Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة المائدة: الآية ٩٧
كَعْبُ القَدَم وكُعُوبُ القناة. وكَعَبَ ثديُ المرأة: إذا ظهر في صدرها (١).
والبيت سُمِّي بذلك؛ لأنها ذاتُ سَقْف وجدار، وهي حقيقة البيتية، وإن لم يكن
بها ساكن. وسمَّاه سبحانه حراماً بتحريمه إياها(٢). قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنَّ مكةَ حَرَّمها
الله، ولم يُحرِّمها الناس)) (٣) وقد تقدم أكثرُ هذا مستوفّى(٤) والحمد لله.
الثانية: قوله تعالى: ﴿قِمًا لِلنَّاسِ﴾ أي: صلاحاً ومعاشاً؛ لأمن الناس بها،
وعلى هذا يكون ((قِيَاماً)) بمعنى: يقومون بها [ويَأْمَنون]. وقيل: ((قِيَاماً)) أي: يقومون
بشرائعها (٥).
وقرأ ابن عامر وعاصم [الجَحْدَرِيُّ]: ((قِيّماً))، وهما من ذوات الواو، فقُلبت
الواو ياءً لكسرةِ ما قبلها(٦). وقد قيل: ((قِوَام))(٧).
قال العلماء: والحكمة في جَعْلِ الله تعالى هذه الأشياء قياماً للناس، أنَّ الله
سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسُد والتنافس، والتقاطع والتدابر،
والسلبِ والغارة، والقتلِ والثأر، فلم يكن بُدٌّ في الحكمة الإلهية، والمشيئةِ الأوَّلية،
مِن كافٍّ يدوم مع (٨) الحال، ووازع(٩) يُحمَد معه المآل؛ قال الله تعالى: ﴿إِنّ
(١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٥/٢، والنكت والعيون ٦٩/٢، وتفسير البغوي ٦٨/٢،
والمحرر الوجيز ٢٤٣/٢ ومجمع البيان ٢٠١/٧ - ٢٠٢ . والقول الثاني هو قول الجمهور كما ذكر
الماوردي، وقال ابن العربي: هذا هو الأصح.
(٢) في (م): إياه، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٦/٢،
والكلام منه.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٣٧٣)، والبخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤).
(٤) ٢ / ٣٨٣ - ٢٨٤ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٣٦٦/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٦) في (ظ): قلبت الواو ياء للكسرة أي لما قبلها.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٢/٢ وما سلف بين حاصرتين منه، وقراءة ابن عامر في السبعة ص٢٤٨،
والتيسير ص ١٠٠، وقراءة عاصم الجحدري في القراءات الشاذة ص ٣٥.
(٨) في (م): معه.
(٩) في (ز) و (ظ): وفازع، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٧/٢ - ٦٨٨، والكلام منه: ورادع، وما
سیرد بين حاصرتين منه .

٢٢٢
سورة المائدة: الآية ٩٧
جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. فأمرهم الله سبحانه بالخلافة، وجعل
أمورهم إلى واحد يَزَعُهم عن التنازع، ويحملُهم على التآلف من التقاطع، ويردُّ
الظالم عن المظلوم، ويقرِّر كلَّ يد على ما تستولي عليه (١) [حقًّا). روى ابن القاسم
قال: حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: ما يَزَع الإمامُ أكثرُ مما يَزَع
القرآن؛ ذكره أبو عمر رحمه الله(٢).
وجَوْر السلطان عاماً واحداً أقلُّ إذايةً من كون الناس فوضى لحظةً واحدة، فأنشأ
الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة، لتجريّ على رأيه الأمور، ويكُفَّ الله سبحانه به
عاديةَ الجمهور(٣). فعظّم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في نفوسهم
هيبتَه، وعظّم بينهم حُرمته، فكانَ من لجأ إليه معصوماً به، وكان مَن اضطُهِد محميًّا
بالكون فيه. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَّمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾
[العنكبوت: ٦٧].
قال العلماء: فلمَّا كان موضعاً مخصوصاً لا يُدركه كلُّ مظلوم، ولا يناله كلُّ
خائف، جعل الله الشهر الحرام ملجأً آخرَ وهي:
الثالثة (٤): وهو اسم جنس(٥)، والمراد الأشهُرُ الثلاثةُ بإجماع من العرب [وشهرُ
مُضَرَ وهو رجبٌ الأصمُّ](٦). فقرَّر الله في قلوبهم حُرمتها، فكانوا لا يُروِّعون فيها
سِرْباً - أي: نفساً - ولا يطلبون فيها دماً (٧)، ولا يتوقعون فيها ثأراً، حتى كان الرجل
(١) في (ظ): ويقرر كل مدعي على ما يستولي عليه.
(٢) في التمهيد ١١٨/١، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٠٨/٤ عن عمر﴾ قال: لَمَا يَزَعُ الله
بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن.
(٣) في النسخ الخطية: الأمور، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في أحكام القرآن ٢/ ٦٨٧ لابن العربي.
(٤) في (خ) و (د) و (ز): جعل الله الشهر الحرام وهي الثالثة ملجأ آخر، وكذلك وقع في أحكام القرآن
٦٨٨/٢ غير أن فيه المسألة السابعة على حسب ترتيبه.
(٥) يعني ((الشهر)) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٣/٢ .
(٦) المحرر الوجيز ٢٤٣/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٧) في أحكام القرآن ٦٨٨/٢ (والكلام منه): ولا يطلبون فيها ذنباً.

