Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة الأنعام: الآية ١٤١
وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشقَ عن ابن عباسٍ قال: لا تَكْسِروا الرمانةَ من
رأسها؛ فإنَّ فيها دُودةً يعتري منها الجُذام(١).
وسيأتي منافعُ زيت الزيتونِ في سورة المؤمنين إن شاء الله تعالى(٢).
وممن قال بوجوب زكاة الزيتونِ: الزُّهْريُّ [ومالك] والأوزاعيُّ والليث والثوريُّ
وأبو حنيفة وأصحابُه وأبو ثور. قال الزهريُّ والأوزاعيُّ والليث: يُخْرَصُ(٣) زيتوناً،
ويؤخذُ زيتاً صافياً. وقال مالك: لا يُخرصُ، ولكن يؤخذُ العُشرُ بعدَ أنْ يُعصرَ ويبلُغَ
كيلُه خمسةَ أوْسُق. وقال أبو حنيفة والثوريّ: يؤخذ من حَبِّه (٤).
السابعة: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ حَصَادِ﴾ قرأ أبو عمرو وابنُ عامر وعاصمٌ:
((حَصَادِهِ)) بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان مشهورتان(٥)؛ ومثله: الصَّرام
والصِّرام، والجَداد والجِدَاد، والقَطَاف والقِطاف(٦).
واختلف العلماءُ في وقت الوجوبِ على ثلاثة أقوال:
الأوَّل: أنه وقت الجِداد(٧)؛ قاله محمد بن مَسْلمة؛ لقوله تعالى: ((يَوْمَ حَصَادِه).
الثاني: يوم الطِّب؛ لأنَّ ما قبلَ الطِّيبِ يكون عَلَفاً، لا قُوتاً ولا طعاماً؛ فإذا
طاب وحان الأكلُ الذي أنعم اللهُ به؛ وجب الحقُّ الذي أمر الله به، إذ بتمام النِّعمةِ
يجب شكرُ النعمة، ويكون الإيتاء يوم(٨) الحصاد لما قد وجب يومَ الطَّيب.
(١) لم نقف عليه.
(٢) عند تفسير الآية (٢٠) منها.
(٣) أي: يحزر ما على الشجرة. النهاية (خرص).
(٤) التمهيد ١٥٢/٢٠ - ١٥٣، وما بين حاصرتين منه.
(٥) السبعة ص٢٧١ ، والتيسير ص١٠٧ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١٠١/٢، والحجة للقراء السبعة ٤١٦/٣ .
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٥٣. والجداد بالفتح والكسر: صرام النخل، وهو قطع ثمرتها. النهاية
(جدد).
(٨) في (م): وقت.

٦٢
سورة الأنعام: الآية ١٤١
الثالث: أنه يكون بعد تمام الخَرْص؛ لأنه حينئذ يتحقق الواجبُ فيه من الزكاة؛
فيكونُ شرطاً لوجوبها. أصله مجيءُ الساعي في الغنم، وبه قال المُغيرةُ(١). والصحيح
الأوّلُ لنصِّ التنزيل. والمشهورُ من المذهب الثاني، وبه قال الشافعي.
وفائدةُ الخلاف؛ إذا مات بعد الطِّيب زُكِّيت على ملكه، أو قبلَ الخَرْصِ على
ورثته.
وقال محمد بنُ مسلمة: إنما قدِّم الخرصُ توسعةً على أرباب الثِّمار، ولو قدَّم
رجلٌ زكاته بعد الخَرْصِ وقبلَ الجِدَادِ لم يَجْزِه؛ لأنه أخرجها قبل وجويِها(٢). وقد
اختلف العلماءُ في القول بالخرص، وهي:
الثامنة: فكرِهه الثوريُّ، ولم يُجِزْه بحالٍ، وقال: الخرصُ غيرُ مستعمَل. قال:
وإنَّما على ربِّ الحائط أنْ يؤدِّيَ عُشْرَ ما يصير في يده للمساكين إذا بلغ خمسةً أوْسُق.
وروى الشيبانيُّ عن الشَّعبيِّ أنه قال: الخَرْصُ اليومَ بدعةٌ(٣). والجمهور على خلاف
هذا، ثم اختلفوا؛ فالمُعْظَمُ على جوازه في النخل والعِنَب؛ لحديث عَتَّاب بنٍ أَسِيد:
أنَّ رَسولَ الله ﴿ بعثه، وأَمره أَنْ يُخْرَصَ العنبُ كما يُخرَصُ النخلُ، وتؤخذَ زكاتُه
زبيباً كما تؤخذُ زكاةُ النخل تمراً. رواه أبو داود(٤).
وقال داود بنُ عليّ: الخَرْصُ للزكاة جائزٌ في النخل، وغيرُ جائزٍ في العنب،
ودَفَّع حديثَ عَّاب بنِ أَسيد(٥)؛ لأنه منقطعٌ ولا يتَّصلُ من طريقٍ صحيح، قاله أبو
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٧٥٣/٢، وينظر عقد الجواهر الثمينة ٣٠٩/١. والمغيرة: هو ابن عبد
الرحمن بن الحارث.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ٣٠٩/١ .
(٣) التمهيد ٦/ ٤٧٠ بنحوه.
(٤) برقم (١٦٠٣)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٦٤٤) والنسائي ١٠٩/٥ من طريق سعيد بن المسيب، عن
عتاب بن أسيد بنحوه. قال أبو داود: وسعيد لم يسمع من عتاب شيئاً. وقال الترمذي: حديث حسن
غریب.
(٥) التمهيد ٦/ ٤٧٠ .

٦٣
سورة الأنعام: الآية ١٤١
محمدٍ عبدُ الحقّ(١).
التاسعة: وصفةُ الخَرْصِ: أنْ يُقَدّرَ ما على نخله رُطَباً، ويقدّرَ ما ينقصُ لو
تَتَمَّرَ(٢)، ثم يعتدَّ بما يبقى(٣) بعدَ النقص، ويُضيفَ بعضَ ذلك إلى بعضٍ حتى يَكْمُلَ
الحائط، وكذلك في العنب (٤).
العاشرة: ويكفي في الخرص الواحدُ، كالحاكم(٥). فإذا كان في التمر زيادةٌ على
ما خَرَص؛ لم يَلْزم ربَّ الحائط الإخراجُ عنه؛ لأنه حكمٌ قد نَفَذ؛ قاله عبدُ
الوهّاب(٦). وكذلك إذا نقص لم تنقص الزكاة. قال الحسن: كان المسلمون يُخْرَصُ
عليهم، ثم يؤخذُ منهم على ذلك الخرص(٧).
الحادية عشرة: فإن استكثر ربُّ الحائط الخرصَ، خيَّره الخارصُ في أنْ يُعطيَه ما
خَرَص وأخذ خرصه؛ ذكره عبد الرزاق(٨): أخبرنا ابن جُريج، عن أبي الزبير أنه سمع
جابر بن عبد الله يقول: خَرَص ابنُ رواحةً أربعين ألفَ وَسْق، وزعم أنَّ اليهودَ لما
خيَّرهم [ابنُ رواحة] أخذوا التمرَ وأعطوه عشرين ألفَ وَسْق. قال ابن جريج: قلت
لعطاء(٩): فحقٌّ على الخارص إذا استكثر سَيِّدُ المالِ الخَرْصَ أنْ يخيِّره كما خيَّر ابنُ
(١) في الأحكام الوسطى ١٧٨/٢ .
(٢) في (خ) و(م): يُتمر، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لعقد الجواهر الثمينة ٣١٠/١،
وقوله: تتمَّر؛ أي: صار في حد التمر، وأتمرت النخلة: صار ما عليها تمراً. القاموس (تمر).
(٣) في (م): بما بقي.
(٤) بعدها في (م): في كل دالية.
(٥) عقد الجواهر الثمينة ٣١٠/١.
(٦) في المعونة ٤٢٥/١ .
(٧) التمهيد ٦/ ٤٧٢ .
(٨) في المصنف (٧٢٠٥) و(٧٢٠٦).
(٩) كذا في النسخ، ومثله في التمهيد ٤٦٩/٦، وعنه نقل المصنف، وفي مصنف عبد الرزاق (٧٢٠٥)
(٧٢٠٦): أخذوا التمر، وعليهم عشرون ألف وسق. قال ابن جريج: قال لي عطاء ...

