Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة المائدة: الآية ٤٥
والآخرُ: قولُ قتادة: أنَّ فيه ثلثَ الدِّيَة.
قال ابن المنذر: القول الأوّلُ أصحُّ؛ لأنه الأقلُّ مما قيل.
قال ابن العربيّ (١): نصَّ الله سبحانه على أُمَّهات الأعضاءِ، وتركَ باقيَها للقياس
عليها، فكلُّ عضوٍ فيه القصاصُ إذا أمكن ولم يُخشَ عليه الموتُ، وكذلك كلُّ عضوٍ
بطلت منفعتُه وبقيت صورتُه، فلا قَوَدَ فيه، وفيه الدِّيةُ؛ لعدم إمكانِ القَوَدِ فيه.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾؛ أي: مقاصَّةٌ، وقد تقدّم
في ((البقرة))(٢).
ولا قصاصَ في كلِّ مَخُوفٍ، ولا فيما لا يُوصَل إلى القصاص فيه إلّا بأنْ يُخطئَ
الضارب أو يزيدَ أو ينقصَ. ويقادُ من جراح العمدِ إذا كان مما يمكنُ القَوَدُ منه. وهذا
كلُّه في العمد(٣)، فأما الخطأُ؛ فالدِّيَةُ، وإذا كانت الديةُ في قتل الخطأ؛ فكذلك في
الجراح.
وفي صحيح مسلم عن أنس أنَّ أختَ الرُّبَيِّع أمّ حارثة(٤) جَرحت إنساناً،
فاختصموا إلى النبيِّ ﴾، فقال رسول الله﴾: ((القِصاصَ القِصاصَ)). فقالت أم
الرَّبِيع(٥): يا رسول الله، أيُقتَصُّ من فلانة؟! والله لا يُقتصُّ منها. فقال النبيُّ ﴾:
(١) في أحكام القرآن ٢/ ٦٢٧ .
(٢) ٦٣/٣ وما بعدها .
(٣) ينظر الإشراف ٢/ ١٨٠، وعقد الجواهر الثمينة ٢٤٠/٣.
(٤) الرُّبَيّعُ بنت النَّضْر، أختُ أنس بن النَّضْر، وعمة أنس بن مالك، رضي الله عنهم، وهي والدة حارثة بن
سُراقة الذي استُشهد يوم بدر، فجاءت إلى رسول الله # وقالت له: أخبرني عن حارثة، فإن يكن في
الجنة صبرت ... الحديث. ينظر الإصابة ٢٥٢/١٢ .
(٥) قيَّد النوويُّ في شرح صحيح مسلم ١٦٣/١١ أَمَّ الرَّبِيع في هذه الرواية: بفتح الراء وكسر الباء وتخفيف
الياء، وقَيَّد الرُّبِيع (أخت الجارحة): بضمّ الراء وفتح الباء وتشديد الياء. وقد وقع في حديث البخاري
(٢٨٠٩) أن أمَّ الرَّبِيع (بالتخفيف، كما قيدها الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٠٥/٧) بنت البراء، وهي أمّ
حارثة بن سراقة، أتت النبي# ... الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٦/٦: قوله (يعني قول البخاري): أمّ الرَّبيع بنت البراء، وهمّ، نبَّه
عليه غيرُ واحد، من آخرهم الدمياطي، وقال: إنما هي الرُّبَيِّع بنت النّضْر، عمة أنس. وينظر الإصابة
٢٠٦/١٣ (ترجمة أم الربيع بنت البراء).

٢٢
سورة المائدة: الآية ٤٥
((سبحانَ اللهِ يا أمَّ الرَّبِيع؛ القِصاصُ كتابُ الله)) قالت: لا، واللهِ لا يُقْتَصُّ منها أبداً.
قال: فما زالت حتى قَبِلُوا الدِّيَةَ، فقال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ من عباد الله مَنْ لو أَقسم
على الله لَأَبَرَّ))(١).
قلت: المجروحُ في هذا الحديث جاريةٌ، والجرحُ كسرُ ثَنِيّتها، أخرجه النسائيّ
عن أنس أيضاً: أن عمَّته كَسرت ثَنِيّةَ جاريةٍ، فَقضَى نبيُّ اللـه﴾ بالقصاص، فقال
أخوها أنسُ بن النَّضر: أتُكسَر ثَنِيَّةُ فلانة؟ لا والذي بعثك بالحقِّ لا تُكسَرُ ثَنِيَّتُها. قال:
وكانوا قبلَ ذلك سألوا أهلَها العفوَ والأرشَ، فلما حَلَف أخوها - وهو عمُّ أنسٍ، وهو
الشَّهيدُ يومَ أُحد - رَضِيَ القوم بالعفو، فقال النبيُّ﴾: ((إنَّ مِن عباد اللهِ مَن لو أقسم
على الله لَأَبَرَّه))(٢). خرَّجه أبو داود أيضاً(٣)، وقال: سمعت أحمد بن حنبل قيل له:
كيف يُقتصُّ من السّنِّ؟ قال: تُبْرَدُ.
قلت: ولا تعارضَ بين الحديثَين، فإنه يَحتملُ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منهما حلف،
فَبَرَّ اللهُ قسَمَهما. وفي هذا ما يدلُّ على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة
الخَضِر إنْ شاء الله تعالى (٤).
الثالثة والعشرون: أجمع العلماء على أنَّ قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ أنه في
العمد، فمن أصاب ◌ِنَّ أحدٍ عمداً، ففيه القِصاصُ علی حديث أنس.
واختلفوا في سائرِ عظام الجسدِ إذا كُسرتْ عمداً، فقال مالك(٥): عظامُ الجسد
(١) صحيح مسلم (١٦٧٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٠٢٨)، وذكره البخاري معلقاً مختصراً قبل الحديث
(٦٨٨٦)، وسلف ٧٨/٣، وانظر ما بعده.
(٢) المجتبى ٢٧/٨ - ٢٨، والكبرى (٦٩٣٢)، وأخرجه أيضاً البخاري (٤٥٠٠) و(٤٦١١). وفيه أن
الرُّبَيِّع (وهي عمة أنس ﴾) كسرت ثَنِيَّة جارية ... يعني ليس فيه لفظة ((أخت)) كما ورد في حديث
مسلم السالف، الذي فيه: أن أخت الرُّبَيِّع ... فذكر النووي في شرح صحيح مسلم ١٦٣/١١ أنهما
قصتان، وبذلك جزم ابن حزم فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح ١٢/ ٢١٥. وينظر إكمال المعلم
٤٧٤/٥ - ٤٧٥، والمفهم ٣٦/٥.
(٣) برقم (٤٥٩٥).
(٤) عند تفسير الآية (٦٥) من سورة الكهف.
(٥) في المدونة ٦/ ٣١٢.