٢٢٣
سورة المائدة: الآية ٩٧
يلقى قاتل أبيه وابنِهِ وأخيه فلا يؤذيه. واقتطعوا فيها ثلُثَ الزمان، ووصلوا منها ثلاثةً
متوالية؛ فُسحةً وراحة، ومجالاً للسياحة في الأمن والاستراحة، وجعلوا منها واحداً
منفرداً في نصف العام دَرَكاً للاحترام(١)، وهو شهر رجبٍ الأصَمِّ، ويسمَّى مُضَر،
وإنما قيل له: رجبٌ الأصَمُّ؛ لأنه كان لا يُسمع فيه صوتُ الحديد، ويسمَّى مُنْصِل
الأَسِنَّة؛ لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسِنَّة من الرماح، وهو شهر قریش، وله يقول عوف
ابنُ الأَخْوَص:
وشهرٍ بني أُميَّةَ والهَدَايا إذا سيقت مُضرِّجَها الدماءُ(٢)
وسماه النبيُّ# شهرَ اللـه(٣)، أي: شهر آلِ الله، وكان يقال لأهل الحرم: آلُ
الله. ويحتمل أن يريد شهر الله؛ لأنَّ الله سَنَّه(٤) وشدَّده؛ إذ كان كثير من العرب لا
يراه. وسيأتي في ((براءة))(٥) أسماءُ الشهور إن شاء الله.
ثم يَسَّر لهم الإلهامُ - أو شَرْعاً (٦) على ألسنة الرسل الكرام - الهذْيَ والقلائد،
وهي:
الرابعة: فكانوا إذا أخذوا بعيراً وأشعروه(٧) دماً، أو علَّقوا عليه نعلاً، أو فَعَل
ذلك الرجلُ بنفسه من التقليد - على ما تقدَّم بيانه أولَ السورة(٨) - لم يُروِّعه أحد حيث
(١) إلى هذا الموضع الكلام من أحكام القرآن ٦٨٨/٢، وما بعده من المحرر الوجيز ٢٤٣/٢.
(٢) المفضليات ص١٧٤، ومنتهى الطلب ٣٨٤/٣. وشرح اختيارات المفضل ٨٠٥/٢. وفيها: حُبست،
بدل سيقت. قال التبريزي في شرح الاختيارات: مضرجها، أي: يصيبها الدم كما يُضَرَّج الثوب
بالصبغ، ونُصب ((مضرجها)) على الحال. ونقل عن أبي عبيدة قوله: خصَّ بني أمية لتقدمها في فخرها
على سائر قريش في الجاهلية. اهــ وعوف بن الأحوص الكلابي ابن جعفر بن كلاب، ويكنى أبا يزيد،
شاعر جاهلي. سمط اللآلى ١/ ٣٧٧.
(٣) قطعة من حديث طويل أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١٠٠٨) من حديث أنس ، و(١١٤٧)
من حديث أبي سعيد الخدري ﴾، وقال إثر كل من الحديثين: هذا حديث موضوع.
(٤) في (م) متنه، وفي (د) و (ز): سننه، والمثبت من (خ) و (ظ) والمحرر الوجيز.
(٥) الآية: ٣٦ .
(٦) في (م) وأحكام القرآن لابن العربي ٦٨٨/٢ (والكلام منه): ثم يسر لهم الإلهام وشرع ...
(٧) في (م) وأحكام القرآن: أشعروه، دون واو.
(٨) ٣٧/٦ وما بعدها.

٢٢٤
سورة المائدة: الآيات ٩٧ - ٩٩
لقيه، وكان الفَيْصلَ بينه وبين مَن طلبه أو ظلمه؛ حتى جاء الله بالإسلام، وبيَّن الحقَّ
بمحمد(١) عليه الصلاة والسلام، فانتظم الدين في سِلْكِه(٢)، وعاد الحقُّ إلى نصابه،
فأُسندت الإمامةُ إليه، وانبنى وجوبها على الخلق عليه(٣)، وهو قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ
اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآية. وقد مضى
في ((البقرة)) (٤) أحكامُ الإمامة، فلا معنى لإعادتها.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ﴾ ((ذَلِكَ)) إشارةٌ إلى جَعْلِ الله هذه الأمورَ
قياماً، والمعنى: فَعَلَ الله ذلك لتعلموا أنَّ الله يعلم تفاصيل أمور السماوات
والأرض، ويعلمُ مصالحكم أيها الناس قبلُ وبعدُ، فانظروا لُظْفَه بالعباد على حال
كفرهم(٥).
قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَادٍ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَادٍ﴾ تخويف ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
تَرْجِية. وقد تقدَّم هذا المعنى(٦).
قوله تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
٩٩
قوله تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ﴾: أي: ليس له الهدايةُ والتوفيق ولا
الثوابُ، وإنّما عليه البلاغ. وفي هذا ردٌّ على القَدَرية كما تقدم(٧).
(١) في النسخ الخطية، لمحمد، والمثبت من (م) وأحكام القرآن.
(٢) في (ظ): نسكه.
(٣) في النسخ الخطية: فأسندت الأمانة إليه، وانبنى وجوبها للخلق عليه، والمثبت من (م) وأحكام القرآن
٦٨٨/٢.
(٤) ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٥) المحرر الوجيز ٢٤٤/٢.
(٦) ١/ ٢١٥.
(٧) ٢٣٠/١، و٥٠٥/٦ - ٥٠٦ .

٢٢٥
سورة المائدة: الآيتان ٩٩ - ١٠٠
وأصل البلاغ البلوغ، وهو الوصول؛ بَلَغْ يَبلُغ بُلوغاً، وأَبلَغه إِبلاغاً، وتَبلَّغ
تَبلُّغاً، وبَالغَه مبالغةً، وبَلَّغه تَبلِيغاً(١)، ومنه البلاغةُ؛ لأنها إيصال المعنى إلى النفس
في أحسن(٢) صورة من اللفظ(٣). وتَبالَغ الرجلُ: إذا تعاطى البلاغةَ وليس ببليغ(٤).
وفي هذا بلاغٌ، أي: كفاية؛ لأنه يبلغ مقدار الحاجة.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: تُظهرونه؛ يقال: بدا السِّرُّ(٥)، وأبداه صاحبه يُبديه.
﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: ما تُسِرّونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق.
قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فَأَتَّقُواْ
اللَّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاَلَّيِبُ﴾ فيه ثلاث مسائل(٦):
الأولى: قال الحسن: الحلال والحرام. وقال السُّدّيُّ: المؤمن والكافر(٧).
وقيل: المطيع والعاصي(٨). وقيل: الرديء والجيد(٩)؛ وهذا على ضرب المثال.
والصحيح أنَّ اللفظ عامٌّ في جميع الأمور، يُتصوَّر في المكاسِب والأعمال
والناس، والمعارف من العلوم وغيرِها؛ فالخبيثُ من هذا كلِّه لا يُفلِح ولا يُنْجِب،
(١) تهذيب اللغة ١٣٨/٨.
(٢) في النسخ: في حسن، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٣) زهر الآداب ١١٨/١، وغرر الخصائص الواضحة ص١٤٨، وللبلاغة تعريفات أخرى تنظر فيما ذكرنا
من المصادر.
(٤) أساس البلاغة (بلغ).
(٥) في (ظ): الشر.
(٦) كذا وقع في النسخ، وما سيذكره المصنف أربع مسائل.
(٧) النكت والعيون ٢/ ٧٠ وقول الحسن ذكره أيضاً الواحدي في الوسيط ٢٣٣/٢ عنه وعن عطاء. وقول
السدي أخرجه الطبري ٩/ ١٢ - ١٣.
(٨) زاد المسير ٤٣٣/١٢.
(٩) النكت والعيون ٢/ ٧٠.

٢٢٦
سورة المائدة: الآية ١٠٠
ولا تَحسُن له عاقبة وإن كثُر، والطيِّب - وإن قلَّ - نافعٌ جميلٌ العاقبة؛ قال الله تعالى:
﴿وَالْبَلَدُ الَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (١) [الأعراف: ٥٨].
ونظير هذه الآية قولُه تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اَلْأَرْضِ
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفَُّارٍ﴾ [ص: ٢٨]، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ
كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، فالخبيث لا يُساوي الطيِّب مقداراً ولا
إِنْفاقاً، ولا مَكاناً ولا ذَهَاباً، فالطيِّبُ يأخذ جهة اليمين، والخبيثُ يأخذ جهة
الشِّمال، والطيِّب في الجنة، والخبيثُ في النار. وهذا بيِّن.
وحقيقة الاستواء: الاستمرار في جهة(٢) واحدة، ومثلُه الاستقامة، وضدُّها
الاعوجاج. ولمًّا كان هذا وهي:
الثانية: قال بعض علمائنا: إنّ البيع الفاسد يُفسَخُ، ولا يُمضَى بحَوالةِ سُوق ولا
بتغيُّر بَدَن فيستويَ في إمضائه مع البيع الصحيح، بل يُفسخُ أبداً (٣)، ويُردُّ الثمن على
المبتاع إن كان قَبَضَه، وإن تلِف في يده ضمنِه؛ لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما
قبضه بشبهة عقد.
وقيل: لا يُفسَخ؛ نظراً إلى أنَّ البيع إذا فُسخ ورُدَّ بعد الفَوْت، يكون فيه ضررٌ
وغَبْن على البائع، فتكون السلعة تساوي مئةً، وتُردِّ عليه وهي تساوي عشرين، ولا
عقوبةً في الأموال(٤).
والأوَّل أصحّ؛ لعموم الآية، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن عَمِل عملاً ليس
عليه أمرنا فهو رَدِّ)(٥).
(١) المحرر الوجيز ٢٤٤/٢ .
(٢) في النسخ الخطية: في حرمة، والمثبت من (م) وأحكام القرآن لابن العربي ٦٩١/٢.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٦٩٠/٢ .
(٤) الكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٩٠ .
(٥) سلف ٢/ ٤٦ .

٢٢٧
سورة المائدة: الآية ١٠٠
قلت: وإذا تُتبع هذا المعنى في عدم الاستواء في مسائل الفقه، تعدَّدت وکثرت،
فمِن ذلك الغاصب وهي :
الثالثة: إذا بنى في البقعة المغصوبة، أو غَرَس، فإنه يلزمه قَلْعُ ذلك البناء
والغرس؛ لأنه خبيث، ورَدُّها، خلافاً لأبي حنيفةً في قوله: لا يقلع، ويأخذ صاحبُها
القيمة (١). وهذا يَردُّه قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لِعِرْقٍ ظالم حقٌّ))(٢).
قال هشام(٣): العرق الّالم: أن يَغْرِس الرجل في أرض غيره ليستحقَّها بذلك.
قال مالك: العِرْق الظالم: كلُّ ما أُخذ واحتُقِر وغُرس في غير حق.
قال مالك: مَن غَصَب أرضاً فزرعَها أو أكراها(٤)، أو داراً فسكنها أو أكراها،
ثم استحقَّها ربُّها، أنَّ على الغاصب كراءَ ما سكن، وردّ ما أخذ في الكِراء.
واختلف قولُه إذا لم يسكنها، أو لم يزرع الأرض وعطّلها، فالمشهورُ من مذهبه:
أنه ليس عليه فيه شيء، وقد رُوي عنه أنه عليه كِراءُ ذلك كلِّه. واختاره الوَقَار، وهو
مذهب الشافعيِّ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لعِرقٍ ظالمٍ حقٌّ))(٥).
وروى أبو داود عن عروة بن الزُّبير(٦): أنَّ رجلين اختصما إلى رسول الله ﴾؛
(١) المعونة ١٢١٩/٢ .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في الكبرى (٥٧٢٩) من طريق عروة بن الزبير
عن سعيد بن زيد مرفوعاً، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم مرسلاً. اهـ وأخرج
المرسل أبو داود (٣٠٧٣)، والنسائي في الكبرى (٥٧٣٠) من طريق عروة بن الزبير عن النبي #. قال
الدار قطني في العلل ٤١٦/٤: والمرسل عن عروة أصح. وللحديث شواهد ذكرها الزيلعي في نصب
الراية ٤/ ١٧٠ - ١٧١، وابن حجر في الفتح ١٩/٥ وقال: وفي أسانيدها مقال لكن يتقوى بعضها
ببعض.
(٣) هو هشام بن عروة، وأخرج قوله مع قول مالك الذي سيأتي أبو داود (٣٠٧٨)، وابن عبد البر في
التمهيد ٢٨٤/٢٢، والكلام منه.
(٤) في (د) والتمهيد: أو اكتراها.
(٥) التمهيد ٢٨٥/٢٢، والوَقَّار: هو أبو بكر محمد بن زكريا بن يحيى المصري.
(٦) في النسخ: عن أبي الزبير، والمثبت من المصادر.

٢٢٨
سورة المائدة: الآية ١٠٠
غَرَس أحدهما نخلاً في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب
النخل أن يُخرِج نخله منها. قال: فلقد رأيتها، وإنها لَتُضرَب أصولها بالفُؤوس حتى
أُخرجت منها، وإنها لَنخلٌ عُمُّ (١). وهذا نص.
قال ابن حبيب: والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيَّراً على الظالم؛ إن
شاء حَبَس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعاً، وإن شاء نزعه من أرضه، وأجرُ النزع على
الغاصب.
وروى الدَّارَقُظْنِيُّ عن عائشة قالت: قال رسول اللـه ﴾: ((مَن بَنَى في رِباع قومٍ
بإذنهم، فله القيمةُ، ومَن بنى بغيرِ إذنهم، فله النَّقْضُ))(٢).
قال علماؤنا: إنما تكون له القيمة؛ لأنه بنى في موضع یملك منفعته. وذلك کمن
بنى أو غرسَ بشُبهة، فله حقٌّ؛ إن شاء ربُّ المال أن يدفع إليه قيمته قائماً، وإن أبى
قیل للذي بنی أو غرس: ادفع إليه قيمة أرضه برَاحاً(٣)، فإن أبى كانا شریکین.
قال ابن الماجِشون: وتفسير اشتراكهما أن تُقوَّم الأرض بَرَاحاً، ثم تُقوَّم
بعمارتها، فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها بَرَاحاً، كان العامل شريكاً لربِّ
الأرض فيها، إن أَحبًّا (٤) قَسَما، أو حَبَسا.
قال ابن الجهم: فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه، كان له کِراؤها
فيما مضى من السنين.
وقد رُوي عن ابن القاسم وغيره أنه إذا بنى رجل في أرض رجل بإذنه، ثم وجب له
(١) سنن أبي داود (٣٠٧٤)، وأخرجه أيضاً البيهقي ٩٩/٦، وابن عبد البر في التمهيد ٢٨٢/٢٢ ،
والاستذكار ٢٠٨/٢٢ . وقوله: عُمّ، أي: كاملة في طولها والتفافها، واحدتها عميمة. النهاية (عمم).
(٢) سنن الدارقطني (٤٥٩٩)، وأخرجه أيضاً البيهقي ٩١/٦. وفي إسناده عمر بن قيس المكي، قال
البيهقي: ضعيف لا يحتج به، ومَن دونه أيضاً ضعيف. وقال الذهبي في الميزان ٢١٨/٣ : عمر بن قيس
تركه أحمد والنسائي والدارقطني، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث. والرِّباع
جمع رَبْع: وهو المنزل ودار الإقامة، وربع القوم مَحِلّتهم. النهاية (ربع).
(٣) البَرَاح بالفتح: المتّسَع من الأرض لا زرع فيه ولا شجر. الصحاح (برح).
(٤) في (ظ): إن اختار.