٦٤
سورة الأنعام: الآية ١٤١
رواحة اليهودَ؟ قال: إِي لَعَمْري! وأيُّ سُنَّةٍ خيرٌ من سنَّة رسول الله ﴾.؟!
الثانية عشرة: ولا يكون الخرصُ إلَّا بعد الطَّيب؛ لحديث عائشةَ قالت: كان
رسول الله ﴾ يبعثُ ابنَ رواحة إلى اليهود، فَيخرُص عليهم النخلَ حين يطيبُ(١) أوَّلُ
الثَّمَرِ (٢) قبل أنْ يؤكلَ منها، ثم يخيِّر يهودَ؛ أيأخذُونها(٣) بذلك الخرصٍ، أو يدفعونها
إليه؟ وإنما كان أَمَرَ رسولُ اللهِ ﴾ بالخرص لكي تُحصى الزكاةُ قبلَ أنْ تؤكلَ الثمارُ
وتُفَرَّقَ. أخرجه الدارَقُظْنيُّ من حديث ابنِ جُرَيج عن الزُّهريّ، عن عروة، عن
عائشة (٤) .
قال: ورواه صالح بنُ أبي الأخضر عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي
هريرة، وأرسله مالكٌ ومَعْمر وعُقيل عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيِّ ﴾.
الثالثة عشرة: فإذا خَرَص الخارصُ، فحكمه أنْ يُسقِطَ مِن خَرْصه مِقداراً مَا؛ لِمَا
رواه أبو داود والترمذيُّ والبُسْتيُّ في صحيحه عن سهل بن أبي حَثْمة: أنَّ النبيَّ # كان
يقول: ((إذا خرصتم فخذوا ودَعُوا الثُّلُث، فإن لم تَدَعوا الثلث؛ فدَعُوا الرُّبع))(٥). لفظ
الترمذي.
قال أبو داود(٦): الخارصُ يدَعُ الثلثَ للخُرْفة، وكذا قال يحيى القَطَّان.
(١) في (م): تطيب.
(٢) في (خ) و(د) و(ظ): التمر، وفي (م): التمرة، وفي سنن الدارقطني: الثمرة، والمثبت من (ز)، وهو
الموافق لرواية أحمد (٢٥٣٠٦).
(٣) في (م): يأخذونها.
(٤) سنن الدارقطني (٢٠٥٢) وما بعده منه. وأخرجه أيضاً أحمد (٢٥٣٠٥) و(٢٥٣٠٦)، وأبو داود
(٣٤١٣) عن ابن جريج قال: أُخبرت عن ابن شهاب. وهذا إسناد منقطع، كما في صريح كلام ابن
جریج.
(٥) سنن أبي داود (١٦٠٥)، وسنن الترمذي (٦٤٣)، وصحيح ابن حبان (٣٢٨٠). وأخرجه أيضاً أحمد
(١٥٧١٣)، والنسائي ٤٢/٥ . وفي المسند وبعض نسخ أبي داود (كما في حواشيه): فجدُّوا.
(٦) بإثر الحديث (١٦٠٥).

٦٥
سورة الأنعام: الآية ١٤١
وقال أبو حاتم البُسْتيّ (١): لهذا الخبرِ معنيان(٢): أحدُهما: أن يتركَ الثلثَ أو
الربعَ من العُشر، والثاني: أن يتركَ ذلك من نفس التمرِ قبلَ أنْ يُعَشَّر، إذا كان ذلك
حائطاً كبيراً يحتملُه.
الخُرْفة، بضمِّ الخاء: ما يُخْتَرف من النَّخل حين يُدرك ثمره، أي: يُجْتَنى. يقال:
التمر خُرْفُ الصائم؛ عن الجوهريّ(٣) والهَرَويّ. والمشهورُ من مذهب مالكٍ: أنه لا
يَتركُ الخارصُ شيئاً في حين خَرْصِه من تمر النخلِ والعنب إلَّا خَرَصَه. وقد رَوى بعضُ
المدنيين: أنه يخفّفُ في الخَرْص ويترُكُ للعَرايا والصّلةِ ونحوها(٤).
الرابعة عشرة: فإن لَحِقت الثمرةَ جائحةٌ بعد الخرصِ وقبلَ الجذاذِ، سقطت
الزكاةُ عنه بإجماعٍ من أهل العلم، إلَّ أنْ يكونَ فيما بقي منه خمسةُ أوْسُقِ فصاعداً(٥).
الخامسة عشرة: ولا زكاة في أقلَّ مِن خمسة أوسقٍ، كذا جاء مبيّناً عن النبيِّ ﴾.
وهو في الكتاب مُجْمَل، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُوا مِن طَيْبَتِ مَا
كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ﴾، ثم
وقع البيانُ بالعُشر ونصفِ العُشر، ثم لمَّا كان المقدارُ الذي إذا بلغه المالُ أُخذ منه
الحقُّ مُجملاً؛ بيَّنه أيضاً، فقال: ((ليس فيما دون خمسةٍ أوْسُقٍ مِن تمر أو حَبُّ
صدقة))، وهو ينفي الصدقةَ في الخضراوات؛ إذ ليست مما يُوسق؛ فمَن حصل له
خمسةُ أوْسق في نصيبه من تمر أو حَبّ؛ وجبت عليه الزكاة، وكذلك مِن زبيب، وهو
المسمَّى بالنِّصاب عند العلماء(٦).
(١) في صحيحه إثر الحديث (٣٢٨٠).
(٢) في (خ) و(ظ): صيغتان، وفي (ز) و(م): صفتان، والمثبت من صحيح ابن حبان.
(٣) في الصحاح (خرف) بنحوه. وينظر النهاية (خرف).
(٤) الكافي ٣٠٦/١. وقوله: العرايا جمع عَرِيَّة: وهي النخلة يعريها صاحبها رجلاً محتاجاً، فيجعل له
ثمرها عاماً فيعروها، أي: يأتيها. الصحاح (عرا).
(٥) الكافي ٣٠٦/١ بنحوه، وينظر الإجماع لابن المنذر ص٣٣.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٨/٢ - ٧٤٩ .