٢٣
سورة المائدة: الآية ٤٥
كلُّها فيها القَوَدُ إلا ما كان مَخُوفاً (١) مثلَ الفخذِ، والصُّلب، والمأمُومةِ، والمُنَقِّلةِ،
والهاشِمةِ، ففي ذلك الدِّيَةُ.
وقال الكوفيون: لا قصاصَ في عظم يُكسَر ما خلا السنَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ
بِالسِّنِّ﴾، وهو قولُ الليثِ والشافعيّ(٢). قال الشافعيُّ(٣): لا يكون كَسْرٌ ككسرٍ أبداً،
فهو ممنوعٌ.
قال الطّحاويُّ(٤): اتفقوا على أنه لا قصاصَ في عظم الرأسِ؛ فكذلك سائرُ
العِظام. والحجةُ لمالك حديثُ أنسٍ في السنّ، وهي عظمٌ؛ فكذلك سائرُ العِظام إلا
عظماً أجمعوا على أنه لا قصاصَ فیه؛ لخوف ذهابٍ النفسٍ منه.
قال ابن المنذر: ومن قال: لا قصاصَ في عظم فهو مخالفٌ للحديث، والخروج
إلى النظر غيرُ جائزٍ مع وجودِ الخبر(٥).
قلت: ويدلُّ على هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا
أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوثِبْتُم بِهِ﴾
[النحل: ١٢٦]، وما أجمعوا عليه فغيرُ داخلٍ في الآي(٦)، وبالله التوفيق.
الرابعة والعشرون: قال أبو عبيد(٧) في حديثِ النبيِّ # في المُوضِحَةُ(٨)، وما
(١) في (ظ): مجوفاً.
(٢) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٤١/٢، ومختصر اختلاف العلماء للجصاص ١١٢/٥ - ١١٣،
والمفهم ٣٧/٥ .
(٣) في الأم ٣٠٣/٧ .
(٤) في مختصر اختلاف العلماء للجصاص ١١٣/٥، وينظر مختصر الطحاوي ص ٢٣٧ .
(٥) ينظر الإشراف ١٧٩/٢ .
(٦) ينظر المفهم ٣٧/٥ .
(٧) في غريب الحديث ٧٤/٣ - ٧٦ .
(٨) هو قوله : ((وفي الموضحة خمس من الإبل))، أخرجه النسائي في المجتبى ٥٧/٨ - ٥٨، والكبرى
(٧٠١٦) من حديث عمرو بن حزم مطولاً، وسلفت قطع منه ص٩، ١٢، ١٤ من هذا الجزء وأخرجه
أيضاً الترمذي (١٣٩٠)، والنسائي في المجتبى ٥٧/٨ ، وابن ماجه (٢٦٥٥) من حديث عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما.

٢٤
سورة المائدة: الآية ٤٥
جاء عن غيره في الشّجَاج: قال الأصمعيّ وغيره - دخل كلامُ بعضِھم في بعض -:
أوَّلُ الشِّجَاجِ: الحَارِصةُ، وهي التي تَحْرِصُ الجلدَ - يعني التي تَشْقُّه قليلاً - ومنه
قيل: حَرَص القصّارُ الثوبَ إذا شقَّه، وقد يقال لها: الحَرْصَةُ أيضاً.
ثم الباضِعةُ، وهي التي تَشُقُّ اللحم؛ تَبْضَعُه بعدَ الجلد.
ثم المتلاحِمةُ، وهي التي أَخذت في الجلد (١)، ولم تبلغ السِّمْحاقَ. والسِّمْحاق:
جلدةٌ أو قشرةٌ رقيقةٌ بين اللَّحمِ والعظم. وقال الواقِديّ: هي عندنا المِلْطَى. وقال
غيره: هي المِلْطَاةُ، قال(٢): وهي التي جاء فيها الحديث: ((يُقضَى في المِلْطَاة
بِدمها)»(٣).
ثم المُوضِحة، وهي التي تَكشِطُ عنها ذلك القِشر، أو تشقُّ حتى يبدوَ وضَحُ(٤)
العظم، فتلك المُوضِحةُ.
قال أبو عبيد: وليس في شيء من الشِّجَاج قِصاصٌ إلا في المُوضِحة خاصةً؛ لأنه
ليس منها شيءٌ له حدٍّ [معلوم] ينتهي إليه سواها، وأما غيرُها من الشِّجَاج ففيها دِيَتُها.
ثم الهاشِمة، وهي التي تَهِشِم العظمَ(٥).
ثم المُنَقِّلةُ - بكسر القاف حكاه الجوهريُّ - وهي التي تَنقُلُ العظمَ، أي: تكسِره
حتى يخرجَ منها فَرَاشُ العظامِ(٦) مع الدواء(٧). ثم الآمَّةُ، ويقالُ لها: المأمومةُ،
(١) في غريب الحديث: في اللحم.
(٢) يعني أبا عُبيد كما في غريب الحديث ٧٦/٣ .
(٣) أورده أبو عبيد في الغريب ٧٦/٤، والزمخشري في الفائق ٣٨٨/٣، وابن الأثير في النهاية (ملط).
قال في اللسان (ملط): ومعناه أنه حين يُشَجُّ صاحبها يؤخذ مقدارها تلك الساعةَ، ثم يقضى فيها
بالقصاص أو الأرش، ولا يُنظر ما يحدث فيها بعد ذلك من زيادة أو نقصان.
(٤) في النسخ: واضح، والمثبت من (م)، وهو الموافق لغريب الحديث، وقوله: وضح العظم: بياضه،
ينظر القاموس (وضح).
(٥) غريب الحديث ٧٦/٤ ، وما بين حاصرتين منه.
(٦) قوله: فَراش العظام؛ هي قشرة تكون على العظم دون اللحم. اللسان (فرش).
(٧) الصحاح (نقل)، وينظر النوادر والزيادات ٣٩٨/١٣.

٢٥
سورة المائدة: الآية ٤٥
وهي: التي تَبلغُ أُمَّ الرأسِ، يعني الدّماغَ.
قال أبو عبيد: ويقال في قوله: ((ويُقضَى في المِلْطَاةُ (١) بدمها)): إنه إذا شَجَّ
الشَّاجُ، حُكِم عليه للمشجوج بمبلغ الشَّجَّةِ ساعةَ شَجَّ، ولا يُستَأنی بها. قال: وسائر
الشِّجَاجِ يُستَأنى(٢) بها حتى ينظرَ إلى ما يصيرُ أمرُها، ثم يُحكمُ فيها حينئذٍ.
قال أبو عبيد: والأمر عندنا في الشّجاج كلِّها والجِراحاتِ كلِّها أنه يُستَأنى بها؛
حدثنا هُشَيْم، عن حُصَيْن قال: قال عمر بنُ عبد العزيز: ما دون المُوضِحة خُدُوش
فيها(٣) صُلْحٌ. وقال الحسن البصريّ: ليس فيما دون المُوضِحة قصاصٌ. وقال مالك:
القِصاصُ فيما دون المُوضِحة؛ المِلْطَى والدامية والباضِعة وما أشبه ذلك، وكذلك
قال الکوفیون وزادوا السّمْحاقَ، حكاه ابن المنذر (٤).
وقال أبو عبيد: الدّامِيةُ التي تَدْمَى(٥) من غير أنْ يَسيلَ منها دمٌ. والدّامِعة(٦): أنْ
يَسيلَ منها دمٌّ. وليس فيما دون المُوضِحةِ قصاصٌ. وقال الجوهريُّ(٧): والدّاميةُ:
الشَّجَّةُ التي تَدْمَی ولا تَسیل.
وقال علماؤنا: الدّاميةُ هي التي تُسيلُ الدَّمَ، ولا قصاصَ فيما بعدَ المُوضِحةِ، من
الهاشِمة للعظم، والمُنَقِّلةِ على خلافٍ فيها خاصَّةً، والآمّة، وهي(٨) البالغةُ إلى أمّ
(١) في (ظ): المِلْطا.
(٢) في (م): الشجاج عندنا يُستأنى.
(٣) في (م): وفيها.
(٤) في الإشراف ٢/ ١٤٥ - ١٤٦ .
(٥) في النسخ: تدمل، والمثبت من (م)، وهو الموافق لغريب الحديث ٤/ ٧٧ .
(٦) في النسخ، ومثله في غريب الحديث ٧٧/٤: الدامغة، وهو خطأ، والمثبت من (م)، وهو الموافق
لتهذيب اللغة ٢/ ٢٥٧ .
(٧) في الصحاح (دما).
(٨) في النسخ: هي، والمثبت من عقد الجواهر الثمينة ٢٤٠/٣ ، والكلام منه.

