Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة المائدة: الآية ٩٥
وحجَّة أبي حنيفة أنه تناوَلَ محظورَ إحرامه؛ لأنَّ قَتْله كان من محظورات
الإحرام، ومعلومٌ أنَّ المقصود من القتل هو التناوُلُ، فإذا كان ما يُتوصّل به إلى
المقصود - محظورِ إحرامه - موجباً عليه الجزاءَ، فما هو المقصودُ كان أَولی.
الرابعة: لا يجوز عندنا ذبحُ المحرِمِ للصيد؛ لنهي اللهِ سبحانه المُخْرِمَ عن قتله،
وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: ذبحُ المحرم للصيد ذكاءٌ. وتعلَّق (١) بأنه ذبحٌ صَدَر من أهله، وهو
المسلِمُ، مضافٌ إلى مَحَلِّه، وهو الأنعام، فأفاد مقصودَه من حِلِّ الأكل، أصلُه ذبحُ
الحلال.
قلنا: قولُكم: ذبحٌ صدر من أهله. فالمحرمُ ليس بأهلٍ لذبح الصيد؛ إذ الأهلِيَّةُ لا
تُستفاد عقلاً، وإنما يفيدها الشرع، وذلك بإذنه في الذبح، أو ينفيها(٢)، وذلك بنهيه
عن الذبح، والمحرمُ منهيٍّ عن ذبح الصيد بقوله(٣) تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾ فقد
انتفت الأهليةُ بالنهي.
وقولُكم: أفاد مقصوده. فقد اتفقنا على أنَّ المحرِمَ إذا ذبح الصيدَ لا يحلُّ له
أكله، وإنما يأكل منه غيرُه عندكم، فإذا كان الذبحُ لا يفيد الحِلَّ للذابح، فأَوْلى
وأَخْرى ألَّا يفيدَه(٤) لغيره؛ لأنَّ الفرع تَبَعٌ للأصل في أحكامه، فلا يصِحُّ أن يثبتَ له
ما لا یثبتُ لأصله.
الخامسة: قوله تعالى: ((الصَّيْدَ)» مصدرٌ عُومِل معاملةَ الأسماء، فأوقع على
الحيوان المَصِيد(٥)، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ في كلِّ صيدٍ بريٍّ وبحريٍّ، حتى جاء قولُه
(١) في (ظ): فإن تعلق.
(٢) في النسخ: بنفيها، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٦٥٩/٢ ، والكلام منه.
(٣) في (د) و(ز) و(م): لقوله، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن.
(٤) في النسخ الخطية: يفيد، والمثبت من (م) وأحكام القرآن.
(٥) المحرر الوجيز ٢٣٦/٢ .

١٨٢
سورة المائدة: الآية ٩٥
تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا﴾ [المائدة: ٩٦] فأَباحَ صيدَ البحر إباحةً
مطلقَة(١)، على ما يأتي بيانه في الآية بعدَ هذا إن شاء الله تعالى.
السادسة: اختلف العلماء في خروج السِّاعِ من صيد البَرِّ وتخصيصِها منه، فقال
مالك: كلُّ شيءٍ لا يعدو من السباع، مثلُ الهِرِّ والثعلب والضَّبُع وما أشبهها، فلا
يقتله المحرم، وإن قتله فَدَاه. قال: وصغار الذئاب لا أرى أنْ يقتلَها المحرِم، فإنْ
قَتَلها فَدَاها، وهي مثلُ فِراخ الغِربان(٢). ولا بأس بقتل كلِّ ما عدا على الناس في
الأغلب، مثلِ الأسد والذئب والثَّمِرِ والفَهْد. وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيَّاتِ
والعقارب والفأرة والغراب والحِدَأة(٣).
قال إسماعيل: إنما ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: ((خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقتلْنَ في
الحِلِّ والحَرَم)) الحديث(٤)، فسمَّاهنَّ فُسَّاقاً، ووصفهنَّ بأفعالهن؛ لأنَّ الفاسق
فاعل(٥)، والصِّغارُ لا فِعلَ لهن، ووصَفَ الكلبَ بالعَقُور، وأولادُه لا تَعقِر، فلا
تدخلُ في هذا النعت.
قال القاضي إسماعيل: الكلب العَقُور مما يعظُم ضررُه على الناس. قال: ومن
ذلك الحيةُ والعقرب؛ لأنه يُخاف منهما، وكذلك الحِدَأةُ والغراب؛ لأنهما يخطّفان
اللحمَ من أيدي الناس(٦).
قال ابن بُكَير: إنما أُذن في قتل العقرب؛ لأنها ذاتُ حُمَةٍ(٧)، وفي الفأرة لقَرْضها
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٦٠ .
(٢) التمهيد ١٥٩/١٥ .
(٣) الاستذكار ٢٦/١٢ و٣٠، وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٣٣/١٢: العلماء مجمعون على قتل
الحية والعقرب في الحِلِّ والحَرَم، للحَلَال والمُحْرِمِ.
(٤) تقدم ٣٦٨/١، وسيأتي ص ١٨٥ من هذا الجزء.
(٥) بعدها في (م): للفسق.
(٦) التمهيد ١٦٠/١٥.
(٧) حُمة العقرب: سُُّها وضرُّها.

١٨٣
سورة المائدة: الآية ٩٥
السِّقاءَ والحِذاءَ اللذَيْنِ بهما قِوَامُ المسافر، وفي الغراب لوقوعه على الظَّهْر ونَقْبِهِ عن
لحومها. وقد روي عن مالكٍ أنه قال: لا يُقتل الغرابُ ولا الحِدَأة إلَّا أنْ يضرًا(١).
قال القاضي إسماعيلُ: واختُلف في الزُّنْبُور؛ فشبَّهه بعضُهم بالحية والعقرب،
قال: ولولا أنَّ الزُّنْبُورَ لا يَبتدئُ(٢) لكان أَغلظَ على الناس من الحية والعقرب، ولكنه
ليس في طبعه من العَدَاء ما في الحيَّة والعقرب، وإنما يَحْمي الزُّنْبُورُ إذا أُوذِي. قال:
فإن عَرَض الزُّنْبُور لأحدٍ فدفعه عن نفسه، لم يكن عليه شيءٌ في قتله(٣).
وثبت عن عمر بنِ الخطاب إباحةُ قتلِ الزُّنْبور. وقال مالك: يُطعِم قاتلُه شيئاً.
وكذلك قال مالكٌ فيمن قتل البُرْغُوثَ والذُّباب والثَّمل ونحوه. وقال أصحاب الرأي:
لا شيءَ على قاتل هذه كلِّها(٤).
وقال أبو حنيفة: لا يَقتل المحرمُ من السِّباع إلا الكلبَ(٥) والذئبَ خاصَّة، سواءٌ
ابتدآه أو ابتدأهما، وإن قَتل غيرَهما (٦) من السباع فَدَاه. قال: فإن ابتدأه غيرُهما من
السباع فقتله، فلا شيء عليه. قال: ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب والغراب
والحِدَأة. هذه جملةُ قولِ أبي حنيفة وأصحابِه إلا زُفَر، وبه قال الأوزاعيُّ والثَّوريُّ
والحسن [بن حيٍّ]. واحتجُوا بأنَّ النبيَّ ﴾ خصَّ دوابَ بأعيانها، وأَرْخَصَّ للمحرِم في
قتلها من أجل ضررها، فلا وجهَ أن يُزاد عليها، إلَّا أن يُجمعوا على شيءٍ فيدخل في
معناها(٧).
(١) التمهيد ١٥٨/١٥، والاستذكار ٣٠/١٢، وقوله في الغراب: لوقوعه على الظهر، يعني به: ظهر
البعير. وينظر شرح الزرقاني على موطأ مالك ٢٨٦/٢ .
(٢) في (د): لا يعتدي.
(٣) التمهيد ١٦٠/١٥، والاستذكار ٣٧/١٢.
(٤) المحرر الوجيز ٢٣٧/٢، وأثر عمر أخرجه عبد الرزاق (٨٣٨٠)، وابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٠ (نشرة
العمروي).
(٥) بعدها في النسخ: العقور، والمثبت من التمهيد ١٦٥/١٥ والكلام منه، والاستذكار ٢٩/١٢ ،
ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٢١ .
(٦) في (م): غيره.
(٧) التمهيد ١٦٥/١٥ - ١٦٧، وما سلف بين حاصرتين منه.

