجُرْمها ومعاقبةٌ باثمها. وأصلُ الوِزْر الثّقْل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢]. وهو هنا الذَّنب، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ﴾(٤ [الأنعام: ٣١]. وقد تقدَّم. قال الأخفش(٥): يقال: وَزِرَ يَوْزَر، ووَزَرَ يَزِر، ووُزِرَ يُوزَر وِزْراً. ويجوز: إِزْراً، كما يقال: إسادة. والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يقول: إِنَّبعوا سبيلي أَحمِلْ أوزارَكم؛ (١) صحيح البخاري (٣٦٤٢)، وسنن الدارقطني (٢٨٢٥)، وهو عند أحمد (١٩٣٦٧). (٢) التمهيد ١٠٨/٢، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) في النسخ: وفيه صحة ثبوت النبي ﴾، والمثبت من التمهيد. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٦٣ . (٥) معاني القرآن له ٤٨٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ١١١ . ١٤٦ سورة الأنعام: الآية ١٦٤ ذكره ابنُ عباس(١). وقيل: إنها نزلت رَدًّا على العرب في الجاهلية مِن مُؤاخذة الرجلِ بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه(٢). قلت: ويَحتمل أن يكونَ المرادُ بهذه الآية في الآخرة، وكذلك التي قبلها، فأمَّا(٣) في الدنيا فقد يُؤاخذ فيها بعضُهم بجُرْم بعض، لا سِيَّما إذا لم يَنْهَ الطائعون العاصِين، كما تقدَّم في حديث أبي بكر في قوله: ﴿عَلَيَّكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ (٤) [المائدة: ١٠٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥]؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَّى يُغَيِّرُواْ مَا يَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. وقالت زينب بنتُ جَخْش: يا رسول الله، أَنَهلِكُ وفينا الصالحون؟! قال: ((نعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ))(٥). قال العلماء: معناه: أولادُ الزِّنى. والخَبَث - بفتح الباء - اسمٌ للزّنى(٦). وأوجب اللهُ تعالى على لسان رسولِه # دِيَةَ الخطأ على العاقلة(٧) حتى لا يُظَلَّ دُمُ الحرِّ(٨) المسلم تعظيماً للدِّماء. وأجمع أهلُ العلم على ذلك من غير خلافٍ بينهم في ذلك(٩)، فدلَّ على ما قلناه. وقد يَحتمل أن يكونَ هذا في الدنيا، في ألَّا يؤاخذ زيدٌ بفعل عمرو، وأنَّ كلَّ مُباشِرٍ لجريمة فعليه مَغَبَّتُها (١٠). وروى أبو داود عن أبي رِمْئة قال: انطلقتُ مع أبي (١) أورده الواحدي في الوسيط ٣٤٥/٢، والبغوي في تفسيره ٢/ ١٤٧ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٦٤ . (٣) بعدها في (م): التي. (٤) سلف ٢٤٩/٨ . (٥) أخرجه أحمد (٢٧٤١٣)، والبخاري (٧٠٥٩)، ومسلم (٢٨٨٠). (٦) إكمال المعلم ٤١٢/٨، والمفهم ٢٠٨/٧ . (٧) ينظر مسند أحمد (٧٧٠٣)، وصحيح البخاري (٦٩١٠)، وصحيح مسلم (١٦٨١). (٨) في (ظ): المرء. (٩) الإشراف ١٩٥/٢، وسلف الكلام ١٩/٧ وما بعدها. وقوله: حتى لا يُطَلّ، أي: لا يُهدر. المنير (طلل): طلَّ السلطان الدَّمَ: أهدره. (١٠) أحكام القرآن للكيا ١٣٠/٣. ١٤٧ سورة الأنعام: الآيتان ١٦٤ - ١٦٥ نحو النبيِّ﴾، ثم إنَّ النبيَّ ﴾ قال لأبي: ((ابنُك هذا؟)) قال: إيْ وَرَبِّ الكعبة. قال: ((حقًّا)). قال: أَشْهِدُ به. قال: فتبسَّم النبيُّ# ضاحكاً مِن ثَبت شبهي في أبي، ومِن حَلِفِ أبي عليَّ، ثم قال: ((أمَا إنه لا يَجْني عليك ولا تَجْني عليه)). وقرأ رسولُ الله ◌ِ﴾ ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَ﴾(١). ولا يُعارَضُ ما قلناه أوَّلاً بقوله: ﴿وَلَيَحْيِلُنَ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَتَقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]؛ فإنَّ هذا مُبيَّنٌ في الآية الأخرى قولِه: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ اَلْقِيَئِمَةِ وَ مِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]. فمن كان إماماً في الضلالة، ودَعًا إليها، واتُّبع عليها، فإنه يحمل وِزْرَ مَن أضلَّه من غير أن يَنقُصَ من