Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة الأنعام: الآية ٢
تقدَّم أنت فَصَلِّ على أبيك، وكَبِّر عليه ثلاثين تكبيرةً، فأما خمسٌ فهي الصلاة،
وخمسٌ وعشرون تفضيلاً لآدم - وقيل: كبَّر عليه أربعاً - فجعل بنو شيث آدمَ في
مغارة، وجعلوا عليها حافظاً لا يقرَبُه أحدٌ من بني قابيل، وكان الذين يأتونه
ويستغفرون له بنو شيث، وكان عُمرُ آدَمَ تسعَ مئة سنةٍ وستاً وثلاثين سنة(١).
ويقال: هل في الآية دليلٌ على أنَّ الجواهر من جنسٍ واحد؟
الجواب: نعم؛ لأنه إذا جاز أن ينقلبَ الطينُ إنساناً حيًّا قادراً عليماً، جاز أن
ينقلبَ إلى كلِّ حالٍ من أحوال الجواهر؛ لتسوية العقلِ بين ذلك في الحكم، وقد صحَّ
انقلابُ الجماد إلى الحيوان بدلالة هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَقَ أَجَلًاٌ﴾ مفعول. ﴿وَأَجَلٌ مُسَنَّى عِندٌَّ﴾ ابتداءٌ وخبر. قال
الضحاك: ((أَجَلاً) في الموت ((وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ)) أَجَلُ القيامة. فالمعنى على هذا:
حَكّم أجلاً، وأَغْلَمكم أنكم تقيمون إلى الموت، ولم يُعْلمكم بأجل القيامة (٢).
وقال الحسن ومجاهدٌ وعِكْرمة وخصيفٌ وقَتَادةُ - وهذا لفظُ الحسن -: قضى أجلَ
الدنيا من يومٍ خلقك إلى أن تموت، ((وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ)) يعني الآخرة(٣).
وقيل: ((قَضَى أَجَلاً)): ما أَعْلَمَناه من أنه لا نبيَّ بعد محمدٍ ﴿، ((وَأَجَلٌ مُسَمَّى))
من الآخرة(٤). وقيل: ((قَضَى أَجَلاً)): ما (٥) نعرفه من أوقات الأَهِلَّةِ والزرع وما
أَشبَههما، ((وَأَجَلٌ مُسَمَّى)): أجلُ الموت؛ لا يعلم الإنسانُ متى يموت.
وقال ابن عباس ومجاهد: معنى الآية: ((قَضَى أَجَلاً)) بقضاء الدنيا، ((وَأَجَلٌ
(١) طبقات ابن سعد ٣٤/١-٣٩ وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وقد سلف بعضه
١/ ٤٧٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٥٦/٢، وخبر الضحاك أخرجه الطبري ٩/ ١٥١.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣٩٩/٢، وأخرجه عن الحسن وغيره الطبري ٩/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٤) في (ظ): في الآخرة، وفي إعراب القرآن للنحاس ٥٦/٢ (والكلام منه): أمر الآخرة.
(٥) في (د) و(م): مما، والمثبت من (خ) و(ظ)، وإعراب القرآن للنحاس.

٣٢٢
سورة الأنعام: الآيات ٢ - ٥
مُسَمَّى عِنْدَهُ)) لابتداء الآخرة(١).
وقيل: الأوَّل: قبضُ الأرواح في النوم، والثاني: قبض الرُّوحِ عند الموت؛ عن
ابن عباسٍ أيضاً(٢).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ ابتداءً وخبر: أي: تَشكُّون في أنه إلهٌ واحد.
وقيل: تُمارون في ذلك(٣)، أي: تجادلون جدالَ الشَّاكِّين. والتَّمَاري: المجادلةُ على
مذهب الشَّكِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَتُوُنَّهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ اَلْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا
تَكْسِبُونَ ﴿ وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ فَقَدْ
كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَهُمّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَوَأَ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِ الْأَرْضِ﴾ يقال: ما عاملُ الإعراب في
الظرف مِن ((في السماوات وَفِي الْأَرْضِ)»؟ ففيه أجوبة:
أحدها: أي: وهو اللهُ المعظّم (٤) أو المعبودُ في السماوات وفي الأرض، كما
تقول: زيدٌ الخليفةُ في الشرق والغرب، أي: حُكْمُه(٥).
ويجوز أن يكونَ المعنى: وهو الله المنفردُ بالتدبير(٦) في السماوات وفي
الأرض؛ كما تقول: هو في حاجات الناس وفي الصلاة. ويجوز أن يكون خبراً بعد
(١) النكت والعيون ٢/ ٩٣.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٣.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٥٦/٢ .
(٤) في النسخ الخطية: أي والله المعظم.
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٢٨/٢، والبيان لابن الأنباري ٣١٣/١، والوسيط للواحدي ٢,٥٢/٢ .
(٦) في معاني القرآن للنحاس ٤٠٠/٢ (والكلام منه): بالتأليه. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦٧/٢ :
وقال الزجاج: ((في) متعلقةٌ بما تضمَّنه اسم الله من المعاني، وهذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازاً
لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى.

٣٢٣
سورة الأنعام: الآيات ٣ - ٥
خبر، ويكونُ المعنى: وهو الله في السماوات، وهو الله في الأرض.
وقيل: المعنى: وهو اللهُ يعلم سِرَّكم وجهركم في السماوات وفي الأرض، فلا
يَخْفَى عليه شيء؛ قال النحاس(١): وهذا من أحسنٍ ما قيل فيه.
وقال محمد بنُ جَرير: وهو الله في السماوات، ويَعلم سِرَّكم وجهرَكم في
الأرض (٢). فـ((يعلم)) مقدَّمٌ في الوجهين، والأَوَّل أَسْلَمُ وأَبعدُ من الإشكال.
وقيل غيرُ هذا. والقاعدة تنزيهُه جلَّ وعزَّ عن الحركة والانتقال، وشَغْلٍ
الأمكنة (٣). ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي: من خير وشرّ. والكسب: الفعل لا جتلاب نفع،
أو دفعٍ ضرر، ولهذا لا يقالُ لفعل اللهِ كَسْبٌ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ﴾ أي: علامة، كانشقاق القمرِ ونحوها(٥).
و((مِنْ)) لاستغراق الجنس؛ تقول: ما في الدار مِن أحد. ﴿مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ (مِن)) الثانية
للتبعيض(٦). و﴿مُعْرِضِينَ﴾ خبر ((كَانُوا)).
والإعراض: تركُ النظر في الآيات التي يجب أن يستدلَّوا بها على توحيد اللهِ جلَّ
وعزَّ؛ مِن خَلْق السماواتِ والأرضِ وما بينهما، وأنه يرجع إلى قديم، حيٍّ (٧)، غنيٍّ
عن جميع الأشياء، قادرٍ لا يُعجزه شيء، عالمٍ لا يَخْفَى عليه شيءٌ من المعجزات
التي أقامها لنبيِّه ◌َ﴾؛ ليُستَدلَّ بها على صدقه في جميع ما أتى به.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كُذَّبُوا﴾ يعني: مشركي مكة. ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: القرآن، وقيل:
(١) في إعراب القرآن ٥٦/٢ .
(٢) تفسير الطبري ٩/ ١٥٥، ونقله المصنف عنه بواسطة البغوي ٨٤/٢. ويروى عن الكسائي أنه كان يقف
على قوله: ((في السموات))، ويبتدئ بقوله: ((وفي الأرض يعلم)). البيان ٣١٣/١.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٢٦٧/٢ .
(٤) الوسيط ٢/ ٢٥٢ .
(٥) تفسير أبي الليث ٤٧٤/١، وتفسير البغوي ٨٥/٢.
(٦) المحرر الوجيز ٢٦٨/٢ .
(٧) قوله: حي، من (م).