٢٢٩
سورة المائدة: الآيات ١٠٠ - ١٠٢
إخراجه، فإنه يعطيه قيمة بنائه مقلوعاً (١). والأوّل أصحّ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((فله القيمة)). وعليه أكثر الفقهاء.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ قيل: الخطاب للنبيِّ # والمرادُ
أمَّتُه؛ فإنَّ النبيِّ :﴿ لا يعجبه الخبيث. وقيل: المراد به النبيُّل:﴿ نفسُه، وإعجابُه له أنه
صار عنده عَجَباً مما يشاهده من كثرة الكفار والمالِ الحرام، وقلَّةِ المؤمنين والمالِ
الحلال(٢).
﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ يَكَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تقدّم معناه (٣).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن
تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْبًّاً وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ (َ قَدْ
سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ
١٠٢١
فيه عشرُ مسائل:
الأولى: روى البخاريّ ومسلم(٤) وغيرهما - واللفظ للبخاريِّ - عن أنس قال:
قال رجل: يا نبيَّ الله، مَن أَبِي؟ قال: ((أبوك فلان)). قال: ونزلت: ﴿يَأَيُّهَا أَلَّذِينَ
ءَمَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآيَةَ.
وخرَّج أيضاً عن أنس، عن النبيِّ#، وفيه: ((فواللهِ لا تسألوني عن شيءٍ إلَّا
أخبرتكم به ما دمت في مَقامي هذا» فقام إليه رجل فقال: أين مَذْخلي يا رسول الله؟
قال: (النار)). فقام عبد الله بن حذافة فقال: مَن أبِي يا رسول الله، فقال: ((أبوك
حُذَافة)). وذَكَر الحديث(٥).
(١) تنظر أقوال مالك وأئمة المذهب في هذه المسألة في النوادر والزيادات ٣٣٨/١٠ و٤٠٦ و٥٠٧ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٩/٢ .
(٣) ٥/ ٤٩١ .
(٤) صحيح البخاري (٧٢٩٥)، وصحيح مسلم (٢٣٥٩): (١٣٥)، وهو عند أحمد (١٣١٤٧).
(٥) صحيح البخاري (٧٢٩٤)، وهو عند أحمد (١٢٦٥٩).

٢٣٠
سورة المائدة: الآيتان ١٠١ - ١٠٢
قال ابن عبد البر(١): عبد الله بنُ حذافةً أسلم قديماً، وهاجر إلى أرض الحبشة
الهجرةَ الثانية، وشهد بَذْراً، وكانت فيه دُعَابة، وكان رسولَ رسولِ الله ﴾، إلى
كسرى(٢) بكتاب رسول الله﴾، ولمَّا قال: مَن أبي يا رسول الله، قال: ((أبوك
حُذافة)) قالت له أمُّه: ما سمعتُ بابنٍ أعقَّ منك! أمِنْتَ أن تكون أمُّك قارَفَتْ ما
يُقَارِفُ نساءُ الجاهلية، فتفضحَها على أعين الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبدٍ أسودَ
للحقتُ به(٣).
وروى الترمذيُّ والدَّارِقُطْنِيُّ عن عليٍّ﴾ قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَ
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله، أفي كلِّ
عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كلِّ عام؟ قال: ((لا، ولو قلتُ: نعم؛ لَوَجَبَت)) فأنزل الله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية،
واللفظُ للدَّارَقُظْنِيّ. سئل البخاريّ عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن إلا أنه
مرسَل؛ أبو البَخْترِيِّ لم يُدرك عليّاً، واسمه سعيد (٤).
وأخرجه الدَّارَ قُطْنيُّ أيضاً عن أبي عياضٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾.
يا أيها الناس، كُتب عليكم الحجّ))، فقام رجل فقال: في كلِّ عام يا رسول الله؟
فأعرض عنه، ثم عاد فقال: في كلِّ عام يا رسول الله؟ فقال: ((مَن(٥) القائل))؟ قالوا:
(١) في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٦/ ١٥٠ - ١٥٢ .
(٢) في (د) و (ز): و کان رسول الله # أرسله إلی کسری، وفي (م): وكان رسولَ رسولِ الله ﴾ أرسله إلى
كسرى، والمثبت من (خ) و (ظ) والاستيعاب.
(٣) صحيح مسلم (٢٣٥٩) : (١٣٦).
(٤) سنن الترمذي (٨١٤) و (٣٠٥٥)، وسنن الدارقطني (٢٧٠٣)، وهو عند أحمد (٩٠٥)، وهو من طريق
أبي البَخْتَرِيّ عن عليٍّ ﴾. ولم نقف من كلام البخاري الذي نقله عنه المصنف إلا على قوله: أبو
البَخْتَريّ لم يدرك عليّاً، كما في العلل الكبير للترمذي ٦٩٤/٢، وسننه ١٢٠/٢ (بإثر الحديث
١٥٤٨)، وتحفة الأشراف ٣٧٨/٧ . ولعل تحسين الحديث وتسمية أبي البختري من كلام الترمذي،
کما هو بإثر الحدیثین المذکورین في سننه.
(٥) في (م): ومن.