٢٦
سورة المائدة: الآية ٤٥
الرأسِ، والدّامِغة الخارقة لخريطة (١) الدِّماغ. وفي هاشِمة الجسدِ القصاصُ، إلا ما
هو مَخُوفٌ(٢) كالفخذ وشبهِهِ. وأما هاشمةُ الرأسِ؛ فقال ابن القاسم: لا قَوَدَ فيها؛
لأنها لابد تَعودُ مُنَقِّلةً. وقال أشهب: فيها القِصاصُ إلا أنْ تنتقلَ(٣)، فتصيرَ مُنَقِّلةً لا
قَوَدَ فيها.
وأما الأطرافُ؛ فيجب القِصاصُ في جميع المفاصلِ إلا المخوفَ منها، وفي
معنى المفاصلِ أبعاضُ المارِن والأذنين والذكر والأجفان والشّفتين [والشَّفْرين]؛
لأنها تقبل التقدير. وفي اللسان روايتان.
والقِصاصُ في كسر العظام، إلا ما كان مُتْلِفاً، كعظام الصَّدرِ والعُنُقِ والصُّلْب
والفخِذ وشبهه. وفي كسر عظامِ العضُدِ القِصاصُ (٤).
وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذّ رجلٍ أنْ يُكسَر
فخذُهُ(٥)، وفعل ذلك عبدُ العزيز بنُ عبد الله بنٍ خالد بن أسيد (٦) بمكةً.
ورُويَ عن عمرَ بنِ عبد العزيز أنه فعله، وهذا مذهبُ مالكٍ على ما ذكرنا، وقال:
إنه الأمرُ المجتمع عليه عندَهم، والمعمولُ به في بلادنا في الرجل يضربُ الرجلَ،
فيتَّقيه بيده، فيكسرُها، يقادُ منه(٧).
(١) في عقد الجواهر الثمينة: والدامغة البالغة إلى خريطة.
(٢) في (ظ): مجوف (في الموضعين).
(٣) في (م): تنقل.
(٤) عقد الجواهر الثمينة ٣/ ٢٤٠، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٧٥، وأبو بكر بن محمد هو أمير المدينة وقاضيها، كان أعلم أهل زمانه
بالقضاء، مات سنة (١٢٠هـ). السير ٣١٣/٥.
(٦) هو أمير مكة، استعمله عليها عبد الملك بن مروان، مات سنة (٩٨هـ). تهذيب التهذيب ٥٨٧/٢ .
(٧) الإشراف ٢/ ١٨٠، وينظر الموطأ ٢/ ٨٧٥ .

٢٧
سورة المائدة: الآية ٤٥
الخامسة والعشرون: قال العلماء: الشِّجَاجُ في الرأس، والجِراحُ في البدن.
وأجمع أهلُ العلم على أنَّ فيما دون المُوضِحة أرْشٌ(١) فيما ذكر ابن المنذر(٢)،
واختلفوا في ذلك الأرش.
وما دون المُوضِحة شِجاجٌ خمسٌ: الدَّامِيةُ، والدّامِعةُ، والباضِعةُ، والمتلاحِمةُ،
والسِّمْحاقُ؛ فقال مالك والشافعيُّ وأحمد وإسحاق وأصحابُ الرأي: في الدّامِية
حكومةٌ، وفي الباضِعة حكومةٌ، وفي المتلاحِمة حكومةٌ.
وذكر عبد الرزاق، عن زيد بن ثابت قال: في الدّامِية بعِيرٌ، وفي الباضِعة بعِیران،
وفي المتلاحمة ثلاثةُ أبعِرة من الإبل، وفي السِّمْحَاق أربعٌ، وفي المُوضِحة خمسٌ،
وفي الهاشِمة عشرٌ، وفي المُنَقِّلة خمسَ عشرة، وفي المأمومة ثلثُ الدّيةِ، وفي الرجل
يُضرَبُ حتى يذهبَ عقلُه: الدّيةُ كاملةً، أو يُضْربُ حتى يَغُنَّ ولا يُفْهِم: الدّيةُ كاملةً،
أو حتَى يَبَعَّ ولا يُفْهِم: الدّيةُ كاملةً، وفي ◌َفْن العين ربعُ الدّية. وفي حَلَمة الثدي ربعُ
الدّية(٣).
قال ابن المنذر: ورُويَ عن عليّ في السِّمْحاق مثلُ قولِ زیدٍ. ورُوي عن عمر
وعثمان أنهما قالا: فيها نصفُ المُوضِحة. وقال الحسن البصريُّ وعمر بنُ عبدِ العزيز
والنَّخَعيّ: فيها حكومةٌ؛ وكذلك قال مالك والشافعيّ وأحمد (٤).
ولا يختلف العلماء أنَّ المُوضِحَة فيها خمسٌ من الإبل؛ على ما في حديث عمرو
ابن حزم، وفيه: ((وفي المُوضِحة خمس))(٥).
وأجمع أهل العلم على أنَّ المُوضِحةَ تكون في الرأس والوجهِ. واختلفوا في
(١) كذا في النسخ، وفي الإشراف ١٤٢/٢ : أرشاً.
(٢) في الإشراف ٢/ ١٤٢، وما بعده منه.
(٣) مصنف عبد الرزاق (١٧٣٢١)، وقوله: يغُنُّ؛ أي: يتكلم من قبل خياشيمه ينظر الصحاح (غنن).
(٤) الإشراف ١٤٥/٢ .
(٥) سلف أول المسألة الرابعة والعشرين.