١٨٤
سورة المائدة: الآية ٩٥
قلت: العجبُ من أبي حنيفة رحمه الله يَحملُ الترابَ على البُرِّ بِعَّة الكيل، ولا
يحمل السباعَ العادِيَةَ على الكلب [العقور] بعلَّةِ الفِسْقِ والعَقْرِ(١)، كما فعل مالكٌ
والشافعيُّ رحمهما الله.
وقال زُفَرُ بنُ الهُذَيل: لا يَقتلُ إلا الذئبَ وحده، ومَن قتل غيرَه وهو مُحرِمٌ فعليه
الفِديةُ، سواءٌ ابتدأه أو لم يبتدِئُهُ(٢)؛ لأنه عجماءُ فكان فِعلُه هَدَراً. وهذا ردِّ للحديث
ومخالفةٌ (٣) له.
وقال الشافعي: كلُّ ما لا يؤكلُ لحمُه فللمُخرِم أن يقتله، وصِغار ذلك وکِبارُه
سواء(٤)، إلا السِّمْعَ وهو المتولِّد بين الذئبِ والضَّبُع(٥). قال: وليس في الرَّحَمَة
والخنافسِ والقِرْدَان والحَلَم(٦) وما لا يؤكلُ لحمه شيءٌ؛ لأنَّ هذا ليس من الصيد؛
لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. فدلَّ أنَّ الصيد الذي
حُرِّم عليهم ما كان لهم قبل الإحرام حلالاً؛ حكى عنه هذه الجملةَ المُزَنِيُّ والرَّبيع(٧).
فإن قيل: فلِمَ تُفدَى القملةُ وهي تؤذي ولا تؤكَل؟ قيل له: ليس تُقدَى إلَّا على ما
يُقدَى به الشَّعرُ والظّفر، ولُبس ما ليس له لُبْسه؛ لأنَّ في طرح القملةِ إماطةَ الأذى عن
نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته، فكأنه أماط بعضَ شعره، فأما إذا ظهرت فقُتلت،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٦١، وما يين حاصرتين منه.
(٢) التمهيد ١٦٥/١٥ - ١٦٦، والاستذكار ٢٩/١٢، ومختصر اختلاف العلماء ١٢٢/٢.
(٣) في (ظ): ومخالف. وقوله: عجماء، أي: بهيمة.
(٤) التمهيد ١٥/ ١٦٧ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٦٠ .
(٦) الرَّخّمة: طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة. مختار الصحاح (رخم) ... والقردان: جمع القراد: وهو دويبة
متطفلة ذات أرجل كثيرة تعيش على الدواب والطيور. المعجم الوسيط (قرد). والحَلَم جمع حَلَمة:
القراد العظيم. مختار الصحاح (حلم).
(٧) التمهيد ١٦٧/١٥ - ١٦٨.

١٨٥
سورة المائدة: الآية ٩٥
فإنها لا تُقدى(١). وقولُ أبي ثورٍ في هذا البابِ كقول الشافعي؛ قاله أبو عمر (٢).
السابعة: روى الأئمةُ عن ابن عمرَ، أنَّ رسول اللـه ﴿ قال: ((خَمسٌ من الدوابُ
ليس على المحرِم في قتلهنَّ جُناح: الغرابُ، والحِدَأَةُ، والعقرب، والفأرة، والكلب
العَقُور))(٣). اللفظُ للبخاريِّ، وبه قال أحمدُ وإسحاق.
وفي كتاب مسلم، عن عائشة، عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((خمسٌ فَواسِقُ يُقتلْن في
الحِلِّ والحَرَم: الحيةُ، والغراب الأَبقعُ، والفأرة، والكلب العَقُور، والحُدَيًّا))(٤). وبه
قالت طائفةٌ من أهل العلم؛ قالوا: لا يُقتل من الغربان إلا الأبقعُ خاصَّةً؛ لأنه تقييدُ
مطلَقٍ(٥). وفي كتاب أبي داود، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ#: ((ويَرمي
الغرابَ ولا يقتله))(٢). وبه قال مجاهد. وجمهورُ العلماء على القول بحديث ابنِ
عمر (٧)، والله أعلم.
وعند أبي داود والترمذيِّ: والسَّبُع العادي (٨)؛ وهذا تنبيهً على العِلَّة(٩).
(١) في (ظ) و(م): لا تؤذي، وفي (د): لا يفدى، وفي (خ) والتمهيد ١٦٩/١٥ (والكلام منه): لا تودى،
والمثبت من (ز) وهو الموافق لما في الأم ٢/ ١٧٠.
(٢) في التمهيد ١٦٩/١٥ .
(٣) مسند أحمد (٥١٣٢)، وصحيح البخاري (١٨٢٦) و(٣٣١٥)، وصحيح مسلم (١١٩٩): (٧٦)،
واللفظ له وليس للبخاري كما سيذكر المصنف.
(٤) في (ظ): والحداة، والحديث في صحيح مسلم (١١٩٨): (٦٧)، وسلف ٣٦٨/١ وص١٨٢ من
هذا الجزء.
(٥) المفهم ٣/ ٢٨٥ . وهذا قول شاذ كما ذكر ابن عبد البر في الاستذكار ٤٠/١٢، وقال أبو العباس:
وغير هذه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان، ورأوا أن ذِكْر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلب
عندهم، والأبقع الذي في بطنه وظهره بیاض.
(٦) سنن أبي داود (١٨٤٨)، وهو عند أحمد (١٠٩٩٠). قال الحافظ في التلخيص الحبير ٢٧٤/٢: فيه
يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وفيه لفظة منكرة، وهي قوله: ((ويرمي الغراب ولا يقتله)). وقال ابن
عبد البر في الاستذكار ٤٠/١٢: ويزيد بن أبي زياد ليس بحجة فيما انفرد به.
(٧) التمهيد ١٥/ ١٧٢ - ١٧٤.
(٨) هو قطعة من حديث أبي سعيد السالف، وهو في سنن الترمذي (٨٣٨).
(٩) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٦١ .