٢٣١
سورة المائدة: الآيتان ١٠١ - ١٠٢
فلان، قال: ((والذي نفسي بيده، لو قلتُ: نَعَم؛ لوَجَبت، ولو وَجَبت ما أَطَقْتُموها،
ولو لم تُطيقوها لكَفَرتم)). فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن
تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية(١).
وقال الحسن البصريُّ في هذه الآية (٢): سألوا النبي # عن أمور الجاهلية التي
عفا الله عنها، ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه.
وروى مجاهد عن ابن عباس: أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله :# عن البَحِيرة
والسَّائبة والوَصِيلة والحَامِ - وهو قولُ سعيد بنِ جُبِير - وقال: ألا ترى أن بعده: ﴿مَا
جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَةٍ وَلَا سَأَبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَلٍِّ﴾(٣).
قلت: وفي الصحيح والمسنَدِ كفايةٌ. ويحتمل أن تكون الآية نزلت جواباً
للجميع، فيكون السؤالُ قريباً بعضُه من بعض. والله أعلم.
و((أشياء)) وزنه أفعال، ولم يُصرَف لأنه مشبَّه بحمراء، قاله الكسائي(٤). وقيل:
وزنه أَفْعِلَاء، كقولك: هَيْن وأَهْوِناء، عن الفرَّاء والأخفش، ويُصغَّر فيقال: أُشَيَّاءِ(٥).
قال المازِنيُّ: يجب أن يُصغّر شُيَيْآت(٦)، كما يُصغَّر أصدقاء؛ في المؤنث:
(١) سنن الدارقطني (٢٧٠٧). وأخرجه أيضاً المروزي في السنة (١٢٥)، والطبري ١٩/٩، والطحاوي في
شرح مشكل الآثار (١٤٧٣)، وأصله عند أحمد (١٠٦٠٧)، ومسلم (١٣٣٧) دون ذكر الآية.
(٢) قوله: الآية، من (م).
(٣) أخرجه عن ابن عباس وسعيد بن جبير الطبريُّ ٢٢/٩، وأخرج أثر ابن عباس أيضاً سعيد بن منصور
(٨٣٩ - تفسير).
(٤) قوله في معاني القرآن للزجاج ٢١٢/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤٢/٢، والمحرر الوجيز ٢٤٦/٢،
قال الزجاج: وقد أجمع البصريون وأكثر الكوفيين على أن قول الكسائي خطأ في هذا، وألزموه ألا
يصرف أبناء وأسماء.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢١٢/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤٢/٢ - ٤٣، وقول الفراء في معاني القرآن
له ٣٢١/١.
(٦) قال المازني هذا الكلام في رده على الأخفش، أراد: لو كانت أفعلاء، لُرُدَّت في التصغير إلى واحدها،
. ثم تجمع بالألف والتاء، فيقال: شُيّئات. ينظر معاني القرآن للزجاج ٢١٢/٢، وإعراب القرآن للنحاس
٤٣/٢، ومشكل إعراب القرآن ٢٣٨/١ - ٢٤١، والإنصاف في مسائل الخلاف ٨١٢/٢ - ٨٢٠،
والدر المصون ٤٣٧/٤. ونقل النحاس ومكي عن المازني والأخفش وسيبويه أنهم قالوا في أشياء:
أصلها فَعْلاء (شَيْئاء) فاستثقلت همزتان بينهما ألف، فنقلت الأولى فصارت لفعاء.

٢٣٢
سورة المائدة: الآيتان ١٠١ - ١٠٢
صُدَيِّقات، وفي المذكر: صُدَيِّقون.
الثانية: قال ابن عون: سألت نافعاً عن قوله تعالى: ﴿لَا تََّلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ
لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ﴾ فقال: لم تزل المسائل منذ قط تُكره(١). روى مسلم عن المغيرة بنٍ
شُعْبةَ، عن رسول الله ﴿ قال: ((إنَّ الله حرَّم عليكم عُقوقَ الأمهات، وَوَأُد البنات،
وَمَنْعاً وهاتٍ، وكرِه لكم ثلاثاً: قِيلَ وقالَ، وكثرةَ السؤالِ، وإضاعةَ المالِ(٢)).
قال كثير من العلماء: المراد بقوله: ((وكثرةَ السؤال)»: التكثيرُ من السؤال في
المسائل الفقهية تَنُّعاً، وتكلُّفاً فيما لم ينزل، والأغلوطاتُ، وتشقيقُ المولَّدات، وقد
كان السَّلف يكرهون ذلك، ويرونه من التكلف(٣)، ويقولون: إذا نزلت النازلة وُفِّق
المسؤول لها.
قال مالك: أدركتُ أهل هذا البلد، وما عندهم علمٌ غيرُ الكتاب والسنّة، فإذا
نزلت نازلةٌ جمع الأمير لها مَن حَضَر من العلماء، فما اتفقوا عليه أَنفذه، وأنتم
تكثرون المسائل، وقد كرهها رسول الله ﴾(٤).
وقيل: المراد بكثرة المسائل: كثرةُ سؤال الناس الأموالَ والحوائجَ إلحاحاً
واستكثاراً، وقاله أيضاً مالك. وقيل: المراد بكثرة المسائل: السؤال عما لا يَعني(٥)
من أحوال الناس، بحيث يؤدِّي ذلك إلى كشف عوراتهم، والاطلاع على مساوئهم.
(١) في (ظ): لم يزل السائل منذ قط يكره. ولم نقف على هذا الأثر.
(٢) صحيح مسلم (٥٩٣): (١٢) في كتاب الأقضية، وهو عند أحمد (١٨١٤٧)، والبخاري (٢٤٠٨)
وقوله: منعاً وهات، قال أبو العباس في المفهم ١٦٦/٥: هو أن يمنع ما يجب عليه بذله ويطلب شيئاً
يحرُم عليه طلَّبُه، وكره هنا بمعنى حرَّم.
(٣) في (م): التكليف، والكلام في المفهم ١٦٤/٥، وينظر التمهيد ٢٨٩/٢١. والأغلوطات: صعاب
المسائل. جامع بيان العلم ١٠٥٦/٢ . والمسائل المولَّدات: هي التي لا تقع. المدخل لابن بدران
١٢٢/١.
(٤) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٦١) بنحوه عن ابن هرمز، وذكر (٢٠٦٢) عن مالك قوله:
أدركت أهل هذه البلاد وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي في الناس اليوم.
(٥) في المفهم ١٦٤/٥ (والكلام منه): عما لا يعنيه.