٣٢٤
سورة الأنعام: الآيات ٣ - ٦
محمداً ﴾(١) . ﴿فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ﴾ أي: يَحِلُّ بهم العقاب، وأراد بالأنباء - وهي الأخبارُ ـ:
العذابَ؛ كقولك: اصبِرْ وسوف يأتيك الخبر، أي: العذاب، والمراد ما نالهم يوم بَدْرٍ
ونحوه. وقيل: يومَ القيامة.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَا لَـ
ثُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَعْنِهِمْ فَهْلَكَهُم
بِدُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأَنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ
قوله تعالی: ﴿أَلَمْ يَرْوا گَمْ أَهْلَكَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ ((كم)) في موضع نصبٍ بأهلكنا،
لا بقوله: ((أَلَمْ يَرَوْا))؛ لأنَّ لفظ الاستفهام لا يَعملُ فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما
بعده(٢)؛ من أجل أنَّ له صدرَ الكلام. والمعنى: أَلَّا يعتبرون بمن أهلكنا مِن الأمم
قبلَهم لتكذيبهم أنبياءهم؛ أي: ألم يَعْرفوا ذلك.
والقَرْن: الأُمَّةُ من الناس(٣)، والجمعُ: قرون؛ قال الشاعر(٤):
إذا ذَهبَ القرنُ الذي كنتَ فيهمُ وخُلِّفْتَ فِي قَرْنٍ فأنتَ غرِيبُ
فالقَرْن: كلُّ عالَم في عصره؛ مأخوذٌ من الاقتران، أي: عالَم مقترِنٌ بعضُهم إلى
بعض، وفي الحديث عن النبيِّ﴾ قال: ((خيرُ الناس قَرْني - يعني أصحابي - ثم الذين
يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم)». هذا أصحُّ ما قيل فيه (٥).
وقيل: المعنى: مِن أَهْلِ قَرْنٍ(٦)، فحذف، كقوله: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
(١) في (م): بمحمد، وذكر القولين البغوي ٢/ ٨٥ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٢٩/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٥٦/٢، ومشكل إعراب القرآن ٢٤٦/١ .
(٣) مجاز القرآن ١٨٥/١، والوسيط ٢٥٣/٢، وتفسير البغوي ٨٥/٢ . قال الواحدي: وأهل كل مدة قرن.
(٤) هو أبو محمد التَّيّمي، واسمه عبد الله بن أيوب، من شعراء الدولة العباسية، كما في الأغاني ٢٠/ ٥٤ ،
ونسبه البصري في الحماسة البصرية ٤٧/٢ له أو للحسن بن عمرو الإباضي، ونسبه ابن قتيبة في عيون
الأخبار ٣٢٢/٩ للحجاج بن يوسف التيمي.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١، والحديث سلف ٤٥٥/٤ .
(٦) تفسير البغوي ٨٥/٢ .

٣٢٥
سورة الأنعام: الآية ٦
فالقَرْن على هذا مدةٌ من الزمان؛ قيل: ستون عاماً، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون.
وقيل: مئة؛ وعليه أكثرُ أصحابِ الحديث أنَّ القَرْن مئةُ سنة. واحتجُوا بأنَّ النبيَّ ◌ِ﴾
قال لعبد الله بن بُسْر: (تَعيشُ قَرْناً))، فعاش مئة سنة. ذكره النحاس(١). وأصل القرن:
الشيءُ الطالع، كقَرْنٍ ما لَه قَرْنٌ من الحيوان(٢).
﴿وَكَّتَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّنْ لَّكُمْ﴾ خروجٌ من الغَيبة إلى الخطاب، عَكْسُه:
﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَتِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].
وقال أهل البصرة: أَخبر عنهم بقوله: ((أَلَمْ يَرَوْا))؛ وفيهم محمدٌ عليه الصلاة
والسلام وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله: ما أَكْرمَه!
وقلت لعبد الله: ما أكرمك(٣)! ولو جاء على ما تقدَّم من الغيبة لقال: ما لم نمكّن
لهم. ويجوز: مكَّنه ومكَّن له (٤)؛ فجاء باللغتين جميعاً، أي: أعطيناهم ما لم نُعطِكم
من الدنیا.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءُ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ يريد: المطر الكثير، عبَّر عنه بالسماء، لأنه من
السماء يَنزل؛ ومنه قولُ الشاعر:
إذا سقَطَ السَّماءُ بأرضٍ قَومِ(٥)
و ((مِذْرَارًا)) بناءٌ دالٌّ على التكثير؛ كمِذكار: للمرأة التي كَثُرت ولادتُها للذكور،
ومِئناث: للمرأة التي تلد الإناث(٦)؛ يقال: دَرَّ اللبنُ يَدُرُّ: إذا أَقبلَ على الحالب
(١) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١، والحديث أخرجه أحمد (١٧٦٨٩)، والبخاري في التاريخ الصغير
١٨٦/١ بألفاظ مقاربة لما عند المصنف، وعبد الله بن بُسْر بن أبي بُسْر، أبو صفوان المازني، نزيل
حمص، له أحاديث قليلة وصحبة يسيرة. توفي سنة (٨٨ أو ٩٦هـ). السير ٤٣٠/٣.
(٢) قوله: من الحيوان، من (م).
(٣) تفسير البغوي ٢/ ٨٥ .
(٤) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٨٦/١.
(٥) قائله معاوية بن مالك كما في المفضليات ص٣٥٩، وشرح الحماسة المرزوقي ١٤٣٢/٣، والخزانة
٩/ ٥٥٥، وعجزه: رَعَيْناهُ وإن كانوا غِضابا. ووقع في (ظ): إذا نزل السماء ..
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢٢٩/٢ .