١٨٦
سورة المائدة: الآية ٩٥
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ عامّ في النوعين من الرجال والنساء؛ الأحرارِ
والعبيد؛ يقال: رجلٌ حَرَامِ، وامرأةٌ حرام. وجمعُ ذلك: حُرُم، كقولهم: قَذَال
وقُذُل(١). وأَحرمَ الرجلُ: دخل في الحَرَم، كما يقال: أَسْهَلَ: دخل في السهل. وهذا
اللفظُ يتناول الزمانَ والمكان وحالةَ الإحرام بالاشتراك لا بالعموم؛ يقال: رجلٌ
حرام، إذا دخل في الأشهر الحُرُم، أو في الحَرَم، أو تلَبَّس بالإحرام. إلَّ أنَّ تحريم
الزمان خرج بالإجماع عن أن يكون معتبراً، وبقي تحريمُ المكان وحالةُ الإحرام على
أصل التكليف؛ قاله ابنُ العربي(٢).
التاسعة: حَرَمُ المكانِ حَرَمان: حَرَمُ المدينةِ وحَرَمُ مكة، وزاد الشافعيُّ الطائفَ،
فلا يجوز عنده قطعُ شجره، ولا صيدُ صيدِه، ومَن فعل ذلك فلا جزاءً عليه.
فأما حَرَمُ المدينة، فلا يجوز فيه الاصطيادُ لأحد، ولا قطعُ الشجر، كحرم مكة،
فإن فعل أَثِمَ، ولا جزاءَ عليه عند مالك والشافعيِّ وأصحابهما (٣). وقال ابن أبي
ذئب: عليه الجزاء. وقال سعد: جزاؤه أخذُ سَلَبِهِ (٤)، ورُوي عن الشافعيّ(٥).
وقال أبو حنيفة: صيد المدينة غيرُ محرَّم، وكذلك قطعُ شجرها. واحتجَّ له بعضُ
مَن ذهب مذهبَه بحديث سعد بن أبي وقاص، عن النبيِّ# أنَّه قال: ((مَن وجدتموه
يصيد في حدود المدينةِ، أو يقطع شجرَها، فخُذُوا سَلَبَه)). وأخذ سعدٌ سَلَبَ مَن فَعَل
ذلك(٦)؛ قال: وقد اتفق الفقهاءُ على أنه لا يؤخذ سَلَبُ مَن صاد في المدينة، فدلَّ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٦٢، والقَذَال: جماع مؤخّر الرأس.
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٦٦٠، وينظر القبس ٥٦٨/٢ .
(٣) التمهيد ٣٠٩/٦، والاستذكار ٣٩/٢٦ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٣/٢، وسيأتي خبر سعد﴾. والسَّلَب: ما يُسلَب، وهو ما يأخذه أحد
القِرْنين (والقِرْن: الكُفْءُ في الشجاعة) في الحرب من قِرْنه مما يكون عليه ومعه من سلاح وثياب ودابّة
وغيرها، وهو فَعَل بمعنى مفعول، أي: مسلوب. النهاية (سلب).
(٥) وهو مذهبه في القديم كما في إكمال المعلم ٤/ ٤٨٥ .
(٦) التمهيد ٣١٠/٦، وحديث سعد أخرجه بنحوه أحمد (١٤٦٠)، وأبو داود (٢٠٣٧)، والطحاوي في
شرح معاني الآثار ١٩١/٤.

١٨٧
سورة المائدة: الآية ٩٥
ذلك على أنه منسوخ(١).
واحتجَّ لهم الطّحاويُّ أيضاً بحديث أنس: ((ما فَعَلَ النُّغَيْر؟)) فلم يُنكر صيدَه
وإمساكه(٢).
وهذا كلُّه لا حُجَّة فيه؛ أما الحديثُ الأوَّل فليس بالقويّ، ولو صحَّ لم يكن في
نسخ أَخْذِ السَّلَب ما يُسقِطُ ما صحَّ من تحريم المدينة(٣)، فكم مِن محرَّم ليس عليه
عقوبة في الدنيا.
وأما الحديث الثاني: فيجوز أن يكونَ صِيدَ في غير الحرم. وكذلك حديثُ
عائشة، أنه كان لرسول اللهِ ﴾ وَحْشٌ، فإذا خرج لَعِب واشتدَّ وأَقبل وأَدبر، فإذا
أَحسَّ برسول اللهِ # رَبَض فلم يَتَرَمْرم؛ كراهيةَ أنْ يؤذيَه(٤).
ودليلُنا عليهم ما رواه مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، أنَّ
أبا هريرة قال: لو رأيتُ الطّباءَ تَرتعُ بالمدينة ما ذَعَرتُها؛ قال رسولُ الله ﴾: ((ما بين
لابَتَيْها حرام)»(٥) فقولُ أبي هريرة: ما ذَعَرْتُها، دليلٌ على أنه لا يجوز ترويعُ الصيد في
(١) التمهيد ٦/ ٣١٠، وهذا قول الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٢٨٨/١٢ .
(٢) التمهيد ٣١٣/٦ والاستذكار ٤٣/٢٦، وحديث أنس أخرجه أحمد (١٢١٩٩)، والبخاري (٦٢٠٣)،
ومسلم (٢١٥٠). والنغير تصغير: النُّغَر، وهو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار، ويجمع على: نِغْران.
النهاية (نغر). وأبو عمير هو ابن أبي طلحة الأنصاري، وهو أخو أنس بن مالك لأمه؛ أمهما أم سلیم،
مات على عهد النبي #. الاستيعاب على هامش الإصابة ٦٨/١٢ . وكلام الطحاوي واحتجاجه في شرح
معاني الآثار ٤/ ١٩٤ - ١٩٥ .
(٣) التمهيد ٣١٠/٦.
(٤) التمهيد ٣١٤/٦، وحديث عائشة أخرجه أحمد (٢٤٨١٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ١٩٥،
وفيهما: كان لآل رسول الله # وحش ... ، وقولها: ربض فلم يترمرم، أي: سكن ولم يتحرك. النهاية
(رمرم).
(٥) الموطأ ٨٨٩/٢، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٧٢١٨)، والبخاري (١٨٧٣)، ومسلم (١٣٧٢).
واللابة: الحَرَّة، وهي الأرض ذات الحجارة السوداء التي قد ألبستها لكثرتها ... والمدينة ما بين حَرَّتين
عظيمتين. النهاية (لوب).
:
٠٠

١٨٨
سورة المائدة: الآية ٩٥
حرم المدينة، كما لا يجوز ترويعُه في حرم مكة(١).
وكذلك نَزْعُ زيد بن ثابت النُّهَسَ - وهو طائر - من يد شُرَحْبيل بنِ سعد؛ كان
صاده بالمدينة، دليلٌ على أنَّ الصحابة فهِموا مُرادَ رسولِ الله ﴿ في تحريم صيدِ
المدينة، فلم يُجيزوا فيها الاصطيادَ، ولا تملُّكَ ما يُصطاد(٢).
ومتعلَّقُ ابنٍ أبي ذئب: قولُهُ ﴿ في الصحيح: ((اللهم إنَّ إِبراهيمَ حرَّم مكةَ، وإنّي
أُحرِّم(٣) المدينةَ بمثل(٤) ما حَرَّم به مكةَ ومثله معه، لا يُخْتلى خَلَاها، ولا يُعضَدُ
شجرُها، ولا يُنفَّرُ صيدُها)) ولأنه حَرَمٌ مُنِع الاصطيادُ فيه، فتعلَّقَ الجزاءُ به، كحَرَم
مکة(٥).
.
قال القاضي عبدُ الوهّاب(٦): وهذا القول أَقيسُ عندي على أصولنا، لا سيَّما مع
أنَّ المدينة عند أصحابنا أفضلُ (٧) من مكة، وأنَّ الصلاة فيها أفضلُ(٨) من الصلاة في
(١) التمهيد ٣١١/٦.
(٢) التمهيد ٣١١/٦، والحديث أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٩٠ عن رجل قال: دخل عليَّ زيد بن
ثابت ... ، وذكر الحديث. قال ابن عبد البر في الاستذكار ٤٠/٢٦: والرجل الذي لم يسمه مالك،
يقولون: هو شرحبيل بن سعد، كان مالك لا يرضاه، فلم يسمِّه، والحديث محفوظ لشرحبيل بن سعد
من وجوه. ثم ذكرها.
وشرحبيل بن سعد هو أبو سعد الخَطْمي المدني، مولى الأنصار، ذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه
غيره، وحكى مضر بن محمد عن يحيى بن معين أنه وثقه، توفي سنة (١٢٣ هـ). تهذيب التهذيب
١٥٧/٢ - ١٥٨.
(٣) في (ظ): وأنا حرمت.
(٤) في (د) و(ز) و(م): مثل.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٣/٢، والحديث أخرجه بنحوه مسلم (١٣٦٢) عن جابر ﴾، وأخرج
شطره الأول أحمد (١٢٦١٦)، والبخاري (٢٨٨٩)، ومسلم (١٣٦٥) عن أنس ﴾، وأخرجه مسلم
(١٣٦٠) و(١٣٦١) عن عبد الله بن زيد بن عاصم ورافع بن خديج. قوله: لا يختلى خلاها، الخلا
مقصور: النبات الرطب الرقيق ما دام رطباً، واختلاؤه قطعه. النهاية (خلا).
(٦) في المعونة ٥٣٥/١ .
(٧) لفظة: مع، ليست في (م)، وفي المعونة: لا سيما مع قول أصحابنا إن المدينة أفضل ...
(٨) في المعونة: وأن الصلاة في مسجدها أفضل ...