٢٣٣
سورة المائدة: الآيتان ١٠١ - ١٠٢
وهذا مثلُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢].
قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولذلك قال أصحابنا(١): متى قُدِّم إليه طعامٌ؛ لم يَسْأل عنه:
مِن أين هذا؟ أو عُرض عليه شيء يشتريه؛ لم يسأل: من أين هو؟ وحَمَل أمورَ
المسلمين على السلامة والصحة.
قلت: والوجهُ حَمْلُ الحديث على عمومه، فيتناول جميع تلك الوجوه كلِّها(٢).
والله أعلم.
الثالثة: قال ابن العربي(٣): اعتقد قوم من الغافلين تحريمَ أسئلة النوازل حتى
تقع، تعلُّقاً بهذه الآية، وليس كذلك؛ لأنَّ هذه الآية مصرِّحةٌ بأن السؤال المنهيَّ عنه
إنما كان فيما تقع المَسَاءَةُ في جوابه، ولا مَسَاءَة في جواب نوازل الوقت، فافترقا.
قلت: قوله: اعتقد قوم من الغافلين؛ فيه قُبْح، وإنما كان الأَوْلى به أن يقول:
ذهب قوم إلى تحریم أسئلة النوازل، لكنه جری علی عادته.
وإنما قلنا: كان الأَوْلى به؛ لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها. وكان عمر بن
الخطاب يلعن مَن سأل عما لم يكن، ذكره الدَّارِمِيّ في مسنده(٤). وذكر عن
الزهريِّ قال: بلغَنا أنَّ زيد بن ثابت الأنصاريَّ كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان
هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدَّث فيه بالذي يَعلم [والذي يرى]، وإن قالوا:
لم يكن، قال: فذروه حتى يكون(٥). وأَسند عن عَمّار بن يَاسِر(٦) - وقد سئل عن
(١) في (م): قال بعض أصحابنا.
(٢) المفهم ١٦٤/٥.
(٣) في أحكام القرآن ٢/ ٦٩٣.
(٤) برقم (١٢١).
(٥) مسند الدارمي (١٢٢)، وما سيرد بين حاصرتين منه، ووصله أبو خيثمه في العلم (٧٥)، والخطيب في
الفقيه والمتفقه ٨/٢ ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٥٨) و (٢٠٦٨) من طريق آخر عن زيد.
(٦) برقم (١٢٣).

٢٣٤
سورة المائدة: الآيتان ١٠١ - ١٠٢
مسألة - فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: دعونا حتى يكون، فإذا كان
تجشَّمْناها لكم.
قال الدارِمِيُّ: حدثنا عبد الله بنُ محمد بنِ أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فُضَيل،
عن عطاء، عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله {$*،
ما سألوه إلَّا عن ثلاثَ عَشْرةَ مسألةً حتى قُبض، كلُّهن في القرآن؛ منهن: ﴿يَسْتَلُونَكَ
عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ما (١) كانوا
يسألون إلا عمَّا ينفعهم (٢).
الرابعة: قال ابن عبد البر: السؤال اليومَ لا يُخاف منه أن يَنزِل تحريمٌ ولا تحليل
من أجله، فَمَن سأل مستفهماً راغباً في العلم ونَفي الجهل عن نفسه، باحثاً عن معنّى
يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العِيِّ السؤال، ومَن سأل متعنِّتاً
غيرَ متفقٌّهٍ ولا متعلِّم، فهو الذي لا يَحلُّ قليلُ سؤاله ولا كثيرهُ.
قال ابن العربي(٣): الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاحُ
سُبُل (٤) النَّظر، وتحصيلُ مقدِّمات الاجتهاد، وإعدادُ الآلة المُعِينة على الاستمداد،
فإذا عَرَضَتْ نازلة؛ أُتيتْ من بابها، ونُشدت في مَظانِّها، والله يفتح في صوابها.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه غموض،
وذلك أنَّ في أول الآية النهيَ عن السؤال، ثم قال: ﴿وَإِن تَسْتَلُواْ عَنْهَا ◌ِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ
تُبْدَ لَكُمُّ﴾ فأباحه لهم؛ فقيل: المعنى: وإن تسألوا عن غيرها مما(٥) مسَّت الحاجة
(١) قبلها في (م): وشبهه.
(٢) مسند الدارمي (١٢٥)، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٢٢٨٨)، وابن عبد البر في جامع بيان
العلم (٢٠٥٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٥٩/١: وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط،
وبقية رجاله ثقات.
(٣) في أحكام القرآن ٢/ ٦٩٣ .
(٤) في (ظ): سبيل.
(٥) في (ظ) و(م): فيما، والمثبت من باقي النسخ.

٢٣٥
سورة المائدة: الآيتان ١٠١ - ١٠٢
إليه، فحذف المضاف، ولا يصحُّ حملُه على غير الحذف.
قال الجُرْجانيُّ: الكناية في ((عنها)) ترجع إلى أشياءَ أُخر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، يعني آدم، ثم قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ
نُطْفَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٣]، أي: ابنَ آدم؛ لأن آدم لم يُجعل نطفةً في قرار مَكين، لكنْ لمَّا
ذَكَر الإنسان وهو آدم، دلَّ على إنسان مثله، وعُرف ذلك بقرينة الحال.
فالمعنى: وإن تسألوا عن أشياءَ حين يُنزَّل القرآن، من تحليل أو تحريم أوحُكُم،
أو مسَّت حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذٍ تُبْدَ لكم، فقد أباح هذا النوعَ من
السؤال. ومثالُه: أنه بَيَّن ◌ِدَّة المطلّقة والمتوفَّى عنها زوجُها والحاملِ، ولم يَجْرِ ذكر
عِدَّةِ التي ليست بذاتِ قُرْء ولا حامل، فسألوا عنها فنزل: ﴿وَأَّتِى ◌َيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾.
فالنهي إذاً في شيء لم يكن بهم حاجةٌ إلى السؤال فيه، فأما ما مسَّت الحاجة إليه فلا.
السادسة: قوله تعالى: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنَباً﴾ أي: عن المسألة التي سلفت منهم. وقيل:
عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية، وما جرى مجراها. وقيل: العفوُ
بمعنى الترك، أي: تَرَكَها ولم يُعرِّف بها في حلال ولا حرام، فهو معفُوٌّ عنها؛ فلا
تبحثوا عنه، فلعلُّه إنْ ظھر لکم حکمه ساءگُم.
وكان عُبيد بن عُمير يقول: إن الله أَحَلَّ وحرَّم، فما أحلَّ فاستحِلُّوه، وما حرَّم
فاجتنبوه، وتَرَكَ بين ذلك أشياءَ، لم يحلِّلها ولم يحرِّمها، فذلك عفوٌ من الله. ثم يتلو
هذه الآية (١).
وخرَّج الدَّارَقُظْنيُّ عن أبي ثَعْلبةَ الخُشَنيِّ، قال: قال رسول اللـه :﴾: ((إنَّ الله
تعالى فَرَضَ فرائضَ فلا تُضيِّعوها، وحَرَّم حُرُماتٍ فلا تنَتهِكوها، وحَدّ (٢) حدوداً فلا
تعتدوها، وسكت عن أشياءَ من غيرِ نِسْيانٍ، فلا تبحثوا عنها))(٣).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٤٢/١٣، والطبري ٢٥/٩ .
(٢) في (خ) و(ظ) و(م): وحدد، والمثبت من (د) و(ز)، والمصادر.
(٣) سنن الدارقطني (٤٣٩٦)، وهو عند الطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ (٥٨٩)، والحاكم ١١٥/٤،
وأخرجه الطبري ٩/ ٢٤ عن أبي ثعلبة قوله. قال الدارقطني في العلل ٦/ ٣٢٤: الأشبه بالصواب =