وِزْر المُضَلِّ شيء، على ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُؤَّكُمْ فِى مَآ ءَاتَنْكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٥) قوله تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِی جَعَلَكُمْ خَلِفَ الأَرْضِ﴾ ((خلائف)) جمع خلیفة، ککرائم جمعُ كريمة. وكلُّ مَن جاء بعد مَن مضَى فهو خليفة(٢). أي: جعلكم خَلَفاً للأُمم الماضية والقرونِ السَّالفة. قال الشَّمَّاخ(٣): تُصيبُهُمُ وتُخْطِئُنِي المَنايا وأَخلُفُ في رُبوعٍ عن رُبوعِ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الخلق والرِّزق، والقوّة والبَسْطة، والفضل والعلم. ﴿َدَرَجَاتٍ﴾ نصب بإسقاطِ الخافض، أي: إلى درجات(٤). ﴿لِيَبْلُوَّكُمْ﴾ نصب بلام كي. والابتلاءُ: الاختبار، أي: لِيُظهر منكم ما يكون غايتُه الثوابَ والعقاب(٥). ولم يَزلْ (١) سنن أبي داود (٤٤٩٥)، وسلف ١٩/٧ . (٢) تفسير البغوي ٢/ ١٤٧. (٣) ديوانه ص٢٢٤ . (٤) البيان لأبي البركات الأنباري ١/ ٣٥٢ . (٥) الوسيط للواحدي ٣٤٦/٢ . ١٤٨ سورة الأنعام: الآية ١٦٥ بعلمه غنِيًّا؛ فابتلى المُوسِرَ بالغِنى وطَلَب منه الشكر، وابتلى المُعسِرَ بالفقر وطلب منه الصَّبر. ويقال: ((ليبلوكم)) أي: بعضكم ببعض؛ كما قال: ﴿وَحَمَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ﴾ [الفرقان: ٢٠] على ما يأتي بيانُه. ثم خوَّفَهم فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْمِقَابِ﴾ لِمَن عصاه. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن أطاعه. وقال: ((سَرِيعُ الْعِقَابِ)) مع وصفه سبحانه بالإمهال، ومع أنَّ عقاب النار في الآخرة؛ لأن كلَّ آتٍ قريب؛ فهو سريعٌ على هذا. كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ الشَّامَةِ إِلَّا كَتْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ﴾ [النحل: ٧٧]. وقال: ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَرَهُ فَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦- ٧]. ويكون أيضاً سريعَ العقاب لمن استحقَّه في دار الدنيا؛ فيكون تحذيراً المُواقِع الخطيئةِ على هذه الجهة (١). والله أعلم. تَمَّت سورةُ الأنعام بحمد الله تعالى، وصلواتُه على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً (١) تفسير أبي الليث ٥٢٩/١، ومجمع البيان ٢٥٣/٨. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ تفسير سورة الأعراف وهي مكيةٌ، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْبَةِ﴾ [الآية: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ﴾ [الآية: ١٧١](١). وروى النَّسائيّ عن عائشةَ أن رسولَ الله :# قرأَ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فَرَّقها في ركعتين(٢). صحَّحه أبو محمد عبد الحقّ(٣). قوله تعالى: ﴿الَّصّ ﴾ كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِینَ قوله تعالى: ﴿الَّصّ﴾ تقدَّم في أوَّل ((البقرة))(٤)، وموضِعُه رفعٌ بالابتداء. و﴿كِنَبٌ﴾ خبرُه. كأنه قال: ((المص)) حروف ﴿كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. وقال الكسائيّ: (١) المحرر الوجيز ٣٧٢/٢، وزاد المسير ١٦٤/٣ وفيهما أن الآيات المدنية من قوله تعالى: ﴿وَسْئَلَّهُمْ مَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الآية: ١٦٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىَ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ [الآية: ١٧٢]. ونسبا هذا القول لمقاتل، وأورد ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة أنها مكية إلا خمس آيات أولها قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾، وأخرج النحاس في الناسخ والمنسوخ (٥٠٦) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سورة الأعراف نزلت بمكة. (٢) سنن النسائي ١٧٠/٢، وأخرج البخاري (٧٦٤)، وأبو داود (٨١٢)، والنسائي ٢/ ١٧٠، عن مروان ابن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأُ في المغربِ بقِصارٍ، وقد سمعتُ النبيَّ # يقرأ بطُولى الطُّولَيين. زاد أبو داود: قال: قلت: ما طُولَى الطُّوليين، قال: الأعراف، والأخرى: الأنعام. ونحو هذه الزيادة عند النسائي. وينظر فتح الباري ٢/ ٢٤٧ . (٣) في الأحكام الصغرى ٢٣٤/١ - ٢٣٥. (٤) ٢٣٧/١ . ١٥٠ سورة الأعراف: الآيات ١ - ٢ أي: هذا كتابٌ(١). قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضِيْقٌ؛ أي: لا يضيقُ صدرُك بالإبلاغ؛ لأنه رُوي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إني أخافُ أن يَثْلَغُوا رأسي فَيَدَعُوه خُبزَةً)). الحديث. خرَّجه مسلم (٢). قال الكيا(٣): فظاهرُه النهي، ومعناهُ نَفْي(٤) الحَرَج عنه؛ أي: لا يضيقُ صدرُك ألَّا يؤمنوا به، فإنما عليك البلاغُ، وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم أو كُفرهم، ومثلُه قوله تعالى: ﴿فَلَمَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ﴾ الآية [الكهف: ٦]. وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَنِعْ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. ومذهبُ مجاهد وقتادة أنَّ الحرجَ هنا الشَّكّ(٥)، وليس هذا شَكَّ الكُفر، إنما هو شَكُّ الضِّيق. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنََّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]. وقيل: الخِطابُ للنبيِّ :﴿ والمُرادُ أُمَّتُه. وفيه بُعْدٌ. والهاء في ((مِنْهُ)) للقرآن. وقيل: للإنذار، أي: أُنزل إليك الكتابُ لِتُنذِرَ به فلا یکن في صدرك حَرَجٌ منه. فالكلامُ فيه تقديمٌ وتأخيرٌ. وقيل: للتكذيب الذي يُعطيه قوّة الكلام. أي: فلا يكنْ في صدرك ضِيقٌ من تكذيبِ المُكَذِّبين له(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ١١٣/٢، والمحرر الوجيز ٣٧٢/٢. والقول الأول للفرَّاء، وقد ردَّه الزجَّاج. (٢) (٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار المُجَاشعي ﴾، ولفظه: (( .. وإن الله أَمَرني أَنْ أُحَرِّقَ قريشاً، فقلت: ربّ، إذاً يَثْلَغوا رأسي ... )) وهو عند أحمد (١٧٤٨٤). قوله: ((يثلغوا))، قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٩٨/١٧ : أي: يشدخوه ويَشُّوه كما يُشدخ الخبز، أي: يكسر. (٣) في أحكام القرآن ١٣١/٣ . (٤) في (د) و(ظ): رفع، والمثبت من (ز) و(م). (٥) أخرجه الطبري ٥٤/١٠ - ٥٥ . (٦) تفسير الطبري ٥٥/١٠ - ٥٦، وتفسير أبي الليث ٥٣٠/١، والمحرر الوجيز ٣٧٢/٢، وزاد المسير ١٦٥/٣ - ١٦٦. ١٥١ سورة الأعراف: الآيتان ١ - ٣ الثانية: قوله تعالى: ﴿وَذِكْرَى﴾ يجوزُ أن يكونَ في موضع رَفْع ونَصْب وخَفْض. فالرفع من وجهين؛ قال البصريون: هي رفعٌ على إضمارٍ مبتدأ. وقال الكسائيّ: عطفٌ على ((كتاب)). والنصبُ من وجهين؛ على المصدر، أي: وذَكِّر به ذِكْرى؛ قاله البصريون. وقال الكسائي: عطفٌ على الهاء في ((أنزلناه))(١). والخَفْضُ حَمْلاً على موضع ((لِتُنْذِرَ به)). والإنذارُ للكافرين، والذِّكْرى للمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به. قوله تعالى: ﴿أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُنْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِ، أَوْلِيَاءٌ قَلِلًا مَا تَذَكَّرُونَ ( فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿أَنَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَّبِّكُمْ﴾ يعني الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. وقالت فرقةٌ: هذا أمرٌ يعمُّ النبيَّ ﴾ وأُمَّتَه. والظاهرُ أنه أمرٌ لجميع الناس دونَه(٢). أي: اتَّبعوا مِلَّةَ الإسلام والقرآن، وأَحِلُوا حلالَه وحَرِّموا حرامَه، وامتثلوا أَمْرَه، واجتنبوا نَهْيَه(٣). ودَلَّت الآيةُ على ترك اتِباع الآراء مع وجود النصّ فيه (٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ﴾ ((مِنْ دونهِ)): من غيره. والهاء تعودُ على الربِّ سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيرَه، ولا تَتَّخِذوا مَنْ عدَلَ عن دين الله وَلِيًّا، وكلُّ من رَضِيَ مذهباً فأهلُ ذلك المَذْهب أولياؤه. ورُوي عن مالك بن دينار أنه قرأ: ((ولا تَبْتَغُوا مِنْ دُونهِ أولياءَ)) أي: ولا (١) يعني - والله أعلم - على تقدير قوله تعالى: ((كتاب أُنزل)) - وهو لفظ الآية - بـ ((أنزلنا) - وينظر إعراب القرآن للنحاس ١١٤/٢، وينظر الدر المصون ٢٤٤/٥ . (٢) المحرر الوجيز ٣٧٣/٢ دون لفظة: دونه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٧٦٦/٢ . (٤) لفظ: فیه، من (د) و(ز). ١٥٢ سورة الأعراف: الآيات ٣ - ٥ تطلُبوا(١). ولم ينصرفْ ((أولياء)) لأنَّ فيه ألفَ التأنيث. وقيل: تعود(٢) على ((ما)) من قوله: ﴿أَتَّبِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾. ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ((ما)) زائدة. وقيل: تكونُ مع الفعل مصدراً(٣). قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَهَا بَأْسُنَا بَيَتَا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَا ظَلِينَ ﴾ قوله تعالى: ﴿وََّم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا﴾: ((كم)) للتكثير، كما أنَّ ((رُبَّ)) للتقليل. وهي في موضع رَفْعِ بالابتداء، و((أهلكنا)) الخبر. أي: وكثيرٌ مِن القُرى - وهي مواضعُ اجتماع الناس - أهلكناها. ويجوزُ النصب بإضمارٍ فعلٍ بعدَها، ولا يُقدَّر قبلَها؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يعملُ فيه ما قبلَه (٤). ويُقوِّي الأوّلَ قولُه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ [الإسراء: ١٧]. ولولا اشتغالُ ((أَهْلكنا)) بالضمير لانتصبَ به موضعُ ((كم)). ويجوز أن يكونَ ((أَهْلَكْنَا)) صفةً للقرية، و((كَمْ)) في المعنى هي القرية، فإذا وصفتَ القريةَ فكأنَّك قد وصفتَ ((كَمْ)). يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَكَرَ مِّن مَّلَكِ فِىِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَُّهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٦]، فعاد الضميرُ على ((كَمْ)) على المعنى، إذْ كانت الملائكةَ في المعنى. فلا يصحُّ على هذا التقديرِ أن تكون ((كَمْ)) في موضع نَصْبٍ بإضمار فِعْلٍ بعدَها. ﴿فَهَا بَأَسُنَا﴾ فيه إشكالٌ للعطف بالفاء. فقال الفرّاء: الفاءُ بمعنى الواو، فلا (١) معاني القرآن للنحاس ٩/٣، وقراءة مالك بن دينار أوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤٢ وزاد نسبتها للجحدري، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧٣/٢ لمجاهد. (٢) أي: الهاء، من قوله تعالى: ((من دونه)). ينظر المحرر الوجيز ٣٧٣/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١١٤/٢. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١١٤/٢، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢٨١/١ - ٢٨٢. ١٥٣ سورة الأعراف: الآيتان ٤ - ٥ يَلزمُ الترتيب(١). وقيل: أي: وكم من قريةٍ أردنا إهلاكَها، فجاءها بأسُنا، كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَّانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨](٢). وقيل: إنَّ الهلاكَ واقعٌ ببعض القوم، فيكون التقدير: وكم من قريةٍ أهلكنا بعضَها فجاءها بأسُنا، فأهلكنا الجميعَ. وقيل: المعنى: وكم من قريةٍ أهلكناها في حُكمنا فجاءها بأسُنا. وقيل: أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذابِ إليها فجاءها بأسُنا، وهو الاستئصال(٣). والبأسُ: العذابُ الآتي على النفس. وقيل: المعنى: أهلكناها، فكان إهلاكُنا إيّاهم في وقت كذا، فمجيءُ البأسِ على هذا هو الإهلاك. وقيل: البأسُ غيرُ الإهلاك؛ كما ذكرنا. وحكى الفرّاء أيضاً أنه إذا كان معنى الفِعلين واحداً، أو كالواحد؛ قدَّمتَ أيَّهما شئت؛ فيكون المعنى: وكم من قريةٍ جاءها بأسُنا فأهلكناها؛ مثل: دَنَا فَقَرُب، وقَرُبَ فَدَنا، وشَتمني فأساء، وأساء فَشَتمني؛ لأنَّ الإساءةَ والشَّتْمَ شيء واحدٌ(٤). وكذلك قوله: ﴿أَقْتَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. المعنى - والله أعلم - انشقَّ القمرُ فاقتربتِ(٥) الساعةُ. والمعنى واحد. ﴿بَتَّا﴾ أي: ليلاً، ومنه البيت، لأنه يُبات فيه. يقال: باتَ بِيتُ بَيْتاً وبَيَاتاً. ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ أي: أو وهم قائلون، فاستثقلوا، فحذَفوا الواو؛ قاله الفرّاء(٦). (١) معاني القرآن للفراء ٣٧١/١ - ٣٧٢، وضعَّف هذا القول السمين في الدر المصون ٢٤٨/٥ . (٢) مشكل إعراب القرآن لمكي ٢٨٢/١ . (٣) النكت والعيون ٢/ ٢٠٠، ومجمع البيان للطبرسي ١٠/٨. (٤) معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧١ ولفظه فيه: أن الهلاك والبأس يقعان معاً، كما تقول: أعطيتني فأحسنت، فلم يكن الإحسان بعد العطاء ولا قبله، وإنما وقعا معاً، وينظر تفسير الطبري ٥٩/١٠، والمحرر الوجيز ٢/ ٣٧٤، والدر المصون ٢٤٩/٥ . (٥) في (ظ): واقتربت. (٦) في معاني القرآن ١/ ٣٧٢ . ١٥٤ سورة الأعراف: الآيتان ٤ - ٥ وقال الزجاج(١): هذا خطأ، إذا عادَ الذكرُ استُغْنيَ عن الواو، تقول: جاءني زيدٌ راكباً أو هو ماشٍ، ولا يحتاج إلى الواو. قال المهدويّ: ولم يَقُلْ: بياتاً أو وهم قائلون؛ لأن في الجملة ضميراً يرجعُ إلى الأوّل، فاستغنى عن الواو. وهو معنى قولِ الزجَّاج سواء. وليس ((أو)) للشكِّ، بل للتفصيل؛ كقولك: لَّأَكْرِ منَّك منصفاً لي أو ظالماً. وهذه الواو تُسمَّى عند النحويين واو الوقت(٢). و((قَائِلُونَ) من القائلة، وهي القَيْلُولة؛ وهي نومُ نصف النهار. وقيل: الاستراحةُ نصفَ النهار إذا اشتدَّ الحرُّ وإنْ لم يكن معها نومٌ. والمعنى: جاءهم عذابُنا وهم غافلون إمّا ليلاً وإمّا نهاراً(٣). والدعوى: الدُّعاء، ومنه قوله: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ﴾ [يونس: ١٠]. وحكى النحويون: اللهمّ أَشْرِكْنا في دعوى صالح من دعاك. وقد تكون الدَّعوی بمعنی الادِّعاء. والمعنى: أنهم لم يحصلوا(٤) عند الإهلاك إلا على الإقرارِ بأنهم كانوا ظالمین. و﴿دَعْوَنُهُمْ﴾ في موضع نصبٍ خبرُ كان، واسمُها ﴿إِلَّ أَنْ قَالُوا﴾، نظيرُهُ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ﴾ [النمل: ٥٦] ويجوزُ أن تكونَ الدَّعوى رفعاً، و((أَنْ قالوا)) نصباً؛ كقوله تعالى: ﴿ليس الْبِرُّ أن تُوَلَّوا﴾ [البقرة: ١٧٧] برفع ((البرّ)» (٥)، (١) في معاني القرآن له ٣١٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١١٤/٢. (٢) قال الفيروز آبادي في القاموس المحيط (باب الألف اللينة): وتقرُّب من واو الحال. (٣) تهذيب اللغة ٣٠٩/٩، وتفسير البغوي ١٤٨/٢ . (٤) في النسخ: لم يخلصوا، والمثبت من معاني القرآن للنحاس ١٠/٣ ، والكلام منه. (٥) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية شعبة والكسائي. وسلف ذكرها ٥٣/٣ - ٥٤ . وينظر تفسير الرازي ٢١/١٤ . ١٥٥ سورة الأعراف: الآيات ٤ - ٧ وقوله: ﴿ثمَّ كانَ عاقبةُ الذين أساؤوا السوأى أنْ كذَّبوا﴾ [الروم: ١٠] برفع ((عاقبة))(١). قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَا كُنَا غَايِبِينَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ دليلٌ على أنّ الكفارَ يُحاسبون(٢). وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]. وفي سورة القصص: ﴿وَلَا يُنْثَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [٧٨]، يعني إذا استقرُّوا في العذاب(٣). والآخرةُ مَواطنُ: مَوْطِنٌ يُسألون فيه للحساب، ومَوْطِنٌ لا يُسألون فيه، وسؤالُهم سؤال تقرير وتوبيخ وإفضاح، وسؤالُ الرُّسل سؤال استشهادٍ بهم وإفصاح، أي: عن جوابٍ القوم لهم(٤). وهو معنى قوله: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨](٥) على ما يأتي. وقيل: المعنى: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: الأنبياء، ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الملائكة الذين أُرسلوا إليهم(٦). واللام في ((فلنسألنَّ)) لام القَسَم، وحقيقتُها التوكيد. وكذا ﴿فَلَتَّقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلَّمْ﴾(٧). قال ابن عباس: ينطقُ عليهم(٨). ﴿وَمَا كُنَّا غَيِبِينَ﴾ أي: كنَّا شاهدين لأعمالهم. ودلَّت الآيةُ على أن الله تعالى عالم بعلم (٩). (١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. السبعة ص٥٠٦ ، والتيسير ص١٧٤ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ١١٥/٢ . (٣) في تفسير هذه الآية أقوال ذكرها المصنف في موضعها. (٤) تفسير الطبري ٦٦/١٠، وتفسير الرازي ٢٣/١٣، ومجمع البيان ١٤/٨ - ١٥. (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٥٣١ . (٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٦٧ - ٦٨ لعبد بن حُميد. (٧) إعراب القرآن للنحاس ١١٥/٢ . (٨) أخرجه الطبري بنحوه ١٠/ ٦٤ - ٦٥ و ٦٧ . (٩) في (د) و(ظ): يعلم، وينظر تفسير الرازي ٢٣/١٣ والبحر المحيط ٢٧٠/٤. ١٥٦ سورة الأعراف: الآيتان ٨ - ٩ قوله تعالى: ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِشَايَدِّنَا الْمُفْلِحُونَ يَظْلِمُونَ قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقٌ﴾ ابتداءٌ وخبر. ويجوزُ أن يكونَ («الحقُّ)) نَعْتَه، والخبرُ: ((يومئذ)). ويجوز نصبُ ((الحقّ)) على المصدر(١). والمرادُ بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان. قال ابن عمر: تُوزَنُ صحائفُ أعمالٍ العِباد(٢). وهذا هو الصحيحُ، وهو الذي وردَ به الخبرُ على ما يأتي. وقيل: الميزانُ: الكتاب الذي فيه أعمالُ الخَلْقِ. وقال مجاهد: الميزانُ: الحسنات والسيئاتُ بأعيانها. وعنه أيضاً والضحَّاك والأعمش: الوزنُ والميزانُ بمعنى العَدْل والقضاء(٣)، وذِكْر الوزن ضربُ مَثَلٍ؛ كما تقول: هذا الكلامُ في وَزْن هذا وفي وِزانه، أي: يُعادِلُهُ ويُساويه وإِنْ لم يكن هناك وَزْنٌ. قال الزجاج(٤): هذا سائغٌ من جهة اللِّسان، والأولى أن يُتَبعَ ما جاء في الأسانيد الصِّحاح من ذِكْر الميزان. قال القشيرِيّ: وقد أحسنَ فيما قال، إذْ لو حُمِلَ الميزانُ على هذا فَلْيحمل الصراطُ على الدِّين الحقّ، والجنةُ والنار على ما يَرِدُ على الأرواح دون الأجساد، والشياطينُ والجِنُّ على الأخلاق المذمومة، والملائكةُ على القُوى المَحمودة. وقد أجمعتِ الأمةُ في الصَّدر الأوّل على الأَخْذِ بهذه الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على مَنْع التأويل؛ وَجَبَ الأخذُ بالظاهر، وصارت هذه الظواهرُ نصوصاً. قال ابن فُورَك: وقد أنكرتِ المعتزلةُ الميزانَ بناءً منهم على أن الأعراضَ يستحيلُ (١) إعراب القرآن للنحاس ١١٥/٢. (٢) النكت والعيون ٢/ ٢٠١ . (٣) تفسير الرازي ٢٥/١٣ . (٤) في معاني القرآن له ٣١٩/٢ . م ١٥٧ سورة الأعراف: الآيتان ٨ - ٩ وَزْنُها، إذْ لا تقومُ بأنفُسها(١). ومن المُتكلِّمين من يقول: إنَّ الله تعالى يَقْلِب الأعراضَ أجساماً فيزنُها يومَ القيامة. وهذا ليس بصحيح عندنا، والصحيحُ أنَّ الموازين تَثْقُل بالكُتب التي فيها الأعمالُ مكتوبة، وبها تَخِفُّ. وقد رُوي في الخبر ما يُحقِّق ذلك، وهو أنه رُوي ((أنَّ ميزانَ بعضٍ بني آدمَ كاد يَخِفُّ بالحسنات، فَيُوضَعُ فيه رَقُّ مكتوبٌ فيه: لا إله إلا الله، فَيثقُل))(٢). فقد عُلِمَ أن ذلك يَرجِعُ إلى وزن ما كُتب فيه الأعمال، لا نفس الأعمال، وأن الله سبحانه يُخفِّفُ الميزانَ إذا أراد، ويُثَقِّلُه إذا أراد؛ بما يُوضَع في كفَّتيه من الصُّحف التي فيها الأعمال. وفي ((صحيح)) مسلم عن صفوان بن مُخْرِز قال: قال رجلٌ لابن عمر: كيف سمعتَ رسولَ الله # يقول في النَّجْوَى؟ قال: سمعتُه يقول: ((يُدْنَى المؤمنُ من ربِّه يومَ القيامة حتى يَضَعَ عليه كَنَّفَه، فيُقَرِّرُه بذنوبه فيقول: هل تعرِفُ؟ فيقول: أي ربِّ أعرِفُ، قال: فإني قد سَتَرتُها عليك في الدنيا، وإني أَغْفِرُها لك اليومَ. فَيُعْطَى صحيفةً حسناته، وأما الكُفَّار والمنافقون؛ فَيُنادَى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كَذَبوا على الله))(٣). فقوله: ((فَيُعطَى صحيفةَ حسناته)) دليلٌ على أن الأعمالَ تُكتبُ في الصُّحف وتُوزَن. وروى ابنُ ماجه من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله﴾: ((يُصاحُ برجلٍ من أُمَّتي يومَ القيامة على رؤوس الخلائق، فَيُنْشَرُ عليه تسعةٌ وتسعون سِجِلًا، كلُّ سِجِلٌّ مدَّ البصر، ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل تُنكِرُ من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يا ربّ، فيقول: أَظَلَمَتْكَ كتَبَتي الحافظون؟ فيقول: لا، ثم يقول: ألكَ عُذْرٌ، ألك (١) زاد المسير ٣/ ١٧٠ . (٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وسيذكر المصنف نحوه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وقوله: رَقّ: وهو ما يُكتب فيه، وهو جلد رقيق. مختار الصحاح (رقق). (٣) صحيح مسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٥٤٣٦)، والبخاري (٢٤٤١). وقوله: ((كنفه))، قال النووي في شرح صحيح مسلم ٨٧/١٧ : هو ستره وعفوه. ١٥٨ سورة الأعراف: الآيتان ٨ - ٩ حسنةٌ؟ فيَهابُ الرجلُ فيقول: لا، فيقول: بلى إنَّ لك عندنا حسنةً(١)، وإنه لا ◌ُظُلْمَ عليك اليوم، فتُخرج له بِطاقةٌ فيها: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، فيقول: يا ربّ(٢)، ما هذه البطاقة مع هذه السِّجِلّات؟ فيقول: إنك لا تُظْلَم. فتوضع السِّجِلَّات في كِفَّة والبطاقةُ في كِفَّة، فطاشَتِ السِّجِلاتُ وثَقُلَتِ البطاقة))(٣). زاد الترمذيّ: ((فلا يَثْقُل مع اسم الله شيء)» وقال: حديثٌ حسنٌ غريب(٤). وسيأتي لهذا البابِ مزيدُ بيان في ((الكهف)) و((الأنبياء)) إن شاء الله تعالى(٥). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِشَايَتِنَا يَظْلِمُونَ﴾. (مَوَازِينُهُ)) جمعُ ميزان، وأصله: مِؤْزان، قُلِبت الواو ياءً لكسرة ما قبلَها(٦). وقيل: يجوزُ أن يكون هناك موازينُ للعامل الواحد؛ يُوزَن بكل ميزان منها صِنفٌ من أعماله. ويمكن أن يكونَ ذلك ميزاناً واحداً عُبِّرَ عنه بلفظ الجمع؛ كما تقول: خرج فلانٌ إلى مكةً على البِغال، وخرج إلى البصرة في السُّفن، وفي التنزيل: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كُنَّمَتْ عَدُّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]، وإنما هو رسولٌ واحدٌ في أحد التأويلين. وقيل: المَوازين جمعُ مَوْزون، لا جمعَ ميزان. أراد بالموازين الأعمالَ المَوْزونة (٧). ((وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ)) مِثْلُه. وقال ابن عباس: تُوزَنُ الحسناتُ والسيئاتُ في ميزانٍ له لسانٌ وكِفَّتان؛ فأما (١) في (م) وهامش (خ): حسنات. (٢) قوله: يا رب، من (م) ومصادر الحديث. (٣) سنن ابن ماجه (٤٣٠٠)، وأخرجه أحمد (٦٩٩٤). (٤) سنن الترمذي (٢٦٣٩). (٥) عند تفسير الآية (١٠٥) من الكهف، والآية (٤٧) من الأنبياء. (٦) الصحاح (وزن). (٧) تفسير الرازي ٢٦/١٣. ١٥٩ سورة الأعراف: الآيات ٨ - ٩ المؤمنُ فَيُؤْتَى بعمله في أحسن صورة، فَيُوضَع في كِفَّة الميزان، فتثقلُ حسناتُه على سيئاته؛ فذلك قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ويُؤتَى بعمل الكافر في أقبحِ صورة، فَيُوضَع في كِفَّة الميزان، فَيَخْفُّ وَزْنُه حتى يقعَ في النار(١). وما أشار إليه ابنُ عباس قريبٌ مما قيل: يخلُق اللهُ تعالى كلَّ جُزء من أعمال العباد جوهراً، فيقع الوزنُ على تلك الجواهر. وردَّه ابن فُورَك وغيره. وفي الخبر: إذا خَقَّتْ حسناتُ المؤمن؛ أخرجَ رسولُ الله ◌ِ﴾ بِطاقةٌ كالأَنْمَلة، فَيُلقيها في كِفَّة الميزان اليُمنى التي فيها حسناتُه، فترجحُ الحسناتُ، فيقول ذلك العبدُ المؤمن