Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
:
سورة الأنعام: الآية ١٣٧
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لخصومةٍ(١)
أي : یبکیه ضارعٌ.
وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية أبي بكر: ﴿يُسَبَّحُ له فيها بالغُدُوِّ والآصالِ
رجالٌ﴾(٢) [النور: ٣٦-٣٧]. التقدير: يُسبِّحه رجالٌ.
وقرأ إبراهيم بنُ أبي عَبْلة: ((قُتِلَ أَضْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارُ ذَاتُ الوَقُود)»
[البروج: ٤، ٥] بمعنى قتلتهم النار(٣).
قال النحاس: فأمَّا ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهلِ الشام؛ فلا يجوز في
كلام ولا في شعر، وإنَّمَا أجاز النحويون التفريقَ بين المضافِ والمضاف إليه [في
الشعر] بالظرف؛ لأنه لا يَفصِل، فأما بالأسماء غيرِ الظروف فَلَحْرٌ (٤).
قال مَكِّيّ(٥): وهذه القراءةُ فيها ضعفٌ؛ للتفريق بين المضافِ والمضاف إليه؛
لأنه إنما يجوز مثلُ هذا التفريق في الشعر مع الظروفِ؛ لاتساعهم فيها، وهو في
المفعول به في الشعر بعيدٌ، فإجازته في القرآن (٦) أبعد. وقال المهدويّ: قراءةُ ابن
عامر هذه على التفرقة بين المضافِ والمضافِ إليه، ومثله قولُ الشاعر:
فزَجَجْتُها بِمزَجَّةٍ زَجَّ القَلوصَ أبي مَزادَهْ(٧)
(١) إعراب القرآن للنحاس ٩٨/٢، وسلف البيت ٤٣٢/٨ .
(٢) السبعة ص٤٥٦، والتيسير ص١٦٢ .
(٣) في النسخ: قتلهم النار، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٩٨/٢ والكلام منه، وقراءة ابن أبي عبلة
ذكرها أيضاً فيه ١٩٢/٥، ونسبها لأبي عبد الرحمن السّلمي، والعكبريُّ في إملاء ما منَّ به الرحمن
بهامش الفتوحات الإلهية ٤٥٩/٤، وينظر معاني القرآن للفراء ٢٥٣/٣ .
(٤) إعراب القرآن ٢/ ٩٨ ، وما بين حاصرتين منه.
(٥) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٥٤ .
(٦) في (خ) و(د) و(م): القراءة، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للكشف.
(٧) البيت في الكتاب ١٧٦/١ ومعاني القرآن للفراء ٣٥٨/١، ومجالس ثعلب ص١٢٥، وتفسير الطبري
٥٧٦/٩، والإنصاف لابن الأنباري ٢/ ٤٢٧، والخزانة ٤١٥/٤ دون نسبة، ووقع في مجالس ثعلب،
ومعاني القرآن، وتفسير الطبري: مُتَمكّناً، بدل: بمزَجَّة، وقوله: فزججتها؛ يقال: زججتُه زجًّا: إذا =

٤٢
سورة الأنعام: الآية ١٣٧
يريد: زجَّ أبي مزادة القَلوصَ. وأنشد:
غلائلَ عبدُ القيسِ منها صُدُورِها(١)
تَمُرُّ على ما تستمرُّ وقد شَفَتْ
يريد: شفت عبدُ القيس غلائلَ صدورِها.
وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحويّ(٢): قراءة ابنٍ عامر لا تجوز في العربية؛
وهي زَلّةُ عالم، وإذا زلَّ العالم لم يجُز اتباعه، ورُدّ قولُه إلى الإجماع، وكذلك يجب
أن يُرَدَّ مَنْ زلَّ منهم أو سها إلى الإجماع؛ فهو أولى من الإصرار على غير الصواب.
وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أنْ يفرق بين المضافِ والمضافِ إليه بالظرف؛ لأنه
لا يَفْصِل. کما قال:
.. يَهودِيِّ يُقارِبُ أو يُزيلُ(٣)
كما خُظَّ الكتاب بكفّ يوماً
وقال آخر:
كأنّ أصواتَ مِن إيغالهنَّ بنا أواخِرِ المَيْسِ أصواتُ الفَرارِيجِ(٤)
= طعنتَّه بالزُّج، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح، وقوله: زَجَّ القلوص؛ أي: زجّاً مثل زج،
والقَلوص: الناقة الشابة. قال ابن خلف: هذا البيت يُروى لبعض المدنيين المولدين، وقيل: هو لبعض
المؤنثين ممن لا يحتج بشعره. خزانة الأدب ٤١٥/٤ .
(١) البيت في الإنصاف ٤٢٨/٢، والخزانة ٤١٣/٤ دون نسبة؛ قال البغدادي: وهذا البيت مصنوع،
وقائله مجهول. كذا في كتاب الإنصاف لابن الأنباري [٤٣٥/٢]. وقوله: تمرُّ: من المرور، وتستمر؛
من الاستمرار، وعبد القيس: قبيلة. والغلائل؛ جمع غليل، وهو الضغن والحقد، وشفت؛ مجاز؛ من:
شفى الله المريض: إذا أذهب عنه ما يشكو. الخزانة ٤١٤/٤ .
(٢) لم نقف على من ذكره بهذا الاسم، وجاء في غاية النهاية ٢/ ٣٠١، ومعرفة القراء الكبار ٢/ ٥٦٥ : أبو
غانم مظفر بن أحمد بن حمدان المقرئ المصري النحوي، ألف كتاباً في اختلاف السبعة، توفي سنة
(٣٣٣هـ).
(٣) قائله أبو حيّة النّميري، وهو في الكتاب ١٧٩/١، وأمالي ابن الشجري ٥٧٧/٢، والإنصاف ٤٣٢/٢،
والخزانة ٤١٩/٤؛ وصف رسوم الدار بالكتاب في دقتها، وخصَّ اليهودَ؛ لأنهم أهل كتاب، وجعل
كتابته بعضها متقارب وبعضها مفترق، لاقتضاء آثار الدار تلك الصفة. ومعنى يزيل: يُقرق ما بينها ويُباعد.
تحصيل عين الذهب للشنتمري ص١٤٨ .
(٤) قائله ذو الرمة، وهو في ديوانه ٩٩٦/٢، وفيه: إنقاض، بدل: أصوات (في الشطر الثاني)، وهو بمثل
رواية المصنف في الكتاب ١٧٩/١، وقوله: من إيغالهنّ؛ يقال: أوغل في الأرض؛ إذا أبعد فيها، =