٢٨
سورة المائدة: الآية ٤٥
تفضيل مُوضِحة الوجهِ على مُوضِحة الرأسِ، فرُوِيَ عن أبي بكر وعمر: هما (١) سواء.
وقال بقولهما جماعة من التابعين، وبه يقول الشافعيُّ وإسحاق.
ورُويَ عن سعيد بن المسيّب: تُضَعَّفُ(٢) مُوضِحةُ الوجهِ على مُوضِحة الرأس.
وقال أحمد: مُوضِحةُ الوجه أَحْرَى أنْ يزادَ فيها. وقال مالك: المأمومةُ والمنقِّلة
والمُوضِحة لا تكونُ إلا في الرأس والوجه، ولا تكونُ المأمومةُ إلا في الرأس خاصَّةً
إذا وصل إلى الدّماغ؛ قال: والمُوضِحة ما تكون في جُمْجُمة الرأس، وما دونها فهو
من العنق ليس فيه مُوضِحةٌ. قال مالكٌ: والأنف ليس من الرأس، وليس فيه (٣)
مُوضحةٌ، وكذلك اللَّخيُ الأسفلُ ليس فيه مُوضِحٌ.
وقد اختلفوا في المُوضِحة في غير الرأسِ والوجه، فقال أشهب وابن القاسم:
ليس في مُوضِحة الجسد ومنقِّلتِه ومأمومتِه إلا الاجتهادُ، وليس فيها أَرْشٌ معلوم(٤).
قال ابن المنذر: هذا قولُ مالكِ والثوريِّ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ، وبه نقول.
ورُوِيَ عن عطاء الخراسانيّ: أنَّ المُوضِحةَ إذا كانت في جسد الإنسانِ: فيها
خمسٌ وعشرون ديناراً(٥).
قال أبو عمر(٦): واتفق مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما أنَّ من شَجَّ رجلاً مأمومتين،
أو مُوضِحتين، أو ثلاثَ مأموماتٍ، أو مُوضِحات، أو أكثرَ في ضربةٍ واحدةٍ: أنَّ
فيهن كلِّهن - وإن انخرقت، فصارت واحدةً - دِیةً كاملةً.
وأما الهاشِمة فلا دِيةً فيها عندنا، بل حكومةٌ(٧).
(١) في (م): أنهما.
(٢) في (ز) و(م): تضعيف، وفي (ظ): بضعف، والمثبت من (د)، وهو الموافق للإشراف ١٤٦/٢،
والكلام منه، وأخرجه عبد الرزاق (١٧٣٣٨).
(٣) في النسخ: فيها، والمثبت من (م)، وهو الموافق للتمهيد ٣٦٧/١٧ - ٣٦٨. والكلام منه.
(٤) ينظر الإشراف ١٤٧/٢، والتمهيد ٣٦٩/١٧.
(٥) الإشراف ٢/ ١٤٧ .
(٦) في التمهيد ٣٦٩/١٧ .
(٧) عقد الجواهر الثمينة ٢٥٩/٣ .

٢٩
سورة المائدة: الآية ٤٥
قال ابن المنذر(١): ولم أجِد في كتب المدنيين ذِكرَ الهاشِمة، بل قد قال مالك
فيمن كسر أنفَ رجلٍ: إن كان خطأً ففيه الاجتهادُ. وكان الحسن البصريُّ لا يوقِّتُ في
الهاشِمة شيئاً. وقال أبو ثور: إن اختلفوا فيه ففيها حكومةٌ. قال ابن المنذر: النظر يدل
على هذا؛ إذا لا سُنةَ فيها ولا إجماعَ.
وقال القاضي أبو الوليد الباجي: فيها ما في المُوضِحة، فإنْ صارت مُنَقِّلةً؛
فخمسةَ عشر، وإنْ صارت مأمومةً فثلثُ الدّية(٢).
قال ابن المنذر(٣): ووجدنا أكثرَ من لقيناه وبلغَنا عنه من أهل العلم يجعلون في
الهاشِمة عشراً من الإبل؛ روينا هذا القولَ عن زيد بن ثابت، وبه قال قَتَادةُ وعبيدُ الله
ابنُ الحسن والشافعيُّ.
وقال الثوريُّ وأصحاب الرأي: فيها ألفُ دِرهم، ومرادُهم عُشْرُ الدّية.
وأما المنقّلة؛ فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبيِّ # أنَّه قال: ((في المنَقِّلة
خمسَ عشرةَ من الإبل)) (٤). وأجمع أهل العلم على القول به.
قال ابن المنذر: وقال كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم: إنَّ المنقِّلةَ هي التي تنقلُ
منها العظام.
وقال مالك والشافعيّ وأحمد وأصحاب الرأي - وهو قولُ [عطاء و] قَتَادة وابن
شُبْرُمة -: إنّ المنَقِّلة لا قَوَد فيها. وروينا عن ابن الزبير - وليس بثابت عنه - أنَّه أقاد من
المنقِّلة. قال ابن المنذر(٥): والأوّل أولى؛ لأني لا أعلم أحداً خالف في ذلك.
وأمَّا المأمومة؛ فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي ﴿ أنَّه قال: ((في
(١) في الإشراف ١٤٨/٢ .
(٢) المنتقى ٨٩/٧، وعقد الجواهر الثمينة ٢٥٩/٣، وعنه نقل المصنف.
(٣) في الإشراف ٢/ ١٤٧ - ١٤٨ .
(٤) قطعة من حديث عمرو بن حزم سلف ذكره ص٩، ١٢، ١٤، ٢٣ من هذا الجزء.
(٥) في الإشراف ١٤٨/٢ - ١٤٩، وما قبله، وما بين حاصرتين منه.

٣٠
سورة المائدة: الآية ٤٥
المأمومة ثلثُ الدِّيّة))(١). وأجمع عوامُ أهل العلم على القول به، ولا نعلم أحداً خالف
ذلك إلا مكحولاً؛ فإنه قال: إذا كانت المأمومة عمداً ففيها ثلثا الدّية، وإذا كانت
خطأ ففيها ثلثُ الدّية. وهذا قول شاذٌّ، وبالقول الأول أقول.
واختلفوا في القَوَد من المأمومة، فقال كثيرٌ من أهل العلم: لا قَوَد فيها، ورُويَ
عن ابن الزبير: أنَّه أَقَصَّ من المأمومة، فأنكر ذلك الناسُ. وقال عطاء: ما علمنا أحداً
أقاد منها قبْلَ ابنِ الزبير(٢).
وأما الجائِفةُ؛ ففيها ثلثُ الدِّية على حديث عمرو بن حزم، ولا خلافَ في ذلك
إلا ما رُويَ عن مكحولِ أنَّه قال: إذا كانت عمداً ففيها ثلثا الدّية، وإن كانت خطأً
ففيها ثلثُ الدّية. والجائِفة: كلُّ ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة، فإنْ نفَّذَت من
جهتين فهي عندهم جائفتان، وفيها من الدّية الثلثان(٣).
قال أشهب: وقد قضى أبو بكر (٤) الصِّدِّيقُ ﴾ في جائفةٍ نافذةٍ من الجنب الآخر
بدية جائفتین.
وقال عطاء ومالك والشافعيُّ وأصحابُ الرأي؛ كلَّهم(٥) يقولون: لا قِصاصَ في
الجائِفة. قال ابن المنذر(٦): وبه نقول.
السادسة والعشرون: واختلفوا في القَوَد من اللَّظمة وشبهها، فذكر البخاريُّ عن
أبي بكر وعليّ وابن الزبير وسُوَيْد بن مُقَرِّن ﴾ أنَّهم أقادوا من اللَّظمة وشبهها(٧).
(١) قطعة من حديث عمرو بن حزم السالف ذكره.
(٢) الإشراف ١٤٩/٢ - ١٥٠، وأثر ابن الزبير أخرجه عبد الرزاق (١٨٠١٢).
(٣) ينظر الإشراف ١٧٤/٢، والتمهيد ٣٦٥/١٧ - ٣٦٦ ، وحديث عمرو بن حزم سلفت قطع منه
ص٩، ١٢، ١٤، ٢٣، ٢٩ من هذا الجزء.
(٤) لفظة: أبو بكر من (م)، وقول أشهب في النوادر والزيادات ٤١٩/١٣، وقضاء أبي بكر أخرجه عبد
الرزاق (١٧٦٢٣).
(٥) لفظة: كلهم، من (م).
(٦) في الإشراف ٢/ ١٧٤ .
(٧) ذكره البخاري تعليقاً إثر الحديث (٦٨٩٦)، وأخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة ٤٤٥/٩ - ٤٤٦ عدا أثر
سُويد بن مقرن فقد أخرجه مسلم (١٦٥٨) (٣١).