٣٢٦
سورة الأنعام: الآيتان ٦ - ٧
بكثرة. وانتصب ((مِدْرَارًا)) على الحال.
﴿وَجَعَلْنَا اُلْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَمِهِمْ﴾ أي: مِن تحت أشجارِهم ومنازلهم، ومنه قولُ
فرعونَ: وهذه الأنهارُ تَجْري من تحتي. والمعنى: وسَّعنا عليهم النعمَ فكفَروها.
﴿فَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بكفرهم، فالذنوب سببُ الانتقام وزوالِ النعم. ﴿وَأَنْشَأْنَ
مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْئًا ءَاخَرِينَ﴾ أي: أوجدنا، فليحذر هؤلاءِ من الإهلاك أيضاً.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ
هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ﴾ الآية. المعنى: ولو نزَّلنا يا محمدُ
بمرأى منهم - كما زعموا وطلبوا - كلاماً مكتوباً في قِرْطاس. وعن ابن عباس: كتاباً
معلّقاً بين السماء والأرض(١).
وهذا يبيِّن لك أنَّ التنزيل على وجهين؛ أحدهما: على معنى: نزَّلَ عليك
الكتابَ، بمعنى نزولِ الملَكِ به. والآخر: ولو نزَّلنا كتاباً في قِرطاسٍ يُمسكه اللهُ بین
السماء والأرض. وقال: ((نَزَّلْنَا)) على المبالغة بطول مُكثِ الكِتابِ بين السماء
والأرض.
والكتابُ مصدرٌ بمعنى الكتابة؛ فبيَّن أنَّ الكتابة في قرطاس؛ لأنه غيرُ معقولٍ
كتابةٌ إلَّا في قرطاس، أي: في صحيفة، والقِرطاسُ: الصحيفة، ويقال: قُرْطاس،
بالضم؛ وقَرطَسَ فلان: إذا رمى فأصابَ الصحيفةَ المُلْزَقَةَ بالهَدف(٢).
﴿فَلَسُهُ بِأَيْدِهِمْ﴾ أي: فعايَنوا ذلك ومَسُّوه باليد كما اقترحوا، وبالَغوا في مَيْزه
وتقليبِهِ جَسَّا بأيديهم؛ ليرتفعَ كلُّ ارتياب، ويزولَ عنهم كلُّ إشكال، لعانَدوا فيه
وتابعوا كفرَهم وقالوا: سحرٌ مبينٌ(٣)، إنما سُكِّرت أبصارُنا وسُحِرنا (٤).
(١) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٧/ ١٤ .
(٢) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص١٥١، والمحرر الوجيز ٢٦٩/٢، وزاد المسير ٧/٣.
(٣) المحرر الوجيز ٢٦٩/٢ .
(٤) وقال الرازي ١٦٠/١٢ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ﴾: المقصود أنهم إذا راَوْه بقُوا شاكِین =

٣٢٧
سورة الأنعام: الآيات ٧ - ١٠
وهذه الآيةُ جوابٌ لقولهم: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبًا تَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَأَعلَمَ اللهُ
بما سبق في علمه من أنه لو نزل لكذَّبوا به. قال الكَلْبيُّ: نزلت في النَّصْر بنِ الحارث
وعبد الله بنِ أبي أُميَّة ونوفل بنٍ خُويلد؛ قالوا: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ
يَتْبُوعًا﴾ الآية [الإسراء: ٩٠](١).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُفِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ
وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َمَا يَلْبِسُونَ ))
وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ،
يَسْئَهْزِءُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ اقترحوا هذا أيضاً. و(لولا)) بمعنى هَلَّا.
﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ قال ابن عباس: لو رأَوا الملَكَ على صورته لماتوا، إذ لا
يُطيقون رؤيته(٢). مجاهدٌ وعِكْرِمة: لقامت الساعة(٣).
قال الحسن وقَتَادة: لأُهلِكوا بعذاب الاستئصال؛ لأنَّ الله أَجرى سُنَّته بأنَّ مَن
طَلَبَ آيَةً فأُظهرت له، فلم يؤمن، أهلكه اللهُ في الحال(٤) ﴿ثُمَّ لَا يُظُرُونَ﴾ أي: لا
يُمھَلون ولا يؤخّرون.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾ أي: لا يستطيعون أنْ يَرَوا الملكَ
في صورته، إلا بعد التجُّم بالأجسام الكثيفة؛ لأن كلَّ جنسٍ يَأْنَسُ بجنسه وينفر من
= فيه، وقالوا: ﴿إِنََّا سُكِّرَتْ أَبْصَرُنَا﴾ فإذا لمسوه بأيديهم فقد يَقْوَى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي.
(١) ذكر هذا الخبر أبو الليث ٤٧٤/١، والواحدي في أسباب النزول ص٢٠٨، والبغوي ٢/ ٨٥ - ٨٦ ،
وابن الجوزي في زاد المسير ٣/ ٧ وغيرهم، وعندهم جميعاً أن سبب النزول هو قول هؤلاء المشركين
للنبي #: لن نؤمن لك حتى تأتینا بکتاب من عند الله.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٦١، بلفظ : ... لماتوا ولم يؤخّروا طرفة عين.
(٣) أخرج قولهما الطبري ٩/ ١٦١ .
(٤) النكت والعيون ٢/ ٩٥، وينظر تفسير الطبري ١٦٠/٩، والوسيط ٢٥٤/٢ وتفسير البغوي ٨٦/٢،
والمحرر الوجيز ٢٧٠/٢ .

