Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة المائدة: الآية ٤ كالمُؤدِّب: صاحب التأديب. وقيل: معناه: مُضَرِّين على الصيد كما تُضَرَّى الكلاب(١)؛ قال الرُّمَّاني: وكلا القولين مُحتمِل. وليس في (مكلِّبين)) دليلٌ على أنه إنما أُبيح صيدُ الكلاب خاصةً؛ لأنه بمنزلة قوله: ((مؤمنين))، وإنْ كان قد تمسَّك به مَن قَصَر الإباحةَ على الكلاب خاصةً. رُوي عن ابن عمرَ - فيما حكى ابنُ المنذر عنه - قال: وأما ما يُصاد به من البُزَاة وغيرها من الطير؛ فما أدركتَ ذكاتَه فَذَكِّه، فهو لك حلالٌ، وإلا فلا تَطْعَمْهُ(٢). قال ابن المنذر: وسُئل أبو جعفر عن البازي يَحِلُّ صيدُه؟ قال: لا؛ إلا أن تُدرك ذكاته. وقال الضحاك والسّدي: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾ هي الكلابُ خاصة(٣). فإن كان الكلبُ أسودَ بَهِيماً، فكْرِهَ صيدَه الحسنُ وقتادة والنَّخَعيُّ. وقال أحمد: ما أَعرِفُ أحداً يُرخِّصُ فيه إذا كان بَهِيماً؛ وبه قال إسحاقُ بن راهويه. فأما عوامُ أهل العلم بالمدينة والكوفة؛ فيرون جوازَ صيد كلِّ كلب مُعلَّم (٤). أما من مَنَع صيدَ الكلب الأسودِ فلقوله : ((الكلبُ الأسودُ شيطان)) أخرجه مسلم(٥). احتجَّ الجمهور بعموم الآية، واحتجُوا أيضاً في جواز صيد البازي بما ذُكر من سبب النزول، وبما خرَّجه الترمذي عن عَدِيِّ بن حاتم قال: سألتُ رسولَ الله ﴾ عن صيد البازي فقال: ((ما أمسكَ عليك فَكُلْ))(٦). في إسناده مُجَالِد، ولا يُعرف إلا من جِهته، وهو ضعيفٌ(٧). وبالمعنى؛ وهو أن كلَّ ما يتأتَّى من الكلب يتأتّى من الفَهْد (١) ينظر أحكام القرآن للكيا الهراسي ٢٥/٣ . (٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥١٩)، والطبري ٨/ ١٠٥ . (٣) أخرجه الطبري ١٠٥/٨ . (٤) المحرر الوجيز ١٥٦/٢، وعنه نقل المصنف قولي ابن المنذر السالفين. (٥) رقم (٥١٠) وهو من حديث أبي ذر ﴾، وفي مسند أحمد (٢١٣٢٣). (٦) سنن الترمذي (١٤٦٧). (٧) وهو مجالد بن سعيد بن عُمير. قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وقال أحمد: يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس، وقال الدار قطني: ضعيف. ميزان الاعتدال ٤٣٨/٣. ٣٠٢ سورة المائدة: الآية ٤ مثلاً ، فلا فارق إلا فيما لا مَدْخَل له في التأثير؛ وهذا هو القياسُ في معنى الأصل، كقياس السيف على المُدْيةِ، والأَمَة على العبد(١)، وقد تقدَّم. السادسة: وإذا تقرَّر هذا فاعلَمْ أنه لا بدَّ للصائد أن يَقصِدَ عند الإرسال التذكيةَ والإباحة. وهذا لا يُختلَف فيه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أرسلتَ كلبَك، وذكرتَ اسمَ الله عليه، فَكُلْ))(٢) وهذا يقتضي النيةَ والتسمية، فلو قَصَد مع ذلك اللَّهْوَ، فكَرِهَه مالِكٌ، وأجازه ابنُ عبد الحكم، وهو ظاهرُ قول اللَّيث: ما رأيتُ حقًّا أشبهَ بباطل منه؛ يعني الصَّيد؛ فأما لو فعله بغير نيةِ التذكية، فهو حرامٌ؛ لأنه من بابٍ الفساد وإتلاف حيوانٍ لغير مَنْفعة، وقد نهى رسولُ اللـه ﴾ عن قَتْل الحيوان إلا لِمَأْكَلة(٣). وذهب(٤) الجمهورُ من العلماء إلى أنَّ التسميةَ لابدَّ منها بالقول عند الإرسال؛ لقوله: ((وذكرتَ اسمَ الله))، فلو لم تُوجَدْ على أيِّ وجهٍ كان؛ لم يُؤكّلِ الصيدُ، وهو مذهبُ أهلِ الظاهر وجماعةِ أهل الحديث. وذهب(٥) جماعةٌ من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوزُ أكلُ ما صادَه المسلم