٤٣
سورة الأنعام: الآية ١٣٧
وقال آخر:
لمّا رأت سَاتيدَما استعبَرَتْ للهِ دُرُّ اليومَ مَن لَامَها(١)
وقال القشيري: وقال قوم: هذا قبيحٌ. وهذا محالٌ، لأنه إذا ثبتت القراءةُ(٢)
بالتواتر عن النبيِّ ﴿، فهو الفصيحُ لا القبيحُ، وقد ورد ذلك في كلام العربِ. وفي
مصحف عثمان: ((شركائهم))(٣) بالياء، وهذا يدل على قراءة ابنٍ عامر. وأُضيف القتلُ
في هذه القراءة إلى الشركاء؛ لأنَّ الشركاءَ هم الذين زيَّنوا ذلك، ودَعَوْا إليه؛ فالفعل
مضافٌ إلى فاعله على ما يجب في الأصل، لكنه فرَّق بين المضافِ والمضاف إليه،
وقدّم المفعولَ، وتركه منصوباً على حاله؛ إذْ كان متأخراً في المعنى، وأَخَّر
المضافَ، وتركَه مخفوضاً على حاله؛ إذْ كان متقدّماً بعدَ القتل. والتقدير: وكذلك
زُيِّن لكثير من المشركين قَتْلُ شركائِهم أولادَهم، أي: أَنْ قَتلَ شركاؤهم أولادهم.
قال النحاس (٤): فأما ما حكاه غيرُ أبي عبيد - وهي القراءةُ الرابعة - فهو جائزٌ
على أنْ تبدل شركاءهم من أولادهم؛ لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ اللام لامُ كيّ. والإرداء: الإهلاك. ﴿وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ الذي
ارتضى لهم(٥). أي: يأمرونهم بالباطل، ويشكِّكونهم في دينهم. وكانوا على دين
= والضمير للإبل، وقوله: أواخر؛ جمع آخرة الرَّحْل، هو العود الذي في آخر الرحل يستند إليه
الراكب، والميْس بفتح الميم: شجر يتخذ منه الرحال، وقوله: إنقاض؛ مصدر أنقضت الدجاجة: إذا
صوَّتت، وقوله: الفراريج؛ جمع فرُّوج، وهي صغار الدجاج. الخزانة ٤١٣/٤ .
(١) قائله عمرو بن قميئة، وهو في الكتاب ١٧٨/١، والإنصاف ٤٣٢/٢، والخزانة ٤٠٦/٤؛ أراد عمرو
ابن قميئة بهذا البيت نفسه وكان قال هذا لما خرج مع امرئ القيس إلى ملك الروم، وقوله: استعبرت:
بكت من وحشة الغربة. الخزانة ٤٠٧/٤ - ٤٠٨، وقوله: ساتِيدَما اسم جبل أو نهر. ينظر معجم
البلدان ١٦٩/٣، والخزانة ٤٠٧/٤ و٤١٠ .
(٢) قوله: القراءة، من (م).
(٣) معاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٧، والإنصاف لابن الأنباري ٤٣٦/٢ وتفسير الرازي ٢٠٦/١٣، والبحر
المحيط ٢٣٠/٤ .
(٤) في إعراب القرآن ٩٨/٢ - ٩٩ .
(٥) قوله: الذي ارتضى لهم، من (خ) و(م).

٤٤
سورة الأنعام: الآيتان ١٣٧ - ١٣٨
إسماعيل، وما كان فيه قتلُ الولد؛ فيصير الحقُّ مغطّى عليه، فبهذا يلبسون(١). ﴿وَلَوْ
شَآءَ اللّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ بيَّن تعالى أنَّ كفرَهم بمشيئة الله. وهوردٌّ على القدرية(٢).
﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ يريد قولهم: إنَّ لله شركاءَ.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِهِ أَنْعَهُ وَحَرْتُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ
◌ِزَعِْهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِمَتْ تُهُورُهَا وَنٌَ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيَّهَا أَفْتِرَاءَ عَلَيَّةٍ
سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَقْتَرُونَ
ذكر تعالى نوعاً آخرَ من جهالتهم.
وقرأ أبان بن عثمان: ((حُجُرٍ)) بضم الحاء والجيم(٣). وقرأ الحسن وقتادة:
(حَجْر)) بفتح الحاء وإسكان الجيم(٤)، لغتان بمعنّى. وعن الحسن أيضاً: ((حُجر)) بضم
الحاء(٥).
قال أبو عبيد عن هارون قال: كان الحسن يضم الحاء في ((حجر)) في جميع
القرآن إلا في قوله: ﴿بَرْزَغَا وَحِجْرًا تَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]. فإنه كان يكسرها هاهنا (٦).
ورُويَ عن ابن عباس وابن الزبير: ((وَحَرْث حِرْج))؛ الراء قبلَ الجيم(٧)، وكذا في
مصحف أبَيِّ (٨)، وفيه قولان: أحدهما: أنه مثل جبَذَ وجذَبَ. والقول الآخر - وهو
(١) إعراب القرآن للنحاس ٩٩/٢، وتفسير أبي الليث ٥١٦/١، وتفسير البغوي ١٣٤/٢.
(٢) تفسير الرازي ٢٠٦/١٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٩٩/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤١ لعيسى بن عمر.
(٤) لم نقف على هذه القراءة عند غير المصنف، ونقلها عنه أبو حيان في البحر المحيط ٢٣١/٤ ، والذي
في إعراب القرآن ٩٩/٢، والكلام منه بنحوه، وتفسير الطبري ٥٧٩/٩ ، والكشاف ٢/ ٥٥ ، وزاد
المسير ١٣١/٣، والمحرر الوجيز ٣٥٠/٢، قراءة الحسن وقتادة بضم الحاء وإسكان الجيم، وذكرها
المصنف بعدها.
(٥) القراءات الشاذة ص٤١ .
(٦) البحر المحيط ٢٣١/٤ .
(٧) المحتسب ٢٣١/١، وتفسير الطبري ٥٧٩/٩، والمحرر الوجيز ٣٥٠/٢.
(٨) القراءات الشاذة ص٤١، والمحتسب ٢٣١/١.

٤٥
سورة الأنعام: الآية ١٣٨
أصح - أنه من الحِرج؛ فإنَّ الحِرج بكسر الحاء لغةٌ في الحَرَج بفتح الحاء (١)، وهو
الضّيقُ والإثم، فيكون معناه الحرام، ومنه: فلان يتحرّج، أي: يُضيِّقُ على نفسه
الدخولَ فيما يشتبه عليه من الحرام(٢).
والحِجْر: لفظ مشترك. وهو هنا بمعنى الحرام، وأصلُه المنعُ. وسُمِّيَ العقلُ
حِجْراً؛ لمنعه عن القبائح. وفلان في حِجْر القاضي، أي: مَنْعِه(٣)؛ حجرتُ على
الصبيِّ حَجْراً. والحِجر: العقلُ؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِى ◌ِجْرٍ﴾
[الفجر: ٥] والحِجْر: الفرسُ الأنثى. والحِجر: القرابةُ. قال:
لذُو حَسَبِ دانٍ إليَّ وذو حِجْرٍ (٤)
يريدون أنْ يُقصُوه عنّي وإنه
وحجرُ الإنسانِ وحجره لغتان، والفتح أکثرُ.
أي: حَرّموا أنعاماً وحَرْئاً وجعلوها لأصنامهم، وقالوا: ﴿لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ
نَشَاءُ﴾ وهم خدّامُ الأصنام(٥). ثم بيّن أنَّ هذا تحكّمٌ لم يَرِد به شرعٌ، ولهذا قال:
((بِزَغْمِهِمْ)).
﴿وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ تُهُوُهَا﴾ يريد ما يسيّبونه لآلهتهم على ما تقدّم من النصيب(٦).
وقال مجاهد: المراد البَحِيرةُ والوصِيلةُ والحام(٧). ﴿وَأَنْعَهُ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا﴾
يعني ما ذبحوه لآلهتهم. قال أبو وائل: لا يحجّون عليها (٨). ﴿أَفْتِرَآءُ﴾، أي: للافتراء
(١) المحتسب ٢٣٢/١، والصحاح (حرج).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٩٩/٢ بنحوه.
(٣) تفسير الرازي ٢٠٧/١٣ .
(٤) مجمل اللغة الفارسي ٢٦٤/٢ - ٢٦٥، ورواية البيت في ديوان ذي الرمة ٩٤٣/٢ :
وأخفيتُ شوقي من رفيقي وإنه
لذو نسبٍ دانٍ إلبيَّ وذو حِجْرٍ
لذو نسب ...
وروايته في اللسان (حرج): فأخفيتُ ما بي من صديقي وإنه
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٨٦/٢ .
(٦) النكت والعيون ١٧٥/٢ - ١٧٦ .
(٧) أخرجه الطبري ٥٧٨/٥، وسلف الكلام على البحيرة والوصيلة والحام ٠٢٣٧/٨.
(٨) أخرجه الطبري ٥٨٢/٩ . أبو وائل: هو شقيق بن سلمة.

