Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦ الثاني: بطلَب التمييز، أي: مَيِّزْنا عن جُملتِهم(١)، ولا تُلْحِقْنا بهم في العقاب، وقيل: المعنى: فاقضٍ بيننا وبينَهم بعصمتِك إيَّانا من العصيان الذي ابتليتَهم به. ومنه قوله تعالى: ﴿فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، أي: يُقضَى. وقد فعل لمَّا أماتَهم في التِّيه. وقيل: إنما أرادَ في الآخرة، أي: اجعلْنا في الجنة، ولا تجعلْنا معهم في النار (٢)؛ والشاهدُ على الفَرْق الذي يدلُّ على المباعدة في الأحوال قولُ الشاعر : أشدَّ ما فَرَّقَتَ(٣) بين اثنينِ(٤) يا ربِّ فافرُقْ بينَه وبيني ورَوى ابنُ عُيَيْنَ عن عمرو بنِ دِينار، عن عُبيد بن عُمَير أنه قرأ: ((فاقْرِقْ)) بكسر الراء (٥). قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ﴾ استجاب الله دعاءه، وعاقبَهم في التِّيه أربعينَ سنةً. وأصلُ التّيهِ في اللغة: الحَيْرةُ، يقال منه: تَاهَ يتِيه تَيْهاً وتَوْهاً: إذا تَحيَّر. وتَيَّهتُه وتَوَّهْتُه، بالياء والواو، والياءُ أكثر. والأرضُ التَّيْهاءُ: التي لا يُهتدى فيها؛ وأرض تِيهٌ وتیھاء(٦)، ومنها قال: تِيهِ أَتَاوِيهٍ على السُّقَّاطِ(٧) (١) في (م): عن جماعتهم وجملتهم. (٢) ينظر مجمع البيان ٧٠/٦، وزاد المسير ٣٢٨/٢ . (٣) في النسخ: فرق، والمثبت من (م)؛ وهو الموافق للمصادر. (٤) البيت في مجاز القرآن ١٦٠/١، وتفسير الطبري ٣٠٥/٨، والبحر المحيط ٤٥٧/٣ دون نسبة. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١٥/٢، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣١ - ٣٢. (٦) قوله: وتيهاء، من (ظ) و(م)، وينظر الصحاح (تيه)، وتهذيب اللغة (تاه)، والوسيط ١٧٥/٢ . (٧) الرجز للعجّاج، وهو في ديوانه ص٢٤٦ ، وقبله: مجهولةٍ تغتالُ خَطو الخاطي وبلدةٍ بعيدةِ النِّياطِ تيهِ أتاويهٍ على السُّفَّاطِ وبَسْطَهُ بِسَعَةِ البَسَاطِ المجهولة: الأرضُ التي ليس بها علاماتٌ يُهتَدَى بها، تغتالُ: لا يَستبينُ فيها المَشْيُ، يقول: تغتال = ٤٠٢ سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦ وقال آخر : بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنَّها قَطَا الحَزْنِ قد كانت فِراخاً بُيُوضُها(١) فكانوا يسيرون في فراسخَ قليلةٍ - قيل: في قَدْر ستَّةٍ فراسخ - يومهم وليلتهم، فُيُصبحون حيث أمسَوا، ويُمسون حيث أَصبحوا؛ وكانوا سَيَّارَةً لا قرارَ لهم(٢). واختُلف هل كان معهم موسى وهارون؟ فقيل: لا؛ لأنَّ التِّيهَ عقوبةٌ، وكانت سِنو(٣) التّيهِ بعدد أيام العجل، فقولوا على كلِّ يومٍ سنة، وقد قال: ﴿فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ اُلْفَاسِقِينَ﴾. وقيل: كانا معهم، لكنْ سهَّلَ الله الأمرَ عليهما كما جَعل النارَ برداً وسلاماً على (٤) إبراهيم(٤). ومعنى ((مُحَرَّمَةٌ))، أي: إنهم ممنوعون من دخولها، كما يقال: حرَّم الله وجهك على النار، وحَرَّمتُ عليك دخولَ الدار؛ فهو تحريمُ منعٍ لا تحريمُ شرعٍ؛ عن أكثر أهلِ التفسيرِ (٥)؛ كما قال الشاعر(٦): إنّي امرؤٌ صَرْعِي عليكِ حرامُ جَالَتْ لتَصرعني فقلتُ لها : اقصرِي أي: أنا فارسٌ فلا يمكنُكِ صرعي. وقال أبو عليّ(٧): يجوزُ أنْ يكونَ تحريمَ تعبُّدٍ. = بَسْطَّهُ بسَعَتها والبَساط: هو سَعَتُها، تيهِ أتاويهٍ؛ التِّيه: الضلال، يقال: أرض تِيهُ أي: مَضِلَّة، وأتاويه: أفاعيل من تيهٍ، والسُّقَّاط: هم الذين لا يصبرون ولا يجدُّون، الواحد ساقط. من شرح الديوان للأصمعي . (١) البيت لابن أحمر، وهو في الحيوان ٥/ ٥٧٥، والمعاني الكبير ٣١٣/١، وشرح المفصل ١٠٢/٧، وخزانة الأدب ٩/ ٢٠١ . (٢) ينظر الوسيط ١٧٥/٢. (٣) في النسخ الخطية: سنون، والمثبت من (م). (٤) ينظر تفسير أبي الليث ٤٢٨/١، وتفسير البغوي ٢٦/٢ . (٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٦٥، وإعراب القرآن للنحاس ١٥/٢، وتفسير البغوي ٢٦/٢. (٦) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص١١٦ . (٧) هو الجُبَّائي، ونقل قوله الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ٧٠ . ٤٠٣ سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦ ويقال: كيف يجوزُ على جماعةٍ كثيرةٍ من العقلاء أنْ يسيروا في فراسخَ يسيرةٍ، فلا يهتدُوا للخروج منها؟ الجواب: قال أبو عليّ: قد يكونُ ذلك بأنْ يُحوِّلَ الله الأرضَ التي هم عليها إذا ناموا، فيردَّهم إلى المكان الذي ابتدؤوا منه. وقد يكونُ بغير ذلك من الاشتباه والأسبابِ المانعةِ من الخروج عنها على طريق المعجزةِ الخارجة عن العادة (١). ((أَرْبَعِينَ)) ظرفُ زمانٍ للِّيه؛ في قول الحسنِ وفَتَادةً؛ قالا: ولم يدخلها أحدٌ منهم، فالوقفُ على هذا على: ((عَلَيْهم)). وقال الرّبيع بنُ أنس وغيره: إنَّ(أَرْبَعِينَ سَنَةً)) ظرفٌ للتحريم(٢)، فالوقفُ على هذا على: (أَرْبَعِينَ سَنَةً))، فعلى الأوّلِ: إنما دخلها أولادُهم. وقاله ابنُ عباس(٣)، ولم يبقَ منهم إلا يوشع وكالب، فخرج يوشع (٤) بِذُرِّياتهم إلى تلك المدينةِ، وفتَحوها. وعلى الثاني: فمن بقي منهم بعدَ أربعينَ سنة دخلوها. ورُوي عن ابن عباس أنَّ موسى وهارونَ ماتا في التِّيه(٥). قال غيره: ونَبَّ الله يوشع، وأمرَه بقتال الجبَّارين، وفيها