٦٦
سورة الأنعام: الآية ١٤١
يقال: وِسْق ووَسْق - بكسر الواو وفتحها - وهو سِتُّون صاعاً، والصاع: أربعةُ
أمداد، والمُدُّ: رطل وثلثٌ بالبغداديِّ، ومبلغُ الخمسةِ أوْسق(١) من الأمداد ألفُ مُدِّ
ومئتا مُدّ، وهي بالوزن ألفُ رِطلٍ وست مئة رِطل [بالبغدادي].
السادسة عشرة: ومَن حصل له من تمر وزبيب معاً خمسةُ أوْسُق؛ لم تلزمه الزكاة
إجماعاً؛ لأنهما صنفان مختلفان(٢). وكذلك أجمعوا على أنه لا يُضاف التمرُ إلى
البُرّ، ولا البُرُّ إلى الزبيب؛ ولا الإبلُ إلى البقر، ولا البقرُ إلى الغنم. ويضاف الضأنُ
إلى المَعْز بإجماع (٣).
واختلفوا في ضمِّ البُرِّ إلى الشعير والسُّلْتِ (٤) وهي:
السابعة عشرة: فأجازه مالكٌ في هذه الثلاثةِ خاصَّةً فقط؛ لأنها في معنى الصِّنفِ
الواحد؛ لتقاربها في المنفعة، واجتماعِها في المَنْبت والمحصد. وافتراقُها في الاسم
لا يوجبُ افتراقَها في الحكم؛ كالجواميس والبقر، والمعزِ والغنم.
وقال الشافعيُّ وغيره: لا يُجمع بينها؛ لأنها أصنافٌ مختلفة، وصفاتُها متباينة،
وأسماؤها متغايرة، وطعمُها مختلف؛ وذلك يوجب افتراقَها. والله أعلم.
قال مالك: والقَطَانيُ(٥) كلُّها صِنفٌ واحد، يُضَمُّ بعضُها إلى بعض(٦).
وقال الشافعيّ: لا تُضمُّ حبةٌ عُرفتْ باسمِ منفرد دون صاحبتها وهي خلافُها
مباينةٌ(٧) في الخِلْقة والطَّعْمِ إلى غيرها. ويُضَمُّ كلُّ صنفٍ بعضه إلى بعض، رَدِيئُهُ إلى
(١) في (خ) و(ظ) و(م): الخمسة الأوسق، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق للكافي ٣٠٨/١، وما
سيأتي بين حاصرتين منه، والكلام منه بنحوه، وينظر عقد الجواهر الثمينة ٣٠٦/١ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٥٤ .
(٣) التمهيد ١٥٠/٢٠، والإجماع لابن المنذر ص٣٢.
(٤) هو ضربٌ من الشعير أبيض لا قشر له. النهاية (سلت).
(٥) جمع قطنيّة، وهي كالعدس والحمص واللوبياء ونحوها. النهاية (قطن).
(٦) التمهيد ١٤٩/٢٠ - ١٥٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٥٤ .
(٧) في (خ) و(ز) والاستذكار ٢٥٨/٩، والكلام منه بنحوه: ثابتة.

٦٧
سورة الأنعام: الآية ١٤١
جَيِّده؛ كالتمر وأنواعه، والزبيبِ أسودِه وأحمره، والحنطةِ وأنواعِها من السّمراء
وغيرها. وهو قولُ الثّوريِّ وأبي حنيفة وصاحبیه أبي يوسف ومحمدٍ وأبي ثور.
وقال اللّيث: تُضمُّ الحبوبُ كلُّها: القِطنيةُ وغيرُها بعضُها إلى بعضٍ في الزكاة.
وكان أحمد بن حنبل يَجْبُن(١) عن ضمِّ الذهب إلى الوَرِق، وضمِّ الحبوب بعضِها
إلى بعض، ثم كان في آخر أمرِه يقولُ فيها بقول الشافعيّ(٢).
الثامنة عشرة: قال مالك: وما استهلكه منه ربُّه بعد بُدُوِّ صلاحِه أو بعد ما
أَفْرك(٣) [الزرع]؛ حُسِب عليه، وما أعطاه ربُّه منه في حصاده وجِذاذه، ومن الزيتون
في التقاطه، تَحرَّى ذلك، وحُسب عليه. وأكثر الفقهاءِ يخالفونه في ذلك، ولا يوجبون
الزكاةَ إلَّا فيما حصل في يده بعد الدَّرْس(٤).
قال الليثُ في زكاة الحبوب: يُبدأ بها قبلَ النفقة، وما أَكل من فَرِيكِ هو وأهلُه
فلا يُحسبُ عليه، بمنزلة الرُّطَب الذي يُترك لأهل الحائطِ يأكلونه، فلا يُخْرَصُ عليهم.
وقال الشافعيّ: يَتركُ الخارِصُ لربِّ الحائط ما يأكلُه هو وأهلُه رُطباً، لا يَخْرُصه
عليهم، وما أكله وهو رُطَبٌ لم يُحسبْ عليه.
قال أبو عمر(٥): احتجَّ الشافعيُّ ومَن وافقه بقول الله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِوٍ
إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهٌ﴾، واستدلُّوا على أنه لا يُحتسبُ بالمأكول(٦) قبلَ
الحصادِ بهذه الآية. واحتجُّوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا خرصتم فدَعُوا الثُّلثَ،
فإنْ لم تدَعُوا الثلثَ فدَعُوا الربع))(٧).
(١) في الاستذكار: ينهى.
(٢) الاستذكار ٩/ ٢٥٨ - ٢٥٩ بنحوه، وينظر التمهيد ١٤٩/٢٠ - ١٥٠.
(٣) أي: بلغ أن يفرك باليد، وفركته فهو مفروك وفريك. النهاية (فرك).
(٤) الكافي ١/ ٣٠٥، وما بین حاصرتین منه.
(٥) في الاستذكار ٢٤٨/٩، وما قبله منه، وينظر التمهيد ٤٧١/٦ .
(٦) في الاستذكار: لا يحسبُ المأكول.
(٧) سلف في المسألة الثالثة عشرة.

٦٨
سورة الأنعام: الآية ١٤١
وما أكلت الذَّوابُّ والبقرُ منه عندَ الدَّرسِ [وغيره] لم يُحسب شيءٌ من ذلك على
صاحبه (١) عند مالكٍ وغيره(٢).
التاسعة عشرة: وما بيع من الفول والحِمّص والجُلْبان أخضر(٣)؛ تحرَّى مقدارَ
ذلك يابساً، وأُخرجت زكاتُه حبًّا. وكذا(٤) ما بيع من الثمر أخضرَ؛ اعتُبر وتُؤُخِي
وخُرص يابساً، وأُخرجت زكاتُه على ذلك الخرصِ زبيباً وتمراً. وقيل: يُخرج من
ثمنه (٥).
الموفية عشرين: وأما ما لا يتمَّر(٦) من ثمر النخلِ ولا يتزَّب من العنب؛ كعنب
مصر ونخيلِها (٧)، وكذلك زيتونُها الذي لا يُعصر؛ فقال مالك: تُخرج زكاتُه من ثمنه،
لا يكلّفُ غيرَ ذلك صاحبُه، ولا يُراعَى فيه بلوغُ ثمنه عشرين مثقالاً أو مئتي درهم،
وإنما يُنظر إلى ما يرى أنه يبلغُه خمسةً أوسقٍ فأكثرَ(٨).
وقال الشافعيّ: يُخرجُ(٩) عُشْره أو نصف عشْرِه من وسطه تمراً إذا أَكَله أهلُه رطباً
أو أطعموه(١٠).
الحادية والعشرون: روى أبو داودَ عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﴾: ((فيما
(١) في (د) و(ز) و(م): لم يحسب منه شيء على صاحبه، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق للكافي
٣٠٩/١، والكلام وما بين حاصرتين منه.
(٢) في النسخ الخطية: ولا غيره، والمثبت من (م).
(٣) في المصباح المنير: الجُلْبان: حبٍّ من القَطامي (وسلف ذكره) ساكن اللام، وبعضهم سمع فيه فتح
اللام مشدّدة.
(٤) في (خ) و(ظ): وكذلك، ولم ترد في (د) و(ز)، والمثبت من (م).
(٥) الكافي ١/ ٣٠٩ و ٣٠٦ بنحوه.
(٦) في (خ) و(ظ): يتمر، ومثله في عقد الجواهر الثمينة ٣١١/١، والمثبت من (د) و(ز) و(م)، وهو
الموافق للكافي.
(٧) في (م) وبلحها.
(٨) الكافي ٣٠٧/١، والاستذكار ٩/ ٢٧٥ .
(٩) قوله: يخرج، من (م).
(١٠) الاستذكار ٢٧٥/٩ - ٢٧٦.

٦٩
سورة الأنعام: الآية ١٤١
سقت السماءُ والأنهار والعيون، أو كان بَعْلاً: العُشْرُ، وفيما سُقي بالسَّواني(١).
أو النَّضْحِ: نصفُ العشر(٢)) وكذلك إنْ كان يشربُ سَيْحاً فيه العشر(٣). وهو الماءُ
الجاري على وجه الأرض؛ قاله ابنُ السِّكِّيت (٤).
ولفظ السَّيْح مذكورٌ في الحديث، خرَّجه النَّسائيّ(٥).
فإن كان يشربُ بالسَّيْح؛ لكن ربّ الأرض لا يملك ماءً وإنما يكتريه له، فهو
كالسماء؛ على المشهور من المذهب. ورأى أبو الحسن اللَّخْميُّ أنه كالنضح(٦)، فلو
سُقي مرَّةً بماء السماء ومرَّةً بدالية؛ فقال مالك: يُنظر إلى ما تمَّ به الزرعُ وحَيَ، وكان
أكثرَ؛ فيتعلَّق الحكمُ عليه. هذه روايةُ ابنِ القاسم عنه. ورَوى عنه ابنُ وهب: إذا سُقي
نصفَ سنةٍ بالعيون، ثم انقطع، فسُقي بقيَّةَ السَّنةِ بالناضح؛ فإنَّ عليه نصفَ زكاته
عُشْراً، والنصف الآخر نصف العشر، وقال مرَّة: زكاته بالذي تمَّت به حياتُه.
وقال الشافعيّ: يُزَكَّى كلُّ واحدٍ منهما بحسابه(٧). مثاله: أنْ يشربَ شهرين
بالنضح وأربعةً بالسماء؛ فيكونُ فيه ثلثا العُشْرِ لماء السماءِ وسُدُسُ العشر للنضح.
وهكذا ما زاد ونقَص بحسابه. وبهذا كان يفتي بَكَّار بنُ قتيبة(٨).
(١) في (د) و(ز) و(ظ): بالسواقي، والمثبت من (خ) و(م)، وهو الموافق لسنن أبي داود.
(٢) سنن أبي داود (١٥٩٦)، وهو عند البخاري (١٤٨٣)، وسلف ٢٤/٢ .
(٣) أخرج ابن حبان (٦٥٥٩) حديث عمرو بن حزم مطولاً؛ وفيه: ((وما سقت السماء أو كان سيحاً أو بعلاً
ففيه العشر ... )). وأخرجه الدارقطني (١٩٠٢) من حديث عمرو بن شعيب بنحوه.
(٤) وسماه الغَيْل كما في التمهيد ١٦٦/٢٤، والمفهم ١٣/٣. وينظر تهذيب اللغة ١٩٥/٨.
(٥) لم نجده عند النسائي، وهو عند ابن أبي شيبة ١٤٤/٣، والدارقطني (١٩٠٢) من حديث ابن عمرو
رضي الله عنهما. وعند ابن أبي شيبة أيضاً ٣/ ١٤٥ من حديث علي ﴾. وعند ابن حبان (٦٥٥٩)، وابن
عبد البر في التمهيد ١٦٣/٢٤ من حديث عمرو بن حزم ، وسلفت الإشارة إلى ذلك قريباً.
(٦) عقد الجواهر الثمينة ٣٠٨/١.
(٧) التمهيد ١٦٩/٢٤ بنحوه، وينظر عقد الجواهر الثمينة ٣٠٨/١.
(٨) هو أبو بكرة الفقيه الحنفي، قاضي القضاة بمصر، عُني بالحديث، وبرع في الفروع. وله مصنفات، من
العلماء العاملين كان السلطان ينزل إليه، توفي سنة (٢٧٠ هـ). السير ٥٩٩/١٢ .

٧٠
سورة الأنعام: الآية ١٤١
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف [ومحمد]: يُنظر إلى الأغلب فيزكَّى [به]، ولا يُلتفتُ
إلى ما سوى ذلك. ورُوي عن الشافعيّ.
قال الطَّحَاويّ: قد اتفق الجميعُ على أنه لو سقاه بماء المطرِ يوماً أو يومين؛ أنه
لا اعتبارَ به، ولا يجعل لذلك حِصَّة؛ فدلَّ على أنَّ الاعتبار بالأغلب، والله أعلم (١).
قلت: فهذه جملةٌ من أحكام هذه الآية، ولعلَّ غيرَنا يأتي بأكثرَ منها على ما يفتحُ
اللهُ له. وقد مضى في ((البقرة )) جملةٌ مِن معنى هذه الآية(٢)، والحمد لله.
الثانية والعشرون: وأمَّا قولُهُ ﴾: ((ليس في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقةٌ ... )) فخرَّجه
النَّسائيّ(٣). قال حمزةُ الكِنَانيّ(٤): لم يذكر [أحد] في هذا الحديثِ: ((في حَبّ))(٥)
غيرُ إسماعيل بنِ أمَّيَّة، وهو ثقة قُرَشيٍّ مِن ولد سعيد بنِ العاص. قال: وهذه السُّنَّة لم
يروِها أحدٌ عن النبيِّ ﴿ مِن أصحابه غيرُ أبي سعيدِ الخُذْريّ.
قال أبو عمر(٦): هو كما قال حمزة، وهذه سُنَّةٌ جليلةٌ تلقَّاها الجميعُ بالقَبول، ولم
يروِها أحدٌ عن النبيِّ # مِن وجهٍ ثابت محفوظ غيرُ أبي سعيد. وقد رَوى جابرٌ (٧) عن
النبيِّ# مثلَ ذلك، ولكنه غريبٌ(٨)، وقد وجدناه من حديث أبي هريرة بإسنادٍ حسن(٩).
(١) التمهيد ١٦٩/٢٤ - ١٧٠، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) ٢٣/٢ - ٢٤، و٣٤٢/٤ وما بعدها.
(٣) في المجتبى ٥/ ٤٠، من حديث أبي سعيد الخدري، وبعده: ((حتى تبلغ خمسة أوسق ... )) وهو عند
أحمد (١١٥٧١) و(١١٦٩٧)، والبخاري (١٤٠٥)، ومسلم (٩٧٩): (٥). وقد سلف ٢٤/٢.
(٤) هو حمزة بن محمد بن علي بن العباس، أبو القاسم الكناني المصري، محدّث الديار المصرية، جمع
وصنف، وكان متقناً مجوداً توفي سنة (٣٥٧هـ). السير ١٧٩/١٦ .
(٥) في النسخ الخطية: من حب، والمثبت من (م).
(٦) في التمهيد ٢٠/ ١٣٥ - ١٣٦، وما قبله وبین حاصرتين منه.
(٧) في (د) و(ز) و(ظ): وقد روي عن جابر، والمثبت من (خ) و(م).
(٨) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣٠٧٨)، والطبراني في الأوسط (٩٠٥٧)، وابن عبد البر في
التمهيد ١٣٦/٢٠.
(٩) أخرجه الطحاوي (٣٠٨٣)، وابن عبد البر في التمهيد ١٣٥/٢٠.
٠