وذبَحَه وإنْ تركَ التسميةَ عَمْداً، وحَمَلوا الأمرَ بالتَّسمية على النَّذْب. وذهب مالكٌ في المشهور إلى الفَرْق بين ترك التسمية عَمْداً أو سَهْواً، فقال: لا تُؤْكَلُ مع العَمْد، وتُؤكَلُ مع السهو، وهو قولُ فقهاء الأمصار، وأحدُ قولي الشافعي، وستأتي هذه المسألةُ في ((الأنعام)»(٦) إن شاء الله تعالى. ثم لا بدَّ أن يكون انبعاثُ الكلب بإرسالٍ من يدِ الصائدِ بحيث يكون زِمامُه بيده، (١) ينظر المفهم ٢٠٥/٥ . (٢) أخرجه أحمد (١٨٢٤٥)، والبخاري (٥٤٧٦)، ومسلم (١٩٢٩) من حديث عدي بن حاتم ﴾. (٣) لم نقف عليه، لكن أخرج مالك في الموطأ ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨ عن يحيى بن سعيد، أن أبا بكر الصديق﴾ بعث جيوشاً إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيانٍ، وكان أمير ربع من تلك الأرباع ثم قال له أبو بكر: إني مُوصيك بعشرٍ، منها: ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة. (٤) في (م): وقد ذهب. (٥) في (م): وذهبت. (٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأَكُلُواْ مِمَّا لَمْ يَذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الآية: ١٢١]. ٣٠٣ سورة المائدة: الآية ٤ فَيُخلِّي عنه، ويُغريه(١) عليه فينبعث، أو يكون الجارحُ ساكناً مع رؤيته الصيدَ، فلا يتحرَّكُ له إلا بالإغراء من الصائد، فهذا بمنزلة ما زِمامُه بيده، فأطلقه مُغرِياً له على أحد القولين؛ فأما لو انبعثَ الجارحُ من تلقاء نفسه من غير إرسالٍ ولا إغراءٍ، فلا يجوزُ صيدُه، ولا يَحِلُّ أكلُه عند الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي؛ لأنه إنما صادَ لنفسه من غير إرسالٍ، وأمسكَ عليها، ولا صُنْعَ للصائد فيه، فلا يُنسَب إرسالُه إليه؛ لأنه لا يَصْدقُ عليه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إذا أرسلتَ كلبكَ المُعلَّم)). وقال عطاء بن أبي رَبَاح والأوزاعيُّ: يُؤكّلُ صيدُه إذا كان أخرجه للصيد(٢). السابعة: قرأ الجمهورُ: ((عَلَّمْتُمْ)) بفتح العين واللام. وابنُ عباس ومحمدُ ابن الحنفية: بضمِّ العين وكَسْر اللام(٣)، أي: من أمر الجوارح والصيدِ بها. والجوارحُ: الكواسِب، وسُمِّيتْ أعضاءُ الإنسان جوارِحَ؛ لأنها تَكْتسب(٤) وتتصرَّف. وقيل: سُمِّيتْ جوارحَ لأنها تَجرح وتُسيل الدَّم، فهو مأخوذٌ من الجِراح؛ وهذا ضعيفٌ، وأهلُ اللغة على خِلافه، وحكاه ابنُ المنذر عن قوم. و ((مُكَلِّبِينَ)) قراءةُ الجمهور بفتح الكاف وشدِّ اللام، والمُكلِّبُ: مُعلِّمُ الكِلاب ومُضْرِيها. ويقال لمن يُعلِّم غيرَ الكلب: مُكلِّب؛ لأنه يردُّ ذلك الحيوانَ كالكلب. حكاه بعضُهم. ويقال للصائد: مُكَلِّب، فعلى هذا معناه: صائِدين. وقيل: المُكلِّب صاحبُ الكِلاب؛ يقال: كَلَّبَ، فهو مُكلِّب وكَلَّاب. وقرأ الحسنُ: ((مُكْلِبِينَ)) بسكون الكاف وتخفيف اللام، ومعناه: أصحاب كِلاب؛ يقال: أَمْشَى الرجلُ: كَثُرتْ ماشيتُه، وأَكْلَب: كَثُرتْ كلابُه(٥)؛ وأنشد (١) أغريتُ الكلبَ بالصيد، وغَرِيَ به، أي: أُولع. مختار الصحاح (غرى). (٢) ينظر المفهم ٢٠٦/٥ - ٢٠٧. (٣) البحر المحيط ٤٢٩/٣. (٤) في (م): تكسب. (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٥٧/٢، وعنه نقل المصنف قولَ ابن المنذر السابق. وقراءة ((مُكْلِبين)) ذكرها ابن جني في المحتسب ٢٠٨/١، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣١ . ٣٠٤ سورة المائدة: الآية ٤ الأصمعيُّ : وكلُّ فَتَّى وإن أَمْشَى فأثرى ستَخْلُجُه عن الدنيا مَنُونُ(١) الثامنة: قوله تعالى: ﴿تُعَلِمُونَهُنَّ بِمَّا عَلََّكُمُ الله﴾ُ أَنَّثَ الضميرَ مُراعاةً للفظ الجوارح؛ إذ هو جمعُ جارحة. ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم، وهما: أنْ يأتمرَ إذا أُمِرَ، ويَنزِجِرَ إذا زُجِر، لا خِلاف في هذين الشرطين في الكلاب، وما في معناها من سِباع الوحوش. واختلف فيما يُصاد به من الطير، فالمشهورُ أن ذلك مُشترَطُ فيها عند الجمهور. وذكر ابنُ حبيب أنه لا يُشترط فيها أن تنزجرَ إذا زُجِرتْ، فإنه لا يتأتّى ذلك فيها غالباً، فيكفي أنها إذا أُمرت أطاعَتْ(٢). وقال ربيعة: ما أجابَ منها إذا دُعي؛ فهو المُعلَّم الضَّارِي؛ لأن أكثرَ الحيوان بطبعه يَنْشَلي(٣). وقد شرطَ الشافعيُّ وجمهورٌ من العلماء في التعليم أنْ يُمسِكَ على صاحبه، ولم يَشترِظُه مالكٌ في المشهور عنه (٤). وقال الشافعيُّ: المُعلَّم هو الذي إذا أَشْلَاه صاحبُهُ انْشَلَى؛ وإذا دعاه إلى الرجوع رَجَعَ إليه، ويُمسِكُ الصيدَ على صاحبه ولا يأكلُ منه؛ فإذا فعل هذا مِراراً وقال أهلُ العُرْف: صار مُعَلَّماً، فهو المُعَلَّم. وعن الشافعي أيضاً والكوفيين: إذا أُشْلي فانْشَلَى(٥)، وإذا أخَذَ حَبَس، وفَعَل (١) معاني القرآن للنحاس ٢٦٣/٢ - ٢٦٤، والبيت في اللسان (مشى)، ونسبه ابن منظور للنابغة الذبياني، ولم نقف عليه في المطبوع من ديوانه. وقوله: ستخلجه، أي: ستنتزعه. اللسان (خلج). (٢) المفهم ٢/ ٢٠٥ . (٣) المحرر الوجيز ٢/ ١٥٧. (٤) المفهم ٢/ ٢٠٥ . (٥) في الاستذكار ٢٨٨/١٥ (والكلام منه): استشلى. ٣٠٥ سورة المائدة: الآية ٤ ذلك مرَّة بعد مرة، أُكِل صَيْدُه في الثالثة. ومن العلماء مَن قال: يفعلُ ذلك ثلاثَ مرات، ويُؤكل صيدُه في الرابعة. ومنهم مَن قال: إذا فَعَلَ ذلك مرةً فهو مُعَلَّم، ويُؤكَل صيدُه في الثانية. التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: حَبَسْنَ لكم. واختلف العلماءُ في تأويله؛ فقال ابنُ عباس وأبو هريرة، والنَّخَعيُّ وقتادة وابن جُبير، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة، والشافعيّ وأحمد، وإسحاق وأبو ثور، والنُّعمان وأصحابه: المعنى: ولم يَأْكُل؛ فإن أكلَ لم يُؤْكَلْ ما بقي، لأنه أمسكَ على نفسه، ولم يُمْسِكْ على رَبِّه(١). والفَهْدُ عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب، ولم يشترطوا ذلك في الطيور، بل يُؤكّل ما أكلتْ منه(٢). وقال سعدُ بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وسلمان الفارسيّ وأبو هريرة أيضاً: المعنى: وإِنْ أَكَل؛ فإذا أَكَلِ الجارحُ - كلباً كان أو فَهْداً أو طيراً - أُكِلَ ما بقيَ من الصيد وإنْ لم يبقَ إلا بَضْعةٌ. وهذا قولُ مالك وجميع أصحابه(٣)، وهو القولُ الثاني للشافعي(٤)، وهو القياس. وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا : أحدهما: حديثُ عَدِيٍّ في الكلب المُعلَّم: ((وإذا أَكَل فلا تأكُلْ، فإنما أمسكَ على نفسه)) أخرجه مسلم(٥). (١) أي: صاحبه الصائد، وينظر المحرر الوجيز ١٥٦/٢، وقول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٥١٣)، والطبري ١٠٩/٨. (٢) ينظر أحكام القرآن للكيا الهراسي ٢٦/٣. (٣) ينظر المحرر الوجيز ١٥٦/٢، وقول سعد وابن عمر ﴾ أخرجه مالك في الموطأ ٤٩٣/٢ - ٤٩٤، وقول سلمان أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٥١٨)، وقول أبي هريرة » أخرجه الطبري ١١٨/٨. (٤) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٥٤٦ . (٥) الحديث (١٩٢٩)، وسلف قطعة أخرى منه أول المسألة السادسة. ٣٠٦ سورة المائدة: الآية ٤ الثاني: حديثُ أبي ثعلبةَ الخشَنيّ قال: قال رسولُ اللـه ◌ِ﴾ في صيد الكلب: ((إذا أرسلتَ كلبَك وذكرتَ اسمَ اللهِ عليه، فَكُلْ وإنْ أَكَلَ منه، وكُلْ ما رَدَّتْ عليك يَدُكَ)) أخرجه أبو داود (١) ورُوِي عن عَدِيٍّ، ولا يصحّ، والصحيحُ عنه حديثُ مسلم. ولمّا تعارضَتِ الروايتانِ رَامَ بعضُ أصحابنا وغيرُهم الجمعَ بينهما، فحملوا حديثَ النهي على التنزيه والوَرَعِ، وحديثَ الإباحةِ على الجواز، وقالوا: إنّ عَدِيًّا كان مُوَسَّعاً عليه، فأفتاه النبيُّ ◌َ﴾ بالكَفِّ وَرَعاً، وأبا ثعلبة كان محتاجاً فأفتاه بالجواز، والله أعلم. وقد دَلّ على صحةِ هذا التأويل قولُه عليه الصلاة والسلام في حديث عدِيّ: ((فإني أخافُ أن يكونَ إنما أمسكَ على نفسه)). هذا تأويلُ علمائنا (٢). وقال أبو عمر في كتاب ((الاستذكار))(٣): قد عارضَ حديثُ عديٍّ هذا حديثَ أبي ثعلبة، والظاهرُ أن حديثَ أبي ثعلبةَ ناسخٌ له؛ لقوله (٤): وإنْ أكلَ يا رسولَ الله؟ قال: ((وإنْ أكلَ))(٥). قلت: هذا فيه نَظَرٌ؛ لأن التاريخَ مجهولٌ، والجمعُ بين الحديثين أولى ما لم يُعْلَم التاريخ، والله أعلم. وأما أصحابُ الشافعي فقالوا: إنْ كان الأكلُ عن فَرْط ◌ُجُوعٍ من الكلب أُكِلَ، وإلا لم يُؤْكَلْ، فإنَّ ذلك من سُوء تعليمه. وقد رُوي عن قومٍ من السلف التفرقةُ بين ما أكلَ منه الكلبُ والفَهْدُ فمنعوه، وبين ما أكلَ منه البازي فأجازوه، قاله النَّخَعِيُّ والثوريُّ وأصحابُ الرأي وحمَّادُ بن أبي سليمان، وحُكي عن ابن عباس(٦)، وقالوا: الكلبُ والفهدُ يمكن ضربُه وزَجْره، (١) في سننه (٢٨٥٢). (٢) المفهم ٢١١/٥ - ٢١٢. (٣) ٢٨٧/١٥. (٤) في النسخ: فقوله، والمثبت من الاستذكار. (٥) هي رواية أخرى لحديث أبي ثعلبة الخشني أخرجه أحمد (٦٧٢٥)، أبو داود (٢٨٥٧). (٦) المفهم ٥/ ٢١٢، وقال أبو العباس القرطبي في هذه التفرقة: وفيها ضعفٌ وبُعْدٌ. ٣٠٧ سورة المائدة: الآية ٤ والطيرُ لا يمكن ذلك فيه، وحدٌّ تعليمه أن يُدعى فَيُجيب، وأن يُشْلَى فَيَنْشَلي؛ لا يُمكن فيه أكثرُ من ذلك، والضربُ يُؤذيه(١). العاشرة: والجمهورُ من العلماء على أنّ الجارحَ إذا شَرِبَ من دمِ الصيد أنّ الصيدَ يُؤكلَ. قال عطاءٌ: ليس شربُ الدَّم بأكلٍ، وكَرِهَ أكلَ ذلك الصيدِ الشعبيُّ وسفيانُ الثوريّ(٢). ولا خِلافَ بينهم أن سببَ إباحة الصيد الذي هو عَقْرُ الجارح له لا بدَّ أن يكونَ مُتحقّقاً غيرَ مشكوكٍ فيه، ومع الشكِّ لا يجوز الأكلُ، وهي: الحادية عشرة: فإنْ وَجَدَ الصائدُ مع كلبه كلباً آخرَ، فهو محمولٌ على أنه غيرُ مُرسَلٍ من صائد آخرَ، وأنه إنما انبعثَ في طلب الصيد بطبعهِ ونَفْسه، ولا يُختلف في هذا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((وإنْ خالَظَها كِلابٌ من غيرها فلا تَأْكُلْ)) في رواية: «فإنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تُسَمِّ على غيره)». فأمَّا لو أرسلَه صائدٌ آخرُ، فاشتركَ الكلبان فيه، فإنه للصَّائِدَيْن؛ يكونان شريكين(٣). فلو أنفذَ أحدُ الكَلْبين مَقَاتِلَه، ثم جاء الآخرُ، فهو للذي أنفذ مَقَاتِلَه؛ وكذلك لا يُؤْكَل ما رُمِيَ بسهم فتردَّى من