٣١
سورة المائدة: الآية ٤٥
ورُوي عن عثمانَ وخالدِ بن الوليد مثلُ ذلك، وهو قولُ الشَّعْبيِّ وجماعةٍ من أهل
الحدیث.
وقال الليث: إنْ كانت اللّطمةُ في العين، فلا قصاص(١) فيها للخوف على العين،
ويعاقِبُه السلطان. وإن كانت على الخدِّ، ففيها القَود.
وقالت طائفة: لا قِصاصَ في اللّطمة، رُوي هذا عن الحسن وقَتَادة، وهو قولُ
مالكٍ والكوفيين والشافعيّ (٢)، واحتج مالك في ذلك فقال: ليس لَظْمَةُ المريض
الضعيفِ مثلَ لطمةِ القويّ، وليس العبدُ الأسودُ يُلطّم مثلَ الرجلِ ذي الحالة والهيئة؛
وإنَّما في ذلك كلُّه الاجتهادُ؛ لجهلنا بِمقدار اللَّطمة.
السابعة والعشرون: واختلفوا في القَوَد من ضَرْب السَّوطِ، فقال اللَّيث
والحسن(٣): يقادُ منه، ويزادُ عليه للتعدي. وقال ابن القاسم: يُقادُ منه. ولا يقادُ منه
عند الكوفيين والشافعيِّ إلَّ أنْ يَجرحَ؛ قال الشافعيُّ: إن جرح السَّوطُ ففيه حكومةٌ(٤).
وقال ابن المنذر(٥): وما أُصيب به من سوطٍ أو عصّا أو حجرٍ؛ فكان دونَ
النفس، فهو عمدٌ، وفيه القَوَدُ، وهذا قولُ جماعةٍ من أصحاب الحديث.
وفي البخاريّ: وأقاد عمر من ضربةٍ بالدِّرَّة، وأقاد عليّ بنُ أبي طالب من ثلاثةٍ
أسواطٍ، واقتص شُرَيْح من سوط وخُمُوش(٦).
(١) في (م): فلا قود.
(٢) ينظر الإشراف ١٨١/٢، ومختصر اختلاف العلماء ١٢٦/٥ - ١٢٨ .
(٣) قوله: والحسن، من (م).
(٤) ينظر مختصر اختلاف العلماء ١٢٦/٥.
(٥) في الإشراف ٢/ ١٨١ .
(٦) ذكره البخاري تعليقاً إثر الحديث (٦٨٩٦)، ووصل أثر عمر وشريح عبد الرزاق (١٨٠٣٥)،
(١٨٠٢٦)، ووصل أثر علي ابنُ أبي شيبة ٩/ ٤٤٧ .

٣٢
سورة المائدة: الآية ٤٥
قال ابن بَطّال: وحديثُ لدِّ النبيِّ﴾ لأهل البيتِ(١)، حجةٌ لمن جَعَلَ القَوَدَ في
كلِّ أَلِمٍ وإنْ لم يكن جرح(٢).
الثامنة والعشرون: واختلفوا في عَقْل جراحاتِ النساء، ففي موطأ مالكٍ: عن
يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب أنه كان يقول: تُعاقِل المرأةُ الرجلَ إلى ثلث
الدِّيَةَ (٣)، إصبعُها كإصبعه، وسِنُّها كسِنِّه، ومُوضِحتُها كموضِحته، ومُنَقِّلتُها كمنقلته.
قال ابن بُكَير: قال مالك: فإذا بلغت ثلثَ دية الرجل، كانت على النصف من دِية
الرجل (٤).
قال ابن المنذر: روينا هذا القولَ عن عمرَ وزيدٍ بن ثابت، وبه قال سعيدُ بن
المسيّب وعمر بن عبد العزيز، وعُرْوةُ بن الزبير، والزهريُّ وقَتَادةُ، وابن هُرْمُز ومالكٌ
وأحمدُ بن حَنْبل وعبدُ الملك بن الماجِشُون.
وقالت طائفةٌ: دِية المرأة على النّصف من دية الرجل فيما قلَّ أو كثُرَ؛ روينا هذا
القولَ عن عليّ بن أبي طالب، وبه قال الثوريُّ والشافعيُّ وأبو ثور والنعمانُ
وصاحباه؛ واحتجُّوا بأنَّهم لمَّا أجمعوا على الكثير وهو الدّيةُ، كان القليلُ مثلَه، وبه
نقول(٥).
التاسعة والعشرون: قال القاضي عبدُ الوهّاب: وكلُّ ما فيه جمالٌ منفردٌ عن منفعة
أصلاً ففيه حكومةٌ، كالحاجبين، وذهابٍ شعر اللحية وشعر الرأس، وثدي الرَّجل،
(١) أخرجه أحمد (٢٤٢٦٣)، والبخاري (٦٨٨٦)، ومسلم (٢٢١٣) من حديث عائشة رضي الله عنها
قالت: لَدَدْنا النبيَّ # في مرضه، فقال: لا تُلِدُّوني)). فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال:
(لا يبقى أحد منكم إلا لُدَّ غير العباس، فإنه لم يشهدْكم)) وقوله: لُدَّ، من اللدِّ، وهو أن يؤخذ بلسان
الصبي، فيمد إلى أحد شقيه، ويوجر [أي: يُصبُّ] في الآخر الدواء ... بين اللسان وبين الشدق. لسان
العرب (لدد).
(٢) ينظر فتح الباري ٢٢٩/١٢ .
(٣) في (م): ثلث دية الرجل.
(٤) المدونة ٣١٨/٦ - ٣١٩، ومختصر اختلاف العلماء ١٠٥/٥ .
(٥) الإشراف ٢/ ١٤٠، وليس فيه ابن الماجشون.