٧١
سورة الأنعام: الآية ١٤١
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشَرِفُواْ﴾ الإسرافُ في اللغة: الخطأُ. وقال
أعرابيٌّ أراد قوماً: طلبتُكم فَسَرِفْتُكم، أي: أخطأتُ موضِعَكم (١). وقال الشاعر:
أسرفتمُ فأجبنا إنَّنَا سَرَف(٢)
وقال قائلُهم والخيلُ تَخبِظُهم
والإسرافُ في النفقة: التبذير.
ومُسرِف: لقبُ مسلم بنِ عُقْبَةَ المُرِّي(٣) صاحبٍ وقعةِ الحَرَّة؛ لأنه قد أسرف
فيها. قال عليُّ بنُ عبد الله بن العباس:
هُمُ منعوا ذِماري يومَ جاءت
كتائبُ مُسْرِفٍ وبني اللَّكِيعة(٤)
والمعنى المقصودُ من الآية: لا تأخذوا الشيءَ بغير حقِّه، ثم تضعوه(٥) في غير
حقّه. قاله أضبغ بنُ الفرج. ونحوه قولُ إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمرَ الله فهو
سَرَفٌ وإسرافٌ. وقال ابن زيد: هو خطابٌ للؤُلاة، يقول: لا تأخذوا فوق حقِّكم وما
لا يجبُ على الناس(٦). والمعنيان يحتملهما قولُه عليه الصلاة والسلام: ((المُعْتَدي في
الصدقة كمانِعها)»(٧).
(١) الصحاح (سرف).
(٢) لم نقف عليه، وسلف ٦/ ٧١ .
(٣) هو أبو عقبة، الأمير من قبل يزيد بن معاوية. ذكره ابن عساكر وقال: أدرك النبي 38، وشهد صفين مع
معاوية، وكان على الرجَّالة. قال ابن حجر: ولولا ذكر ابن عساكر له لما ذكرته. الإصابة ٢٨/١٠ .
(٤) الصحاح (سرف)، وورد البيت في الروض المعطار في خبر الأقطار لمحمد الحميري ص ١٩٣ واللسان
(سرف)، وفيهما: بنو، بدل: وبني. والذِّمار، بالكسر: ما يلزمك حفظه وحمايته. القاموس (ذمر).
وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب السيد أبو الخلائف، أبو محمد الهاشمي السجاد. ولد عام
قتل علي ، فسمي باسمه. توفي سنة ١١٨ . السير ٢٥٢/٥ .
(٥) في النسخ: وتضعونه، والمثبت من (م).
(٦) أخرج أثر ابن معاوية وابن زيد الطبري ٩/ ٦١٥ - ٦١٦ و٦١٧ .
(٧) أخرجه أبو داود (١٥٨٥)، والترمذي (٦٤٦)، وابن ماجه (١٨٠٨)، من حديث أنس ﴾. قال
الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه. وفي تحفة الأشراف ٢٢٢/١، وميزان الاعتدال ١٢١/٢،
والتلخيص الحبير ١٤٩/٢: حديث حسن غريب. وفي الباب عن جابر ﴾ أخرجه البخاري في التاريخ
الكبير ٣٩٢/٢، وعن جرير أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢٧٥)، قال الهيثمي في المجمع ٨٣/٣ :
رجاله ثقات.

٧٢
سورة الأنعام: الآية ١٤١
وقال مجاهد: لو كان أبو قُبيسٍ ذهباً لرجل، فأنفقه في طاعة اللهِ لم يكن مُسْرِفاً،
ولو أنفق درهماً أو مُدًّا في معصية الله كان مسرفاً. وفي هذا المعنى قيل لحاتم: لا
خير في السَّرَف؛ فقال: لا سَرَف في الخير(١).
قلت: وهذا ضعيف؛ يردُّه ما رَوى ابنُ عباس: أنَّ ثابت بنَ قَيس بنٍ شَمَّاس عَمَد
إلى خمس مئةِ نخلة فجذِّها، ثم قسَّمها في يومٍ واحد، ولم يتركْ لأهله شيئاً؛ فنزلت:
(وَلَا تُسْرِفُوا))(٢)، أي: لا تعطوا كلَّه.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: جَذَّ معاذ بن جبلٍ نخلَه، فلم يزل يتصدَّقُ
[من ثمره] حتى لم يبقَ منه شيء؛ فنزل: ((ولا تسرفوا))(٣).
قال السُّدِّي: ((ولا تسرفوا)) أي: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء(٤).
ورُوي عن معاوية بن أبي سفيان: أنه سئل عن قوله تعالى: ((وَلَا تُسْرِفُوا))، قال:
الإسرافُ ما قصَّرْتَ عن حقِّ الله تعالى(٥).
قلت: فعلى هذا تكون الصدقةُ بجميع المالِ، ومنعُ إخراج حقِّ المساکین داخلین
في حكم السَّرَف، والعدلُ خلافُ هذا؛ فيتصدقُ ويُبقي كما قال عليه الصلاة
والسلام: ((خيرُ الصدقة ما كان عن ظَهْرٍ غِنّى))(٦) إلَّا أنْ يكونَ قويَّ النفسِ غنيًّا بالله
متوكّلاً عليه منفرداً لا عيالَ له، فله أنْ يتصدَّقَ بجميع ماله، وكذلك يُخرج الحقَّ
الواجبَ عليه من زكاة وما يَعُنُّ (٧) في بعض الأحوال من الحقوق المتعيّنة في المال.
(١) تفسير الرازي ٢١٤/١٣، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩٦٢).
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٢/ ٣٣٠، والبغوي ١٣٦/٢، وأخرجه الطبري ٦١٥/٩ عن ابن جريج
بنحوه.
(٣) مصنف عبد الرزاق (٧٢٦٧)، وما بين حاصرتين منه.
(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٦١٦ .
(٥) أورده أبو الليث في تفسيره ٥١٩/١، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١٢٤/٣ عن إياس بن معاوية،
وذكره في الدر المنثور ٣/ ٥٠ عن سفيان بن حسين.
(٦) سلف ٤٤٧/٣ .
(٧) قوله: يَعُنَّ بضم العين وكسرها، أي: يعرضُ. مختار الصحاح (عنن).