٣٢٨
سورة الأنعام: الآيات ٨ - ١٠
غير جنسه، فلو جعل اللهُ تعالى الرسولَ إلى البشر مَلَكاً، لنفروا من مُقَاربته، ولَمَا
أَنِسوا به، ولَداخَلَهم من الرُّعب من كلامه والاتِّقاءِ له ما يَكفُّهم عن كلامه، ويمنعُهم
عن سؤاله، فلا تَعمُّ المصلحةُ، ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مِثْل صورتهم لِيأنسوا
به وليسكُنوا إليه، لقالوا: لستَ مَلَكاً، وإنما أنت بشرٌ فلا نؤمن بك، وعادوا إلى مثل
حالهم. وكانت الملائكةُ تأتي الأنبياءَ في صورة البشر، فأتَوْا إبراهيمَ ولوطاً في صورة
الآدميِّين، وأتى جبريلُ النبيَّ عليهما الصلاة والسلام في صورة دِخْيةَ الكَلْبيِّ(١).
أي: لو نزل ملكٌ لَرأوه في صورة رجلٍ كما جرت عادةُ الأنبياء، ولو نزل على
عادته(٢) لم يَرَوْه، فإذا جعلناه رجلاً التبس عليهم [أيضاً ما يلبسون على أنفسهم]
فكانوا يقولون: هذا ساحرٌ مثلُك.
وقال الزجَّاج (٣): المعنى ﴿وَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على رؤسائهم كما يلْبِسون
على ضَعَفَتِهم، وكانوا يقولون لهم: إنما محمدٌ بشر، وليس بينه وبينكم فَرْقٌ، فيلبِسون
عليهم بهذا ويُشكِّكونهم؛ فأَعلَمهم اللهُ عزَّ وجلَّ أنه لو أنزل ملكاً في صورة رجل،
لوجدوا سبيلاً إلى اللَّبْس كما يفعلون.
واللَّبْس: الخلط؛ يقال: لَبَستُ عليه الأمرَ أَلْبِسه لَبْساً، أي: خَلَطته(٤)؛ وأصله
التَّستُّر بالثوب ونحوه. وقال: (لَبَسْنَا)) بالإضافة إلى نفسه على جهة الخَلْق، وقال:
﴿َا يَلْبِسُونَ﴾ فأضافَ إليهم على جهة الاكتساب.
ثم قال مؤنِساً لنبيه عليه الصلاة والسلام ومُعزِّياً: ﴿وَلَقَدِ أَسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ
فَحَاقَ﴾ أي: نزل بأممهم من العذاب ما أُهلكوا به جزاءَ استهزائِهم بأنبيائهم. حاق
(١) ينظر في هيئة نزول جبريل على النبي في صورة دحية الكلبي حديث جابر ﴾ عند أحمد (١٤٥٨٩)،
ومسلم (١٦٧)، وحديث أم سلمة عند البخاري (٣٦٣٣)، ومسلم (٢٤٥١)، وحديث ابن عمر عند
أحمد (٥٨٥٧).
(٢) أي: على هيئته، كما في إعراب القرآن للنحاس ٥٧/٢، والكلام منه، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٢٣١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٥٧ .
(٤) تفسير الطبري ١٦٤/٥، وقال الطبري: ولّيست الثوب ألبَسُه لُبُساً. واللَّبوس اسم الثوب.

٣٢٩
سورة الأنعام: الآيات ٨ - ١٢
بالشيء(١) يَحيق حَيْقاً وحُيُوقاً وحَيَقاناً: نزل(٢)؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ
السَِّئُّ إلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
و((ما)) في قوله: ﴿مَّا كَانُوا﴾ بمعنى الذي، وقيل: بمعنى المصدر؛ أي: حاق
بهم عاقبةُ استهزائهم (٣).
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
قُل لِمَن مَّا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلَهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿قُلّ سِيُرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: قل يا محمدُ لهؤلاء المستهزئين
المستَسْخرين المكذِّبين: سافِروا في الأرض، فانظروا واستخبِروا؛ لتعرفوا ما حلَّ
بالكَفَرَة قَبْلَكم من العقاب وأليم العذاب. وهذا السَّفر مندوبٌ إليه، إذا كان على سبيل
:الاعتبار بآثار مَن خَلَا مِن الأمم وأهلِ الديار. والعاقبةُ: آخِرُ الأمر. والمكذِّبون هنا:
مَن كذَّب الحقَّ وأهله، لا مَن كذَّب بالباطل.
قوله تعالى: ﴿قُل لِمَنْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا (٤) احتجاجٌ عليهم، المعنى:
قل لهم يا محمد: ((لِمَنْ مَا في السماوات والأرض))، فإنْ قالوا: لمن هو؟ فقل(٥):
﴿اللَّهِ﴾، المعنى: إذا ثبت أنَّ له ما في السماوات والأرض، وأنه خالقُ الكلِّ؛ إمَّا
باعترافهم، أو بقيام الحجة عليهم، فالله قادر على أن يعاجلَهم بالعقاب، ويبعثَهم بعد
الموت، ولكنَّه ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾: أي: وَعَدَ بها فضلاً منه وكرماً، فلذلك
(١) في النسخ الخطية: حاق الشيء، والمثبت من (م).
(٢) تفسير الطبري ١٦٥/٥ - ١٦٦ .
(٣) ينظر البيان لابن الأنباري ٣١٤/١.
(٤) بعدها في (م): أيضاً.
(٥) بعدها في (م): هو.

٣٣٠
سورة الأنعام: الآيتان ١١ - ١٢
أَمْهَل. وذِكرُ النفس هنا عبارةٌ عن وجوده، وتأكيدٍ وَعْدِه، وارتفاع الوسائط دونه.
ومعنى الكلام: الاستعطاف منه تعالى للمتولِّين عنه إلى الإقبال إليه، وإخبارٌ منه
سبحانه بأنه رحيم بعباده، لا يعجِّلُ عليهم بالعقوبة، ويَقبل منهم الإنابة والتوبة(١).
وفي صحيح مسلم(٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((لمَّا قضى الله
الخلق، كتب في كتابٍ (٣) على نفسه، فهو موضوعٌ عنده: إنَّ رحمتي تَغْلبُ غضبي))
أي: لمَّا أَظْهَر قضاءه، وأبرزه لمن شاء، أظهر كتاباً في اللَّوح المحفوظ، أو فيما
شاءه، مقتضاه خبر حقّ ووعد صدق: ((إنّ رحمتي تغلب غضبي)) أي: تسبقُه وتزيد
عليه (٤).
قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَتَّكُمْ﴾ اللامُ لامُ القسم، والنونُ نون التأكيد(٥). وقال
الفرّاء(٦) وغيرُه: يجوز أن يكون تمامُ الكلام عند قوله: ((الرَّحمة)، ويكون ما بعده
مستأنَفاً على جهة التبيين، فيكون معنى (لَيَجْمَعَنَّكُمْ)): لَيُمهِلنَّكمْ ولَيؤخرنَّ جَمْعَكم.
وقيل: المعنى: ليجمعنَّكم، أي: في القبور إلى اليوم الذي أنكرتُموه. وقيل:
(إلى)) بمعنى: في، أي: ليجمعنكم في يوم القيامة(٧).
وقيل: يجوز أن يكون موضعُ ((لَيجمعنكم)) نصباً على البدل من الرَّحمة، فتكون
اللام بمعنى ((أنْ))، المعنى: كتب ربُّكم على نفسه لَيجمعنكم، أي: أَنْ يجمعكم،
(١) تفسير الطبري ١٦٧/٩، وتفسير البغوي ٢/ ٨٧ .
(٢) برقم (٢٧٥١)، وهو عند أحمد (٧٥٠٠)، والبخاري (٣١٩٤).
(٣) في المطبوع من صحيح مسلم: في كتابه، ورواية المصنف توافق رواية الحديث في المفهم ٧/ ٨١ .
(٤) المفهم ٧/ ٨٢ .
(٥) الوسيط ٢٥٦/٢، وتفسير البغوي ٨٧/٢، قال الواحدي: كأنه قال: والله ليجمعنكم. وقال ابن
الأنباري في البيان ٣١٥/١: هي جواب ((كتب)) لأنه بمعنى أوجب، ففيه معنى القسم.
(٦) في معاني القرآن ٣٢٨/١ .
(٧) تفسير البغوي ٢/ ٨٧ .