٤٦
سورة الأنعام: الآيتان ١٣٨ - ١٣٩
﴿عَلَى اللَّهِ﴾؛ لأنهم كانوا يقولون: الله أَمرنا بهذا(١). فهو نصبٌ على المفعول له.
وقيل: أي: يفترون افتراءً، وانتصابه لكونه مصدراً(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ
عَلَىْ أَزْوَجِنَاً وَإِن يَكُنْ تَّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ
حَكِيمُ عَلِيٌ
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ هذا نوعٌ آخر
من جهلهم. قال ابن عباس: هو اللبن(٣)، جعلوه حلالاً للذكور وحراماً على الإناث.
وقيل: الأجِنّة؛ قالوا: إنها لذكورنا. ثم إنْ مات منها شيءٌ أكله الرجال
(٤)
والنساء (٤).
والهاء في ((خالِصة)) للمبالغة في الخلوص؛ ومثله: رجل علَّامةٌ ونسَّابة؛ عن
الکسائيّ والأخفش(٥).
و ((خالِصٌ)) بالرفع خبر المبتدأ الذي هو ((ما)).
وقال الفراء: تأنيثها لتأنيث الأنعام. وهذا القولُ عند قوم خطأً؛ لأنَّ ما في بطونها
ليس منها؛ فلا يُشبه (٦): (تَلْتَقِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ))(٧) [يوسف: ١٠]؛ لأن بعضَ السَّيارة
سَيّارةٌ، وهذا لا يَلزم(٨) الفراءَ؛ فإنَّ ما في بطون الأنعام أنعامٌ مثلُها؛ فأنّث
(١) الوسيط ٣٢٨/٢ .
(٢) مشكل إعراب القرآن لمكي ٢٧٢/١، والمحرر الوجيز ٣٥١/٢.
(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٥٨٤ .
(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٥٨٥ من قول السدي.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٩٩/٢، وقول الأخفش في معاني القرآن له ٥٠٦/٢.
(٦) بعدها في (م): قوله.
(٧) هي قراءة الحسن كما في القراءات الشاذة ص ٦٢ .
(٨) بعدها في (م): قال.

٤٧
سورة الأنعام: الآية ١٣٩
التأنيثها(١)، أي: الأنعامُ التي في بطون الأنعام خالصةٌ لذكورنا. وقيل: أي: جماعةٌ
ما في البطون(٢). وقيل: إنَّ ((ما)) ترجع إلى الألبان أو الأجِنّة؛ فجاء التأنيث على
المعنى والتذكيرُ على اللفظ. ولهذا قال: ((وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا)) على اللفظ(٣). ولو
راعى المعنى لقال: ومحرّمةٌ. ويَعْضُد هذا قراءةُ الأعمش: ((خالِص)) بغير هاء(٤).
قال الكسائي: معنى خالص وخالصة واحدٌ، إلا أنَّ الهاء للمبالغة؛ كما يقال:
رجل داهيةٌ وعلَّامة؛ كما تقدّم(٥).
وقرأ قتادة: ((خالِصةً)) بالنصب على الحال من الضمير في الظرف الذي هو صلةٌ لـ
((ما)). وخبر المبتدأ محذوفٌ(٦)؛ كقولك: الذي في الدار قائماً زيدٌ. هذا مذهب
البصريين. وانتصب عند الفرّاء(٧) على القطع. وكذا القولُ في قراءة سعيد بن جبير:
((خالِصاً))(٨). وقرأ ابن عباس: ((خالِصُهُ))(٩) على الإضافة، فيكون ابتداءً ثانياً؛
والخبر: (لِذكورنا)) والجملة خبرُ ((ما)). ويجوز أنْ يكونَ ((خالِصُهُ)) بدلاً من ((ما))(١٠).
فهذه خمس قراءات.
﴿وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾، أي: بناتنا؛ عن ابن زيد (١١). وغيره: نساؤُهم(١٢).
(١) معاني القرآن للفراء ٣٥٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٩٩/٢ - ١٠٠، والكلام منه بنحوه.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢٩٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١٠٠، ومشكل إعراب القرآن ٢٧٢/١، وتفسير الرازي ٢٠٨/١٣ .
(٤) القراءات الشاذة ص٤١، والمحتسب ٢٣٢/١.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٩٨/٢، وسلف قريباً.
(٦) القراءات الشاذة ص٤١، والمحتسب ٢٣٢/١. وقال مكي في مشكل إعراب القرآن ٢٧٣/١:
الخبر: «لذکورنا».
(٧) في معاني القرآن له ٣٥٨/١ .
(٨) القراءات الشاذة ص ٤١، والمحتسب ٢٣٢/١ .
(٩) القراءات الشاذة ص٤١، والمحتسب ٢٣٢/١.
(١٠) إعراب القرآن للنحاس ٩٩/٢ - ١٠٠، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢٧٢/١ - ٢٧٣ .
(١١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٨٧ .
(١٢) أخرجه الطبري ٩/ ٥٨٧ من قول مجاهد.

٤٨
سورة الأنعام: الآيتان ١٣٩ - ١٤٠
﴿وَإِن يَكُنْ تَيْنَةُ﴾ قرئ بالياء والتاء(١)؛ أي: إن يكن ما في بطون الأنعام
ميتة (٢) ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾، أي: الرجال والنساء. وقال: ((فيه))؛ لأنَّ المرادَ
بالميتة الحيوان، وهي تُقَوِّي قراءة الياء، ولم يقل: فيها.
(مَيْتَةٌ)) بالرفع؛ بمعنى تقع أو تحدث. ((ميتةً)) بالنصب، أي: وإن تكن(٣) النَّسمة
-(٤)
ميتة (٤).
﴿َسَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾، أي: كذبَهم وافتراءَهم؛ أي: يعذُّبهم على ذلك. وانتصب
(وَصْفَهُمْ)) بنزع الخافض، أي: بوصفهم(٥).
وفي الآية دليلٌ على أنَّ العالِمَ ينبغي له أنْ يتعلّمَ قولَ من خالفه وإنْ لم يأخذْ به،
حتى يعرفَ فسادَ قولِه، ويعلمَ كيف يردُّ عليه؛ لأنَّ الله تعالى أعلمَ النبيَّ ﴾ وأصحابَه
قولَ من خالفهم من أهل(٦) زمانِهم؛ ليعرفوا فسادَ قولهم.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا
رَزَقَّهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَةَ عَلَى اَللَّهِّ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (٢)﴾
أخبر بخسرانهم لِوَأُدِهِم البنات، وتحريمِهم البَحِيرةَ وغيرَها بعقولهم؛ فقتلوا
أولادهم سَفَهاً خوفَ الإملاق، وحَجَروا على أنفسهم في أموالهم، ولم يخشَوا
الإملاقَ؛ فأبان ذلك عن تناقض رأيهم(٧).
قلت: إنه (٨) كان من العرب من يقتلُ ولدَه خَشْيةَ الإملاقِ؛ كما ذكر الله عزَّ وجلَّ
(١) قرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: ((وإن تكن)) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وابن
عامر: ((ميتة)) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر السبعة ص ٢٧٠ - ٢٧١، والتيسير ص ١٠٧ .
(٢) في النسخ: إن يكن ما في البطون ميتة، والمثبت من (م).
(٣) في (د) و(ز) و(ظ): وإن لم تكن، والمثبت من (خ) و(م).
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٩٥/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٠/٢، وتفسير البغوي ١٣٥/٢.
(٥) تفسير أبي الليث ١/ ٥١٧ .
(٦) لفظة: أهل، من (م)، والكلام من تفسير أبي الليث ١/ ٥١٧ .
(٧) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٢٥/٣.
(٨) لفظة: إنه، من (خ) و(م).