جَبَل، أو غَرِقَ في ماء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لِعَدِيٍّ: ((وإنْ رَمْيْتَ بِسَهْمك فاذكُرِ اسمَ الله، فإنْ غابَ عنك يوماً، فلم تَجِدْ فيه إلا أَثَرَ سَهْمكَ فَكُلْ، وإنْ وجدتَه غَرِيقاً في الماء فلا تأكُلْ، فإنك لا تَدري؛ الماءُ قَتَله أو سَهْمُكَ)). وهذا نصّ(٤). الثانية عشرة: لو ماتَ الصيدُ في أفواهِ الكلاب من غير بَضْع لم يُؤْكَلْ؛ لأنه مات (١) ينظر المحرر الوجيز ١٥٦/٢. (٢) المحرر الوجيز ١٥٧/٢، وينظر الاستذكار ٢٨٨/١٥، وقول عطاء علقه البخاري قبل الحديث (٥٤٨٣) بنحوه. (٣) بعدها في (م): فيه. (٤) ينظر المفهم ٢٠٩/٥ و ٢١٣، وحديث عديّ هو رواية أخرى لحديثه المذكور أول المسألة السادسة، وينظر حديث أحمد (١٩٣٨٨)، وحديث البخاري (٥٤٨٤). ٣٠٨ سورة المائدة: الآية ٤ خَتْقاً، فأشبهَ أن يُذبح بسكِين كَالَّةٍ(١) فيموتَ في الذَّبح قبل أن يُفرَى حَلْقُه. ولو أمكنه أَخْذُه من الجوارح وذَبْحُه فلم يَفعلُ حتى مات، لم يُؤكّلْ، وكان مُقصِّراً في الذّكاة؛ لأنه قد صار مَقْدوراً على ذَبْحه، وذكاةُ المَفْدور عليه تُخالف ذكاةً غير المَقْدور عليه. ولو أخذَه ثم ماتَ قبل أن يُخرِجَ السّكّين، أو تناولها وهي معه، جاز أَكْلُه؛ ولو لم تكن السِّكّينُ معه؛ فتشاغلَ بطلبها؛ لم تُؤْكَلُ(٢). وقال الشافعي: فيما نالَتْه الجوارحُ ولم تُدْمِه قولان: أحدهما: ألّا يُؤكلَ حتى يجرح؛ لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجُوَارِجِ﴾، وهو قولُ ابن القاسم. والآخر: أنه حِلٌّ، وهو قولُ أشهبَ؛ قال أشهبُ: إنْ مات من صَدْمةِ الكلب أُكِلَ(٣). الثالثة عشرة: قوله(٤): ((فإنْ غاب عنك يوماً، فلم تَجِدْ فيه إلا أثَرَ سَهْمك فَكُلْ)) ونحوه في حديث أبي ثعلبةَ - الذي خرَّجه أبو داود، غير أنه زاد: «فَكُلْهُ بعد ثلاثٍ ما لم يُنْتِنْ))(٥) - يُعارِضُه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((كُلْ ما أَصْمَيْتَ، وَعْ ما أَنْمَيْتَ))(٦). (١) في اللسان (كلل): كلَّ السيفُ وغيره: لم يقطع. (٢) ينظر الاستذكار ٢٩٢/١٥ - ٢٩٣، والمنتقى ١٢٧/٣. (٣) ينظر الاستذكار ٢٦٥/١٥، والمفهم ٢٠٨/٥ . (٤) يعني في حديث عدي بن حاتم ، وهو عند مسلم (١٩٢٩): (٦). وسلفت قطعة منه أول المسألة السادسة. (٥) المفهم ٢١٠/٥ دون قوله: الذي خرَّجه أبو داود، وهذه الزيادة: ((فَكُلْه بعد ثلاثٍ ما لم يُنْيِّنْ)) عند مسلم (١٩٣١). وعند أبي داود (٢٨٥٧): قال (يعني أبا ثعلبة): وإن تغيَّب عني، قال: ((وإن تغيَّب عنك، ما لم يَصِلَّ .. )، أي: يُتن. (٦) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٣٧٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً، وفي إسناده عثمان ابن عبد الرحمن القرشي الوقّاصي، قال فيه البخاري: تركوه، وقال ابن معين: ليس بشيء، فيما ذكره الذهبي في ميزانه ٤٣/٣ . وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ١٣٦/٤ - ١٣٧: ورواه أبو نعيم في المعرفة من حديث عمرو بن تميم، عن أبيه، عن جده مرفوعاً، وفيه محمد بن سليمان بن مسمول، وقد ضعَّفوه. ا.