٧٣
سورة الأنعام: الآيتان ١٤١ - ١٤٢
وقال عبد الرحمن بنُ زيد بنٍ أسلم: الإسراف ما لم يقدر على ردِّه إلى الصلاح.
والسّرَفُ ما يقدر على ردِّه إلى الصلاح.
وقال النّضْر بنُ شُميل: الإسرافُ: التبذير والإفراطُ، والسَّرَفُ: الغفلة والجهل.
قال جرير(١):
أعْطَوْا مُنيدةَ يحدُوها ثمانيةٌ ما في عطائِهِمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ
أي: إغفالٌ، ويقال: خطأً. ورجلٌ سَرِفُ الفؤاد، أي: مخطِئُ الفؤادِ غافلُه. قال
طَرَفة :
عَسَلاً بماءٍ سحابةٍ شَتْمِي(٢)
إنَّ امرأً سَرِفَ الفُؤَادِ يرى
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اٌلْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأْ كُلُواْ مِنَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ وَلَا
تَكَّبِعُواْ خُعُوَتِ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُِّينٌ
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوْلَةٌ وَفَرْشَأْ﴾ عطف(٣)، أي: وأنشأ حمولةً
وفرشاً من الأنعام. وللعلماء في الأنعام ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنَّ الأنعام الإبلُ خاصَّة؛ وسيأتي في ((النحل)) بيانُه (٤).
الثاني: الأنعام(٥): الإبلُ وحدها، وإذا كان معها بقرٌ وغنم فهي أنعامٌ أيضاً.
الثالث: وهو أصحُّها؛ قال(٦) أحمد بنُ يحيى: الأنعام كلُّ ما أحلَّه اللهُ عزَّ وجلَّ
من الحيوان. ويدلُّ على صحة هذا قولُه تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ تَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَ
(١) في ديوانه ص٣٠٧ ، وسلف ٦/ ٧١ .
(٢) الصحاح (سرف)، والبيت في ديوان طرفة ص ٨٧ .
(٣) بعدها في (م): على ما تقدم.
(٤) عند تفسير الآية (٥) منها.
(٥) في (د) و(ز) و(م): أن الأنعام، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٦) في (د) و(ز) و(م): قاله، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ١٠١/٢،
والكلام منه.

٧٤
سورة الأنعام: الآية ١٤٢
عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]. وقد تقدَّم(١).
والحَمُولة ما أطاق الحمْلَ والعمل؛ عن ابن مسعودٍ وغيرِه(٢). ثم قيل: يختصُّ
اللفظُ بالإبل. وقيل: كلُّ ما احتَملَ عليه الحَيُّ مِن حمارٍ أو بغل أو بعير، عن أبي
زيد، سواءٌ كانت عليه الأحمالُ أو لم تكن(٣).
قال عنترة :
ما رَاعني إلَّا حَمولةُ أهلِها ..
وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِم(٤)
وفَعولةٌ - بفتح الفاء - إذا كانت بمعنى الفاعلِ؛ استوى فيها المؤنَّثُ والمذكَّر؛
نحوُ قولك: رجلٌ فَروقة وامرأةٌ فَروقة: للجبان والخائف. ورجلٌ صَرورةٌ وامرأةٌ
صرورة: إذا لم يَحُجًّا، ولا جمع له. فإذا كانت بمعنى المفعول فُرِّق بين المذكر
والمؤنث بالهاء، كالحَلُوبة والرَّكُوبة(٥). والحُمُولة بضمِّ الحاء: الأحمال. وأما
الحُمُول بالضم بلا هاء؛ فهي الإبلُ التي عليها الهوادج، كان فيها نساءٌ أو لم يكن؛
عن أبي زيد (٦).
((فَرْشاً))؛ قال الضحاك: الحَمُولة: من الإبل والبقر، والفَرْش: الغنم.
النحاس(٧): واستُشهد لصاحب هذا القولِ بقوله: ((ثَمَانِيَةً أَزْوَاج))، قال: فـ(«ثَمانِيَةَ))
بدلٌ من قوله: ((حَمُولَةٌ وَفَرْشاً)). وقال الحسن: الحَمولة الإبل. والفَرْش: الغنم(٨).
(١) ٢٤٩/٧، وأحمد بن يحيى هو ثعلب.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٦٢٠، والطبراني في الكبير (٩٠١٨)، والحاكم ٢/ ٣١٧ بنحوه.
(٣) تهذيب اللغة ٩١/٥، والصحاح (حمل).
(٤) في (د) و(ظ) و(م): الحمجم، وهي لغة في الخمخم كما في مجمل اللغة ٢١٨/١ ، والمثبت من (ز)
و(خ)، وهو الموافق للديوان ص١٧ ، وقوله: الخمخم واحدتها: خِمخِمة، وهو آخر ما يبس من
النبت. شرح القصائد السبع لابن الأنباري ص٣٠٤ .
(٥) الصحاح (حمل) و(فرق) و(صرر)، وتهذيب اللغة ١٠٩/١٢ .
(٦) الصحاح (حمل).
(٧) في معاني القرآن له ٢/ ٥٠٤، وقول الضحاك منه، وأخرجه الطبري عنه ٩/ ٦٢٢ دون قوله: والبقر.
(٨) معاني القرآن ٢/ ٥٠٤ ، وأخرج قوله الطبري ٩/ ٦٢٠، ٦٢٢ بنحوه.

٧٥
سورة الأنعام: الآية ١٤٢
وقال ابنُ عباس: الحَمُولة كلٌّ ما حَمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير.
والفَرْش: الغنم. وقال ابن زيد: الحَمُولة ما يُركب، والفَرْش ما يؤكلُ لحمُه
ويحلب(١)؛ مثلُ الغنم والفصلانِ(٢) والعجاجيل؛ سُمِّيتَ فَرْشاً لِلَطاقة أجسامِها
وقُربِها من الفَرْش، وهي الأرض المستويةُ التي يَتوّؤها الناسُ(٣). قال الراجز:
أورثني حَمولةً وفَرْشاً .. أَمُشُّها في كلِّ يومٍ مَشّا (٤)
وقال آخر :
٠(٥)
والحَمُولاتِ وَرَبَّاتِ الحَجَل
وَحَوَيْنَا الفَرْشَ من أنعامكمْ
قال الأصمعيُّ(٦): لم أسمعْ له بجمع. قال: ويَحتمِل أنْ يكونَ مصدراً سُمِّيَ به؛
من قولهم: فرشَها الله فَرْشاً، أي: بَثَها بَثَّا. والفَرْش: المفروشُ من متاع البيت.
والفَرْش: الزَّرِعُ إذا فُرش. والفَرْشُ: الفضاءُ الواسع. والفَرْش في رِجْل البعير: انِّساعٌ
قليل، وهو محمود. وافترش الشيءُ: انبسط؛ فهو لفظٌ مشترك. وقد يَرجع قولُه تعالى:
(وَفَرْشاً)) إلى هذا.
قال النحاس(٧): ومِن أحسنٍ ما قيل فيهما: أنَّ الحَمُولةَ المسخَّرةُ المُذلَّلة
للحمل. والفَرْش ما خلقه اللهُ عزَّ وجلَّ من الجلود والصُّوف مما يُجلس عليه ويُتَمَهَّد.
وباقي الآية قد تقدَّم.
(١) أخرج قول ابن عباس وابن زيد الطبريّ ٩/ ٦٢١، ٦٢٢ .
(٢) جمع الفَصيل: هو ولدُ الناقة إذا فصل عن أمه. مختار الصحاح (فصل).
(٣) تفسير الطبري ٩/ ٦٢٢ - ٦٢٣ .
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٧٩/٢ وقال: أي: أمسّجها، وفي الصحاح (مشش): مششت
الناقة: حلبتها. وتركت في الضرع بعض اللبن.
(٥) قائله ابن مسلمة، كما في النكت والعيون ١٧٩/٢، وقوله: الحجل: هو صغار الإبل. ينظر القاموس
(حجل).
(٦) كذا في النسخ، والذي في الصحاح (فرش)، والكلام منه: قال الفراء.
(٧) في إعراب القرآن ٢/ ١٠١ - ١٠٢ .