٤٩
سورة الأنعام: الآية ١٤٠
في غير هذا الموضع(١). وكان منهم من يقتلُه سَفَهاً بغير حُجةٍ منهم في قتلهم؛ وهم
ربيعة ومُضَر، كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحَمِيَّة(٢). ومنهم من يقول: الملائكة بناتُ
الله؛ فألحقوا البناتِ بالبنات. ورُوِيَ أنَّ رجلاً من أصحاب النبيِّ :﴿ كان لا يزال مُغتمًا
بين يدي رسولِ اللهِ ﴾، فقال له رسول الله ﴾: «مالَك تكونُ محزوناً؟» فقال: یا
رسول الله، إني أَذنبتُ ذنباً في الجاهليّة، فأخافُ ألّا يغفره الله لي(٣) وإنْ أسلمتُ!
فقال له: ((أَخِرني عن ذنبك)). فقال: يا رسول الله، إني كنتُ من الذين يقتلون بناتهم،
فُولِدَت لي بنتٌ، فتشفَّعتْ إليَّ امرأتي بأنْ(٤) أتركها، فتركتُها حتى كبرت وأدركتْ،
وصارت من أجمل النساء، فخطبوها؛ فدخلتني الحَمِيّةُ، ولم يَحتملْ قلبي أنْ أُزوّجَها
أو أَتركّها في البيت بغير زوجٍ، فقلت للمرأة: إنِّي أريد أنْ أذهبَ إلى قبيلة كذا وكذا
في زيارة أقربائي، فابعَثيها معي، فسُرَّتْ بذلك، وزيَّنتها بالثياب والحُلِيِّ، وأخذتْ
عليَّ المواثيقَ بألّا أخونَها، فذهبتُ بها إلى رأس بئرٍ، فنظرتُ في البئر، ففَطِنتِ
الجاريةُ أني أريدُ أنْ أُلقِيَها في البئر؛ فالتزمتني وجعلتْ تبكي وتقول: يا أبت! أيْشٍ
تريد(٥) أنْ تفعلَ بي! فرحمتُها، ثم نظرتُ في البئر، فدخلتْ عليَّ الحميّةُ، ثم التزمتني
وجعلتْ تقول: يا أبتِ لا تضيّعْ أمانةَ أمِّي؛ فجعلتُ مرةً أنظر في البئر ومرّةً أنظرُ إليها
فأرحمُها، حتى غلبني الشيطان، فأخذتها وألقيتُها في البئر منكوسةً، وهي تنادي في
البئر: يا أبت، قتلتني. فمكثتُ هناك حتى انقطع صوتُها، فرجعتُ. فبكى رسول الله ﴾
وأصحابُه وقال: ((لو أُمِرْتُ أنْ أعاقبَ أحداً بما فعل في الجاهلية؛ لعاقبتُك))(٦).
(١) كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍّ ... ﴾. [الآية: ١٥١] من هذه السورة، وقوله تعالى:
﴿وَلَا نَّقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَنْيَةً إِمْلَقٍ ... ﴾. [الإسراء: ٣١].
(٢) تفسير أبي الليث ٥١٧/١، وينظر تفسير الطبري ٩/ ٥٩١، وتفسير البغوي ١٣٥/٢.
(٣) لفظة: لي: من (م)، وتفسير أبي الليث.
(٤) في (د) و(م): أن، وسقطت من (ز)، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لتفسير أبي الليث.
(٥) في تفسير أبي الليث: أي شيء تريد.
(٦) ذكره أبو الليث في تفسيره ٥١٧/١ دون إسناد.

٥٠
سورة الأنعام: الآية ١٤١
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
◌َُْلِمَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالزُّمَّانَ مُتَشَيِها وَغَيْرَ مُكَشَيِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِمِ: إِذَا
أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
فيه ثلاثٌ وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَنشَأَ﴾ أي: خلق. ﴿جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ﴾، أي: بساتينَ
مسموكاتٍ(١) مرفوعات. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ﴾: غيرَ مرفوعات.
قال ابن عباس: ((مَعْرُوشَاتٍ)) ما انبسط على الأرض مما يعرش مثل الكروم
والزروع والبِطّيخ. ((وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ)) ما قام على ساقٍ مثل النخل وسائرِ الأشجار(٢).
وقيل: المعروشات: ما ارتفعت أشجارها. وأصل التعريش: الرفع (٣).
وعن ابن عباسٍ أيضاً: المعروشات: ما أنبته (٤) ورَفَعه الناس، وغير
المعروشات: ما خرج في البراري والجبالِ من الثمار(٥). يدلُّ عليه قراءةُ عليٍّ ﴾:
((مَغْرُوسَاتٍ وَغَيْرَ مَغْرُوسَاتٍ)) بالغين المعجَمة والسينِ المهمَلة(٦).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّعَ﴾ أفردهما بالذِّكر وهما داخلان في الجنات،
لما فيهما من الفضيلة؛ على ما تقدَّم بيانُه في ((البقرة )) عند قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا ◌ِلَّهِ
وَمَبِ كَتِ﴾ (٧) الآية [٩٨]. ﴿مُخْلِمَا أُكُلُهُ﴾ يعني: طعمُه منه الجيِّد والدُّون. وسمّاه
أُكُلاً؛ لأنه يؤكل(٨).
(١) في النسخ: ممسوكات، والمثبت من تفسير الطبري ٥٩٣/٩، وتفسير البغوي ١٣٥/٢ . قال في
الكشاف ٥٦/٢ : يقال: عرشت الكرم، إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القضبان.
(٢) بنحوه في تفسير الطبري ٩/ ٥٩٤، وتفسير البغوي ١٣٥/٢، وزاد المسير ١٣٤/٣.
(٣) النكت والعيون ١٧٨/٢ .
(٤) في (م): أثبته.
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٥٩٣ بنحوه، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير ١٣٤/٣.
(٦) لم نقف على هذه القراءة.
(٧) ٢٦٢/٢.
(٨) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص١٦٢، والوسيط ٣٢٩/٢ .