٣٣١
سورة الأنعام: الآيتان ١١ - ١٢
وكذلك قال كثير من النَحْويين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلْآَيَتِ
لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]، أي: أن يسجنوه(١). وقيل: موضعُه نصبٌ بـ ((كَتَبَ))، كما
تكون ((أنَّ) في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ عَيِلَ مِنكُمْ
سُوءًا بِجَهَلَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وذلك أنه مفسِّر للرَّحمة بالإمهال إلى يوم القيامة. عن
الزَّجَّاج(٢).
﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾: لاشكَّ فيه. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوَأْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ابتداء
وخبر، قاله الزَّجَّاج (٣)، وهو أجودُ ما قيل فيه، تقول: الذي يكرمني فله درهم، فالفاء
تتضمن معنى الشرط والجزاء(٤). وقال الأخفش(٥): إن شئت كان ((الذين)) في موضع
نصب على البدل من الكاف والميم في ((ليجمعنكم))، أي: ليجمعنَّ المشركين الذين
خسروا أنفسَهم. وأنكره المبرِّد وزعم أنه خطأ؛ لأنه لا يُبدَل من المخاطَب ولا من
المخاطِب، لا يقال: مررتُ بك زيدٍ، ولا: مررتَ بي زيدٍ؛ لأن هذا لا يُشكِل فيُبيَّنَ.
قال القُتَبيُّ(٦): يجوز أن يكون ((الذين)) جرًّا(٧) على البدل من ((المكذِّبين)) الذين
تقدَّم ذكرهم، أو على النعت لهم. وقيل: ((الذين)) نداء مُفْرَد(٨).
(١) المحرر الوجيز ٢/ ٢٧٢ .
(٢) في معاني القرآن له ٢٣٢/٢، وهذا القول وما قبله واحد، ففي كليهما قوله: ((ليجمعنكم)) بدل من
قوله: ((الرحمة)). ينظر معاني القرآن للفراء ٣٢٨/٢، والدر المصون ٥٤٩/٤ .
(٣) في معاني القرآن له ٢٣٢/٢ .
(٤) وقال ابن الأنباري في البيان ٣١٥/١: دخلت الفاء في خبر ((الذين) لأن كل اسم موصول بجملة إذا
وقع مبتدأ فإنه يجوز دخول الفاء في خبره.
(٥) في معاني القرآن له ٢/ ٤٨٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٥٨/٢ .
(٦) تفسير غريب القرآن ص١٥١ .
(٧) في (ز) و(م): جزاء، وفي (ظ): جر، والمثبت من (خ) و(د).
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٥٨/٢ .

٣٣٢
سورة الأنعام: الآيات ١٣ - ١٦
قوله تعالى: ﴿وَلَمُ مَا سَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَرِّ وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ (٣) قُلْ أَغَيْرَ الَّهِ
أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِ اَلَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُّ قُلْ إِنْ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ
أَوَّلَ مَنْ أَسْلِمٌّ وَلَا تَكُوَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ قُلّ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُمْ وَذَلِكَ الْفَوْزُ
الْمُبِینُ
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِىِ الَّيْلِ وَالنَّارِ﴾ أي: ثبت، وهذا احتجاجٌ عليهم
أيضاً(١).
وقيل: نزلت الآية لأنهم قالوا: علِمنا أنَّه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجةُ،
فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا، فقال الله تعالى: أخبرهم أنَّ جميع
الأشياء لله، فهو قادر على أنْ يُغنِيَني(٢).
و((سكن)) معناه: هدأ واستقرَّ، والمرادُ: ما سكن وما تحرَّك، فحُذِفِ لِعلْم
(٣)
السامع(٣).
وقيل: خُصَّ الساكنُ بالذكر؛ لأنَّ ما يعمُّه السكون أكثرُ ممَّا تعمُّه الحركة(٤).
وقيل: المعنى: ما خَلَق، فهو عامٌّ في جميع المخلوقات متحرِّكِها وساكنِها، فإنه
يجري عليه الليل والنهار، وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضدَّ الحركة، بل المرادُ
الخَلْق، وهذا أحسن ما قيل؛ لأنه يجمع شَتَاتَ الأقوال.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأصواتهم ﴿ اَلْعَلِيمُ﴾ بأسرارهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الَلِّ أَنَِّذُ وَلِيًّا﴾ مفعولان؛ لمَّا دعَوْه إلى عبادة الأصنام دينِ
آبائه، أنزل الله تعالى: ((قل)) يا محمد: ((أَغَيْرَ اللهِ أَنَّخِذُ وَلِيًّا)) أي: ربًّا ومعبوداً
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٠٥/٢ .
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٢٠٨ وعزاه للكلبي عن ابن عباس.
(٣) تفسير البغوي ٢/ ٨٧، قال البغوي: وهو كقوله: ﴿سَرَِّلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١] أي الحر والبرد.
(٤) النكت والعيون ٢ / ٩٧ .

سورة الأنعام: الآيات ١٣ - ١٦
٣٣٣
وناصِراً دونَ الله.
﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالخفض على النعت لاسم الله(١)، وأجاز الأخفش
الرفع على إضمار مبتدأ. وقال الزَّجَّاج: ويجوز النصب على المدح(٢).
أبو عليٍّ الفارسيُّ: ويجوز نصبه على فعلٍ مضمَر، كأنَّه قال: أتركُ فاطرَ
السماوات والأرض؟ لأنَّ قوله: ((أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)) يدلُّ على ترك الولاية له،
وحَسُن إضماره لقوَّة هذه الدِّلالة.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُّ﴾ كذا قراءةُ العامَّة، أي: يَرزُق ولا يُرزَق، دليله قوله تعالى:
﴿مَّ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧](٣).
وقرأ سعيد بنُ جُبَير ومجاهدٌ والأعمش: ((وهو يُظْعِمُ وَلَا يَطْعَمُ)) (٤) وهي قراءةٌ
حسنة، أي أنه يرزق عباده، وهو سبحانه غيرُ محتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من
الغِذاء.
وقُرِئ بضم الياء وكسر العين في الفِعلين، أي: إنَّ الله يُطعِم عباده ویرزقُھم،
والوليُّ لا يُطعِم نفسه ولا مَن يتخذه(٥).
وقُرِئٍ بفتح الياء والعين في الأوّل، أي: الوليّ، ((ولا يُطْعِم)) (٦) بضم الياء وكسر
العين. وخَصَّ الإطعامَ بالذكر دون غيره من ضروب الإنعام؛ لأنَّ الحاجة إليه أمسُ
(١) المحرر الوجيز ٢٧٣/٢ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٥٨/٢، وقول الأخفش في معاني القرآن له ٤٨٣/٢، وقول الزجاج في معاني
القرآن له ٢٣٣/٢ .
(٣) الكشاف ٨/٢ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٥٨/٢، والمحرر الوجيز ٢٧٣/٢، وذكرها عن الأعمش ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص٣٦ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٣/٢، ونسب ابن عطية هذه القراءة ليمان العماني وابن أبي عبلة. ونسبها
الزمخشري في الكشاف ٨/٢ للأشهب وقال: يجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى،
كقولك: هو يعطي ويمنع ويبسط ويقدر ...
(٦) بعدها في (ظ): نفسه، وذكر العكبري القراءة في الإملاء (بهامش الفتوحات الإلهية) ٥١٨/٢ .