٢٣٦
سورة المائدة: الآيتان ١٠١ - ١٠٢
والكلامُ على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير، أي: لا تسألوا عن أشياءَ عفا الله
عنها، إن تُبْدَ لكم تَسُؤُكم، أي: أمسكَ عن ذكرها، فلم يوجب فيها حُكماً.
وقيل: ليس فيه تقديمٌ ولا تأخير، بل المعنى: قد عفا الله عن مسألتكم التي
سلفت، وإن كرهها النبيُّ# فلا تعودوا لأمثالها. فقوله: ((عنها))، أي: عن المسألة،
أو عن السؤالات كما ذكرنا(١).
السابعة: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ﴾ أخبر
تعالى أن قوماً مِن قَبْلِنا قد سألوا آيَاتٍ مثلَها، فلما أُعطوها وفُرضت عليهم كفروا بها،
وقالوا: ليست من عند الله، وذلك كسؤال قوم صالحِ الناقةً، وأصحابٍ عيسى
المائدةَ، وهذا تحذيرٌ مما وقع فيه مَن سَبَقَ من الأمم (٢). والله أعلم.
الثامنة: إن قال قائل: ما ذَكَرتُم من كراهية السؤال والنَّهي عنه يعارضه قولُه
تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾.
فالجواب: أنَّ هذا الذي أمر الله به عباده، هو ما تَقَرَّر وثبت وجوبهُ مما يجب
عليهم العملُ به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يَتعبَّد الله عباده به، ولم يذكره في
کتابه. والله أعلم.
التاسعة: روى مسلم (٣) عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﴾.
((إنّ أعظم المسلمين في المسلمين جُرْماً، مَن سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على المسلمين،
فُرِّم عليهم من أجل مسألته)).
قال القُشَيْريُّ أبو نصر: ولو لم يَسأل العَجْلانيُّ عن الزِّنى، لَمَا ثبت اللِّعَان(٤).
= مرفوعاً، وهو أشهر، وينظر جامع العلوم والحكم ٢/ ١٥٠.
(١) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ١٢/ ١٠٧ .
(٢) تفسير الطبري ٢٦/٩ .
(٣) في صحيحه (٢٣٥٨)، وهو عند أحمد (١٥٤٥)، والبخاري (٧٢٨٩).
(٤) يشير إلى ما أخرجه أحمد (٢٢٨٥١)، والبخاري (٤٧٤٥)، ومسلم (١٤٩٢) عن سهل بن سعد
الساعدي، وفيه أن عويمراً العجلانيَّ سأل رسول الله﴾: أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله
فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله#: ((قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأتٍ بها».

٢٣٧
سورة المائدة: الآيات ١٠١ - ١٠٣
قال أبو الفرج الجَوْزِيّ: هذا محمولٌ على مَن سأل عن الشيء عَنَتاً وعبثاً،
فعوقب لسوءٍ (١) قَصْده بتحريم ما سأل عنه، والتحريمُ يَعمّ.
العاشرة: قال علماؤنا: لا تعلُّقَ للقَدَرية بهذا الحديث في أنَّ الله تعالى يفعل شيئاً
من أجل شيءٍ وبسببه، تعالى الله عن ذلك، فإنَّ الله على كلِّ شيء قديرٌ،
وبكل(٢) شيء عليم، بل السببُ والداعي فعلٌ من أفعاله، لكن سبق القضاء والقدر أن
يُحرَّم الشيء المسؤول عنه، إذا وقع السؤال فيه، لا أنَّ السؤال موجِبٌ للتحريم، وعلَّةٌ
له. ومِثْلُه كثير ﴿لَا يُْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَأَيْبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَ حَلٍِّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ
١٠٣
كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ﴾ ((جعل)) هنا بمعنى: سَمَّى، كما قال تعالى:
﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي: سمَّيناه(٣). والمعنى في هذه الآية: ما
سَمَّى الله، ولا سَنَّ ذلك حكماً، ولا تَعبَّد به شرعاً (٤)، بيدَ أنَّه قَضَى به علماً،
وأوجده بقدرته وإرادته خَلْقاً؛ فإنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ من خيرٍ وشرّ، ونفعٍ وضرّ،
وطاعةٍ ومعصية.
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِنْ نَجِيرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ﴾ ((من)) زائدة.
والبحيرةُ فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة، وهي على وزن النَّطِيحة والذَّبيحة(٥). وفي
(١) في (د) و(ز) و(م): بسوء، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في المفهم ١٦٦/٦، والكلام
منه.
(٢) في (م): وهو بكل.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٥/٢.
(٤) في المطبوع من أحكام القرآن لابن العربي ٦٩٤/٢ (والكلام منه): ولا يعتد به شرعاً، وفي نسخة منه
ذكرت في حاشيته: ولا يتعبد به شرعاً.
(٥) مجمع البيان ٧/ ٢١١ .

٢٣٨
سورة المائدة: الآية ١٠٣
الصحيح (١) عن سعيد بن المسيِّب: البحِيرةُ هي التي يُمْنَعِ دَرُّها للطّواغيت(٢)، فلا
يَحتلبُها أحدٌ من الناس. وأمَّا السَّائبةُ فهي التي كانوا يُسيِّبونها لآلهتهم [فلا يُحْمَل
عليها شيء].
وقيل: البَحِيرةُ لغةً: هي الناقةُ المشقوقةُ الأُذن؛ يقال: بَحَرتُ أُذُنَ الناقة، أي:
شققتُها شقًّا واسعاً (٣)، والناقةُ بَحِيرةٌ ومبحورة، وكان البحرُ علامةَ التَّخْلية.
قال ابن سِيده: يقالُ: البَحِيرة هي التي خُلِيَتْ بلا راعٍ، ويقالُ للناقةِ الغَزِيرةِ:
بَحِيرة(٤).
قال ابن إسحاق: البِحيرةُ هي ابنةُ السائبة، والسائبةُ هي الناقةُ إذا تابعت بين عشرٍ
إناثٍ ليسَ بينهنَّ ذَكّر، لم يُرْكَب ظهرُها، ولم يُجَزَّ وَبَرُها، ولم يَشْرَبْ لبنَها إلا
ضيفٌ، فما نُتِجت بعد ذلك من أنثى شُقَّت أذنُها، وخُلِّي سبيلُها مع أمها، فلم يُركَب
ظهرُها، ولم يُجزَّ وَبَرُها، ولم يَشرب لبنَها إلا ضيفٌ؛ كما فُعِل بأمها، فهي البحيرةُ
ابنةُ السَّائبة (٥).
وقال الشافعيُّ: إذا نُتْجِت الناقة خمسةَ أبطنٍ إناثاً، بُحِرتْ أُذنها فحرِّمت(٦).
قال :
محرَّمة لا يَطعمُ الناسُ لَحْمَها
ولا نحن في شيءٍ كذاك البحائرٌ(٧)
(١) صحيح البخاري (٣٥٢١)، وصحيح مسلم (٢٨٥٦): (٥١)، وما سيرد بين حاصرتين منهما.
(٢) أي: الأصنام. الفتح ٢٨٤/٨ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٦٩٤/٢ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٧/٢ .
(٥) سيرة ابن هشام ٨٩/١ ونقله المصنف بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٦٩٥. وقوله: نُتِجت،
أي: وَلَدت.
(٦) الأم ٦/ ١٨١ . قال الحافظ في الفتح ٨٤/٨ بعد أن أورد بعض معاني البحيرة: ونقل أهل اللغة في
تفسير البحيرة هيئات أخرى تزيد بما ذكرت على العشر.
(٧) مجمع البيان ٧/ ٢١١، والدر المصون ٤٤٩/٤، ولم نقف على قائله.