٥١
سورة الأنعام: الآية ١٤١
و((أُكُلُهُ)) مرفوعٌ بالابتداء. و((مُخْتَلِفاً)) نعته؛ لكنه لمَّا تقدَّم عليه ووَليَ منصوباً
نُصب. كما تقول: عندي طبَّاخاً غلامٌ. قال:
والصالحاتُ عليها مُغلَقاً بابُ(١)
الشَّرُّ مُنْتَشِرٌ يَلقاك عن عُرُضٍ
وقيل: ((مُخْتَلِفاً)) نصب على الحال.
قال أبو إسحاق الزجَّاج(٢): وهذه مسألةٌ مُشْكِلةٌ من النحو؛ لأنه يقال: قد أنشأها
ولم يختلف أكلُها، وهو ثمرها، فالجواب: أنَّ الله سبحانه أنشأها بقوله: ﴿خَلِقُ
كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فأَعلمَ أنه أنشأها مختلِفاً أُكُلُها. والجواب الآخر: أنه (٣)
أنشأها مقدِّراً فيها(٤) الاختلاف؛ وقد بيَّن هذا سيبويه(٥) بقوله: مررت برجلٍ معه
صَفْرٌ صائداً به غداً، على الحال؛ كما تقول: لَتَدْخُلُنَّ الدارَ آكلين شاربين، أي:
مقدِّرين ذلك.
جواب ثالث: أي: لمَّا أنشأه كان مختلفاً أكلُه، على معنى: أنه لو كان له أُكُلٌ
لكان مختلفاً أكُلُه.
ولم يقل: أكلهما؛ لأنه اكتفى بإعادة الذِّكر على أحدهما، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْأ
تَجَرَةً أَوْ لَمْوَا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، أي: إليهما (٦). وقد تقدَّم هذا المعنى.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَّيْتُونَ وَالرُّقَانَ﴾ عطفٌ عليه ﴿مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَِةٍ﴾ نصب
على الحال(٧)، وقد تقدم القولُ فيه (٨). وفي هذه أدلةٌ ثلاثة:
(١) لم نقف على قائله، وشطره الثاني ذكره ابن الأنباري في أسرار العربية ص١٤٢ .
(٢) في معاني القرآن له ٢٩٦/٢، وإعراب القرآن للنحاس ١٠١/٢ وعنه نقل المصنف.
(٣) في النسخ: مختلفاً أكلها، أي: أنه، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ١٠١/٢، وينظر معاني
القرآن للزجاج ٢٩٦/٢ .
(٤) في (خ) و(ظ) و(م): مقدراً فيه، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس.
(٥) في الكتاب ٤٩/٢ .
(٦) تفسير الرازي ١٣/ ٢١٢.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٠١/٢ .
(٨) ٤٧٤/٨ .

٥٢
سورة الأنعام: الآية ١٤١
أحدها: ما تقدَّم (١) مِن قيام الدليلِ على أنَّ المتغيّراتِ لا بدَّ لها من مغيِّر.
الثاني: على المِنَّة منه سبحانه علينا، فلو شاء إذ خَلَقنا [أحياءً] ألَّا يخلُقَ لنا
غذاءً، وإذْ (٢) خلقه ألَّ يكونَ جميلَ المَنْظر طيِّبَ الطَّعم، وإذْ خلقه كذلك ألَّا يكونَ
سهلَ الجَنْي؛ فلم يكن عليه أنْ يفعلَ ذلك ابتداءً؛ لأنه لا يجبُ عليه شيء.
الثالث: على القدرة في أنْ يكون الماءُ الذي مِن شأنه الرُّسوبُ، يصعَد بقدرة الله
الواحدِ عَلَّامِ الغيوب، من أسافل الشجر(٣) إلى أعاليها [ويترقَّى من أصولها إلى
فروعها]، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراقٌ ليست من جنسها، وثمرٌ خارجٌ
من صفته الجِرْمُ الوافر(٤)، واللونُ الزَّاهر، والجَنَى الجديد، والطعمُ اللذيذ؛ فأين
الطبائعُ وأجناسُها؟ وأين الفلاسفةُ وأُناسُها؟ هل في قدرة الطبيعة أنْ تُتَقِنَ هذا الإتقانَ
[البديعَ]، أو تُرتِّبَ هذا الترتيبَ العجيبَ؟! كلًّا، لا يتِمُّ ذلك في العقول(٥) إلا لحَيٍّ
عالمٍ قديرٍ مُريدٍ. فسبحان مَن له في كل شيءٍ آيةٌ، [بداية] ونهاية (٦)!
ووجه اتِّصالِ هذا بما قبله: أنَّ الكفارَ لمَّا افترَوْا على الله الكذبَ، وأشرکوا
معه، وحَلَّلوا وحرَّموا؛ دَلَّهم على وحدانيَّته بأنه خالقُ الأشياءِ، وأنه جعل هذه
الأشياء أرزاقاً لهم.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِ﴾
فهذان بناءانِ جاءا بصيغة: إِفعلْ؛ أحدُهما مباحٌ؛ كقوله: ﴿فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾
[الجمعة: ١٠]، والثاني واجبٌ. وليس يمتنع في الشريعة اقترانُ المباحِ والواجب، وبدأَ
(١) ٨ / ٤٧٥ .
(٢) في (خ) و(د) و(م): وإذا، والمثبت من (ز) و(ظ)، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٤٧، والكلام
منه: أو إذ، ومثله في الموضع الآتي.
(٣) في (م): الشجرة.
(٤) عبارة ابن العربي: وثمار خارجة عن صفتها، فيها الجرم الوافر.
(٥) في أحكام القرآن: في المعقول.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٧/٢ - ٧٤٨ دون الدليل الأول، وما بين حاصرتين منه.

٥٣
سورة الأنعام: الآية ١٤١
بذِكر نعمة الأكلِ قبلَ الأمرِ بإيتاء الحقّ؛ ليبيِّنَ أنَّ الابتداءَ بالنِّعمة كان مِن فضله قبلَ
التكليف(١).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ اختلف الناسُ في تفسير هذا
الحقِّ ما هو، فقال أنس بنُ مالك وابن عباس وطاوسٌ والحسنُ وابنُ زيد وابن
الحنفية والضَّحَّاك وسعيد بن المسيب: هي الزكاةُ المفروضة، العُشْرُ ونصفُ
العُشْر (٢). ورواه ابن وَهْبٍ وابنُ القاسم عن مالكِ في تفسير الآية(٣)، وبه قال بعضُ
أصحاب الشافعيّ.
وحكى الزجَّاج (٤) أنَّ هذه الآيةَ قيل فيها: إنها نزلت بالمدينة.
وقال عليُّ بن الحسين وعطاءٌ والحَكّم وحمَّادٌ وسعيد بنُ جُبير ومجاهد: هو حقٌّ
في المال سوى الزكاة، أمر اللهُ به نَذْباً. ورُوي عن ابن عمر ومحمد بنِ الحنفية
أيضاً(٥)، ورواه أبو سعيد الخُذْرِيُّ عن النبيِّ ﴾(٦).
قال مجاهد: إذا حَصَدتَ فحضرك المساكينُ، فاطرَحْ لهم من السُّنْبل، وإذا
جَذَذت فألقِ لهم من الشَّماريخ، وإذا دَرَسَته ودُسْتَه(٧) وذَرَيْتَه فاطرَح لهم منه، وإذا
عرفت كيلَه فأخرج منه زكاته(٨).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٨/٢ .
(٢) التمهيد ١٥٤/٢٠، وتفسير البغوي ١٣٥/٢، وأخرج هذا القول عنهم الطبري ٩/ ٥٩٥ - ٦٠٠.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٨/٢ .
(٤) في معاني القرآن ٢/ ٢٩٧، والمحرر الوجيز ٣٥٢/٢، وعنه نقل المصنف.
(٥) التمهيد ١٥٤/٢٠، وتفسير البغوي ١٣٥/٢ - ١٣٦ والمحرر الوجيز ٣٥٣/٢، وأخرج الأقوال
الطبري ٩/ ٦٠٠ - ٦٠٧ دون قول ابن الحنفية.
(٦) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣٣٣/٢ من طريق درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي ؟
في قول الله تعالى: ((وآتوا حقه يوم حصاده))، قال: ((ما سقط من السنبل)) قال الحافظ في التقريب
ص١٤١ : دراج صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.
(٧) قوله: ودسته، من (م).
(٨) أخرجه الطبري ٦٠٢/٩ - ٦٠٣ بنحوه، والشماريخ جمع شِمْراخ ، وهو الغصن الذي عليه البسر.
النهاية (شمرخ).