١٨٩
سورة المائدة: الآية ٩٥
المسجد الحرام.
ومن حجة مالكٍ والشافعيِّ في ألَّا يُحكمَ عليه بجزاءٍ ولا أخذٍ سَلَب ـ في
المشهور من قول الشافعيِّ - عمومُ قولِهِ ﴿ في الصحيح: ((المدينة حَرَمٌ (١) ما بين عَيْرِ
إلى ثَوْر، فمن أَحدثَ فيها حَدَثاً، أو آوى مُحدِثاً، فعليه لعنةُ اللهِ والملائكة والناسِ
أجمعين، لا يَقْبَلُ اللهُ منه يومَ القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً)). فأرسل ﴿ الوعيدَ الشَّديدَ،
ولم يَذكُر كفَّارةٍ(٢).
وأما ما ذُكر عن سعد؛ فذلك مذهبٌ له مخصوصٌ به؛ لِمَا رُويَ عنه في
الصحيح: أنه ركب إلى قصره بالعَقِيق، فوجد عبداً يقطع شجراً - أو يخبِطُه - فسَبه،
فلما رجع سعد، جاءه أهلُ العبد فكلَّموه أنْ يَردَّ على غلامهم، أو عليهم ما أَخذ من
غلامهم، فقال: مَعاذَ اللهِ أنْ أردَّ شيئاً نَفَّلَنِيْهِ رسولُ الله ﴾. وأبى أنْ يردَّ عليهم(٣).
فقولُهُ: نَفَّلَنيه، ظاهرُه الخصوص. والله أعلم.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَيِّدًا﴾ ذكر اللهُ سبحانه المتعمِّدَ، ولم
يذكر المخطئَ والناسي. والمتعمِّدُ: هو القاصد للصيد(٤) مع العلم بالإحرام.
(١) في النسخ الخطية: حرام، والمثبت من (م) وهما روايتان في الحديث.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٣/٢، والحديث أخرجه أحمد (٦١٥)، والبخاري (٣١٧٩)
و(٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠) من حديث علي ﴾ وعير وثور جبلان. النهاية (ثور). وقال السندي كما في
حاشية المسند: ذكر المتقدمون أن ثوراً غير معلوم بالمدينة، فقيل: هذا غلط، وقيل غير ذلك، وكأنه
لذلك لم يقل بعض العلماء بحرم المدينة، لكن المتأخرون كالطبري (يعني المحبّ الطبري) وغيره
قالوا: هو جبل صغير يدور خلف أحد، وقالوا إنهم حققوا ذلك من العرب العارفين بتلك الأراضي،
وإنما خفي عن أكابر العلماء لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه. وينظر إكمال المعلم ٤٨٩/٤ ، والمفهم
٤٨٦/٣، وشرح النووي لصحيح مسلم ٩/ ١٤٣، وفتح الباري ٨٢/٤ - ٨٣. وينظر ما حققه الأستاذ
عبد الباقي رحمه الله في تعليقه على الحديث في صحيح مسلم.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٦٨٣/٢، وحديث سعد أخرجه أحمد (١٤٤٣)، ومسلم (١٣٦٤).
والعقيق: موضع بينه وبن المدينة عشرة أميال، وبه مات سعد ﴾. المفهم ٤٨٣/٣ .
(٤) في (ز) و(ظ) و(م): والمتعمد هنا هو القاصد للشيء، وفي (خ) و(د): والمتعمد هو القاصد للشيء،
والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٢/٢، والكلام منه.

١٩٠
سورة المائدة: الآية ٩٥
والمخطئُ: هو الذي يقصد شيئاً فيصيبُ صيداً. والناسي: هو الذي يتعمَّد الصيدَ ولا
يذكر إحرامه.
واختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال(١):
الأوَّل: ما أسنده الدَّارَقُظْنيُّ(٢) عن ابن عباس قال: إنما التكفيرُ في العَمْد، وإنما
غَلَّظوا في الخطأ لئلا يعودوا.
الثاني: أنَّ قوله: ((مُتَعَمِّداً)) خَرجَ على الغالب، فأُلحق به النادرُ، كأصول
الشريعة(٣).
الثالث: أنه لا شيءَ على المخطئ والناسي، وبه قال الطّبريُّ(٤)، وأحمد بنُ
حنبل في إحدى روايته، ورُوي عن ابن عباس وسعيد بن جُبیر، وبه قال طاوسٌ وأبو
ثور، وهو قول داود(٥).
وتعلَّق أحمد بأنْ قال: لمَّا خَصَّ اللهُ سبحانه المتعمِّدَ بالذِّكر، دلَّ على أنَّ غيره
بخلافه، وزاد بأن قال: الأصلُ براءة الذِّمَّة، فَمَن ادَّعى شُغْلَها فعليه الدليل.
الرابع: أنه يُحكم عليه في العمد والخطأ والنِّسيان؛ قاله ابن عباس، ورُوي عن
(١) وقع في أحكام القرآن: على ثلاثة أقوال، وذَكَر الثالث وما بعده، أما القولان الأولان فقد ذكرهما ابن
العربي في توجيه قول أصحاب القول الرابع.
(٢) في سننه (٢٥٣٨).
(٣) في أحكام القرآن: كسائر أصول الشريعة.
(٤) كذا ذكر ابن العربي عن الطبري ونقله عنه المصنف، والذي ذكره الطبري في تفسيره ٦٧٩/٨ أن عليه
الجزاء، سواء في العمد والخطأ والنسيان. وهو القول الرابع على ما يأتي.
(٥) ينظر المغني ٥/ ٣٩٧، وذكره عن ابن عباس أيضاً ابن المنذر في الإقناع ٢١٥/١ واختاره. وأخرجه ابن
أبي شيبة ٢٦/٤. وأخرج قول طاوس عبد الرزاق في المصنف (٨١٨١)، وفي التفسير ١٩٤/١ ، وابن
أبي شيبة ٢٥/٤، والطبري ٦٧٧/٨، ولفظه عند عبد الرزاق: عن طاوس قال: يحكم عليه في العمد،
وليس عليه في الخطأ شيء، قال: والله ما قال الله إلا: ﴿وَمَنْ قَهُ مِنْكُمْ مُتَعَيِّدًا﴾. وأخرج خبر سعيد بن
جبير النحاس في معاني القرآن ٣٦٠/٢ .