٣٣٤
سورة الأنعام: الآيات ١٣ - ١٦
لجميع الأنام.
﴿قُلْ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّمْ﴾ أي: استسلمَ لأمر الله تعالى. وقيل:
أوّل مَن أَخْلَص، أي: مِن قومي وأمتي، عن الحسن وغيره. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
اُلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: وقيل لي: ﴿وَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(١).
﴿قُلٌ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ﴾ أي: بعبادة غيره، أن يعذِّبني، والخوفُ توقُّعُ
المكروه. قال ابن عباس: ((أخاف)) هنا بمعنى أَعلم(٢). ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي: العذاب
﴿يَوْمَيِذٍ﴾: يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: فاز ونجا ورُحِم.
وقرأ الكوفيون: ((مَنْ يَصْرِف)) بفتح الياء وكسر الراء، وهو اختيار أبي حاتم وأبي
عُبيد(٣)؛ لقوله: ﴿قُل لِّمَن ◌َّا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لَِهْ﴾(٤) ولقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَةٌ﴾
ج
ولم يقل: رُحِم، على المجهول، ولقراءة أُبيِّ: ((مَن يَصْرِفْهُ اللهُ عنه)(٥).
واختار سيبويهِ القراءةَ الأولى، قراءةَ أهل المدينة وأبي عمرو؛ قال سيبويه:
وكلما قلَّ الإضمار في الكلام كان أولى، فأمَّا قراءة (٦): ((مَنْ يَصْرِفْ)) - بفتح الياء -
فتقديره: من يَصْرف الله عنه العذابَ، وإذا قُرِئ: ((مَنْ يُصْرَفْ عنه)) فتقديره: مَن
يُصْرَفْ عنه العذابُ (٧). ﴿وَذَلِكَ الْغَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي: النجاة البيّنة.
(١) مجمع البيان ٢١/٧ .
(٢) ذكر هذا القول أبو الليث ٤٧٦/١، والطبرسي ٢١/٧ دون نسبة.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٥٩/٢، وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، كما في السبعة
ص٢٥٤ ، والتيسير ص١٠١ .
(٤) كذا ذكر المصنف هذه الآية، ولعل الأولى بالذكر في هذا الموضع هو قوله تعالى في الآية قبلها: ﴿قُلّ
إِنّ ◌َغَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّ عَذَابَ يَّوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٧٤/٢: فيُسْنَد الفعل إلى
الضمير العائد إلى ((ربي) ويعمل في ضمير العذاب المذكور آنفاً، لكنه مفعول محذوف.
(٥) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٦، ومكي في الكشف عن وجوه القراءات ٤٢٥/١ .
(٦) في (م): فأما قراءة من قرأ.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٥٩/٢.

٣٣٥
سورة الأنعام: الآيات ١٧ - ١٩
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّ هُوَّ وَإِن يَنْسَسْكَ
بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَّ﴾؛ المسُّ والكشف
مِن صفات الأجسام، وهو هنا مَجَازٌ وتَوسُّع، والمعنى: إن تَنزِلْ بك يا محمدُ شدَّةٌ
مِن فَقر أو مرض، فلا رافعَ وصارِفَ له إِلَّ هو، وإن يُصِبك بعافية ورخاءٍ ونعمة ﴿فَهُوَ
عَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ من الخير والضرِّ؛ روى ابن عباس قال: كنتُ رَدِيف رسولِ الله ﴾
فقال لي: ((يا غلامُ - او يا بُنيَّ - أَلَا أعلِّمك كلماتٍ ينفعُك الله بِهِنَّ؟)). فقلت: بلى،
فقال: ((احْفَظِ اللهَ يَحفظك، احفظِ الله تَجِدْه أمامك، تَعرَّفْ إلى اللـه(١) في الرَّخاءِ
يَعْرِفْك في الشدة، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله، فقد جَفَّ القلم
بما هو كائنٌ، فلو أنَّ الخلق كلَّهم جميعاً أرادوا أَنْ [ينفعوك بشيءٍ لم يَقْسِمْه الله لك؛
لم يَقْدِروا عليه، وإنْ أرادوا أن] يضرُّوك بشيء لم يَقضِه الله عليك(٢)؛ لم يقدروا
عليه، واعمل لله بالشكر واليقين، واعلم أنَّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأنَّ
النَّصْرَ مع الصَّبْر، وأنَّ الفرَجَ مع الكَرْب، وأنَّ مع العسر يسرا)). أخرجه أبو بكر بنُ
ثابتٍ الخطيبُ في كتاب ((الفصل للوصل))(٣)، وهو حديث صحيح، وقد خرَّجه
الترمذيُّ(٤)، وهذا أَتَمّ.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَيرُ ﴿ قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبِرُ
شَّدَةٌ قُلِ اله شَهِيدُ بَيِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْجِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغُّ أَبِنَّكُمْ
لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الَّهِ مَالِهَةً أُخْرَىْ قُل لَّ أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَِدٌ وَإِنَِّ بَرِئٌ مِمَّ
تُشْرِكُنَ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ القَهر: الغلبة، والقاهرُ: الغالب، وأُقهِر
(١) في (خ) و(ظ): تعرف إليه.
(٢) في النسخ: لك، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٣) في (م): الفصل والوصل، وفي (د): الفصل الموصل، واسم الكتاب كاملاً: الفصل للوصل المدرج
في النقل، والحديث فيه ٢/ ٧٩٧، وما سلف بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٢٨٠٣).
(٤) برقم (٢٥١٦)، وقال: حديث حسن صحيح.