٣٣
سورة المائدة: الآية ٤٥
وأليتِه(١).
وصفة الحكومة: أَنْ يُقوَّم المجنيُّ عليه لو كان عبداً سليماً، ثم يُقوَّم مع الجناية؛
فما نَقص من ثمنه، جعل جزءاً من دِيَته بالغاً ما بلغَ، وحكاه ابن المنذر(٢) عن كلِّ من
يُحفظ عنه من أهل العلم، قال: ويُقبلُ فيه قولُ رجلين ثقتين من أهل المعرفة.
وقيل: بل يُقبل قولُ عدل واحد. والله سبحانه أعلم.
فهذه ◌ُمَلٌ من أحكام الجراحاتِ والأعضاءِ تضمنتها هذه الآيةُ، فيها لمن اقتصر
عليها كفايةٌ، والله الموفّقُ للهداية بمنُّه وكرمِه.
الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّ﴾ شرط
وجوابه، أي: تصدَّق بالقصاص فعفا، فهو كفَّارةٌ له، أي: لذلك المتصدِّق.
وقيل: هو كفَّارةٌ للجارح، فلا يؤاخذُ بجنايته في الآخرة؛ لأنه يَقوم مَقام أخذٍ
الحقّ منه، وأجر المتصدِّق عليه.
وقد ذكر ابن عباس القولين، وعلى الأوّل أكثرُ الصحابة ومن بعدهم، ورُوي
الثاني عن ابن عباس ومجاهد، وعن إبراهيم النَّخَعيِّ والشَّعْبيّ بخلافٍ عنهما،
والأوّل أظهرُ؛ لأن العائدَ فيه يَرجع إلى مذكور، وهو ((مَنْ)(٣).
وعن أبي الدَّرْدَاء عن النبيِّ #: ((ما من مسلم يُصاب بشيء من جسده؛ فيهبُه، إلّا
رفعه الله به درجةً، وحَظّ عنه به خطيئةً))(٤).
قال ابن العربي(٥): والذي يقول: إنَّه إذا عفا عنه المجروحُ عفا الله عنه، لم يقم
علیه دلیلٌ، فلا معنی له.
(١) بنحوه في المعونة ١٣٢٨/٣ - ١٣٢٩.
(٢) في الإشراف ٢/ ١٨١ - ١٨٢، وينظر عقد الجواهر الثمينة ٢٦١/٣.
(٣) ينظر تفسير البغوي ٤١/٢ - ٤٢، والمحرر الوجيز ١٩٨/٢، وأخرج الأقوال الطبري ٤٧٣/٨ - ٤٧٧ .
(٤) أخرجه أحمد (٢٧٥٣٤)، والترمذي (١٣٩٣)، وابن ماجه (٢٦٩٣) من طريق أبي السَّفَر عنه، قال
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السَّفَر سماعاً من أبي الدرداء.
اهـ. وفي الباب عن عبادة بن الصامت عند أحمد (٢٢٧٠١)، والنسائي في الكبرى (١١٠٨١).
(٥) في أحكام القرآن ٢/ ٦٢٨ .

٣٤
سورة المائدة: الآيتان ٤٦ - ٤٧
قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَِهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَةِ
وَءَتَيْنَهُ آلْإِنِيلَ فِيهِ هُدَى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ النَّوْرَنَّةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةً
لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيَةٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ
٤٧
فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَِقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَقَقَّنَا عَلَى ءَاثَِهِمْ بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ﴾، أي: جعلنا عيسى يقفُو آثارَهم،
أي: آثارَ النَّبِين الذين أسلموا.
﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، يعني التوراةَ، فإنه رأى التوراة حقًّا، ورأى وجوبَ
العمل بها إلى أنْ يأتيّ ناسخٌ. ((مُصَدِّقًا)) نصب على الحال من عيسى(١).
﴿فِيهِ هُدَى﴾ في موضع رفع بالابتداء. ﴿وَنُورٌ﴾ عطفٌ عليه. ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ فيه
وجهان؛ يجوز أنْ يكون لعيسى، وتعطفه على ((مصدقاً)) الأوّل، ويجوزُ أنْ يكونَ
حالاً من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقِرًّا فيه هدى ونورٌ ومصدِّقاً.
﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾ عطف(٢) على ((مُصَدِّقاً))، أي: هادياً وواعظاً ﴿لِلْمُنَّقِينَ﴾،
وخصَّهم؛ لأنهم المنتفِعون بهما(٣). ويجوز رفعهما على العطف على قوله: ((فِيهِ هُدّى
وَنُورٌ)).
قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فِيةٍ﴾ قرأ الأعمش وحمزةُ بنصب
الفعل على أنْ تكونَ اللَّمُ لامَ كي. والباقون بالجزم على الأمر(٤)، فعلى الأوَّلِ تكونُ
اللَّامِ متعلقةً بقوله: ((وَآتَيْنَاهُ))، فلا يجوز الوقف، أي: وآتيناه الإنجيل؛ ليَحكمَ أهلُه
بما أنزلَ الله فيه. ومن قرأه على الأمر فهو كقوله: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَتْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
فهو إلزام مستأنفٌ يبتدأ به، أي: لِيَحكمْ أهلُ الإنجيل، أي: في ذلك الوقت، فأما
(١) ينظر مجمع البيان ١٠٩/٢، والوسيط ١٩٣/٢.
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٣/٢.
(٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٣١٢/١، ومشكل إعراب القرآن ٢٢٨/١.
(٤) السبعة ص٢٤٤، والتيسير ص٩٩ .

٣٥
سورة المائدة: الآيات ٤٦ - ٤٨
الآن فهو منسوخٌ(١).
وقيل: هذا أمرٌ للنَّصارى الآن بالإيمان بمحمد ﴾، فإنَّ في الإنجيل وجوبَ
الإيمانِ به، والنسخُ إنما يُتَصور في الفروع؛ لا في الأصول(٢).
قال مكيّ(٣): والاختيار الجزمُ؛ لأنَّ الجماعةَ عليه، ولأنَّ ما بعده من الوعيد
والتهديد يدلُّ على أنَّه إلزامٌ من الله تعالى لأهل الإنجيل.
قال النحاس(٤): والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان؛ لأن الله عزَّ وجلَّ لم
يُنزِل كتاباً إلا ليُعملَ بما فيه، وأمر بالعمل بما فيه؛ فصَحَّتا جميعاً.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَّلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ
وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءََكَ مِنَ
اَلْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَِدَةٌ وَلَكِنْ
◌ِيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ أَلْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُلَّيِئُكُمْ بِمَا
١٤٨
كُثُمْ فِيهِ تَّخْتَلِفُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ الخطابُ لمحمدٍ ﴾. و((الكتاب)): القرآن.
﴿بَلْحَقِّ﴾، أي: بالأمر(٥) الحقِّ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتَبِ﴾،
أي: من جنس الكُتُب(٦).
﴿وَمُهَيْمِنَا عَلَيَّةٍ﴾، أي: عالياً(٧) عليها ومرتفعاً. وهذا يدلُّ على تأويل من يقول
(١) ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤١١/١.
(٢) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٩٤/٢ - ٢٩٥، وتفسير الرازي ١٠/١٢.
(٣) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤١١ .
(٤) في إعراب القرآن ٢٣/٢ .
(٥) في (م): أي هو بالأمر.
(٦) ينظر تفسير الطبري ٨/ ٤٨٥ - ٤٨٦، والمحرر الوجيز ١٩٩/٢ .
(٧) في (ظ): غالباً.