١٩١
سورة المائدة: الآية ٩٥
عمرَ وعطاءٍ (١) والحسنِ وإبراهيمَ والزُّهريِّ، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة
وأصحابهم(٢). قال الزُّهريّ: وجب الجزاءُ في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان
بالسُّنة(٣).
قال ابن العربي(٤): إن کان یرید بالسُّنة الآثار التي وردت عن ابن عباس وعمر،
فنعمًّا هي، وما أحسنَها أسوةً!
الخامس: أن يقتله متعمِّداً لقتله ناسياً لإحرامه، وهو قول مجاهد(٥)؛ لقوله تعالى
بعد ذلك: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَغِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؛ قال: ولو كان ذاكراً لإحرامه لوجبت عليه
العقوبةُ لأوَّل مرة (٦)، قال: فدلَّ على أنه أراد متعمِّداً لقتله ناسياً لإحرامه. قال
مجاهد: فإن كان ذاكراً لإحرامه فقد حلَّ ولا حجّ له؛ لارتكابه محظورَ إحرامه، فبطل
عليه كما لو تكلّم في الصلاة، أو أَحدثَ فيها، قال: ومَن أخطأ فذلك الذي
يجزي(٧).
ودليلُنا على مجاهدٍ أنَّ الله سبحانه أوجبَ الجزاءَ ولم يذكر الفساد، ولا فرق بين أن
يكون ذاكراً للإحرام أو ناسياً له، ولا يصحُّ اعتبارُ الحجِّ بالصلاة، فإنهما مختلفان(٨).
وقد روي عنه أنه لا حكمَ عليه في قتله متعمِّداً (٩)، ويستغفرُ الله، وحجُّه تامٌّ، وبه قال
(١) في النسخ: وطاوس، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي، وقد سلف قول طاوس في القول
الثالث، وأخرج قول عطاء عبد الرزاق (٨١٧٥)، وابن أبي شيبة ٢٤/٤ و٢٦، والطبري ٨/ ٦٧٧ .
وقول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٦٧٨/٨، وقول عمر ﴾ أخرجه عبد الرزاق (٨١٨٣)،
وابن أبي شيبة ٢٥/٤، وذكره البيهقي ١٨٠/٥.
(٢) مختصر اختلاف العلماء ٢١٨/٢، والمغني ٢٩٦/٥ - ٢٩٧.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨١٧٨)، والطبري ٦٧٨/٨ .
(٤) في أحكام القرآن ٢/ ٦٦٣ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١٩٣/١، والطبري ٦٧٤/٨ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٣/٢ .
(٧) في (م): يجزئه، وفي باقي النسخ: يجزيه، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٢/٢ و ٦٧٦ -٦٧٧ .
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٧٧ .
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٥/٤ .

١٩٢
سورة المائدة: الآية ٩٥
ابنُ زيد (١).
ودليلُنا على داود: أنَّ النبيَّ :﴿ سئل عن الضَّبُع فقال: ((هي صيد))، وجعل فيها
إذا أصابها المحرِمُ كَبْشاً(٢)، ولم يقل عمداً ولا خطأ.
وقال ابن بُكير من علمائنا: قوله سبحانه: ((مُتَعَمِّداً)) لم يُرِدْ به التجاوزَ عن
الخطأ، وإنما أراد ((متعمِّداً)) ليبيِّنَ أنه ليس كابن آدم الذي لم يَجعل في قتله متعمّداً
كفارةً، وأنَّ الصيد فيه كفَّارةٌ، ولم يُرِد به إسقاط الجزاء في قتل الخطأ. والله أعلم.
الحادية عشرة: فإنْ قتله في إحرامه مرةً بعد مرة، حُكم عليه كلَّما قتله في قول
مالكِ والشافعيِّ وأبي حنيفة وغيرهم(٣)؛ لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ
الضَّيْدَ وَأَنتُمْ حُمٌ وَمَنْ قَهُ مِنْكُم مُتَعَمِدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّمَوِ﴾ فالنهيُ دائم مستمِرٌّ عليه
ما دام مُخْرِماً، فمتى قتله فالجزاءُ لأَجْل ذلك لازمٌ له(٤).
ورُوي عن ابن عباس قال: لا يُحكمُ عليه مرَّتين في الإسلام، ولا يُحكم عليه إلا
مرةً واحدة، فإن عاد ثانيةً فلا يُحكم عليه، ويقال له: يَنتقم اللهُ منك؛ لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اَللَّهُ مِنْهُ﴾(٥). وبه قال الحسن وإبراهيم ومجاهدٌ وشُرَيْح. ودليلُنا
عليهم ما ذكرناه: من تَمَادي التحريمِ في الإحرام، وتوجّهِ الخطاب عليه في دين
(٦)
الإسلام(٦).
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فيه أربعُ قراءات:
((فَجَزَاءٌ مِثْلُ)) برفع ((جزاء)) وتنوينِه، و((مِثْلُ)) على الصفة(٧)، والخبرُ مضمَر،
(١) أخرجه بمعناه الطبري ٨/ ٦٧٧ .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٠١)، وابن ماجه (٣٠٨٥).
(٣) المغني ٤١٩/٥ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٦٧٦/٢ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨١٨٤)، وابن أبي شيبة ٩٩/٤، والطبري ٧١٦/٨.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٦٧٦/٢، وأخرج قول الأئمة المذكورين الطبري ٧١٦/٨ - ٧١٩.
(٧) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص٢٤٩، والتيسير ص١٠٠ .

١٩٣
سورة المائدة: الآية ٩٥
التقدير: فعليه جزاءٌ مماثلٌ واجب أو لازم من النَّعَم (١). وهذه القراءة تقتضي أنْ يكون
المِثلُ هو الجزاءَ بعينه(٢).
و(جَزَاءُ)) بالرفع غير منوَّن، و((مِثْلٍ)) بالإضافة(٣)، أي: فعليه جزاءُ ما قَتل(٤)،
و((مثل)) مقحمةٌ، كقولك: أنا أُكرِمِ مثلَك، وأنت تقصد: أنا أُكرمك. ونظيرُ هذا قولُه
تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ كَمَن ◌َّثَلُ فِى
الظُّلُمَتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] التقدير: كمن هو في الظلمات(٥)؛ وقولُه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ.
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي: ليس كهو شيء (٦).
وهذه القراءة تقتضي أن يكونَ الجزاءُ غيرَ المِثل؛ إذ الشيءُ لا يُضافُ إلى
نفسه(٧). وقال أبو علي: إنما يجب عليه جزاءُ المقتول، لا جزاءُ مِثلِ المقتول،
والإضافةُ توجبُ جزاءً المثل لا جزاءَ المقتول(٨). وهو قول الشافعيِّ على ما يأتي(٩).
وقولُه: ((مِنَ النَّعَمْ)) صفةٌ لجزاء على القراءتين جميعاً (١٠).
وقرأ الحسن: ((مِن الَّعْمِ)) بإسكان العين وهي لغة (١١).
وقرأ [أبو] عبد الرحمن: ((فَجَزَاءٌ)) بالرفع والتنوين، ((مِثْلَ)) بالنصب؛ قال أبو
(١) الحجة للفارسي ٢٥٤/٣، والكشف عن وجوه القراءات ٤١٨/١ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٤/٢ .
(٣) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر. السبعة ص٢٤٨، والتيسير ص١٠٠ .
(٤) في (ز) و(م): فعليه جزاء مثل ما قتل، وفي (ظ): فعليه جزاء فمثل، والمثبت من (خ) و(د) وهو
الموافق لما ورد في الحجة للفارسي ٢٥٦/٣، والبحر ١٩/٤ .
(٥) الحجة ٢٥٦/٣ - ٢٥٧، والكشف عن وجوه القراءات ٤١٨/١، والمحرر الوجيز ٢٣٧/٢ .
(٦) في (د): ليس هو كشيء.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٤/٢ .
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٧/٢. وينظر الحجة لأبي علي ٢٥٥/٣ - ٢٥٦.
(٩) في المسألة الرابعة عشرة، وينظر المعونة ٥٤٤/١ - ٥٤٥ .
(١٠) الحجة ٢٥٥/٣، والمحرر الوجيز ٢٣٧/٢.
(١١) القراءات الشاذة ص٣٥، والمحرر الوجيز ٢٣٨/٢، والبحر ١٩/٤.