٣٣٦
سورة الأنعام: الآيتان ١٨ - ١٩
الرجل: إذا صُيِّر بحال المقهور والذليل(١)، قال الشاعر:
تَمَنَّى حُصَينٌ أن يَسُودَ جِذاعَه فأمسى حُصَينٌ قَد أُذِلَّ وأُقْهِرا(٢)
وقُهِر : غُلب.
ومعنى ((فَوقَ عِبَادِهِ)» فوقيةُ الاستعلاء بالقهر والغَلَبةِ عليهم، أي: هم تحت
تسخيره؛ لا فوقيةً مكان، كما تقول: السلطانُ فوقَ رعيته، أي: بالمنزلة والرِّفعة. وفي
القهر معنى زائدٌ ليس في القدرة، وهو منعُ غيره عن بلوغ المراد. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في
أمره ﴿الخَيرُ﴾ بأعمال عباده(٣)، أي: مَن اتَّصَفَ بهذه الصفات يجبُ ألَّا يُشرَكَ به.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَدَةٌ﴾ وذلك أنَّ المشركين قالوا للنبيِّ﴾: مَن
يَشْهِدُ لك بأنك رسولُ الله؟ فنزلت الآية. عن الحسن وغيره (٤).
ولفظ ((شيء)) هنا واقع موقعَ اسم الله تعالى، المعنى: الله أكبر شهادةً(٥)، أي:
انفرادُه بالربوبية، وقيامُ البراهين على توحيده، أكبرُ شهادةً وأعظمُ، فهو شهيدٌ بيني
وبينكم على (٦) أني قد بلَّغتكم، وصَدَقتُ فيما قلته وادَّعيته من الرسالة.
قوله تعالى: ﴿وَأُوِْىَ إِلَّ هَا الْقُرْءَانُ﴾ أي: والقرآنُ شاهدٌ بنبؤَّتي . ﴿لِأُنِرُكُم پِ.﴾ يا
(١) في (خ) و(ظ) و(م): المقهور الذليل، والمثبت من (د) و(ز) وهو الموافق لما في مجمل اللغة ٧٣٦/٣ ،
والكلام منه.
(٢) قائله المخبل السعدي، وهو في أدب الكاتب ص ٤٤٧، والخزانة ١٠١/٨ . وذكر البَطَلْيَوْسي في
الاقتضاب ص ٤٠٥ أن البيت في هجاء الزبرقان بن بدر واسمه حصين، وكان رهطُ حصين يلقَّبون:
الجِذاع، ومعنى أُزِل وأُقهِر: وُجد ذليلاً مقهوراً، وكان الأصمعي يروي: أَذَل وأَقْهَر بفتح الهمزة والذال
والهاء.
(٣) تفسير البغوي ٨٩/٢ .
(٤) أورده عن الحسن الماورديُّ في النكت والعيون ٢/ ١٠٠ .
(٥) ينظر المحرر الوجيز ٢٧٥/٢، وتفسير الرازي ١٧٦/١٢، وقال الرازي: تقريره أنه قال: أي الأشياء
أكبر شهادة، ثم ذكر في الجواب عن هذا السؤال قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾.
(٦) قوله: على، ليس في (ظ).

٣٣٧
سورة الأنعام: الآيتان ١٨ - ١٩
أهل مكة. ﴿وَمَنْ بَلَغُ﴾ أي: ومَن بلغه القرآنُ. فحذف الهاء لطول الكلام. وقيل: ومَن
بلغ الحُلُم. ودلَّ بهذا على أنَّ مَن لم يَبلغ الحُلُم ليس بمخاطَب ولا مُتَعَبَّدَ(١).
وتبليغ القرآن والسنَّة مأمورٌ بهما، كما أُمر النبيُّ # بتبليغهما، فقال: ﴿يَأَيّا
الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيٌِّ﴾ [المائدة: ٦٧]. وفي صحيح البخاريِّ(٢): عن
عبدالله بنِ عمرو، عن النبيِّ ﴾: ((بَلِّغُوا عني ولو آيةٌ، وحَدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا
حَرَجَ، ومَن كَذَب عليَّ متعمِّداً فَلْيتبوَّأْ مَفْعَده من النار)).
وفي الخبر: ((مَن بَلَغته آيةٌ من كتاب الله، فقد بَلَغه أمر الله، أَخَذَه(٣) أو تَرَكه)) (٤).
وقال مُقاتل: مَن بَلَغه القرآن مِن الجنِّ والإنس، فهو نذير له(٥) .
وقال القُرَظِيُّ: مَن بلَغه القرآن، فكأنما قد رأى محمداً ﴾ وسَمع منه(٦).
وقرأ أبو نَهِيك: ((وَأَوْحَى إِلَيَّ هذا الْقُرآنَ))(٧) مسمَّى الفاعل، وهو معنى قراءة
الجماعة.
﴿أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الَِّ ◌َالِهَةٌ أُخْرَىْ﴾ استفهامُ توبيخٍ وتقريع(٨). وقُرئ: ((أَئِنَّكُمْ))
بهمزتين على الأصل(٩). وإن خَفَّفت الثانية قلت: ((أَيِنَّكُمْ))(١٠). وروى الأصمعِيُّ عن
(١) إعراب القرآن للنحاس ٥٩/٢.
(٢) برقم (٣٤٦١)، وهو عند أحمد (٦٤٨٦).
(٣) في (م): أخذ به.
(٤) في (م): أخذ به أو تركه، والخبر أخرجه الطبري ٩/ ١٨٢ عن قتادة.
(٥) ذكره البغوي ٨٩/٢ .
(٦) تفسير البغوي ٨٩/٢، وأخرجه الطبري ٩/ ١٨٢.
(٧) في النسخ الخطية: وأوْحَى الله إليَّ هذا القرآن. والمثبت من (م)، والقراءات الشاذة ص٣٦، وينظر
البحر المحيط ٤ / ٩١ .
(٨) في النسخ الخطية: وتقرير والمثبت من (م).
(٩) أي: محقّقتين، وهي قراءة حمزة وابن عامر وعاصم. السبعة ص١٣٥ و ٢٨٥، والتيسير ص٣٢.
(١٠) أي: بالتسهيل، وهي قراءة نافع وابن كثير. التيسير ص٣٢ . وينظر السبعة ص١٣٤.