٣٦
سورة المائدة: الآية ٤٨
بالتفضيل، أي: في كثرة الثواب، على ما تقدَّمت إليه الإشارةُ في ((الفاتحة))(١)، وهو
اختيارُ ابنِ الحصَّار في كتاب شرح السُّنَّة له. وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح
الأسماء الحسنى(٢)، والحمدُ لله.
وقال قَتَادة: المُهيمِن معناه الشَّاهد(٣). وقيل: الحافظ(٤). وقال(٥) الحسن:
المصدِّقُ؛ ومنه قولُ الشاعر:
إنَّ الكتابَ مُهِيمِنٌ لنبيِّنا والحقُّ يعرفُه ذوو الألبابٍ(٦)
وقال ابن عباس: ((وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ))، أي: مؤتَمَناً عليه.
قال سعيد بن جُبَير: القرآن مؤتَمَنٌ على ما قبلَه من الكتب. وعن ابن عباس
والحسنِ أيضاً: المهيمن: الأمين(٧).
قال المبرِّد: أصله مُؤَيْمن(٨)، أُبدل من الهمزة هاء؛ كما قيل في ((أرَقْتُ الماءَ)):
هَرَقْت، وقاله الزجَّاج(٩) أيضاً وأبو عليّ. وقد صُرف، فقيل: هَيْمَنَ يُهِيمِن هَيْمَنةً(١٠)،
(١) ١٦٨/١ - ١٧١ .
(٢) لم نقف عليه في المطبوع منه.
(٣) أخرجه الطبري ٤٨٦/٨ - ٤٨٧ بنحوه.
(٤) ينظر الوسيط ١٩٥/٢ .
(٥) لفظة: وقال، من (م)، وأخرج القول الطبري ٤٨٩/٨ .
(٦) ذكره الواحدي في الوسيط ١٩٥/٢، والبغوي في تفسيره ٢/ ٤٢، والرازي في تفسيره ١١/١٢، وأبو
حيان في البحر المحيط ٥٠١/٣ . وجاء الشطر الثاني في بيت لحسان في ديوانه ص٣٥؛ يهجو فيه
الحارث بن هشام، ولفظه:
أخواتُ أُمكَ قد علمتَ مكانها
والحق يفهمه ذوو الألباب
(٧) أخرج هذه الآثار الطبري ٨/ ٤٨٧ - ٤٨٩ .
(٨) في النسخ الخطية، ومثله في معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٨٠: مؤتمن، والمثبت من (م)، وهو الموافق
المحرر الوجيز ٢٠٠/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٣١٨/٢، وتهذيب اللغة ٣٣٣/٦، وزاد المسير
٣٧٠/٢.
(٩) في معاني القرآن ٢/ ١٨٠.
(١٠) ينظر تهذيب اللغة ٣٣٤/٦.

٣٧
سورة المائدة: الآية ٤٨
وهو مُهَيْمِنٌ، بمعنى: كان أميناً.
الجوهريّ: هو من: آمَنَ غيرَه من الخوف؛ وأصله: أُمَنَ، فهو مُؤَأُمِنٌ،
بهمزتين، قُلبت الهمزةُ الثانية ياءً كراهةً لاجتماعهما فصار: مُؤَيْمن، ثم صيِّرت
الأولى هاءً كما قالوا: هَرَاقَ الماءَ وأرَاقه(١)؛ يقال منه: هيْمن على الشيء يُهيمِن:
إذا كان له حافظاً، فهو مُهيمن؛ عن أبي عُبيد(٢).
وقرأ مجاهدٌ وابن مُحيصِن: ((وَمُهَيْمَناً عَلَيْهِ)) بفتح الميم(٣)؛ قال مجاهد: أي:
محمد # مؤتمَنٌ على القرآن (٤).
قوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ يوجِبُ الحكم؛ فقيل: هذا نسخٌ
للتخيير في قوله: ﴿فَأَعَّكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقيل: ليس هذا
وجوباً، والمعنى: فاحكم بينهم إنْ شئت؛ إذ لا يجب علينا الحكمُ بينهم إذا لم
يكونوا من أهل الذِّمَّة. وفي أهل الذِّمَّة تردّدٌ، وقد مضى الكلامُ فيه(٥).
وقيل: أراد: فاحكم بين الخلق؛ فهذا كان واجباً عليه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ فيه مسألتان (٦):
الأولى: قوله تعالى: ((وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ))؛ يعني: لا تعملْ بأهوائهم ومرادِهم.
((عما جاءك (٧) من الحق))؛ يعني: لا تترك الحكمَ بما بَيَّن اللهُ تعالى من(٨) القرآن من
بيان الحقِّ وبيانِ الأحكام.
(١) الصحاح (همن)، وفيه: وهراقه بدل: وأراقه.
(٢) ينظر معاني القرآن للنحاس ٣١٨/٢، والوسيط ١٩٥/٢، وتفسير الرازي ١٢/ ١١.
(٣) القراءات الشاذة ص٣٢ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٣١٨/٢، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٨/ ٤٩٠ - ٤٩١، وقال: وهذا التأويل
بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ.
(٥) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٩٣/٢ - ٢٩٤، وسلف الكلام فيه ٤٧٨/٧ .
(٦) كذا في النسخ، وذكر المصنف هنا مسألة واحدة.
(٧) في النسخ الخطية و(م): ومرادهم على ما جاءك، والمثبت من تفسير أبي الليث ١/ ٤٤١، والكلام منه.
(٨) في تفسير أبي الليث: في.