٥٤
سورة الأنعام: الآية ١٤١
وقولٌ ثالث: هو منسوخٌ بالزكاة؛ لأنَّ هذه السورةَ مكية، وآية الزكاة لم تنزل إلا
بالمدينة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾
[البقرة: ٤٣]. رُوي عن ابن عباسٍ وابنِ الحنفية والحسنِ وعطيةَ العَوْفيِّ والنَّخَعيِّ وسعيد
ابنِ جبير(١).
وقال سفيان: سألت السُّدِّيَّ عن هذه الآية فقال: نَسخَها العُشْرُ ونصفُ العُشر،
فقلتُ: عَمَّن؟ فقال: عن العلماء(٢).
السادسة: وقد تعلَّق أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم ما في قوله عليه الصلاة
والسلام: ((فيما سَقَتِ السماءُ العُشْرِ، وفيما سُقِي بنَضْح أو دَالِيةٍ نصفُ العُشْر))(٣) في
إيجاب الزكاةِ في كلِّ ما تُنبت الأرضُ، طعاماً كان أو غيرَه. وقال أبو يوسف عنه: إلَّا
الحطبَ والحشيش والقَصب والتِّبن(٤) والسَّعَفَ وقصَبَ الذرِيرة وقصَب السُّكر. وأباه
الجمهور، معوِّلين على أنَّ المقصودَ من الحديث بيانُ ما يؤخذُ منه العشرُ، وما يؤخذُ
منه نصفُ العشر(٥).
قال أبو عمر(٦): لا خلاف بين العلماءِ فيما علمتُ أنَّ الزكاةَ واجبةٌ في الحنطة
والشعير والتمر والزبيب.
وقالت طائفة: لا زكاةً في غيرها؛ رُوي ذلك عن الحسن وابنٍ سِيرين والشَّعْبيِّ،
وقال به من الكوفيين: ابنُ أبي لَيْلَى والثَّوريُّ والحسن بن صالح وابن المبارك ويحيى
(١) التمهيد ١٥٤/٢٠ - ١٥٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٧٤٨/٢، والمحرر الوجيز ٣٥٣/٢. وأخرج
الأقوال الطبري ٩/ ٦٠٨ - ٦١١ .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٨٦/٣ بنحوه، وينظر تفسير الطبري ٩/ ٦١٠.
(٣) سلف ٢/ ٢٤ .
(٤) في النسخ: التين، وهو خطأ، وينظر تحفة الفقهاء للسمر قندي ٣٢١/١، والبناية في شرح الهداية
٠١٥٦/٣
(٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٢٩/٢، وأحكام القرآن للجصاص ٩/٣، ١١، والتمهيد ١٦٦/٢٤،
والقبس ٤٥٨/٢ .
(٦) في الاستذكار ٩/ ٢٥٥ - ٢٥٦ .

٥٥
سورة الأنعام: الآية ١٤١
ابنُ آدم، وإليه ذهب أبو عبيد (١). ورُوي ذلك عن أبي موسى عن النبيِّ﴾(٢)، وهو
مذهبُ أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاةَ إلَّا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؛
ذكره وَكيعٌ عن طلحة بنِ يحيى، عن أبي بُرْدة، عن أبيه(٣).
وقال مالكٌ وأصحابه: الزكاة واجبةٌ في كل مُقتاتٍ مُدَّخر، وبه قال الشافعيّ(٤).
وقال الشافعيّ: إنما تجب الزكاةُ فيما يَيْبس ويُدَّخر ويُقتات مأكولاً. ولا شيءَ في
الزیتون؛ لأنه إدام. وقال أبو ثور مثله(٥).
وقال أحمد أقوالاً : أظهرُها أنَّ الزكاة إنما تجب في كلِّ ما قاله أبو حنيفة إذا كان
يُوسَق؛ فأوجبها في اللَّوْز لأنه مَكِيلٌ؛ دون الجَوْزِ؛ لأنه معدودٌ. واحتجَّ بقوله عليه
الصلاة والسلام: ((ليس فيما دون خمسةٍ أوْسقُ من تمرٍ أو حَبِّ صدقة))(٦). قال: فبيَّن
النبيُّ ﴿ أنَّ محلّ الواجبِ هو المُوسقُ(٧)، وبيَّن المقدارَ الذي يجبُ إخراجُ الحقِّ منه.
وذهب النَّخَعيُّ إلى أنَّ الزكاة واجبةٌ في كل ما أخرجته الأرض، حتى في عَشْر
دَسائِجَ من بقلٍ: دَسْتَجةُ بقل(٨). وقد اختُلف عنه في ذلك، وهو قول عمر بنِ عبد
العزيز، فإنه كتب أنْ يؤخذَ مما تُنبت الأرضُ من قليلٍ أو كثيرِ العُشْرُ؛ ذكره عبدُ
(١) في الأموال ص ٥٧٥ .
(٢) أخرجه الدارقطني (١٩٢١)، والحاكم ٤٠١/١، والبيهقي ١٢٥/٤ عن أبي موسى ومعاذ بن جبل،
حين بعثهما رسول الله # إلى اليمن، يعلمان الناس أمر دينهم: ((لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه
الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر)). وقال الحافظ في التلخيص ١٦٦/٢: قال البيهقي: رواته
ثقات وهو متصل.
(٣) الاستذكار ٢٥٦/٩ بنحوه، وأثر أبي موسى أخرجه ابن أبي شيبة ١٣٨/٣ - ١٣٩.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٩/٢ .
(٥) الاستذكار ٩/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٦) سلف ٢٤/٢ .
(٧) في (د) و(م): الوسق، وفي (ظ): المتوسق، والمثبت من (خ) و(ز)، وهو الموافق لأحكام القرآن
لابن العربي ٧٤٩/٢ ، والكلام منه.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣٩/٣، وقوله: دستجة: هو معرّب: دسته، وهي حزمة ونحوها، تجمع اثني
عشر فرداً من كل نوع. معجم متن اللغة، والمعجم الوسيط (دستجة).