٧٦
سورة الأنعام: الآيتان ١٤٣ - ١٤٤
قوله تعالى: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنُّ قُلّ
ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ آلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِّ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن
كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَغَرِ آَثْنَيْنِ قُلْءَالنَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ
الْأُنثَبَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إذْ وَصَّدِكُمُ اللَّهُ
بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلََّّ إِنَّ اللَّهَ لَا
٤٤
يَهْدِى الْقَوْمَ النَّلِينَ
فیه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجَ﴾ ((ثمانيةَ)) منصوبٌ بفعلٍ مضمر، أي: وأنشأ
ثمانية أزواج؛ عن الكسائي(١). وقال الأخفش سعيدٌ(٢): هو منصوبٌ على البدل من
حَمُولَة وَفَرْش.
وقال الأخفش عليّ بنُ سليمان: يكون منصوباً بـ ((كُلُوا))، أي: كلوا لَحمَ ثمانيةِ
أزواج. ويجوز أنْ يكونَ منصوباً على البدل من ((ما)) على الموضع. ويجوز أنْ يكونَ
منصوباً بمعنى: كلوا المباحَ ((ثمانيةً أزواج من الضأن اثنين))(٣).
ونزلت الآيةُ في مالك بن عوفٍ وأصحابه حيث قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ
آلْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّمْ عَى أَزْوَجِنَا﴾(٤)، فنبّه اللهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه والمؤمنين
بهذه الآية على ما أحلَّه لهم؛ لئلا يكونوا بمنزلة مَن حَرَّم ما أحلَّه اللهُ تعالى.
والزَّوجُ خلافُ الفَرْد؛ يقال: زَوْجٌ أو فَرْدٌ، كما يقال: خَساً أو زَكاً، شفْعٌ أو
وَتْرِ (٥). فقوله: ((ثمانية أزواج)) يعني ثمانيةً أفراد.
(١) نقله عنه النحاس في إعراب القرآن ١٠٢/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥٤/٢.
(٢) في معاني القرآن له ٥٠٦/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٢/٢، وعنه نقل المصنف.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٠٢، وينظر المحرر الوجيز ٣٥٤/٢.
(٤) تفسير أبي الليث ٥١٩/١ .
(٥) لم تجود الكلمة في النسخ، والمثبت من (م)، والصحاح (زوج)، وقوله: خساً: الفرد، وقوله: ذكاً:
الشفع من العدد. القاموس (خسي، زكي).

٧٧
سورة الأنعام: الآيتان ١٤٣ - ١٤٤
وكل فَرْد عند العربِ يحتاج إلى آخَرَ يُسَمَّى زوجاً، فيقال للذكر: زوج، وللأنثى:
زوجٌ. ويقع لفظ الزوجِ للواحد وللاثنين(١)؛ يقال: هما زوجان، وهما زوجٌ؛ كما
يقال: هما سِيَّان، وهما سواءٌ. وتقول: اشتريت زَوْجَي حمام، وأنت تعني ذكراً
وأنثى(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَنٍ﴾ أي: الذكر والأنثى. والضأن: ذواتُ
الصُوفِ من الغنم، وهي جمعُ ضائن، والأنثى ضائنةٌ، والجمع ضوائنُ(٣). وقيل: هو
جمع لا واحد له. وقيل: في جمعه: ضَئین؛ کعبْدٍ وعَبِید. ويقال فيه: ضِئين. كما يقال
في شَعير: شِعير(٤)، كسرت الضاد اتباعاً.
وقرأ طلحةُ بن مُصَرِّف: ((من الضَّأَنِ اثنَيْنٍ)) بفتح الهمزة(٥)، وهي لغةٌ مَسموعةٌ
عندَ البصريين، وهو مطّردٌ عندَ الكوفيين في كل ما ثانيه حرفُ حلق. وكذلك الفتحُ
والإسكان في المعز(٦).
وقرأ أبَان بن عثمان: ((مِن الضَّأْن اثْنَانٍ ومِن المعز اثنان)) رفعاً بالابتداء(٧). وفي
حرف أُبَيّ: ((وَمِنَ الِمِعْزَى اثنين))(٨)، وهي قراءةُ الأكثر(٩).
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح(١٠).
(١) معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢٩٩/٢، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٢٦٣ وتهذيب اللغة
١٥٢/١١ - ٠١٥٣
(٢) الصحاح (زوج).
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٩٩/٢، وتهذيب اللغة ٦٨/١٢، والصحاح (ضان).
(٤) معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٠٧، وتفسير الطبري ٦٢٩/٩ .
(٥) المحتسب ٢٣٤/١، والقراءات الشاذة ص٤١ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٠٢ - ١٠٣، والمحتسب ٢٣٤/١.
(٧) القراءات الشاذة ص٤١، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٢/٢، وعنه نقل المصنف.
(٨) في النسخ: ((ومن المعز اثنان))، غير (ظ) فليس فيها لفظ اثنان والمثبت من إعراب القرآن للنحاس
٢/ ١٠٢، وهي في القراءات الشاذة ص ٤١، والكشاف ٢/ ٥٧ .
(٩) يعني قراءة من قرأ: ((المَعْز))، بإسكان العين، وهم: نافع وعاصم وحمزة والكسائي.
(١٠) وكذلك قرأ ابن كثير المكي. السبعة ص٢٧١، والتيسير ص١٠٨ .