٣٨
سورة المائدة: الآية ٤٨
والأهواءُ جمع هوّى؛ ولا يجمع أَهْوِية؛ وقد تقدَّم في ((البقرة))(١). فنهاه عن أنْ
يَتَّبِعَهم فيما يريدونه. وهو يدلُّ على بُطلان قول من قَوَّم(٢) الخمرَ على من أتلفها
عليهم؛ لأنها ليست مالاً لهم فتكونَ مضمونةً على مُتَلِفِها؛ لأنَّ إيجابَ ضمانِها على
مُتْلفها حكمٌ بموجب أهواء اليهود؛ وقد أُمرنا بخلاف ذلك(٣).
ومعنى ﴿عَمَّا جَآءَ﴾ على ما جاءك.
﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ﴾ يدلُّ على عدم التعلُّقِ بشرائع الأوَّلين(٤).
والشّرْعةُ والشَّرِيعة: الطّريقةُ الظاهرةُ التي يُتوصَّل بها إلى النجاة. والشَّريعة في
اللغة: الطريقُ الذي يُتوصل منه(٥) إلى الماء. والشَّريعة ما شرع اللهُ لعباده من الدِّين،
وقد شَرَع لهم يَشْرَعِ شَرْعاً، أي: سَنَّ. والشَّارِعُ: الطريقُ الأعظم، والشِّرْعة أيضاً:
الوَتَر، والجمع شِرَعٌ وشِرٌْ، وشِرَاعٌ جمع الجمع؛ عن أبي عُبيد (٦)؛ فهو مشترك.
والمِنهاجُ: الطريق المستمِرّ، وهو النَّهْجُ والمَنْهَج، أي: البِيِّن(٧)؛ قال الراجز:
مَن يكُ ذا شَكِّ فهذا فَلْجُ(٨) ماءٌ رَوَاءٌ وطريقٌ نَهْجُ(٩)
(١): ٢ /٢٤٥.
(٢) في (م): من قال تقوم الخمر.
(٣) ينظر أحكام القرآن للكيا ٣/ ٨١ .
(٤) أحكام القرآن للكيا ٨١/٣
(٥) في (ظ): به، وينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٤٢/٢، والنكت والعيون ٤٥/٢ .
(٦) نقله عنه الجوهري في الصحاح (شرع).
(٧) ينظر تفسير الطبري ٤٩٣/٨ .
(٨) في النسخ: يلج، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر.
(٩) هو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٦٨/١، والمقتضب ٣٥٩/٣، وتفسير الطبري ٤٩٣/٨، ومعجم ما
استعجم ١٠٢٧/٣ دون نسبة. قال الشيخ محمود شاكر في تعليقاته على تفسير الطبري ٣٨٤/١٠: كأنه
راجز من بني العنبر بن عمرو بن تميم، وقال: فَلْج: بفتح فسكون: ماء لبني العنبر بن عمرو بن تميم ...
وماء رَواء: بفتح الراء: الماء العذب الذي فيه للواردین ري.

٣٩
سورة المائدة: الآية ٤٨
وقال أبو العباس محمد بنُ يزيد: الشَّريعة ابتداءُ الطريق؛ والمنهاجُ الطريقُ
المستمر(١).
ورُويَ عن ابن عباس والحسنِ وغيرهما: ((شِرْعَةً وَمِنْهَاجًاً)): سُنَّةً وسبيلاً(٢).
ومعنى الآيةِ: أنه جعل التوراةً لأهلها؛ والإنجيلَ لأهله، والقرآنَ لأهله، وهذا
في الشَّرائع والعبادات، والأصل التوحيدُ لا اختلافَ فيه؛ رُوي معنى ذلك عن قتادة.
وقال مجاهد: الشِّرْعةُ والمِنهاج دينُ محمد عليه الصلاة والسلام؛ وقد نُسخ به
كلُّ ما سواه(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةٌ وَحِدَةً﴾، أي: لَجعل شريعتكم واحدةً
فكنتم على الحقّ؛ فبيَّن أنه أراد بالاختلاف (٤) إيمانَ قومٍ وكفرَ قوم.
﴿وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ في الكلام حذفٌ تتعلَّق به لامُ كي، أي: ولكِنْ
جعل شرائعَكم مختلفةً ليختبرَكم. والابتلاءُ: الاختبار(٥).
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾، أي: سارعوا إلى الطاعات. وهذا يدلُّ على
أنَّ تقديمَ الواجباتِ أفضلُ من تأخيرها، وذلك لا خلاف(٦) فيه في العبادات كلِّها إلا
في الصلاة في أوَّل الوقت؛ فإنَّ أبا حنيفة يرى أنَّ الأَولى تأخيرُها، وعمومُ الآية دليلٌ
عليه. قاله الكيا(٧).
(١) معاني القرآن للنحاس ٣١٩/٢، وتهذيب اللغة ٤٢٤/١ وزاد المسير ٣٧٢/٢، وفيهما: شرعة بدل:
الشريعة.
(٢) تفسير الطبري ٤٩٦/٨ - ٤٩٨ .
(٣) ينظر زاد المسير ٣٧٢/٢، وأخرج الأقوال الطبري ٤٩٣/٨ - ٤٩٨ .
(٤) في النسخ: الاختلاف، والمثبت من (م).
(٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٤/٢ .
(٦) في (م): اختلاف.
(٧) في أحكام القرآن ٨١/٣ - ٨٢، وما بعده منه.

٤٠
سورة المائدة: الآيتان ٤٨ - ٤٩
وفيه دليلٌ على أنَّ الصوم في السفر أولى من الفِطر، وقد تقدَّم جميعُ هذا في
((البقرة))(١).
﴿إِلَ اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَِّنَّكُم بِمَا كُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾، أي: بما اختلفتم فيه،
وتزولُ الشُّكوك.
قوله تعالى: ﴿وَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ
يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمْ أَنَّا يُرِبِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضٍ
٤٩)
ذُنُوبِهِمٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ تقدَّم الكلام فيها، وأنها ناسخةٌ
للتخيير(٢). قال ابن العربي(٣): وهذه دعوى عريضةٌ؛ فإنَّ شروطَ النسخ أربعة؛ منها
معرفةُ التاريخِ بتحصيل المتقدِّم والمتأخّر، وهذا مجهولٌ من هاتين الآيتين؛ فامتنع أن
يُدَّعى أنَّ واحدةً منهما ناسخةٌ للأخرى، وبقي الأمرُ على حاله.
قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النخَّاسِ(٤) أنَّ هذه الآيةَ متأخِّرةٌ في النزول؛
فتكونُ ناسخةً إلَّا أنْ يُقدَّرَ في الكلام: وَأَن احْكُمْ بِيْنَهُمْ بمَا أَنْزَلَ اللهُ إنْ شئتَ؛ لأنه
قد تقدَّم ذِكرُ التخيير له، فآخِرُ الكلام حُذِف التخييرُ منه؛ لدلالة الأوَّلِ عليه؛ لأنه
معطوف علیه، فحکمه في(٥) التخییر کحکم المعطوف علیه، فهما شریکان، وليس
الآخرُ بمنقطع مما قبلَه؛ إذ لا معنى لذلك، ولا يصحّ، فلابدَّ من أنْ يكونَ قولُه:
﴿وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ معطوفاً على ما قبله من قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ
بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، ومن قوله: ﴿فَإِن جَمُوَكَ فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمّ﴾
(١) ٢ /٤٥٠ - ٤٥٤ و ١٣٤/٣ .
(٢) ٤٨٨/٧ - ٤٩٣ .
(٣) في أحكام القرآن ٦٢٩/٢.
(٤) ٤٩١/٧، وهو في الناسخ والمنسوخ له ٢٩٤/٢ .
(٥) في (د) و(ز) و(م): فحكم التخيير، وفي (ظ): فحكمه التخيير، والمثبت من الإيضاح لناسخ القرآن
ومنسوخه لمکي ص٢٧٢ ، والكلام منه.