للنبيِّ #: بأبي أنتَ وأُمِّي، ما أحسنَ وجهك، وما أحسنَ خَلْقَك، فمن أنت؟! فيقول: ((أنا محمدٌ نبيّك، وهذه صلواتُك التي كنتَ تُصلِّ عليَّ؛ قد وَفَّيتُكَ أحوجَ ما تكونُ إليها)». ذكره القشيرِيّ في ((تفسيره))(٢)؛ وذكر أن البطاقة - بكسر الباء - رُقعةٌ فيها رَقْم المَتاع بلغة أهل مصر. وقال ابن ماجه: قال محمدُ بن يحيى (٣): البطاقة الرُّقعة، وأهلُ مصر يقولون لِلرُّفْعة: بِطاقة. وقال حذيفة: صاحبُ الموازين يومَ القيامة جبريلُ عليه السلام، يقول الله تعالى: ((يا جبريلُ، زِنْ بينهم، فَرُدَّ من بعضٍ على بعض)). قال: وليس ثَمَّ ذهبٌ ولا فِضَّةٌ؛ فإنْ كان للظالم حسناتٌ أُخِذَ من حسناته فَرُدَّ على المظلوم، وإن لم تكنْ له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات المظلوم؛ فَتُحمَلُ على الظالم؛ فيرجع الرجلُ وعليه مثلُ الجبال (٤). (١) أورده الواحدي في الوسيط ٢/ ٣٥٠، وأخرجه بنحوه البيهقي في الشعب (٢٨٢)، وفي إسناده الكلبي، وهو مُتَّهم بالكذب كما في تقريب التهذيب ص ٤١٥ . (٢) وأورده الرازي في تفسيره ٢٧/١٣، وعزاه للواحدي في البسيط. (٣) الذهلي، أبو عبد الله النيسابوري الحافظ، وهو شيخ ابن ماجه الذي روى عنه حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (٤٣٠٠) السالف قريباً. وقوله هذا ذكره ابن ماجه عقب الحديث. (٤) أخرجه الطبري ٦٩/١٠، وفي إسناده عبد العزيز بن أبان الأموي، تركه أحمد، وقال فيه ابن معين: كذاب خبيث يضع الحديث، كما في تهذيب التهذيب ٢/ ٥٨١ . = ١٦٠ سورة الأعراف: الآيات ٨ - ١٠ ورُوي عن النبيّ ﴾: ((أنَّ اللهَ تعالى يقول يومَ القيامة: يا آدمُ، أُبْرُزْ إلى جانب الكُرسيّ عند الميزان، وانظُرْ ما يُرفَعُ إليك من أعمالٍ بَنِيكَ، فمن رَجَح خيرُه على شرِّه مِثْقالَ حَبَّة فله الجنةُ، ومَن رَجَح شرُّه على خيره مِثْقالَ حبَّة فله النار، حتى تَعْلِمَ أنِّي لا أُعذِّبُ إلا ظالماً))(١). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِ اَلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَنُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ أي: جعلناها لكم قَراراً ومِهاداً، وَهيَّأُنا لكم فيها أسبابَ المعيشة. والمَعايشُ جمع مَعيشة، أي: ما يُتَعيَّش به من المَظْعم والمَشْرَب وما تكون به الحياة. يقال: عاش يَعِيش عَيْشاً ومَعاشاً ومَعِيشاً ومَعِيشةً وعِيشَةً. وقال الزجاج(٢): المَعِيشة ما يُتوصَّل به إلى العَيْش. ومَعيشة في قول الأخفش وكثيرٍ من النَّحْويين: مَفْعِلة(٣). وقرأ الأعرج: ((مَعَائِشَ)) بالهمز. وكذا روى خارجةُ بن مُصْعَب عن نافع (٤). قال النحاس(٥): والهمزُ لحنٌ لا يجوز؛ لأنَّ الواحدةَ معيشة، أصلُها مَغْيِشة، = والصحيح في باب رد المظالم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((من كانت له مَظْلِمةٌ لأحد من عِرْضه أو شيءٍ فَلْيتحلّلْه منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إنْ كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بِقَدْر مَظْلِمته، وإن لم تكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتٍ صاحبه فَحُمِلَ عليه)». أخرجه أحمد (٩٦١٥) والبخاري (٢٤٤٩)، وسلف ٧٦/٢. وحديثُ المُفْلس المشهور أخرجه أحمد (٨٠٢٩)، ومسلم (٢٥٨١) وسلف ٤/ ٢٧٣ . (١) أخرجه الطبراني في الصغير (٨٥٦) بنحوه مطولاً من حديث أبي هريرة ﴾، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٤٧/١٠، وقال: فيه الفضل بن عيسى الرَّقاشي، وهو كذاب. وقال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب ص ٣٨٢: منكر الحديث، رُمي بالقدر. وينظر التذكرة للمصنف ص٣٠٩ وما بعدها. (٢) في معاني القرآن ٣٢٠/٢ - ٣٢١. (٣) معاني القرآن للأخفش ٥١١/٢ - ٥١٢، ومشكل إعراب القرآن ٢٨٣/١. (٤) القراءات الشاذة ص٤٢ . وهذه القراءة عن نافع ليست المشهورة عنه، وقراءته لهذه اللفظة كقراءة الجماعة . (٥) في إعراب القرآن ٢/ ١١٥ .