٥٦
سورة الأنعام: الآية ١٤١
الرازق(١) عن مَعْمَر، عن سِماك بنِ الفضل قال: كتب عمر ... فذكره. وهو قول حمّاد
ابنِ أبي سليمان وتلميذِه أبي حنيفة(٢).
وإلى هذا مال ابنُ العربيِّ في أحكامه(٣)، فقال: وأما أبو حنيفة فجعل الآيةَ
مِرْآتَه، فأبصرَ الحقّ. وأخذ يَعْضُد مذهبَ الحنفيِّ ويقوِّيه. وقال في كتاب ((القبس)) بما
عليه الإمامُ مالك بن أنس(٤)، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَاُلْزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَّشَيْهًا
وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]؛ واختلف الناسُ في وجوب الزكاةِ في جميع ما تضمَّنته(٥)
أو بعضه، وقد بيَّنَّا ذلك في ((الأحكام)) (٦) لُبَابُه: أنَّ الزكاةَ إنما تتعلَّقُ بالمُقْتات(٧)
- كما قدَّمنا (٨) - دون الخضراواتِ؛ وقد كان بالطائف الرُّمَّانُ والفِرْسِكُ والأُتْرُجُ(٩)،
فما اعترضه رسولُ الله ﴾ ولا ذکرہ ولا أحدٌ من خلفائه.
قلت: هذا وإنْ لم يذكره في ((الأحكام)) هو الصحيحُ في المسألة، وأنَّ
الخُضراواتِ ليس فيها شيءٌ.
وأما الآيةُ فقد اختلف فيها، هل هي مُحْكمةٌ أو منسوخةٌ أو محمولةٌ على النَّذْب،
ولا قاطعَ يبيِّن أحدَ مَحَامِلها، بل القاطعُ المعلوم ما ذكره ابنُ بُكير في أحكامه: أنَّ
الكوفةَ افتُتحت بعدَ موتِ النبيِّ # وبعد استقرارِ الأحكام بالمدينة(١٠)، أفيجوز أنْ
(١) في مصنفه (٧١٩٦).
(٢) الاستذكار ٢٣٩/٩ .
(٣) ٧٤٩/٢ .
(٤) ٢ / ٤٧٢ - ٤٧٣ .
(٥) في القبس: في جميع ما تضمنت.
(٦) ٢ / ٧٥٠ - ٧٥١.
(٧) في القبس: إنما تتعلق بالمنبتات.
(٨) في (د) و(م): كما بيّنا، والمثبت من (خ) وهامش (د) و(ز) و(ظ).
(٩) قوله: الفرسك: الخوخ، أو ضرب منه أجرد أحمر، أو ما ينفلق عن نواه. القاموس (فرسك). وقوله:
الأترجّ: شجر يعلو، ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره كالليمون الكبار، ذكي الرائحة. معجم
الوسيط (الأترج).
(١٠) في (م): في المدينة.

٥٧
سورة الأنعام: الآية ١٤١
يَتوهَّمَ متوهِّمٌ أو مَن له أدنى بصيرةٍ أنْ تكونَ شريعةٌ مِثْلُ هذه عُطِّلت، فلم يُعملْ بها في
دار الهجرة ومُستَقَرِّ الوحي ولا في خلافة أبي بكر، حتى عَمِل بذلك الكوفُّون؟ إنَّ
هذه لمصیبةٌ فیمن ظنَّ هذا وقال به !.
قلت: ومما يدلُّ على هذا مِن معنى التنزيلِ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَآ أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن زَيْكٌ وَإِن لَّْ تَفْعَلْ فَا بَلَّنْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. أتراه يَكتُم شيئاً أُمِر بتبليغه
أو ببيانِه؟(١) حاشاه عن ذلك، وقال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣]. ومِن كمال الدِّينِ كونُه لم يأخذ من الخضراواتِ شيئاً. وقال جابر
ابنُ عبد الله فيما رواه الدَّارَقُظْنيّ: إنَّ المقائي كانت تكون عندنا تُخرِج عشرةَ آلاف،
فلا يكونُ فيها شيءٍ(٢). وقال الزُّهْرِيُّ والحسن: تُزَقَّى أثمانُ الخُضَرِ إذا بيعت وبلغ
الثمنُ مئتي درهم(٣)؛ وقاله الأوزاعيُّ في ثمن الفواكه(٤). ولا حجَّةَ في قولهما لِمَا
ذكرنا.
وقد روى الترمذيُّ عن معاذ: أنه كتب إلى النبيِّ# يسأله عن الخضراوات - وهي
البقول - فقال: ((ليس فيها شيءٌ))(٥). وقد رُوي هذا المعنى عن جابر وأنس وعليّ
ومحمد بنِ عبد الله بن جحش وأبي موسى وعائشة. ذكر أحاديثَهم الدَّارَقُطْنيُّ رحمه
الله(٦). قال الترمذيّ(٧): ليس يصحُّ في هذا البابِ عن النبيِّ # شيءٌ.
واحتجَّ بعضُ أصحابٍ أبي حنيفة بحديث صالح بن موسى عن منصور، عن
إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول اللـه#: ((فيما أنبتت الأرضُ من
(١) في (د) و(ز) و(ظ): بيانه، والمثبت من (خ) و(م).
(٢) سنن الدار قطني (١٩٣١) بنحوه وقوله: المقائي: يريد جمع قَقْتَأة، وهي الأرض التي يزرع فيها القِنَّاء.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٧١٩٢) عن الزهري.
(٤) الاستذكار ٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣ .
(٥) سنن الترمذي (٦٣٨)، وقال: إسناد هذا الحديث ليس بصحيح.
(٦) في سننه بالأرقام: (١٩٢٢) (١٩١٢) (١٩٠٧) (١٩٠٩) (١٩٢١) (١٩٠٨)، ومحمد بن عبد الله بن
جحش، صحابي صغير، وأبوه من كبار الصحابة، وعمته زينب أم المؤمنين. التقريب ص٤٢٢ .
(٧) بإثر الحديث (٦٣٨).