١٩٤
سورة المائدة: الآية ٩٥
الفتح (١): (مِثْلَ)) منصوبةٌ بنفس الجزاء، والمعنى: فعليه(٢) أن يَجزيّ مثلَ ما قَتل.
وقرأ ابنُ مسعود والأعمش: ((فجزاؤه مِثلُ)) بإظهارِ هاءٍ، ويَحتَمِل أن يعود على
الصيد، أو على الصائد القاتل(٣).
الثالثة عشرة: الجزاءُ إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أَخْذِه، كما قال تعالى. وفي
((المدوَّنة)): من اصطاد طائراً فنتف ريشَه، ثم حبسه حتى نَسَل ريشُه، فطار، قال: لا
جزاءَ عليه (٤).
وكذلك(٥) لو قطع يدَ صيدٍ أو رِجْلَه أو شيئاً من أعضائه، وسلِمتْ نفسُه، وصحَّ
ولَحِقَ بالصيد، فلا شيءَ عليه. وقيل: عليه من الجزاء بقَدْر ما نَقَصه [والأولُ قول
مالك]. ولو ذهب، فلم(٦) يدرِ ما فَعَل، فعليه جزاؤه. ولو زَمِنَ الصيدُ(٧) ولم يلحق
بالصيد، أو تركه تَخوُّفاً(٨) عليه، فعليه جزاؤُه كاملاً.
الرابعة عشرة: ما يُجزَى من الصيد شيئان: دوابُّ وطيرٌ. فيُجزَى ما كان من
الدوابِّ بنظيره في الخِلقة والصُّورة، ففي النَّعامة بَدَنةٌ، وفي حمار الوحش ويقرٍ (٩)
الوحش بقرة، وفي الظَّبي شاة، وبه قال الشافعي (١٠).
(١) في المحتسب ٢١٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣٧/٢، وما سلف
بين حاصرتين منهما، وأبو عبد الرحمن هو السلمي.
(٢) قوله: فعليه، ليس في (م).
(٣) تفسير الطبري ٦٧٩/٨، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠/٢، والمحرر الوجيز ٢٣٧/٢، وتفسير الرازي
٨٩/١٢، والبحر ١٩/٤، جميعهم عن عبد الله بن مسعود ﴾، ولم نقف عليها عن الأعمش.
(٤) المحرر الوجيز ٢٣٨/٢، والكلام في المدونة ٤٤٦/١ . وقوله: نسل، أي: نبت، ويقال أيضاً: نسل
الشعر: إذا سقط. الأضداد لابن الأنباري ص٢٧١ .
(٥) قبلها في (م): قال. والكلام في الكافي لابن عبد البر ٣٩٤/١ ، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٦) في (م): ولم.
(٧) أي: مرض مرضاً يدوم زماناً طويلاً.
(٨) في (م): محوفاً، وفي النسخ الخطية: مخوفاً، والمثبت من الكافي.
(٩) في النسخ: وبقرة، والمثبت من الكافي ٣٩٣/١، والكلام منه.
(١٠) ذكره عنه الكيا الطبري في أحكام القرآن ١٠٩/٣ .

١٩٥
سورة المائدة: الآية ٩٥
وأقلُّ ما يُجزِئ عند مالكٍ ما استيسر من الهَدْي وكان ضحيَّة(١)، وذلك الجَذَع(٢)
من الضَّأْن، والثَّنِيُّ ممَّا سواه، وما لم يبلغْ جزاؤه ذلك ففيه إطعامٌ أو صيام. وفي
الحمام كلِّه قيمتُه إلَّا حمامَ مكة، فإنَّ في الحمامة منه شاةً(٣) اتِباعاً للسَّلف في ذلك.
والدُّبْسيُّ، والفَوَاخِتُ، والقُمْريُّ، وذواتُ الأطواق كلُّه حمام(٤). وحكى ابنُ عبد
الحكم عن مالكٍ: أنَّ في حمام مكةَ وفراخِها شاةً؛ قال: وكذلك حمامُ الحرم، قال:
وفي حمام الحِلِّ حكومةٌ.
وقال أبو حنيفة: إنما يُعتبر المِثْلُ(٥) في القيمة دون الخِلقة، فيقوَّم الصيدُ دراهمَ
في المكان الذي قتله فيه، أو في أقرب موضعٍ إليه إن كان لا يباع الصيدُ في موضع
قتله، فيشتري بتلك القيمةِ هدياً إن شاء، أو يشتري بها طعاماً ويُطعم المساكين، كلَّ
مسكين نصف صاعٍ من بُرُّ، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر(٦).
وأما الشافعيُّ؛ فإنه يرى المِثْلَ من النَّعَم، ثم يقوَّم المِثْلُ كما في المتلَفات يقوَّم
المِثل، وتؤخذ قيمةُ المثل كقيمة الشيء؛ فإنَّ المثلَ هو الأصلُ في الوجوب(٧)، وهذا
بَيِّنٌ، وعليه تُخرَّج قراءةُ الإضافة: ((فَجَزَاءُ مِثْلٍ)).
احتجَّ أبو حنيفة فقال: لو كان الشَّبَه من طريق الخِلقة معتَبراً، في النَّعامة بَدَنة،
وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة، لَمَا أوقفه على عَدلين يحكمان به، لأنَّ ذلك قد
(١) في (م): أضحية، وهما بمعنى.
(٢) في (م): کالجذع.
(٣) في (ظ): فإن الحمامة منه بشاة.
(٤) الدُّبْسي: طائر أدكن يقرقر. والفواخت جمع فاختة: هي ضرب من الحمام المطوَّق. والغُمْري: ضرب
من الحمام. القاموس: (دبس) و(قمر)، واللسان (فخت). ووقع في (ظ): الدُّرَّاج، بدل الدُّبسي،
والدُّرَّاجِ (وزن: رُمَّان) طائر أيضاً القاموس (درج).
(٥) في (ظ): بالمثل، وفي (خ): في المثل.
(٦) أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٧١، والاستذكار ١٧/١٢، وأحكام القرآن للكيا الطبري ١٠٩/٣ و١١٣،
وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٦٥ .
(٧) أحكام القرآن للكيا الطبري ١١٣/٣.