٢٣٩
سورة المائدة: الآية ١٠٣
وقال ابن عُزيز (١): البحيرةُ: الناقة إذا نُتَجِت(٢) خمسةَ أبطنٍ، فإن كان الخامس
ذكراً، نحروه، فأكله الرجال والنساء، وإنْ كان الخامسُ أنثى؛ بَحَروا أُذنها - أي:
شقُّوها(٣) - وكانت حراماً على النساء لحمُها ولبنُها - وقاله ◌ِكرمة(٤) - فإذا ماتت حلَّت
للنساء.
والسائبةُ: البعيرُ يُسيَّب بنَذْرِ يكونُ على الرجل إن سلَّمه الله من مرضٍ، أو بلَّغه
منزلهُ، أن يفعل ذلك، فلا يُحبَس عن رعيٍ ولا ماءٍ، ولا يركبها أحدٌ؛ وقاله أبو
عبيدة(٥)؛ قال الشاعر:
وسائبةٍ لله تَنْمِي تَشَكُّرا إنِ اللهُ عافى عامراً أو مُجاشِعا(٦)
وقد يُسيِّبون غيرَ الناقة، وكانوا إذا سيَّوا العبدَ لم يكن عليه وَلَاءِ(٧).
وقيل: السائبةُ: هي المخلَّةُ لا قيدَ عليها، ولا راعيَ لها، فاعلٌ بمعنى مفعول،
نحو: عيشة راضية، أي: مَرْضِيَّةٌ(٨). من سابتِ الحيةُ وانسابت؛ قال الشاعر:
عقرتُمْ ناقةً كانت لربِّي
وسائبةً فقوموا للعِقاب(٩)
(١) هو محمد بن عُزيز - بزايين كما رجح الحافظ ابن حجر في تبصير المنتبه ٩٤٨/٣ - ٩٥٠ خلافاً للذهبي
حيث رجحه: بزاي وراء - أبو بكر السجستاني المفسر، عاش إلى حدود سنة (٣٣٠هـ). السير ٢١٦/١٥ .
وكلامه في كتابه نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن ص١٣٩ .
(٢) في (ظ): أنتجت.
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): أي شقوه، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في تفسير الغريب.
(٤) ذكره عن عكرمة ابنُ كثير في تفسير الآية (١٣٩) من سورة الأنعام، وأخرجه الطبري ٩/ ٥٨٤ - ٥٨٥
عن قتادة والشعبي.
(٥) في النسخ: أبو عبيد، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٧٩/١، ونقله عنه البغوي ٢/ ٧٠،
والماوردي في النكت والعيون ٧٣/٢ - ٧٤، والفخر الرازي ١٠٩/١٢، وأبو حيان في البحر ٢٩/٤ .
(٦) في (ظ): ومجاشعا، والبيت في مجمع البيان ٢١١/٧، والدر المصون ٤٤٩/٤، ووقع بدل (تنمي))
في مجمع البيان: أملي، وفي الدر: ما لي. والنامية من الإبل: السمينة، يقال: نمت الناقة، إذا
سمنت. اللسان (نما).
(٧) الأم ١٨١/٦، وسيأتي الكلام في عتق السائبة في المسألة السابعة.
(٨) تفسير البغوي ٢/ ٧١ .
(٩) النكت والعيون ٢/ ٧٣.

٢٤٠
سورة المائدة: الآية ١٠٣
وأمَّا الوصيلةُ والحام؛ فقال ابن وهب: قال مالك: كان أهلُ الجاهلية يُعْتقون
الإبلَ والغنم يُسيِّبونَها، فأمَّا الحام فمن الإبل؛ كان الفحلُ إذا انقضى ضِرابه جعلوا
عليه من ريش الطواويس وسيَّبوه. وأمَّا الوصِيلةُ فمن الغنم، إذا ولدت أنثى بعد أنثى
سيَّوها(١).
وقال ابنُ عُزيز (٢): الوصِيلة في الغنم؛ كانوا إذا وَلدت الشاةُ سبعةَ أَبْطُنٍ نظروا،
فإذا كان السابعُ ذكراً؛ ذُبح فأكلَ منه الرجالُ والنساء، وإن كان أنثى تُركت في الغنم.
وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وَصَلَتْ أخاها، فلم يُذبح(٣) لمكانها، وكان لحمها حراماً
على النساء، ولبنُ الأنثى حراماً على النساء، إلا أن يموت منها (٤) شيءٌ، فيأكله
الرجال والنساء.
والحامي: الفحلُ إذا رُكب ولدُ ولدِهِ؛ قال:
حَماها أبو قابُوسَ في عزَّ مُلْكِه كما قد حَمَى أولادَ أولادِه الفحلُ(٥
ويقال: إذا نُتِج من صُلْبه عشرة أبطنٍ قالوا: قد حمى ظهَره، فلا يُركب، ولا
يُمنع من كَلَأ ولا ماء.
وقال ابنُ إسحاق: الوصيلةُ: الشاةُ إذا أتْأمَتْ(٦) عشرَ إناثٍ متتابعات في خمسة
أبطنٍ ليس بينهن ذكر، قالوا: وَصَلَتْ، فكان ما وَلَدت بعد ذلك للذكور منهم دون
(١) في (د) و(ز) و(ظ): يسيبونها، وفي (خ): يسيبوها، والمثبت من (م) وأحكام القرآن لابن العربي
٦٩٥/٢، والكلام منه.
(٢) في تفسير الغريب ص ١٤٠ .
(٣) في النسخ: تذبح، والمثبت من تفسير الغريب، وهو الصواب. ينظر تفسير الطبري ٣٠/٩، والمحرر
الوجيز ٢٤٨/٢ .
(٤) في (خ) و(م): منهما.
(٥) مجمع البيان ٧/ ٢١٢، والدر المصون ٤٤٩/٤، ووقع في مجمع البيان: في غير كنهه، بدل: في عز
ملكه.
(٦) في (ظ): أنتجت. ومعنى أتأمت: ولدت اثنين في بطن واحد. اللسان (تأم).