٥٨
سورة الأنعام: الآية ١٤١
الخُضَرِ زكاة))(١). قال أبو عمر: وهذا حديثٌ لم يروِه من ثقات أصحاب منصورٍ أحدٌ
هكذا، وإنما هو من قول إبراهيم(٢).
قلت: وإذا سقط الاستدلالُ من جهة السُّنَّة؛ لضعف أسانيدها؛ فلم يبقَ إلَّا ما
ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعمومٍ قوله عليه الصلاة والسلام: ((فيما سقت
السماءُ العُشْر))(٣) بما ذكرنا.
وقال أبو يوسفَ ومحمد: ليس في شيءٍ من الخضر زكاةٌ إلَّا ما كانت له ثمرةٌ
باقية، سوى الزعفرانِ ونحوِهِ ممَّا يوزن، ففيه الزكاة. وكان محمدٌ يعتبر في العُضْفر
والكَتَّانِ البَزْر (٤)، فإذا بلغ بَزرُهما من القُرْظُم(٥) والكَتانِ خمسةً أوسق، كان العُضْفرُ
والكتان تَبَعاً للبَزْر، وأُخذ منه العشرُ أو نصفُ العشر. وأما القطنُ فليس فيه(٦) عندَه
في دونِ خمسةِ أحمالٍ شيءٌ؛ والحِمْل ثلاث مئة مَنُ(٧) بالعراقيّ. والوَرْسُ والزعفران
ليس فيما دونَ خمسةِ أمْنَانٍ منها شيءٌ. فإذا بلغ أحدُهما خمسةَ أمنانٍ كانت فيه
الصدقة؛ عُشْراً أو نصف العشر (٨).
وقال أبو يوسف: وكذلك قصبُ السُّكّر الذي یکون منه السكر، ویکون في أرض
العُشْرِ دون أرضِ الخَراج، فيه ما في الزعفران.
(١) كذا نقل المصنف عن ابن عبد البر في الاستذكار ٢٧١/٩، ولم نقف عليه، إنما أخرج الدارقطني
(١٩٠٨)، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (٩٧٠) الحديث بلفظ: ((ليس فيما أنبتت ... )).
قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٦٩/٢: في إسناده صالح بن موسى، وهو ضعيف.
(٢) الاستذكار ٩/ ٢٧١، وقول إبراهيم أخرجه عبد الرزاق (٧١٩٥)، وأبو يوسف في الآثار ١/ ٩٠ .
(٣) قطعة من حديث سلف ٢٤/٢ .
(٤) هو كلُّ حب يبذر للنبات والجمع بزور وأبزار وأبازير، القاموس (بزر).
(٥) القُرطم: كزِبرج وعصفُر: حبّ العصفر. القاموس (قرطم). ووقع في الاستذكار: قدرهما، بدل:
بزرهما .
(٦) قوله: فيه، من (م).
(٧) المَنُّ: رطلان، والجمع: أمنان. مختار الصحاح.
(٨) الاستذكار ٩/ ٢٧٤ بنحوه.

٥٩
سورة الأنعام: الآية ١٤١
وأوجب عبد الملك بنُ الماجِشُون الزكاةَ في أصول الثمارِ دون البقول(١). وهذا
خلافُ ما عليه مالكٌ وأصحابه، لا زكاةً عندهم لا في اللَّوز ولا في الجَوْز ولا في
الجِلَّوْز(٢) وما كان مثلَها، وإن كان ذلك يُذَّخَر. كما أنه لا زكاةَ عندهم في
الإجاص(٣) ولا في التفاح ولا في الكُمَّثْرَى، ولا ما كان مثلُ ذلك كلِّه ممَّا لا يَيْبس
ولا يُدَّخر. واختلفوا في التين؛ والأشهرُ عند أهلِ المغربِ ممَّن يذهب مذهبَ مالكٍ:
أنه لا زكاة عندهم في التِّين إلا عبد الملك بنَ حبيب؛ فإنه كان يرى فيه الزكاةَ على
مذهب مالك، قياساً على التمر والزبيب. وإلى هذا ذهب جماعةٌ من أهل العلم
البغداديين المالكيين، إسماعيل بن إسحاق ومَن اتَّبعه(٤).
قال مالكٌ في الموظّأ (٥): السُّنَّة التي لا اختلافَ فيها عندنا، والذي سمعت من
أهل العلم، أنه ليس في شيءٍ من الفواكه كلِّها صدَقةٌ: الرمَّانِ والفِرْسِك والتين، وما
أشبه ذلك، وما لم يُشبهْه إذا كان من الفواكه.
قال أبو عمر(٦): فأدخل التِّينَ في هذا الباب، وأظنه - واللهُ أعلم - لم يعلم(٧) بأنه
يَبْبَسُ ويُدَّخَر ويُقتات، ولو علم ذلك ما أدخله في هذا الباب؛ لأنه أشبهُ بالتمر والزبيب
منه بالرمان. وقد بلغني عن الأبْهَرِيِّ وجماعةٍ من أصحابه أنهم كانوا يُقْتُون بالزكاة فيه،
ويرَونه مذهبَ مالكٍ على أصوله عندهم. والتينُ مكيلٌ يراعى فيه الخمسةُ الأوْسُقِ وما
كان مثلُها وَزْناً، ويُحكم في التين عندهم بحكم التمرِ والزبيب المجتمعِ عليهما.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٧٤٩/٢ .
(٢) في (ظ): لا زكاة عندهم في الجوز ولا في اللوز وما كان مثلها، وقوله: الجِلَّوز؛ كسنّور: البندق.
القاموس (جلز).
(٣) قوله: الإجاص: ثمر؛ ولا يقال: إنجاص، وهو المشمش والكُمَّثرى بلغة الشاميين . القاموس
(أجص).
(٤) الاستذكار ٩/ ٢٧٢ .
(٥) ٢٧٦/١.
(٦) في الاستذكار ٩/ ٢٧١ - ٢٧٢ .
(٧) قوله: لم يعلم، ليس في الاستذكار.

٦٠
سورة الأنعام: الآية ١٤١
وقال الشافعيّ: لا زكاةً في شيءٍ من الثمار غيرِ التمر والعِنَب؛ لأنَّ رسولَ الله ◌ِ﴾
أَخذَ الصدقةَ منهما وكانا قوتاً بالحجاز يدّخر.
قال: وقد يُدَّخَرُ الجوزُ واللوز ولا زكاةَ فيهما؛ لأنهما لم يكونا بالحجاز قُوْتاً
فيما علمت، وإنما كانا فاكهة(١).
ولا زكاة في الزيتون؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾. فقرَنه مع الرمان، ولا
زكاةَ فيه. وأيضاً فإنَّ التينَ أنفعُ منه في القوت ولا زكاة فيه(٢).
وللشافعيِّ قولٌ بزكاة الزيتون قاله بالعراق، والأوّلُ قاله بمصر؛ فاضطرب قولُ
الشافعيِّ في الزيتون، ولم يختلف فيه قولُ مالك. فدلَّ على أنَّ الآيةَ محكمةٌ عندهما غيرُ
منسوخة. واتفقا جميعاً على أن لا زكاةً في الرمّان، وکان یلزمُهما إيجابُ الزكاةِ فيه.
قال أبو عمر (٣): فإن كان الرمّانُ خرج باتفاق، فقد بانَ بذلك المراد بأنَّ الآيةَ
ليست على عمومها، وكان الضميرُ عائداً على بعض المذكورِ دون بعض. والله أعلم.
قلت: بهذا استدلَّ مَن أوجب العُشرَ في الخضراوات؛ فإنه تعالى قال: ﴿وَءَاتُواْ
حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، والمذكور قبله الزيتونُ والرمَّان، والمذکور عَقِیب جملةٍ ینصرف
إلى الأخير بلا خلاف؛ قاله الكيًا الطبريّ (٤).
رُوي عن ابن عباسٍ أنه قال: ما لُقِحت رمَّانةٌ قظُ إلَّا بقطرة من ماء الجنة(٥).
ورُوي عن عليٍّ كرَّم اللهُ وجهه أنه قال: إذا أكلتم الرمَّانةَ فكلوها بشحمها؛ فإنه
دِبَاغُ المَعِدة(٦).
(١) الأم ٢٩/٢، والاستذكار ٩/ ٢٧٣، وعنه نقل المصنف.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٧٥٢/٢ - ٧٥٣ .
(٣) في التمهيد ٢٠/ ١٥٣ - ١٥٤، وما قبله منه بنحوه.
(٤) في أحكام القرآن له ١٢٦/٣ .
(٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٩٦٠).
(٦) أخرجه أحمد (٢٣٢٣٧)، والبيهقي في الشعب (٥٩٥٨).