١٩٦
سورة المائدة: الآية ٩٥
عُلم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر. وإنما يفتقرُ إلى العدول والنظرِ (١) ما تُشْكِلُ الحالُ
فيه، ويضطرب وجهُ النظر عليه.
ودليلُنا عليه: قولُ الله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية. فالمثلُ يقتضي
بظاهره المثلَ الخِلْقِيَّ الصُّوريّ دون المعنى، ثم قال: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ فبيَّن جنسَ المثل،
ثم قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ وهذا ضميرٌ راجع إلى مِثْلٍ من النعم؛ لأنه لم يتقدم
ذِكرٌ لسواه يرجع الضميرُ عليه، ثم قال: ﴿هَدِّيَا بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾ والذي يُتصوَّر فيه الهديُ
مِثْلُ المقتول من النَّعم، فأما القيمةُ فلا يتصوَّر أن تكون هدياً(٢)، ولا جری لها ذِكرٌ
في نَفْس الآية، فصحَّ ما ذكرناه. والحمد لله.
وقولهم: لو كان الشَّبَهُ معتبراً لَمَا أوقفه على عَدْلين. فالجواب: أنَّ اعتبار العدلين
إنما وجب للنظر في حال الصيد من صِغَر وکِبَر، وما لا جنسَ له ممَّا له جنسٌ،
وإلحاقٍ ما لم يقع عليه نصٌّ بما وقع عليه النص(٣).
الخامسة عشرة: مَن أحرمَ من مكةَ، فأغلق بابَ بيته على فراخِ حمامٍ فماتت،
فعليه في كلِّ فرخِ شاةٌ.
قال مالك: وفي صغار الصيد مِثلُ ما في كباره، وهو قولُ عطاء(٤). ولا يُفْدَى
عند مالك شيءٌ بعَنَاقٍ ولا جَفْرةٍ(٥)؛ قال مالك: وذلك مثلُ الدية، الصغيرُ والكبير
فيها سواءٌ. وفي الضَّبِّ عنده واليَرْبُوع(٦) قيمتُهما طعاماً. ومن أهل المدينة مَن يخالفه
(١) في أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٦/٢ (والكلام منه): والحكم، بدل: والنظر.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٦٥ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٦٦٦/٢ .
(٤) أخرجه الطبري ٨/ ٦٨٢ .
(٥) العناق: الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة، والجفرة: من أولاد المعز إذا بلغت أربعة
أشهر، وفصلت عن أمها وأخذت في الرعي. النهاية (عنق) و(جفر).
(٦) اليربوع: دُويبة فوق الجرذ، طويل الرجلين قصير اليدين جدًّا، وذيله كذيل الجرذ. معجم متن اللغة
(ربع).

١٩٧
سورة المائدة: الآية ٩٥
في صغار الصيد، وفي اعتبار الجَذَعِ والثَّيِّ، ويقولُ بقول عمر: في الأرنب عَنَاقٌ
وفي اليَرْبوع جَفْرةٍ (١)؛ رواه مالكٌ موقوفاً(٢).
وروى أبو الزبير عن جابر عن النبيِّ:﴿ قال: ((في الضَّبُع إذا أصابه المحرمُ كَبْشٌ،
وفي الظّبْيٍ شاة، وفي الأرنب عَنَاق، وفي اليَرْبوع جَفْرة)). قال: والجفرة التي قد
أرْتَعتْ. وفي طريقٍ آخَرَ: قلتُ لأبي الزبير: وما الجَفْرةُ؟ قال: التي قد فُطِمَت ورَعَت.
خرَّجه الدَّارَ قُطْنيّ(٣).
وقال الشافعي: في النعامة بَدَنة، وفي فرخها فَصِيلٌ، وفي حمار الوحش بقرة،
وفي سَخْلِه ◌ِجْل(٤)؛ لأن الله تعالى حكم بالمِثْليَّة في الخِلقة، والصِّغَرُ والكِبَر
متفاوتان، فيجب اعتبارُ الصغير فيه والكبيرِ كسائر المتلَفات، قال ابن العربيّ(٥):
وهذا صحيح، وهو اختيارُ علمائنا.
قلت: قولُه: وهو اختيار علمائنا، يُشعر أنه المشهور المختار، وليس كذلك،
وإنما هو صريح مذهب الشافعيِّ ﴾(٦).
قالوا: ولو كان الصيدُ أعورَ أو أعرج أو كسِيراً، لكان المِثْلُ على صفته؛
لتحقُّق(٧) المِثلية، فلا يلزم المتلف فوق ما أَتلف.
ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا فَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ولم يَفْصِل بين صغيرٍ وكبير.
وقولُه: ((هَذْياً)) يقتضي ما يتناوله اسمُ الهدي؛ لحقِّ (٨) الإطلاق، وذلك يقتضي الهدي
(١) الكافي ٣٩٣/١ - ٣٩٤.
(٢) في الموطأ ٤١٤/١ .
(٣) في سننه (٢٥٤٦) و(٢٥٤٩)، وأخرجه الشافعي في الأم ٢/ ١٧٥، والبيهقي ١٨٣/٥ من طريق أبي
الزبير عن جابر عن عمر ﴾ موقوفاً. قال البيهقي: والصحيح أنه موقوف على عمر.
(٤) المعونة ٥٤٨/١، والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه. القاموس (فصل).
(٥) في أحكام القرآن ٦٦٨/٢، وما قبله منه.
(٦) من قوله: قلت، إلى هذا الموضع من (خ)، ومن قوله: يشعر، في (د) أيضاً.
(٧) في خ) و(ز) و(ظ) و(م): لتتحقق، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن.
:
(٨) في (خ) و(ظ): بحق، وفي (د) و(ز) والمعونة ٥٤٨/١ (والكلام منه): نحو، والمثبت من (م).

١٩٨
سورة المائدة: الآية ٩٥
التام(١). والله أعلم.
السادسة عشرة: في بيض النَّعامة عُشْرُ ثَمنَ البَدَنةِ عند مالك، وفي بيض الحمامة
المكِّيةِ عنده عُشْرُ ثمن الشَّاة(٢). قال ابن القاسم: وسواءٌ كان فيها فرخٌ أو لم يكن، ما
لم يستهلَّ الفرُ [صارخاً] بعد الكسر، فإن استهلَّ فعليه الجزاءُ كاملاً كجزاء کبیرِ
ذلك الطير (٣). قال ابن المؤَّاز: بحكومة عَدلين(٤).
وأكثر العلماء يرون في بيض كلِّ طائرِ القيمةَ؛ روى عِكرمةُ عن ابن عباس، عن
كعب بن عُجْرةَ: أنَّ النبيَّ:﴿ قضى في بيض نَعامِ أصابه مُحرٌِ بقَدْر ثمنه. خرَّجه
الدَّارَ قُطْنيّ (٥).
ورَوى عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه :﴿: ((في كلِّ بيضةٍ نَعامٍ صيامُ يومٍ،
أو إطعامُ مسكين))(٦).
السابعة عشرة: وأمَّا ما لا مِثْلَ له كالعصافير والفِيَلة، فقيمةُ لحمِه أو عَدُه من
(١) ينظر المعونة ٥٤٨/١ - ٥٤٩، والمنتقى ٢٥٥/٢ .
(٢) الكافي ٣٩٤/١ .
(٣) في (د) و(ز) و(م): كجزاء الكبير من ذلك الطير، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في
المحرر الوجيز ٢٣٨/٢، والكلام منه، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) النوادر والزيادات ٤٧٧/٢، والمحرر الوجيز ٢٣٨/٢.
(٥) في سننه (٢٥٥٠) وهو من طریق إبراهيم بن أبي یحیی، عن حسین بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس،
عن عكرمة به. وأعله عبد الحق في الأحكام الوسطى ٣٣١/٢ بحسين بن عبد الله، وقال ابن القطان في
بيان الوهم والإيهام ١١٨/٣ : ابن أبي يحيى كذاب، وقد قيل فيه ما هو شر من الكذب.
وفي الباب عن أبي هريرة ﴾ أخرجه الدارقطني (٢٥٦٢) من طريق أبي المهزِّم عنه، وأعله عبد الحق
بأبي المهزم. وذكر ابن القطان علة ثانية، وهي أن علي بن غراب يرويه عن أبي المهزِّم بلفظة ((عن)) ولم
يقل: حدثنا، قال ابن القطان: وهو مشهور التدليس وإن كان صدوقاً.
(٦) سنن الدارقطني (٢٥٥٧) وهو من طريق ابن جريج، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به.
قال أبو حاتم كما في العلل لابنه ١/ ٢٧٠ : ليس بصحيح عندي، ولم يسمع ابن جريج من أبي الزناد
شيئاً، يشبه أن يكون ابن جريج أخذه من إبراهيم بن أبي يحيى. وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى
٣٣١/٢: لا يُسند من وجه صحيح.