٧٨
سورة الأنعام: الآيتان ١٤٣ - ١٤٤
قال النحاس(١): الأكثر في كلام العرب المَعْزُ والضَّأُنُ؛ بالإسكان. ويدل على
هذا قولُهم في الجمع: مَعيزٌ؛ فهذا جمعُ مَعْز. كما يقال: عبد وعبيد. قال امرؤ
القیس:
ويَمْنَحُها بَنو شَمَجَى (٢) بن جَرْمِ مَعِيزَهُمُ حَنانَكَ ذا الحنَانِ
ومثله: ضان وضئین.
والمَعْز من الغنم خلافُ الضأن، وهي ذواتُ الأشعارِ والأذنابِ القِصَار، وهو
اسمُ جنس، وكذلك المَعَزِ والمَعیزُ والأُمْعُوزُ والمِعْزى. وواحدُ المَعْزِ ماعزٌ؛ مثل:
صاحب وصَحْب، وتاجر وتَجْر. والأنثى ماعزةٌ، وهي العَنز، والجمع مواعز(٣).
وأَمْعَزَ القومُ: كثُرتْ مِعْزاهم. والمغَّازُ: صاحبُ المِعْزى. قال أبو محمد الفَقْعسيُّ
يصفُ إيلاً بكثرةِ اللبَن، ويفضِّلها على الغنم في شدة الزمان:
يَكِلْنَ كَيْلاً ليس بالْمَمحُوقِ إِذْ رَضِيَ المغَّاز باللَّعُوقِ
والمَعَز: الصَّلابةُ من الأرض. والأمْعَزِ: المكان الصَّلبُ الكثيرُ الحصى(٤)؛
والمعْزَاء أيضاً. واستمعز الرجلُ في أمره: جَدّ(٥).
﴿قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ﴾ منصوب بـ ((حرّم)). ﴿أَمِ الْأُنثََّيْنِ﴾ عطفٌ عليه. وكذا:
(١) في إعراب القرآن ٢/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٢) في (خ) و(د) و(ز): سمحى، وفي (ظ): سمي، وفي إعراب القرآن للنحاس، شمج، والمثبت من
(م)، وهو الموافق للديوان ص ١٤٣ ، وقوله: يمنَحُها: يُعطيها مِنحْةٌ؛ وهي الشاة يعطيها الرجل جارَه
ينتفع بلبنها، وصوفها، ثم يردُّها إذا استغنى عنها. وبنو شمجى: حيّ من جرم، وقوله: حنانك ذا
الحنان؛ أي: رحمتك يا ذا الرحمة. شرح الديوان.
(٣) كذا في اللسان والقاموس (معز) والذي في مطبوع الصحاح (معز)، والكلام منه بنحوه: مواعيز.
(٤) الصحاح (معز)، والبيت في مجالس ثعلب ص١٩٣ . قال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق
ص٥٧٠ : الممحوق: الذاهب. وباللعوق، أي: باللعقة من اللبن والشيء اليسير. يقول: ألبانها ليست
بممحوقة في شدة الزمان؛ إذ رضي صاحب المعز باللعوق، فهذه الإبل يحتلب منها الكثير إذا كانت
الشاة تحتلب قليلاً.
(٥) تهذيب اللغة ١٦٠/٢، والقاموس (معز).

٧٩
سورة الأنعام: الآيتان ١٤٣ - ١٤٤
اشْتَمَلَتْ﴾. وزِدْتَ(١) مع ألف الوصل مَدَّة لتُفرِّقَ(٢) بين الاستفهام والخبر. ويجوزُ
حذفُ الهمزة؛ لأنَّ ((أم)) تدلُّ على الاستفهام. كما قال:
تَرُوحُ من الحَيِّ أم تَبْتَكِرْ (٣)
الثالثة: قال العلماء: الآيةُ احتجاجٌ على المشركين في أمر البَحيرة وما ذُكر معها،
وقولِهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِذُكُوِنَا وَمُحَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾ (٤)،
فدلّت على إثبات المناظرة في العلم؛ لأنَّ الله تعالى أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام بأنْ
يناظرَهم، ويبيّنَ لهم(٥) فسادَ قولِهم. وفيها إثباتُ القول بالنظر والقياس، وفيها دليلٌ
بأنَّ القياسَ إذا ورد عليه النصُّ بطل القولُ به، ويروى: إذا ورد عليه النَّقْضُ(٦)؛ لأنَّ
الله تعالى أمرهم بالمقايسةِ الصَّحيحةِ، وأَمرهم بطرْدِ علَّتِهِم(٧).
والمعنى: قل لهم: إنْ كان حَرَّم الذكورَ؛ فكلُّ ذكرٍ حرامٌ، وإنْ كان حرَّمَ الإناثَ؛
فكلُّ أنثى حرامٌ، وإنْ كان حرَّم ما اشتملت عليه أرحامُ الأنثيين - يعني من الضأن
والمعْز - فكلُّ مولودٍ حرامٌ، ذكراً كان أو أنثى. وكلُّها مولودٌ؛ فكلُّها إذاً حرام؛ لوجود
العِلَّة فيها. فبيَّن انتقاضَ علَّتِهِم وفسادَ قولهم(٨)، فأعلم اللهُ سبحانه أنَّ ما فعلوه من
ذلك افتراءٌ عليه.
﴿َنَّيِّئُونِ بِعِلْمٍ﴾، أي: بعلم إنْ كان عندكم، مِن أين هذا التحريمُ الذي
افتعلتموه؟ ولا علمَ عندهم؛ لأنهم لا يقرؤون الكتبَ(٩).
(١) في (د) و(م): وزيدت، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس.
(٢) في (خ) و(م): للفرق، وفي (ظ): ليفرق.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٠٣/٢، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٥٤، وسلف ٢٨٣/١.
(٤) ينظر زاد المسير ١٣٩/٣.
(٥) قوله: لهم، من (د) و(م)، والكلام من تفسير أبي الليث ٥١٩/١ .
(٦) في (خ): النص، وفي (د) و(ظ): النقص، والمثبت من (ز) و(م)، وهو الموافق لتفسير أبي الليث.
(٧) الطرد: وجود الحكم لوجود العلة. الحدود في الأصول للباجي ص٧٤ .
(٨) تفسير السمر قندي ٥١٩/٢ بنحوه .
(٩) معاني القرآن للزجاج ٢٩٩/٢ .

٨٠
سورة الأنعام: الآيات ١٤٣ - ١٤٥
والقول في: ﴿وَمِنَ آلْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ وما بعده كما سبق.
وَأَمَ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ﴾، أي: هل شاهدتُم اللهَ قد حرَّم هذا؟(١). ولمّا لزمتهم الحجة
أخذوا في الافتراء، فقالوا: كذا أمرَ الله. فقال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اَفْتَرَىْ عَلَى
اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلَيْ﴾ بيَّن أنهم كَذَبوا؛ إذْ قالوا ما لم يقم عليه دليلٌ(٢).
قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَّ مُرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن
يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَّا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
بِّ فَمَنِ اضْطُتَ غَيْرَ بَاِخْ وَلَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فیہ أربعُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَِّدُ فِ مَآ أُوْجِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ أعلمَ اللهُ عزَّ وجلَّ في
هذه الآية بما حَرَّمَ. والمعنى: قلْ يا محمد: لا أجدُ فيما أُوحيَ إليَّ محرَّماً إلا هذه
الأشياء، لا ما تحرِّمونه بشھوتکم.
والآية مكيةٌ. ولم يكن في الشَّريعة في ذلك الوقت [شيءٌ] محرَّمٌ غيرُ هذه
الأشياء، ثم نزلت سورةُ المائدة بالمدينة. وزيد في المحرمات؛ كالمنخنقة والمَوْقُوذَة
وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ(٣) والخمر، وغير ذلك. وحرَّم رسولُ اللهِ ﴾ بالمدينة أَكْلَ كلِّ ذي
نابٍ من السِّباع، وكلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطير(٤).
وقد اختلف العلماءُ في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال:
الأوّل: ما أشرنا إليه من أنَّ هذه الآيةَ مكيّةٌ (٥)، وكلّ محرَّم حرَّمه رسولُ الله ﴾
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٩٩/٢ .
(٢) تفسير الطبري ٩/ ٦٣٠ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٥٥/٢ - ٣٥٦، وما بين حاصرتين منه.
(٤) الاستذكار ٣١٧/١٥ - ٣١٨، وقوله: وحرم رسول الله# ... يشير إلى حديث ابن عباس رضي
الله عنهما أخرجه أحمد (٢١٩٢)، ومسلم (١٩٣٤)، دون قوله: بالمدينة، وسلف ٤٤٦/٤ مختصراً،
و ٧/ ٢٥١ بنحوه.
(٥) لعله يريد أنها محكمة غير منسوخة، ينظر التمهيد ١٤٥/١.