حُبِستْ عليه الشَّمسُ حتى دَخل المدينة، وفيها أحرق الذي وُجد الغُلُولُ عندَه، وكانت تنزلُ من السماء - إذا غَنِموا - نارٌ بيضاءُ، فتأكلُ الغنائمَ؛ وكان ذلك دليلاً على قبولها، فإنْ كان فيها غُلُولٌ لم تأكله، وجاءت السِّباع والوحوشُ، فأكلته. فنزلت النارُ، فلم تأكلْ ما غنِموا، فقال: إنَّ فيكم الغُلُولَ، فلتبايعني كلُّ قبيلةٍ، فبايعته، فلصِقتْ يدُ رجلٍ منهم بيده، فقال: فيكم الغُلُولُ، فليبايعني كلُّ رجلٍ منكم، فبايعوه رجلاً رجلاً حتى لصقت (١) ينظر مجمع البيان ٦/ ٧١ . (٢) أخرج قول الربيع وقتادة الطبري ٨/ ٣٠٧ - ٣٠٨. (٣) أورده أبو الليث في تفسيره ٤٢٨/١ . (٤) في (م): فخرج منهم يوشع. (٥) أخرجه الطبري ٣١٠/٨ . ٤٠٤ سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦ يدُ رجلٍ منهم بيده، فقال: عندَك الغُلُولُ، فأخرج مثلَ رأسِ البقرةِ من ذهب، فنزلت النار، فأكلت الغنائمَ. وكانت ناراً بيضاءَ مثلَ الفضَّةِ لها حفيفٌ، أي: صوتٌ مثلُ صوتِ الشجرِ وجناح الطائر فيما يَذكرون؛ فذكروا أنه أحرقَ الغَالَّ ومتاعَه بغَوْرٍ يقالُ له الآن: غَوْر عاجر (١)، عُرِف باسم الغالٌ؛ وكان اسمُه عاجراً. قلت: ويستفادُ من هذا عقوبةُ الغالِّ قبلَنَا، وقد تقدَّم حكمُه في مِلَّتنا(٢)، وبيانُ ما انبهم من اسم النَّبيِّ والغالٌ في الحديث الصحيحِ عن أبي هُرَيرةً عن رسول الله ◌ِ﴾ قال: ((غزا نبيٌّ من الأنبياء)) الحديث، أخرجه مسلم، وفيه قال: ((فغزا فأَدنى للقرية(٣) حينَ صلاةِ العصرِ، أو قريباً من ذلك، فقال للشَّمس: أنتِ مأمورةٌ، وأنا مأمورٌ، اللهم احبِسْها عليَّ شيئاً، فحُبِست عليه حتى فَتح الله عليه. قال: فجمَعوا ما غنِموا، فأقبلت النار لتأكلَه، فأبتْ أنْ تَطعَمَه، فقال: فيكم غُلُولٌ، فليبايعني من كلِّ قبيلةٍ رجلٌ، فبايعوه [فلصقت يدُ رَجُلٍ بيده، فقال: فيكم الغُلُول، فلتُبايعني قبيلتُك، فبايَعَتْه] قال: فَلَصِقَ بيد(٤) رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغُلُولُ))(٥) وذكر نحوَ ما تقدَّم. قال علماؤنا: والحكمة في حَبْس الشَّمسِ على يوشع عندَ قتالِه أهلَ أَرِيحاء وإشرافِه على فتحها عَشِيَّ يوم الجمعة، وإشفاقِه من أنْ تغرُبَ الشَّمسُ قبلَ الفتحِ؛ أنه (١) في (د) و(ز) و(م): عاجز، ومثله في الموضع الآتي، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لتاريخ الطبري ٤٤١/١، والتعريف والإعلام للسهيلي ص٤٩، والكلام منه دون قوله: وجاءت السباع والوحوش فأكلته. ودون قوله: صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر. (٢) ٤/ ٢٥٩. (٣) في النسخ: بأدنى القرية، والمثبت من (م)، وهو الموافق لصحيح مسلم، ولفظ البخاري: ((فدنا من القرية)) قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٥٣/٦ : قوله: أدنى للقرية: هكذا في جميع النسخ رباعي، فإما أن يكون تعدية دنا، أي: قرب، فمعناه أدنى جيوشه لها، أو يكون أدنى هنا بمعنى حان؛ أي: قرب وحان وقتها. (٤) في (م) فلصقت يده بيد، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق للمفهم ٥٣٣/٣ . (٥) صحيح مسلم (١٧٤٧) وما بين حاصرتين منه. وأخرجه أيضاً أحمد (٨٢٣٨)، والبخاري (٣١٢٤). ٤٠٥ سورة المائدة: الآية ٢٠ - ٢٦ لو لم تُحَبَسْ عليه، حَرُمَ عليه القتالُ لأجل السَّبتِ، ويَعلم به عدوُهم، فيُعْمِل فيهم السَّيفَ ويَجتاحهم؛ فكان ذلك آيةً له خُصَّ بها بعد أنْ كانت نبوّتُه ثابتةً بخبر موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، على ما يقال. والله أعلم. وفي هذا الحديثِ يقول عليه الصلاة والسلام: ((فلم تحِلَّ الغنائمُ لأحدٍ من قبلنا؛ ذلك بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رأى ضعفَنا وعجزَنَا فطيّبها لنا)). وهذا يردُّ قولَ مَن قال في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَءَاتَنَّكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ : إنه تحليلُ الغنائمِ والانتفاع بها. وممن قال إنَّ موسى عليه الصَّلاة والسَّلام مات بالتِّيهِ عمرو بنُ ميمون الأَوْدِيُّ(١)، وزاد: وهارون؛ وكانا خرجًا في التِّيه إلى بعض الكهوف؟، فمات هارون، فدفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيلَ، فقالوا: ما فعل هارون؟ فقال: مات. قالوا: كذَبتَ، ولكنك قتلتَه لحبِّنا له، وكان مُحَبًّا في بني إسرائيلَ، فأوحى الله تعالى إليه أن انطلِقْ بهم إلى قبره، فإني باعتُه حتى يُخبِرَهم أنه مات موتاً، ولم تقتُلْه. فانطلقَ بهم إلى قبره، فنادى: يا هارونُ، فخرج من قبره ينفُضُ رأسَه، فقال: أنا قاتلُك؟ قال: لا؛ ولكنِّي مثّ؛ قال: فَعُدْ إلى مَضْجَعِك. وانصرَف(٢). وقال الحسن: إنَّ موسى لم يمت بالتِيه(٣). وقال غيره: وإنَّ موسى فَتح أرِيحاء، وكان يوشع على مقدّمته، فقاتلَ الجبابرةَ الذين كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيلَ، فأقام فيها ما شاء الله أنْ يُقيمَ، ثم قبضَه الله تعالى إليه لا يَعلمُ بقبره أحدٌ من الخلائق. قال الثعلبيّ(٤): وهو أصحُ الأقاويلِ. (١) أورده الثعلبي في العرائس ص٢٤٩، والبغوي في تفسيره ٢٦/٢ - ٢٧ . (٢) العرائس ص٢٤٩ ولم نقف على إسناده. (٣) مجمع البيان ٦/ ٧١ . (٤) في العرائس ص٢٤٨ . ٤٠٦ سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦ قلت: قد رَوى مسلمٌ(١) عن أبي هُرَيرةَ قال: أُرْسِل ملَكُ الموتِ إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فلما جاءه صَلَّه، وفقأ عينَه، فرجع إلى ربِّه، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريدُ الموتَ. قال: فردَّ الله إليه عينَه، وقال: ارجعْ إليه، فقلْ له: يضعُ يدَه على مَثْن ثورٍ، فلهُ بما غطّت يدُه بكل شعرةٍ سنة، قال: أيْ ربِّ، ثم مَة؟ قال: ثم الموتُ، قال: فالآنَ؛ فسأل اللهَ أنْ يُدْنيَهُ من الأرض المقدَّسةِ رميةً بحجرٍ. فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((فلو كنتُ ثَمَّ لأريتُكم قبرَه إلى جانب الطَّريقِ تحتَ الكثيبِ الأحمرِ)). فهذا نبيُّنا ﴿ قد عَلِم قبرَه، ووصف موضعَه، ورآه فيه قائماً يُصلِّي كما في حديث الإسراء (٢)، إلا أنه يَحتملُ أنْ يكونَ أخفاه الله عن الخلق سواه، ولم يجعله مشهوراً عندَهم؛ ولعلَّ ذلك لئلا يُعبدَ، والله أعلم، ويعني بالطريق طريقَ بيتِ المقْدِس، ووقع في بعض الرواياتِ: ((إلى جانب الظُّورِ)) مكان: ((الطريق))(٣). واختلف العلماء في تأويل لَظم موسى عينَ مَلكِ الموتِ وفَقْتِها على أقوال منها: أنها كانت عيناً متخيّلةً لا حقيقةً. وهذا باطلٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى أنَّ ما يراه الأنبياءُ من صور الملائكةِ لا حقيقةً له. ومنها: أنها كانت عيناً (٤) معنويَّةً، وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجازٌ لا حقيقةٌ. ومنها : أنه عليه السلام لم يعرِفْ مَلَكَ الموتِ، وأنه رأى رجلاً دخل منزلَه بغير إذنِهِ يريدُ نفسَه، فدافع عن نفسِه، فلطم عينَه ففقأها، وتجبُ المدافعةُ في هذا بكلٌ ممكنٍ. وهذا وجهٌ حسنٌ؛ لأنه حقيقةٌ في العين والصَّكّ. قاله الإمام أبو بكر بنُ خزيمةً(٥)، غيرَ أنه اعتُرِضَ عليه بما في الحديث؛ وهو أنَّ مَلَكَ الموتِ لما رجع إلى الله تعالى، قال: يا ربِّ، أرسلتني إلى عبدٍ لا يريدُ الموت، فلو لم يعرفْه موسى لمَا (١) برقم (٢٣٧٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٦٤٦)، والبخاري (١٣٣٩). (٢) أخرجه أحمد (١٢٢١٠)، ومسلم (٢٣٧٥): (١٦٤) من حديث أنس ﴾. (٣) المفهم ٦/ ٢٢٢، والرواية التي أشار إليها المصنف أخرجها ابن حبان (٦٢٢٣). (٤) من قوله: متخيلة إلى هذا الموضع سقط من (د) و(ز). (٥) نقله عنه القاضي عياض في إكمال المعلم ٧/ ٢٥٣، والحافظ في الفتح ٦/ ٤٤٢. ٤٠٧ سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦ صَدَق هذا القولُ من مَلَكِ الموت(١)؛ وأيضاً قولُه في الرواية الأخرى: أَجِبْ ربَّك يدلُّ على تعريفه بنفسِه. والله أعلم. ومنها: أنَّ موسى عليه الصَّلاة والسَّلام كان سريعَ الغضبِ، إذا غضِب طلعَ الدُّخانُ من قَلَنْسُوته، ورفَعَ شعرُ بدِنِهِ جُبَّتَهُ (٢)، وسرعةُ غضبِهِ كانت سبباً لصَكِّه مَلَكَ الموتِ. قال ابن العربيّ: وهذا كما ترى، فإنَّ الأنبياءَ معصومون أنْ يقعَ منهم ابتداءُ مثلٍ هذا في الرِّضا والغضب. ومنها: وهو الصَّحيحُ من هذه الأقوالِ: أنَّ موسى عليه الصَّلاة والسَّلامِ عَرَفَ مَلَكَ الموتِ، وأنه جاء ليقبِضَ روحَه، لكنه جاء مجيءَ الجازم بأنه قد أُمِر بِقبض روحِه من غير تخييرٍ، وعندَ موسى ما قدْ نصَّ عليه نبيُّنا محمدٌ ﴾ من أنَّ الله لا يَقِضُ رُوحَ نبِيٍّ حتى يُخيِّرَهُ(٣)، فلما جاءه على غير الوجهِ الذي أُعلِم؛ بادرَ بشهامته وقوّة نفسِه إلى أدبه، فلَطمَه، ففقأ عينَه امتحاناً لمَلكِ الموتِ؛ إذ لم يُصرِّحْ له بالتَّخبير. ومما يدلُّ على صحة هذا أنه لما رجَع إليه مَلَكُ الموتِ، فخيَّره بينَ الحياةِ والموتِ، اختار الموتَ واستسلم(٤). والله بغيبه أحكمُ وأعلمُ. هذا أصحُ ما قيلَ في وفاة موسى عليه السلام. وقد ذكر المفسرون في ذلك قَصَصاً وأخباراً؛ اللهُ أعلمُ بصحّتها؛ وفي الصحيح غُنْيَةٌ عنها (٥). (١) المفهم ٢٢١/٦. (٢) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٧ ، وابن العربي في أحكام القرآن ٧٨٣/٢ ، والمناوي في فيض القدير ٤٦٣/٣ مختصراً، ولم نقف على إسناده، وهو من الإسرائيليات. (٣) أخرجه أحمد (٢٦٣٤٦)، والبخاري (٤٤٦٣)، ومسلم (٢٤٤٤): (٨٧) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ : ((إنه لم يُقبض نبيٌّ قطُّ حتى يَرَى مقعدَه في الجنة، ثم يُخيَّر)). (٤) المفهم ٦/ ٢٢١ . (٥) منه حديث أبي هريرة السالف قريباً. ٤٠٨ سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٧ وكان عمر موسى مئةً وعشرينَ سنة؛ فيُروى أنَّ يوشع رآه بعدَ موتِه في المنام، فقال له: كيف وجدتَ الموتَ؟ فقال: كشاةٍ تُسلخُ وهي حيَّة(١). وهذا صحيحٌ معنى؛ قال # في الحديث الصحيح: ((إنَّ للموتِ سَكّراتٍ))(٢) على ما بيناه في كتاب التذكرة(٣). وقوله: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ﴾، أي: لا تحزَنْ، والأسى: الحزْنُ؛ أَسِي يَأْسَى أَسّى، أي: حزِن؛ قال: يقولون لا تَهْلِكْ أَسَى وتَجمَّلِ(٤) قوله تعالى: ﴿وَثّلُ عَلَيْهِمْ نَبَاَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَّ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ اٌلْمُتَّقِينَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ﴾ الآية. وجه اتصالٍ هذه الآيةِ بما قبلَها التَّنبيهُ من الله تعالى على أنَّ ◌ُظُلْمَ اليهودِ ونقضَهم المواثيقَ والعهودَ كظلم ابنِ آدمَ لأخيه. المعنى: إنْ هَمَّ هؤلاءِ اليهودُ بالفَتْك بك يا محمَّدُ، فقد قَتلوا قبلَك الأنبياءَ، وقَتل قابيلُ هابيل، والشَّرُّ قديمٌ، أي: ذكّرهم هذه القصَّةَ؛ فهي قصّةُ صِدقٍ، لا كالأحاديث الموضوعة. وفي ذلك تَبْكِيتُ لمن خالف الإسلامَ، وتسليةٌ للنبيّ ﴾(٥). واختُلِف في ابنَيْ آدمَ؛ فقال الحسن البصريُّ: ليسَا لصُلْبه، كانَا رجلين من بني (١) أورده المناوي في فيض القدير ٣٠٠/٥ . (٢) قطعة من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه البخاري (٤٤٤٩)، وهو عند أحمد (٢٤٣٥٦) بنحوه. (٣) ص ١٧ - ٢٦ . (٤) عجز بيت لامرئ القيس، وصدره: وقوفاً بها صَحبي عليَّ مطيّهم، وهو في ديوانه ص٩، ووقع في النسخ: وتحمَّلِ، والمثبت من الديوان. ونسبه النحاس في شرح المعلقات ص٥٤ ، لطرفة، وهو في دیوانه ص١٩ ، وفيه: وتجلَّد بدل: وتجمَّل. (٥) ينظر مجمع البيان ٦/ ٧٣، وتفسير الرازي ٢٠٢/١١ - ٢٠٣ . ٤٠٩ سورة المائدة: الآية ٢٧ إسرائيلَ - ضَرب الله بهما المثلَ في إبانة حسدِ اليهودِ - وكان بينهما خصومةٌ، فتقرَّبَا بُقُربانَيْن، ولم تكن القرابينُ إلا في بني إسرائيلَ. قال ابن عطية(١): وهذا وَهْمٌ، وكيف يَجْهَلُ صورةَ الدَّفْنِ أحدٌ من بني إسرائيلَ حتى يقتديَ بالغراب؟ والصحيحُ أنهما ابناه الصلبه؛ هذا قولُ الجمهورِ من المفسرين، وقاله ابن عباس وابن عمر وغيرُهما (٢)؛ وهما قابيل وهابيل، وكان قربانُ قابيلَ حُزمةً من سُنْبلٍ - لأنه كان صاحبَ زرعٍ - واختارها من أَرداً زرعِه، ثم إنه وَجدَ فيها سُنبلةً طيِّةً، ففركها(٣) وأكلَها. وكان قربانُ هابيلَ كبشاً - لأنه كان صاحبَ غنم - أخذَه من أجودٍ غنمِه. ﴿فَتُقُبِّلَ﴾: فرُفِع إلى الجنّة، فلم يزلْ يَرعَى فيها إلى أنْ فُدِيَ به الذَّبيحُ عليه السلام(٤)؛ قاله سعيد بنُ جُبَير وغيره(٥). فلما تُقْبِّلَ قربانُ هابيل - لأنه كان مؤمناً - قال له قابيلُ حسداً - لأنه كان كافراً -: تمشي على الأرض يراك الناسُ أفضلَ مني؟! ﴿لَأَقْتُلَنَّكَّ﴾. وقيل: سببُ هذا القُرْبانِ أنَّ حوّاءَ عليها السلام كانت تلدُ في كلِّ بطنٍ ذكراً وأنثى - إلَّا شِيئاً عليه السَّلام، فإنها وَلَدَتْه منفرِداً عِوضاً من هابيلَ على ما يأتي(٦)، واسمُه هبةُ الله؛ لأنَّ جبريل عليه السَّلام قال لحوّاء لمَّا وَلَدَتْه: هذا هبةُ اللهِ لكِ بدلُ هابيل، وكان آدمُ يومَ وُلد شِيث ابنَ ثلاثين ومئة سنة - وكان يزوّجُ الذِّكر من هذا البطنِ الأنثى من البطن الآخرِ، ولا تحلُّ له أختُه تَوْأمته؛ فولَدت مع قابيلَ أختاً جميلةً؛ واسمُها إقليمياء، ومع هابيل أختاً ليست كذلك، واسمُها ليودا؛ فلما أراد آدمُ تزويجَهما، قال قابيل: أنا أحقُّ بأختي، فأمره آدمُ، فلم يأتمرْ، وزجَرهُ فلم ينزجِرْ؛ فاتفقوا على (١) في المحرر الوجيز ١٧٨/٢، وما قبله منه، وقول الحسن أخرجه الطبري ٣٢٤/٨ . (٢) أورده عنهما أبو الليث في تفسيره ٢/ ٢٧ . (٣) في (د): فنزعها، وفي (ظ): فعزلها، والمثبت من (ز) و(م). (٤) ينظر تفسير البغوي ٢٩/٢، والمحرر الوجيز ١٧٨/٢. (٥) أخرجه الطبري ٣٣٩/٨ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴾. (٦) ص٤١٨ من هذا الجزء. ٤١٠ سورة المائدة: الآية ٢٧ التقريب. قاله جماعةٌ من المفسِّرين؛ منهم ابنُ مسعود. ورُوي أنَّ آدَمَ حَضَر ذلك(١). والله أعلم. وقد رُوي في هذا البابِ عن جعفر الصَّادقِ: أنَّ آدَمَ لم يكنْ يزوّجُ ابنتَه من ابنه؛ ولو فعلَ ذلك آدمُ لَمَا (٢) رغِب عنه النَّبِيُّ ﴾، ولا كان دينُ آدَمَ إلا دين النبيِّ ﴾، وأنَّ اللهَ تعالى لما أَهبط آدمَ وحوّاءَ إلى الأرض، وجمع بينهما، ولدت حوّاءُ بنتاً فسماها عناقاً فبغتْ، وهي أوّلُ من بَغَى على وجه الأرضِ؛ فسَلَّط اللهُ عليها من قتلَها، ثم وَلَدت لآدمَ قابيلَ، ثم ولدت له هابيل؛ فلما أدرك قابيلُ أَظهر الله له جِنّةً من ولد الجنِّ، يقال لها: جمالة في صورة إنسيَّةٍ؛ وأوحى الله إلى آدمَ: أنْ زوِّجْها من قابيل، فزوَّجَها منه. فلما أدرك هابيل أَهبط الله إلى آدمَ حوراءَ(٣) في صورة (٤) إنسيَّةٍ، وخَلق لها رَحماً، وكان اسمُها بزلة، فلما نَظر إليها هابيل أحبَّها، فأوحى الله إلى آدم: أنْ زوِّجْ بزلةَ من هابيل، ففعل. فقال قابيل: يا أبتِ، ألستُ أكبرَ من أخي؟ قال: نعم. قال: فكنتُ أحقَّ بما فعلتَ به منه! فقال له آدم: يا بنيّ، إنَّ اللهَ أمرني بذلك، وإنَّ الفضلَ بيد الله يؤتيه من يشاء؛ فقال: لا واللهِ، ولكنك آثرتَه عليَّ، قال آدم: فقرِّبا قُرباناً، فأيُّكما يُقبَلُ قربانُه فهو أحقُّ بالفضل(٥). قلت: هذه القصةُ عن جعفر ما أظنُّها تصحُّ، وأنَّ القولَ ما ذكرناه من أنه كان يزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ لجارية تلك البطنِ. والدَّليلُ على هذا من الكتاب قولُه الحقّ: ﴿يََّيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُ مِّن نَّفْسٍ وَجِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ﴾ [النساء: ١] وهذا كالنصِّ، ثم نُسخَ ذلك، حسبما تقدَّم بيانه في سورة البقرة(٦). (١) ينظر تفسير البغوي ٢٨/٢، والمحرر الوجيز ١٧٨/٢، وقول ابن مسعود أخرجه الطبري ٣٢٢/٨. (٢) في النسخ: ما، والمثبت من (م)، وهو الموافق لعرائس المجالس ص٤٥ . والكلام منه. (٣) في (م): حورية. (٤) في (د) و(ز) و(م): صفة، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لعرائس المجالس ص٤٥ . (٥) أورده الثعلبي في عرائس المجالس ص٤٥ وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٦٩/٦ أنه ليس لهذا الخبر أصل ولا شاهد. (٦) ٣٠٣/٢ . ٤١١ سورة المائدة: الآية ٢٧ وكان جميعُ ما ولدتْه حواءُ أربعينَ من ذكرٍ وأنثى في عشرين بطناً؛ أولُهم قابيل وتوأمته إقليمياء، وآخرُهم عبدُ المغيثِ، ثم باركَ الله في نسل آدمَ. قال ابن عباس: لم يمثْ آدمُ حتى بلغَ ولدُه وولدُ ولِدِه أربعينَ ألفاً(١). وما رُوي عن جعفر قوله: فولدت بنتاً وأنها بغتْ، فيقال: مع من بغتْ؟ أمع جِنّيٍّ تسوَّلَ لها! ومثلُ هذا يَحتاجُ إلى نقل صحيحٍ يَقطعُ العذرَ، وذلك معدومٌ. والله أعلم. الثانية: وفي قول هابيلَ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ كلامٌ قبلَه محذوفٌ؛ لأنه لما قال له قابيل: ((لأَقْتُلَنَّكَ))، قال له: ولِمَ تَقْتُلُني وأنا لم أَجْنٍ شيئاً؟، ولا ذَنبَ لي في قبول اللهِ قُرباني، أما إني اتَّقيتُه، وكنتُ على لاحِبِ الحقِّ(٢)، وإنما يتقبَّلُ اللهُ من المتَّقين. قال ابن عطية: المرادُ بالتقوى هنا اتقاءُ الشِّركِ بإجماع أهلِ السُّنَّة؛ فمن اتقاه وهو موحِّدٌ فأعمالُه التي تَصدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ؛ وأما المثَّقي الشِّرك والمعاصي فله الدَّرجةُ العليا من القبول والحتم بالرحمة؛ عُلِم ذلك بإخبار اللهِ تعالى، لا أنَّ ذلك يجبُ على الله تعالى عقلاً. وقال عدِيُّ بن ثابت وغيرُه: قربانُ مثَّقي هذه الأمةِ الصَّلاةُ(٣). قلت: وهذا خاصٌّ في نوعٍ من العبادات. وقد رَوى البخاريُّ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِعَ﴾: ((إنَّ الله تبارك وتعالى قال: من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليَّ مما افترضتُ(٤) عليه، وما زال(٥) عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه (١) عرائس المجالس ص٤٤، وتفسير البغوي ٢٨/٢ . (٢) في (د): وكنت لاحب الحق، وفي (ظ): وكنت على الحق، وسقط هذه الجملة من (ز)، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٧٨/٢، والكلام منه، وقوله: لاحِب؛ أي: واضح، يقال: لَحَبَ الطريقُ لُحوباً: وَضَحَ. القاموس (لحب). (٣) المحرر الوجيز ١٧٨/٢ - ١٧٩ . (٤) في (د) و(ز): أحبّ إلي من أداء ما افترضت، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لصحيح البخاري (٦٥٠٢). (٥) في (م): يزال. ٤١٢ سورة المائدة: الآيات ٢٧ - ٢٩ كنتُ(١) سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يُبصِرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورِجلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه، وما تردّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تردُّدِي عن نفس المؤمنِ؛ يَكره الموتَ، وأنا أَكره مَسَاءَتَه))(٢). قوله تعالى: ﴿لَيْنُ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكِّ إِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿٨ إِّ أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِإِثْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبٍ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَُّؤْاْ الطَّلِينَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿لَبِنْ بَسَطَتَ إِلَىَّ يَدَكَ﴾ الآية. أي: لئن قصدتَ قتلي فأنا لا أُقصِدُ قتلَك؛ فهذا استسلامٌ منه. وفي الخبر: ((إذا كانت الفتنةُ؛ فكن كخير (٣) ابنَي آدَمَ))(٤). ورَوى أبو داودَ عن سعد بنِ أبي وقاص قال: قلتُ يا رسولَ الله: إنْ دخل عليَّ بيتي، وبسطَ يده إلَيَّ ليقتلني؟ قال: فقال رسولُ اللهِ﴾: ((كن كخير ابنَي آدَمَ))، وتلا هذه الآيةَ: ﴿لَينُ بَسَطْتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِ﴾ (٥). قال مجاهد: كان الفرضُ عليهم حينئذ ألَّا يَسُلَّ (٦) أحدٌ سيفاً، وألا يمتنعَ ممن يريدُ قتلَهُ(٧). (١) في (د) و(ز): حتى أحببته، فكنتُ، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لصحيح البخاري. : (٢) في النسخ: إساءته، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر. (٣) في النسخ: خير، والمثبت من (م). (٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج نحوه أحمد (١٩٧٣٠)، وأبو داود (٤٢٥٩)، وابن ماجه (٣٩٦١) من حديث أبي موسى الأشعري (٥) سنن أبي داود (٤٢٥٧)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٢١٩٤)، وهو عند أحمد (١٦٠٩)، دون ذكر للآية. (٦) في (م): يستلَّ. (٧) أخرجه الطبري ٣٢٩/٨ بنحوه. ٤١٣ سورة المائدة: الآيتان ٢٨ - ٢٩ قال علماؤنا: وذلك مما يجوزُ ورودُ التعبُّدِ به، إلا أنَّ في شرعنا يجوزُ دفعُه إجماعاً. وفي وجوب ذلك عليه خلافٌ، والأصحُ وجوبُ ذلك؛ لِما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشويَّة قومٌ لا يجوِّزُون للمَصول عليه الدفعَ؛ واحتجُوا بحديث أبي ذرٍّ(١)، وحملَه العلماءُ على ترك القتالِ في الفتنة، وكفِّ اليدِ عندَ الشبهةِ (٢)؛ على ما بَيِّنَّاه في كتاب التذكرة(٣). وقال عبد الله بنُ عمرو (٤) وجمهورُ الناس: كان هابيلُ أشدَّ قوّةً من قابيلَ، ولكنه تحرَّجَ. قال ابن عطية(٥): وهذا هو الأظهرُ، ومن هاهنا يَقوى أنَّ قابيلَ إنما هو عاصٍ لا كافرٌ؛ لأنه لو كان كافراً لم يكن للتحرُّج هنا وجهٌ، وإنما وجهُ التحرُّج في هذا أنَّ المتحرِّجَ يأبى أنْ يقاتلَ موخِّداً، ويرضى بأنْ يُظلمَ ليُجازَى في الآخرة؛ ونحو هذا فَعَل عثمانُ ﴾. وقيل: المعنى: لا أقصِدُ قتلكَ، بل أقصِدُ الدفعَ عن نفسي، وعلى هذا قيل: كان نائماً، فجاء قابيلُ ورضَخَ رأسَه بحجرٍ على ما يأتي، ومدافعةُ الإنسانِ عمن يريدُ ظلْمَه جائزةٌ؛ وإنْ أتى على نفس العادي. وقيل: أراد: لئن بدأتَ بقتلي فلا أبداً بالقتل. وقيل: أراد: لئن بسطتَ إليَّ يدَك ظلماً فما أنا بظالم؛ إني أخافُ الله ربَّ (٦) العالمين(٦). (١) أخرجه أحمد (٢١٣٢٥)، وأبو داود (٤٢٦١)، وابن ماجه (٣٩٥٨). وفيه يقول #: (( .. كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم)) ... قلت: فما تأمرني، قال: ((تلزم بيتك))، قلت: فإن دخل علي بيتي؟ قال: ((فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبؤ بإثمك وإنمه)). (٢) أحكام القرآن للكيا ٣/ ٦١ . (٣) ص ٥٧٥ - ٥٧٦ . (٤) في (د) و(ظ): عمر، والمثبت من (ز) و(م)، وهو الموافق لتفسير الطبري ٣٢٩/٨ . (٥) في المحرر الوجيز ١٧٩/٢ . (٦) ينظر مجمع البيان ٦/ ٧٥، والوسيط ١٧٦/٢، وتفسير الرازي ٢٠٦/١١ . ٤١٤ سورة المائدة: الآيتان ٢٨ - ٢٩ الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِئْمِى وَإِثْكَ﴾ قيل: معناه: معنى قولٍ النَّبِيِّ ﴾: ((إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما؛ فالقاتلُ والمقتولُ في النار))، قيل: يا رسولَ اللهِ، هذا القاتلُ، فما بالُ المقتولِ؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبِه))(١)، فكأنَّ هابيلَ أراد أنِّي لستُ بحريصٍ على قتلك؛ فالإثمُ الذي كان يلحَقُني لو كنتُ حريصاً على قتلك أريدُ أنْ تحمِلَه أنت مع إثمِك في قتلي. وقيل: المعنى ((بإثمي)) الذي يَختصُّ بي فيما فرَطَ لي(٢)، أي: يؤخَذُ من سيئاتي، فتُطرحُ عليك بسبب ظُلمِك لي، وتبوء بإثمك في قتلك؛ وهذا يعضُدُه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((يؤتى يومَ القيامةِ بالظالم والمظلومِ، فيؤخَذُ من حسنات الظالمِ، فتزادُ في حسنات المظلوم حتى ينتصفَ، فإنْ لم تكنْ له حسناتٌ أخذ من سيئات المظلوم، فتُطرحُ عليه)). أخرجه مسلم بمعناه، وقد تقدَّم(٣)؛ ويعضُدُه قولُه تعالى: ﴿وَلَيَحْيِلُكَ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وهذا بيِّنٌ لا إشكالَ فيه. وقيل: المعنى إني أريدُ ألّا تبوءَ بإثمي وإثمِك، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠]، أي: أن لا(٤) تميدَ بكم. وقوله تعالى: ﴿يُبَيُِّ اَللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: أن لا تضِلوا، فحذف ((لا))(٥). قلتُ: وهذا ضعيفٌ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تُقتلُ نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدمَ الأوّلِ كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أوّلُ من سَنَّ القتلَ))(٦). فثبت بهذا أنَّ إثمَ (١) سلف ٣٣١/٥ . (٢) في (د) فرض لي، وفي (ظ): فرط، وفي (م) فرطت، والمثبت من (ز)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٧٩/٢ . (٣) المحرر الوجيز ١٧٩/٢، والحديث في صحيح مسلم (٢٥٨١) عن أبي هريرة بلفظ: ((أتدرون ما المفلس ؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .. وسلف ٤١٤/٥ . (٤) في (د) و(م): لئلا، ومثله في الموضع الآتي، والمثبت من (ز) و(ظ). (٥) لفظة: لا، من (م)، وينظر زاد المسير ٣٣٦/٢ . (٦) أخرجه أحمد (٣٦٣٠)، والبخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧) من حديث ابن مسعود ﴾، وسلفت الإشارة إليه ٦/ ٤١٧. ٤١٥ سورة المائدة: الآيتان ٢٨ - ٢٩ القتلِ حاصلٌ، ولهذا قال أكثرُ العلماء: إنَّ المعنى: تَرجع بإثم قتلي وإثمِك الذي عملتَه قبلَ قتلي، قال الثعلبيُّ: هذا قولُ عامةِ أكثرِ المفسّرين (١). وقيل: هو استفهامٌ، أي: أَوَ إني أريدُ؟ على جهة الإنكار؛ كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [الشعراء: ٢٢]، أي: أَوَ تلك نعمةٌ؟ وهذا لأنَّ إرادةَ القتلِ معصيةٌ، حكاه القشيريُّ. وسئل أبو الحسن بنُ كَيْسانَ: كيف يريدُ المؤمنُ أنْ يأُثمَ أخوه وأنْ يدخلَ النارَ؟ فقال: إنما وقعت الإِرادةُ بعدَ ما بسط يده إليه بالقتل، والمعنى: لئن بسطتَ إليَّ يدَك لتقتلني لأمتَنِعنَّ من ذلك مريداً الثواب، فقيل له: فكيف قال: بإثمي وإنمِك، وأيُّ إثمٍ له إذا قُتِل؟ فقال: فيه ثلاثةُ أجوبة: أحدها: أنْ تبوءَ بإثم قتلي وإثمٍ ذنبِك الذي من أجلِه لم يُتَقبَّلْ قربانُك، ويُروى هذا القولُ عن مجاهد (٢). والوجه الآخر: أنْ تبوءَ بإثم قتلي وإثمٍ اعتدائِك عليَّ؛ لأنه قد يأثمُ في الاعتداءِ(٣) وإنْ لم يَقْتُلْ. والوجه الثالثُ: أنه لو بسَط يدَه إليه أَثِم، فرأى أنه إذا أمسَكَ عن ذلك، فإئمُه يرجعُ على صاحبه. فصار هذا مثلَ قولِك: المالُ بينه وبينَ زيدٍ، أي: المالُ بينهما، فالمعنى أنْ تبوءَ بإثمنا (٤). وأصل باءَ: رجعَ إلى المَبَاءة، وهي المنزلُ. ﴿وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهُ﴾، أي: رَجَعوا، وقد مضى في ((البقرة)) مستوفّى(٥). وقال الشاعر: (١) ينظر تفسير البغوي ٢٩/٢، وزاد المسير ٣٣٤/٢. (٢) أخرجه الطبري ٣٣١/٨ . (٣) في (م): بالاعتداء. (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٩٥/٢ - ٢٩٦. (٥) ٢ /١٥٥. ٤١٦ سورة المائدة: الآيات ٢٨ - ٣٠ مَحارِمَنا لا يَبُوِ الدَّمُ بالدَّمِ (١) أَلَا تَنْتَهِي عَنَّا مُلُوهٌ وَتَشَّقِي أي: لا يرجعُ الدّمُ بالدَّم في القَوَد. ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ دليلٌ على أنهم كانوا في ذلك الوقتِ مكلَّفين قد لَحِقَهم الوعد والوعيد. وقد استُدِلَّ بقول هابيل لأخيه قابيل: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ على أنه كان كافراً؛ لأنَّ لفظَ أصحابِ النارِ إنما وَرد في الكفار حيثُ وقعَ في القرآن. وهذا مردودٌ هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى ((مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)»: مدّة كونِك فيها، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُمْ قَبْلَ أَخِيهِ فَقَتَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ لَلْخَسِنَ فیه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ((فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ))، أي: سهّلت(٢) نفسُه عليه الأمرَ وشجَّعته، وصوَّرتْ له أنَّ قتلَ أخيه طوعٌ سهْلٌ له(٣). يقال: طاعَ الشيءُ يطوعُ(٤)، أي: سهُل وانقاد. وطوَّعه فلانٌ له، أي: سهّلَه. قال الهَرَويُّ: طوَّعت وطاوعت(٥) واحدٌ؛ يقال: طاع له كذا: إذا أتاه طوعاً. وقيل: طاوَعَتْه نفسُه في قتل أخيه؛ فنزع الخافض، فانتصب(٦). رُوي أنه جَهِل كيف يقتُلُه، فجاء إبليس بطائر - أو حيوانٍ غيرِه - فجعلَ يَشْدَغُ رأسَه بينَ حجرينٍ ليقتدي به قابيلُ ففعلَ. قاله ابن جُرَيْج ومجاهدٌ وغیرُهما. (١) قائله جابر بن حُتّ التغلبي، وقد سلف ١٥٥/٢ . (٢) في (م): أي سولت وسهلت. (٣) عبارة البغوي في تفسيره ٢٩/٢، والواحدي في الوسيط ٢/ ١٧٧: طوعٌ له سهلٌ عليه. (٤) في النسخ الخطية: يقال: الشيءُ تطوّع، وكذا في فتح القدير ٣١/٢، والمثبت من (م). (٥) في (د) و(ز) و(م): أطاعت، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لفتح القدير ١١/٢. (٦) ينظر تهذيب اللغة ١٠٥/٣ . ٤١٧ سورة المائدة: الآية ٣٠ وقال ابن عباس وابن مسعود: وجَدَه نائماً، فشدَخ رأسَه بحجرٍ(١)، وكان ذلك في ثَوْر - جبلٍ بمكةَ - قاله ابن عباس(٢). وقيل: عندَ عَقَبَةِ حِراء. حكاه محمد بنُ جرير الطََّريُّ(٣). وقال جعفر الصَّادقُ: بالبصرة في موضع المسجدِ الأعظم(٤). وكان لها بيل يومَ قتله قابيل عشرونَ سنة(٥). ويقال: إنَّ قابيلَ كان يَعرِفُ القتلَ بطبعه؛ لأنَّ الإنسانَ وإنْ لم ير القتلَ، فإنه يَعلمُ بطبعه أنَّ النفسَ فانيةٌ، ويمكن إتلافُها؛ فأخذ حجراً، فقتَلَه بأرض الهندِ. والله أعلم (٦). ولما قتله نَدِم، فقعَد يبكي عندَ رأسِه؛ إذْ أقبل غرابانٍ فاقتتلا، فقَتَلَ أحدُهما الآخرَ، ثم حَفَر له حُفرةً، فدقَنه؛ ففعل القاتلُ بأخيه كذلك. والسَّوءَةُ يرادُ بها العورةُ، وقيل: يرادُ بها جِيفةُ المقتول (٧)؛ ثم إنه هرَب إلى أرض عَدَنٍ من اليمن، فأتاه إبليس، وقال: إنما أَكَلَت النارُ قُرْبانَ أخيك؛ لأنه كان يَعبدُ النار، فانصِبْ أنت أيضاً ناراً تكونُ لك ولعقبك، فبنى بيتَ نارٍ ؛ فهو أوَّلُ من عَبدَ النارَ فيما قيل. والله أعلم(٨). ورُويَ عن ابن عباس أنه لما قتلَه وآدمُ بمكةَ؛ اشتاك الشَّجرُ، وتغيّرت الأطعمةُ، (١) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٣٧/٨ - ٢٣٨. (٢) أورده البغوي في تفسيره ٢/ ٣٠. (٣) لم نقف عليه في تفسيره، ونقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٣٣٨/٢ . (٤) عرائس المجالس للثعلبي ص٤٦ . وأورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢٣٨/٢ دون قوله: المسجد الأعظم. (٥) عرائس المجالس ص٤٦، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠ . (٦) تفسير أبي الليث ٤٢٩/١ . (٧) ينظر زاد المسير ٣٣٨/٢. (٨) العرائس ص٤٨، وتفسير البغوي ٣١/٢ . ٤١٨ سورة المائدة: الآية ٣٠ وحَمُضَت الفواكهُ، ومَلَحت المياهُ، واغبرَّت الأرضُ؛ فقال آدم عليه السَّلام: قد حَدث في الأرض حَدَثٌ، فأتى الهندَ، فإذا قابيلُ قد قَتل هابيل(١). وقيل: إنَّ قابيلَ هو الذي انصرف إلى آدمَ، فلما وصل إليه قال له: أين هابيلُ؟ قال: لا أدري كأنك وَّلْتني بحفظِهِ. فقال له آدم: أفعلتَها؟! والله إنَّ دمَه لینادِي؛ اللهم العنْ أرضاً شرِبتْ دمَ هابيل. فُرُوي أنه من حينئذ ما شربت أرضٌ دماً. ثم إنَّ آدَمَ بقي مئةَ سنة لم يضحَكْ، حتى جاءه مَلكٌ، فقال له: حَيَّاك الله يا آدمُ وبَيَّاك. قال: ما بَيَّك؟ قال: أضحكَكَ(٢)؛ قاله سالم(٣) بنُ أبي الجَعْد(٤). ولما مضى من عمرٍ آدَمَ مئةٌ وثلاثونَ سنة - وذلك بعدَ قتلِ ھابیلَ بخمسٍ سنين - ولَدتْ له شِيئاً(٥)، وتفسيرُه هبةُ الله، أي: خَلَفاً من هابيل(٦). وقال مقاتل: كان قبلَ قتلٍ قابيلَ هابيلَ السِّباعُ والطيورُ تَستأنِسُ بآدم، فلما قَتل قابيلُ هابيلَ هَرَبوا؛ فلحقتْ الطيورُ بالهواء، والوحوشُ بالبرِّيَّة، والسباعُ(٧) بالغِياض. ورُوي أنَّ آدَمَ لما تغيَّرت الحالُ قال: فوجهُ الأرضِ مُغْبَرٍّ قَبِيحُ تَغيَّرتِ البلادُ ومَنْ عليها وقلَّ بشاشةَ الوجهُ المَلیحُ تَغَيَّرَ كُلُّ ذي طعْمٍ ولونٍ في أبياتٍ كثيرةٍ ذكرها الثعلبيُّ وغيرُه(٩). (١) العرائس ص٤٧، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠ . (٢) المحرر الوجيز ١٨٠/٢. (٣) في (م): قاله مجاهد وسالم. (٤) أخرجه الطبري ٣٢٥/٨ . (٥) في (م): شيئاً. (٦) العرائس ص٤٨، وتفسير البغوي ٣١/٢ . (٧) في (م): ولحقت السباع. (٨) أورده أبو الليث في تفسيره ١/ ٤٣٠ . (٩) في العرائس ص٤٧، ورواها الطبري ٣٢٥/٨ عن علي وفي إسناده غياث بن إبراهيم، قال = ٤١٩ سورة المائدة: الآية ٣٠ قال ابنُ عطية(١): هكذا هو الشعر بنصب ((بشاشةَ)) وكفّ التنوين. قال القُشيريُّ وغيرُه: قال ابن عباس: ما قال آدمُ الشِّعرَ، وإنَّ محمداً والأنبياءَ كلهم في النهي عن الشِّعرِ سواءٌ؛ لكن لما قُتل هابيلُ رثاه آدمُ وهو سُريانيٍّ، فهي مَرْئيَّةٌ بلسان السُّريانيةِ؛ أَوصى بها إلى ابنه شيث، وقال: إنك وصييّ، فاحفظُ مني هذا الكلامَ ليُتَوارثَ؛ فحُفِظتْ منه إلى زمان يَعْرُبَ بنِ قحطانَ، فَتَرجَم عنه يَعْربُ بالعربيَّة، وجعلَه شعراً (٢). الثانية: رُوي من حديث أنسٍ قال: سُئل النبيُّ :﴿ عن يوم الثلاثاءِ، فقال: ((يومُ الدَّمِ، فيه حاضت حوّاءُ، وفيه قَتلَ ابنُ آدم أخاه))(٣). وثبت في صحيح مسلم وغيرِه عن عبد الله قال: قال رسولُ اللهِ لَ﴾: ((لا تُقتَلُ نفسٌ ظلْماً إلا كان على ابن أَدَمَ الأوّلِ كِفْلٌ من دمها؛ لأنه كان أوَّلَ من سَنَّ القتلَ)) (٤). وهذا نصٌّ على التعليل؛ وبهذا الاعتبارِ يكونُ على إبليسَ كِفلٌ من معصية كلِّ مَن عصى بالسجود؛ لأنه أوّلُ من عصى به، وكذلك كلُّ من أَحدثَ في دين اللهِ ما لا يجوزُ من البِدع والأهواءِ؛ قال :﴿: ((من سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً؛ كان له أجرُها وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامةِ، ومن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً؛ كان عليه وِزرُها = البخاري: تركوه، الميزان ٣٣٧/٣. وقال الزمخشري في الكشاف ٦٠٨/١ عن هذه الأبيات: هو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر، وقال الرازي في تفسيره ٢٠٨/١١ : صدق صاحب الكشاف فيما قال، فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين، فكيف يُنسبِ إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة. (١) في المحرر الوجيز ٢/ ١٨٠. (٢) العرائس ص ٤٧، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠ . (٣) لم نقف عليه من حديث أنس بهذا التمام، وأخرج أبو داود (٣٨٦٢) عن أبي بكرة أنه كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويزعم عن رسول الله # أن: ((يوم الثلاثاء يوم الدم .. )). قال المناوي في فيض القدير ٥٤٩/٢: قال الذهبي في إسناده لين، وأما زعم ابن الجوزي وضعه فلم يوافقوه. وأخرج أبو يعلى (٢٦١٢) عن ابن عباس قال : ... ويوم الثلاثاء يوم الدم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٥/٤: فيه يحيى بن العلاء وهو متروك. (٤) ص ٤١٤ من هذا الجزء . ٤٢٠ سورة المائدة: الآية ٣٠ ووٍزرُ من عمل بها إلى يوم القيامةِ)). وهذا نصٍّ في الخير والشرِّ(١). وقال ﴾: ((إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمتي الأئمةُ المضِلُّون))(٢). وهذا كلُّه صريحٌ، ونصّ صحيحٌ في معنى الآيةِ، وهذا ما لم يَتُب الفاعلُ من تلك المعصيةِ؛ لأنَّ آدمَ عليه السلام كان أوّلَ من خالفَ في أكل ما نُهي عنه، ولا يكونُ عليه شيءٌ من أوزار مَن عصى بأكلٍ ما نُهي عنه ولا شُربِهِ ممَّن بعدَه بالإجماع؛ لأنَّ آدَ تاب من ذلك، وتاب الله عليه، فصار كمن لم يَجْنِ(٣). ووجهٌ آخرُ: فإنه أكل ناسياً على الصَّحيح من الأقوال، كما بيَّنَّاه في البقرة (٤)، والناسي غيرُ آثمٍ ولا مؤاخذٍ. الثالثة: تضمَّنتْ هذه الآيةُ البيانَ عن حال الحاسدِ، حتى إنه قد يحملُه حسدُه على إهلاك نفسِه بقتل أقربِ الناسِ إليه قرابةٌ، وأمسِّهم(٥) به رحِماً، وأولاهم بالحُنوِّ عليه ودفعِ الأذيَّةِ عنه. الرابعة: قولُه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِينَ﴾، أي: ممن خَسِرَ حسناتِه. وقال مجاهد(٦): عُلِّقتْ إحدى رجلَي القاتلِ بساقها إلى فخذِها من يومئذٍ إلى يوم القيامةِ، ووجْهُه إلى الشمس حيثما دارت، عليه في الصَّيف حظيرةٌ من نار، وعليه في الشتاء حظيرةٌ من ثلج. قال ابن عطية (٧): فإنْ صحَّ هذا، فهو من خسرانه الذي تضمَّنَه قولُه تعالى: (١) ينظر المفهم ٤١/٥، والحديث سلف ٣٣٦/٢ . (٢) في النسخ: المضلين، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر، والحديث أخرجه الطيالسي (٩٧٥)، وأحمد (٢٧٤٨٥)، والدارمي (٢١١) من حديث أبي الدرداء ﴾. وفي الباب من حديث أبي ذر وعمر وشداد بن أوس عند أحمد (٢١٢٩٦)، (٢٩٣)، (١٧١١٥). (٣) المفهم ٤١/٥. (٤) ١ / ٤٥٦ . (٥) في (ظ): أسنهم، وفي (م): أمسه، والمثبت من (د) و(ز). (٦) أخرجه الطبري ٣٣٣/٨ - ٣٣٤. (٧) في المحرر الوجيز ٢/ ١٨٠.