٣٣٨
سورة الأنعام: الآيات ١٨ - ٢٠
أبي عمرو ونافع: ((أائِنَّكُمْ))(١)، وهذه لغةٌ معروفة، تُجعَل بين الهمزتين ألفٌ كراهةً
لالتقائهما(٢)، قال الشاعر:
أَيَا ظبيةَ الْوَغْسَاءِ بين جُلَاجِلٍ.
وبَيْنَ الثَّقَا أَنْتِ أَمْ أمُّ سَالِم(٣)
ومَن قرأ: ((إِنَّكُمْ)) على الخبر، فعَلَى أنه قد حَقّق عليهم شِرْكَهم (٤).
وقال: ((آلِهَةً أُخْرَى))، ولم يقل: ((أُخَر))؛ قال الفرَّاء(٥): لأنَّ الآلهة جمعٌ،
والجمعُ يقع عليه التأنيث، ومنه قوله: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقولُه:
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]، ولو قال: الأُوَل والأُخَر، صَحَّ أيضاً.
﴿قُل لَّ أَشْهَدُ﴾ أي: فأنا لا أشهد معكم، فحذف لدلالة الكلام عليه، ونظيرُه:
﴿فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠].
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوّاً
أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ﴾ يريد اليهود والنصارى الذين عرفوا
وعاندوا، وقد تقدَّم معناه في ((البقرة))(٦). و((الذين)) في موضع رفع بالابتداء.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ في موضع الخبر، أي: يعرفون النبيَّ﴾، عن الحسن وقَتَادة(٧)، وهو قول
(١) ذكرها أبو حيان في البحر ٤/ ٩٢ عن الأصمعي عنهما بتسهيل الثانية وبإدخال ألف بينها وبين الهمزة
الأولى، وكذلك ذكرها أبو عمرو الداني في التيسير ص ٣٢ عن أبي عمرو وقالون، وذكرها عن هشام
بإدخال ألف بينهما مع تحقيق الهمزتين.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٥٩/٢ .
(٣) سلف ٢٨٢/١ .
(٤) ذكر هذه القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٧٦/٢، وأبو حيان في البحر ٩١/٤، والسمين في
الدر المصون ٥٦٩/٤ دون نسبة. قال السمين: وهي محتملة للاستفهام، وإنما حذفت لفهم المعنى
ودلالةِ القراءة الشهيرة عليها.
(٥) في معاني القرآن ٣٢٩/١.
(٦) ٢ / ٤٤٧ .
(٧) النكت والعيون ١٠٠/٢، وأخرجه الطبري ١٨٧/٩ عن قتادة.

٣٣٩
سورة الأنعام: الآيات ٢٠ - ٢٢
الزَّجَّاجِ(١).
وقيل: يعود على الكتاب، أي: يعرفونه على ما يدلُّ عليه، أي: على الصِّفة التي
هو بها مِن دِلالته على صحة أمر النبي #. وآله (٢).
﴿اَلَِّينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ في موضع النعت، ويجوز أن يكون مبتدأً، وخبرُه
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بَِايَتِهَِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جميعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ
الظَّالِمُونَ
تَزْعُمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ابتداء وخبر، أي: لا أحدَ أظلمٌ ﴿مِتَّنِ افْتَى﴾ أي:
اختلَق ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ ثَايَتِهِ﴾ يريد القرآنَ والمعجزات.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ قيل: معناه: في الدنيا، ثم استأنف فقال: ﴿وَيَوْمَ غَهْشُرُهُمْ
جَميعًا﴾ على معنى: واذكر يومَ نحشرهم.
وقيل: معناه: إنه لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يومَ نحشرهم، فلا يُوقَف على
هذا التقدير على قوله: ((الظَّالِمُونَ)) لأنه مثَّصِل(٣).
وقيل: هو متعلّق بما بعده، وهو ((انظر))، أي: انظر كيف كذبوا يومَ نحشرهم،
أي: کیف یکذبون یومَ نحشرهم؟
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَيْنَ شُكُّؤَّكُمُ﴾ سؤالُ إفضاحٍ لا إفصاح. ﴿ الَّذِنَ كُمْ تَزْعُمُونَ﴾
أي: في أنهم شفعاءُ لكم عند الله بزعمكم، وأنها تُقرِّبُكم منه زُلْفَى، وهذا توبيخٌ لهم.
قال ابن عباس: كلُّ زعم في القرآن، فهو كذِبٌ (٤).
(١) في معاني القرآن ٢٣٤/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٥٩/٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٧٧/٢، وهذا قول الطبري في تفسيره ١٨٨/٩.
(٤) ذكره الرازي في تفسيره ١٢/ ١٨١ .

٣٤٠
سورة الأنعام: الآية ٢٣
(٢٣)
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾ الفتنة: الاختبار، أي: لم يكن جوابُهم حين
اختُبِروا بهذا السؤال، ورأوا الحقائق، وارتفعت الدَّواعي ﴿إِلَّا أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّ
مُشْرِكِينَ﴾ تبرؤوا مِن الشِّرك وانتفَوا منه، لِمَا رأَوا مِن تَجاوُزِه ومغفرته(١).
قال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا یتعاظمُ علیه ذنب
أن يغفره، [ولا يغفر الشرك]، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا: إنَّ ربَّنا يغفر
الذنوب، ولا يغفر الشِّرك، فتعالَوا نقول: إنا كنَّا أهلَ ذنوب، ولم نكن مشركين،
فقال الله تعالى: أمَا إِذْ كتَمتم(٢) الشِّرك، فاختِموا على أفواههم، فيُختم على
أفواههم، فتنطِقُ أیدیهم وتشهدُ أرجلُهم بما کانوا یکسِبون، فعند ذلك يعرف
المشركون أنَّ الله لا يُكتَم حديثاً، فذلك قوله: ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَذُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ
لَوْ تُوَّى بِهِمُ آلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا﴾(٣).
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج(٤): تأويلُ هذه الآية لطيفٌ جدًّا، أخبر اللهُ عزَّ وجلَّ
بقَصص المشركين وافتتانِهم بشِرْكهم، ثم أخبر أنَّ فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق
إلَّا أَنِ انتَفَوا مِن الشِّرك، ونظيرُ هذا في اللغة أَنْ ترى إنساناً يُحبُّ غاوياً، فإذا وقع في
هَلَكةٍ تَبرَّأَ منه، فتقول [له]: ما كانت محبَّتك إيَّه إلَّا أن تبرأت منه.
وقال الحسن: هذا خاصٌّ بالمنافقين؛ جَرَوا على عادتهم في الدنيا، ومعنى
(فِتْنَتُهُم)): عاقبةُ فتنتهم، أي: كفرهم. وقال قَتَادة: معناه: معذرتهم(٥).
(١) بعدها في (م): للمؤمنين.
(٢) في (ظ): أما إذا كتمتم، وفي (م): أما إذ كتموا.
(٣) قطعة من حديث طويل أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٥٢٧/١ - ٥٢٩، والبيهقي في الأسماء
والصفات (٨٠٩) وما سلف بين حاصرتين منهما، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ١/ ١٦١،
والطبري ٧/ ٤٣، والطبراني في الكبير (١٠٥٩٤)، وذكره البخاري معلقاً مختصراً كما في الفتح ٥٥٦/٨ .
(٤) في معاني القرآن ٢٣٥/٢ - ٢٣٦، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٤٠٧/٢-٤٠٨ .
وما سيرد بين حاصرتين منهما.
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ١٩١.