١٩٩
سورة المائدة: الآية ٩٥
الطعام دون ما يُراد له من الأغراض(١)؛ لأنَّ المُراعَى فيما له مِثلٌ وجوبُ مثلِه، فإن
عُدم المثلُ فالقيمة قائمةٌ مقامَه، كالغصب وغيره. ولأن الناسَ قائلان - أي: على
مذهبين - معتبِرٌ للقيمة في جميع الصيد، ومقتصِرٌ بها على ما لا مِثْلَ له من النَّعم؛ فقد
تضمَّن ذلك الإجماعَ على اعتبار القيمةِ فيما لا مثل له(٢).
وأما الفيل، فقيل: فيه بَدَنةٌ من الهِجان العظام التي لها سَنامان؛ وهي بِيضُ
خُراسانية، فإن لم يوجد شيءٌ من هذه الإبل، فينظرُ إلى قيمته طعاماً، فيكون عليه
ذلك(٣). والعملُ فيه: أن يُجعلَ الفيلُ في مَرْكب، وينظر إلى منتهى ما ينزل المركبُ
في الماء، ثم يُخرج الفيلُ، ويُجعل في المركب الطعامُ(٤)، حتى ينزلَ إلى الحدِّ الذي
نزل والفيلُ فيه، وهذا عَدْلُه من الطعام. وأمَّا أن يُنظرَ إلى قيمته، فهو يكون له ثمنٌ
عظيم لأجل عظامه وأنيابه، فيكثُرُ الطعامُ، وذلك ضرر.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ روى مالكٌ عن عبد الملك
ابن قُرَيْر(٥)، عن محمد بن سيرين: أنَّ رجلاً جاء إلى عمر بنِ الخطاب فقال: إني
أجريتُ أنا وصاحبٌ لي فرسين نستبق إلى ثَغْرة ثَنِيَّةُ(٦)، فأصبنا ظبياً ونحن مُحرِمان،
فماذا ترى؟ فقال عمرُ لرجلٍ إلى جنبه: تعال حتى أَحكُمَ أنا وأنت، قال: فحكما عليه
بعَثْزٍ؛ فولَّى الرجلُ وهو يقول: هذا أميرُ المؤمنين لا يستطيع أن يحكمَ في ظَبْىٍ حتى
(١) في النسخ الخطية: من الأعراض، والمثبت من (م).
(٢) المعونة ١/ ٥٤٢ .
(٣) في (د): فیکون عليه مثل ذلك.
(٤) في (د) و(ز) و(م): طعام، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في عقد الجواهر الثمينة ٤٣٦/١،
والكلام منه.
(٥) في (م) قريب، والمثبت من النسخ الخطية وهو الموافق لما في المصادر. وقد وهّم بعض العلماء مالكاً
في اسمه، منهم الشافعي قال: هو عبد العزيز بن قرير. قال ابن عبد البر: الرجل مجهول، والحديث
معروف محفوظ من رواية البصريين والكوفيين. ينظر التاريخ الكبير ٤٢٨/٥، والاستذكار ٢٧٦/١٣،
ومعرفة السنن والآثار ٧/ ٤٥٠-٤٥١ .
(٦) الثنية: الطريقة في الجبل. اللسان (ثني).

٢٠٠
سورة المائدة: الآية ٩٥
دعا رجلاً يحكم معه! فسمع عمر بنُ الخطاب قولَ الرجل، فدعاه فسأله: هل تقرأ
سورة المائدة؟ فقال: لا، قال: فهل تعرفُ [هذا] الرجلَ الذي حكم معي؟ فقال:
لا ، فقال عمر : لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأَوجعتك ضرباً، ثم قال: إن
الله سبحانه يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدِّيَّا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وهذا
عبد الرحمن بنُ عوف(١).
التاسعة عشرة: إذا اتفق الحَكّمان لَزِمَ الحُكْم، وبه قال الحسن والشافعي. وإن
اختلفا نَظَر في غيرهما. وقال محمد بنُ المؤَّاز: لا يأخذ بأرفع قولهما(٢). [يريد] لأنه
عملٌ بغير تحكيم. وكذلك لا ينتقل عن المثل الخِلْقيِّ إذا حكما به إلى الطعام؛ لأنه
أمرٌ قد لزم. قاله ابنُ شعبان.
وقال ابن القاسم: إنْ أمرَهما أن يَحكُما بالجزاء من المِثل ففعلا، فأراد أن ينتقلَ
إلى الطعام جاز.
وقال ابن وهبٍ رحمه الله في ((العُتبية)): من السُّنَّة أن يُخيِّرَ الحَكَمان مَن أصاب
الصيد، كما خيَّره الله في أن يُخرِجَ ﴿هَدِّيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَنِكِينَ أَوْ عَدْلُ
ذَلِكَ صِيَامًا﴾ فإن اختار الهديَ؛ حَكّما عليه بما يَرَيانِه نظيراً لِمَا أصاب؛ ما بينه
وبين(٣) أن يكونَ عَدْلُ ذلك شاةً، لأنها أدنى الهدي؛ وما لم يبلغ شاةً حَكّما فيه
بالطعام، ثم خُيِّر في أن يُطعمَه، أو يصومَ مكان كلٌّ مُدِّ يوماً، وكذلك قال مالك في
(١) الموطأ ٤١٤/١ وما سلف بين حاصرتين منه، ومن طريق مالك أخرجه البيهقي في السنن الكبرى
٢٠٣/٥ قال ابن التركماني في الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى: هذا الأثر منقطع؛ ابن سيرين
لم يدرك عمر. اهـ. ووصله ابن عبد البر في الاستذكار من طرق أخرى ١٣/ ٢٧٧ - ٢٨١ .
(٢) في (م): بأرفع من قوليهما، وفي النسخ الخطية: بأرفع من قولهما، والمثبت من أحكام القرآن لابن
العربي ٦٦٩/٢، والكلام منه، وكذلك ما سيرد بين حاصرتين منه. وسئل مالك كما في المدونة
٤٤١/١ عن الحكمين إذا اختلفا، أيؤخذ بأرفقهما؟ فقال: يبتدئ الحُكْمَ فيه غيرُهما حتى يجتمعا.
(٣) في النسخ والمحرر الوجيز ٢٣٨/٢ (والكلام منه): ما بينهما وبين، والمثبت من البيان والتحصيل
٦٦/٤، وهو الصواب إن شاء الله تعالى، والعبارة في البيان والتحصيل: فإن اختار الهدي حكما من
الهدي بما يريانه نظيراً لما أصاب من الصيد ما بينه وبين ...