هـ. وأورده ابن حزم في المحلى ٧/ ٤٦٣ وقال: محمد بن سليمان بن مسمول - وهو منكر الحديث - عن عمرو بن تميم، عن أبيه - وهو منكر الحديث - وأبوه مجهول . = ٣٠٩ سورة المائدة: الآية ٤ فالإِضْماء: ما قَتَل مُسرعاً وأنت تراهُ، والإنماءُ: أن ترميّ الصيدَ فيغيبَ عنك، فيموت وأنت لا تراه؛ يقال: قد أَنْمَيْتُ الرَّمِيَّة فَنَمتْ، تَنْمي: إذا غابَتْ، ثم ماتَتْ، قال امرؤ القيس : فهو لا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ مالَه لا عُدَّ مِن نَفَرِهُ(١) وقد اختلف العلماءُ في أكل الصَّيد الغائبِ على ثلاثة أقوال: يُؤكل، وسواء قَتَله السَّهْم أو الكلبُ. الثاني: لا يُؤكل شيء من ذلك إذا غاب؛ لقوله: ((كُلْ ما أصميتَ، ودَعْ ما أَنْمَيْت))، وإنما لم يُؤكلْ مخافةَ أن يكون قد أعانَ على قَتْله غيرُ السهم من الهوامّ. الثالث: الفرقُ بين السَّهْم فيؤكل، وبين الكلب فلا يُؤكل؛ ووجهُه أن السَّهْمَ يقتل على جِهَةٍ واحدة فلا يُشْكِل، والجارح على جِهات مُتعدِّدة فَيُشْكِل، والثلاثةُ الأقوالِ لعلمائنا(٢). وقال مالك في غير ((الموظّأ)): إذا باتَ الصيدُ، ثم أصابه مَيْتاً لم يُنفذ البازي أو الكلبُ أو السهمُ مَقَاتِلَه لم يأكُلُه؛ قال أبو عمر(٣): فهذا يَدُلَّك على أنه إذا بلغ مَقاتِلَه كان حلالاً عنده أكلُه وإنْ بات، إلا أنه يكرهه إذا بات؛ لِما جاء عن ابن عباس: وإنْ غابَ عنك ليلةً فلا تأكُلُ(٤). ونحوه عن الثوريّ قال: إذا غابَ عنك(٥) يوماً (٦) كَرِهتُ أَكلَه. وقال الشافعي: القياسُ ألّا يأكُلَه إذا غاب عنه مَضْرعُه. وقال الأوزاعيّ: إنْ وجده من الغدِ ميتاً، ووجدَ فيه سهمَه أو أثراً من كلبه = وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٤٥٣) و(٨٤٥٥)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣٧١/٥ بنحوه، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٤١ موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما. (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٥٤٨/٢، والبيت في ديوان امرئ القيس ص١٢٥ . قال شارحه: فهو لا تنمي رميَّته، أي: لا تنهض بالسهم، وتغيب عنه، بل تسقط مكانها لإصابته مقتلها. (٢) ينظر المفهم ٢١٠/٥ . (٣) في الاستذكار ٢٧٥/١٥ - ٢٧٦ ، والكلام الذي قبله منه. (٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٤٥٣). (٥) في النسخ: عنه، والمثبت من (م). (٦) في الاستذكار: ليلة ويوماً. ٣١٠ سورة المائدة: الآية ٤ فَلْيَأْكُلْه؛ ونحوه قال أشهبُ وعبد الملك وأَضْبَغُ؛ قالوا: جائزٌ أكلُ الصّيد وإنْ بات إذا نَفَذَت مَقَاتِلُه، وقوله في الحديث: ((ما لم يُنْتن)) تعليلٌ؛ لأنه إذا أَنتن لَحِقَ بالمُستقذَرات التي تَمُجُّها الطّباعُ، فَيُكرَهُ أكلُها؛ فلو أكلها لجاز، كما أكلَ النبيُّ :﴿ الإِهَالَةَ السَّنِخَةَ، وهي المُنْتِنة (١). وقيل: هو مُعلَّلٌ بما يُخاف منه الضَّرَرُ على آكله؛ وعلى هذا التعليل يكون أكلُه محرَّماً إن كان الخوفُ مُحقَّقاً، والله أعلم (٢). الرابعة عشرة: واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهوديّ والنصرانيّ إذا كان مُعلَّماً، فكرهه الحسنُ البصري. وأما كلبُ المجوسيّ وبَازُه وصَقْره، فكره الصيدَ بها جابر بن عبد الله(٣) والحسن وعطاء ومجاهد والنخعيّ والثوريّ وإسحاق. وأجاز الصيدَ بكلابهم مالكٌ والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصّائدُ مسلماً؛ قالوا: وذلك مثلُ شَفْرته. وأما إنْ كان الصّائدُ من أهل الكتاب؛ فجمهورُ الأُمّة على جواز صيدِه غيرَ مالك، وفرَّق بين ذلك وبين ذَبيحته، وتَلَا: ﴿بَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَلَكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَلُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، قال: فلم يَذكُرِ اللهُ في هذا اليهود ولا النصارى. وقال ابن وَهْب وأَشھبُ: صيدُ اليهوديّ والنصرانيّ حلالٌ كذبيحته. وفي كتاب (١) أخرجه أحمد (١٢٣٦٠)، والبخاري (٢٥٠٨) ولفظه: عن أنس بن مالك قال: ولقد رهن رسول الله ﴾ درعه بشعير، ومَشَيْتُ إلى النبي # بخبز شعير وإهالةٍ سَنِخّة ... وأخرج أحمد أيضاً (١٣٨٦٠) عن أنس ﴾، أن يهودياً دعا رسول الله # إلى خبز شعير وإهالة سَيِخَة فأجابه. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٤١/٥: الإهالة، بكسر الهمزة وتخفيف الهاء: ما أذيب من الشحم والأَلْية، وقيل: هو كل دسم جامد. وقوله: سَيخة، أي: المتغيرة الريح، ويقال فيها بالزاي أيضاً. (٢) المفهم ٢١٠/٥ . (٣) أخرج الترمذي (١٤٦٦) عن جابر بن عبد الله قال: نُهينا عن صيد كلب المجوس، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ٣١١ سورة المائدة: الآية ٤ محمد(١): لا يجوز صيدُ الصَّابِئ ولا ذَبْحُه، وهم قومٌ بين اليهود والنصارى ولا دِيْنَ لهم. وأما إنْ كان الصَّائدُ مَجُوسيًّا؛ فمنع مِن أَكْله مالكٌ والشافعي وأبو حنيفة وأصحابُهم وجمهورُ الناس. وقال أبو ثور فيها قولين(٣): أحدهما كقول هؤلاء، والآخر: أن المجوسَ من أهل الكتاب وأن صَيْدَهم جائز(٣). ولو اصطادَ السَّكرانُ أو ذَبَح لم يُؤْكَلْ صيدُه ولا ذبيحتُه؛ لأن الذَّكاةَ تحتاجُ إلى قَصْد، والسَّكران لا قَصْدَ له(٤). الخامسة عشرة: واختلف النُّحاةُ في ((مِنْ)) في قوله تعالى: ﴿مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فقال الأخفش(٥): هي زائدة كقوله: ﴿كُلُواْ مِنْ ثَمَرِيِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وخطَّأه البصريون فقالوا: ((مِنْ)) لا تُزاد في الإثبات، وإنما تُزاد في النَّفي والاستفهام، وقوله: ﴿مِن ثَمَرٍِِّ﴾. ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] و﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] للتبعيض؛ أجاب فقال: قد قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] بإسقاط ((مِنْ)) فدلَّ على زيادتها في الإيجاب؛ أُجيب بأنَّ ((مِنْ)) هاهنا للتبعيض؛ لأنه إنما يَحِلُّ من الصيد اللَّحمُ دون الفَرْث والدَّم(٦). قلت: هذا ليس بمرادٍ ولا مَعْهود في الأكل فَيُعكّر على ما قال. ويَحتمِلُ أن يريدَ (مِمَّا أمسكن)) أي: ممّا أَبقَتْه الجوارحُ لكم؛ وهذا على قول مَن قال: لو أكَلَ الكلبُ الفَرِيسةَ لم يَضُرَّ. وبسبب هذا الاحتمال اختلفَ العلماءُ في جوازٍ أكل الصيد إذا أَكَل (١) يعني محمد بن المؤَّاز، ينظر النوادر والزيادات ٣٥٢/٤ . (٢) في النسخ: قولان، والمثبت من المحرر الوجيز. (٣) المحرر الوجيز ١٥٧/٢، وينظر الاستذكار ٢٩٣/١٥ وما بعدها. (٤) ينظر المنتقى ١٢٨/٣. (٥) معاني القرآن له ٢ / ٤٦٤ . (٦) ينظر تفسير الطبري ١٢٥/٨ - ١٢٧. ٣١٢ سورة المائدة: الآية ٤ الجارحُ منه على ما تقدَّم (١). السادسة عشرة: ودَلَّت الآيةُ على جواز اتِّخاذِ الكلاب واقتنائها للصيد، وثبتَ ذلك في صحيح السُّنَّة، وزادت الحَرْثَ والماشية؛ وقد كان أوّلَ الإِسلام أمرٌ بقتل الكلاب حتى كان يُقتل كلبُ المُرَيَّة من البادية يتبعُها(٢)؛ روى مسلم عن ابن عمر، عن النبيِّل﴿ قال: «مَن اقتنَى كلباً إلّا کلبَ صَيْدٍ أو ماشيةٍ؛ نَقَصَ مِن أَجْرِه كلَّ يوم قيراطان))(٣). ورَوَى أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه ﴾: ((مَن انَّخذَ كلباً إلا كلبَ ماشيةٍ، أو صَيْدٍ، أو زَرْعٍ؛ انتقصَ مِن أَجْرِه كلَّ يوم قِيْراٌ)). قال الزهريُّ: وذُكِرَ لابن عمر قولُ أبي هريرة فقال: يرحَمُ اللهُ أبا هريرة، كان صاحبَ زَرْع (٤). فقد دلَّت السُّنَّة على ما ذَكَرنا. وجُعِلَ النَّقْصُ من أَجْرِ مَن اقتناها على غير ذلك من المَنْفعة؛ إما لِتَرويعِ الكلبِ المسلمين وتَشْويشهِ عليهم بنُبَاحه، كما قال بعضُ شعراءِ البصرة، وقد نزلَ بعمّار، فَسَمِعَ لِكلابه نُباحاً فأنشأ يقول: علينا فَكِدْنا بين بَيْتيه نُؤْكَلُ نَزَلنا بعمّار فأَشْلى كِلابَه أَذا اليومُ أَمْ يومُ القيامةِ أطولُ (٥) فقلتُ لأصحابي أُسِرُّ إليهمُ (١) في المسألة التاسعة. (٢) أخرجه أحمد (٤٧٤٤)، ومسلم (١٥٧٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله ﴾ يأمر بقتل الكلاب، فننبعث في المدينة وأطرافها، فلا ندع كلباً إلا قتلناه، حتى إنَّا لنقتل كلبَ المُرَيَّة من أهل البادية يتبعها. وقوله: المُرَيَّة: هو مصغَّر المرأة. (٣) صحيح مسلم (١٥٧٤): (٥١) وهو في مسند أحمد (٤٥٤٩)، وصحيح البخاري (٥٤٠٨). (٤) صحيح مسلم (١٥٧٥)، وأخرجه أحمد (٧٦٢١)، والبخاري (٢٣٢٢) دون قول الزهري. وفي الباب عن سفيان بن أبي زهير # عند البخاري (٢٣٢٣)، ومسلم (١٥٧٦). وقول ابن عمر رضي الله عنهما: يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع. قال النووي في شرح مسلم ٢٣٦/١٠: قال العلماء: ليس هذا توهيناً لرواية أبي هريرة ولا شكّا فيها، بل معناه: أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحَفِظه وأتقنه، والعادة أن المُبتلى بشيءٍ يُتقنه ما لا يُتقنه غيره، ويتعرَّف من أحكامه ما لا يعرِفه غيره. (٥) لم نقف عليهما، والبيت الأول في ديوان زياد الأعجم ص ٥٠ ، وأوله: أتينا أبا عمرو ... وزياد الأعجم أصله ومولده بأصبهان، ثم انتقل إلى خراسان، فلم يزل بها حتى مات. ينظر الأغاني ١٥/ ٣٨٠. ٣١٣ سورة المائدة: الآية ٤ أو لمنع دخولِ الملائكة البيتَ، أو لِنجاسته على ما يَراه الشافعيّ، أو لاقتحام النهي عن اتِّخاذ مالا مَنْفعةً فيه، والله أعلم. وقال في إحدى الروايتين: (قيراطان)) وفي الأخرى: ((قيراط))، وذلك يَحتمِلُ أن يكون في نوعين من الكلاب؛ أحدُهما أشدُّ أذّى من الآخر؛ كالأسودِ الذي أَمَرَ عليه الصلاة والسلام بِقَتْله، ولم يُدخِلْه في الاستثناء حين نهى عن قتلها، فقال: ((عليكم بالأسودِ البَهِيم ذِي النُّقطتين، فإنه شيطانٌ)) أخرجه مسلم(١). ويَحتمِلُ أن يكون ذلك لاختلافِ المواضع، فيكون مُمْسِكُه بالمدينة مَثَلاً أو بمكةً ينقصُ قيراطان، وبغيرهما قيراط؛ والله أعلم. وأما المباحُ اتِّخاذُه فلا ينقصُ أَجْرُ مُتَّخِذُه، كالفرس والهِرِّ، ويجوز بيعُه وشراؤه، حتی قال سحنون: ویحُّ بثمنه(٢). وكلبُ الماشية المباحُ اتِّخاذُه عند مالك هو الذي يَسْرَحُ معها، لا الذي يَحفَظُها في الدار من السُّرَّاق. وكلبُ الزَّرع هو الذي يَحفَظُه من الوحوش بالليل والنهار لا من السُّرَّاق. وقد أجاز غيرُ مالك اتِّخاذَها لِسُرَّاق الماشيةِ والزَّرع والدار في البادية(٣). السابعة عشرة: وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ العالِمَ له من الفضيلة ما ليس للجاهل؛ لأن الكلبَ إذا عُلِّم يكون له فضيلةٌ على سائر الكلاب، فالإنسانُ إذا كان له عِلْمٌ أولى أن يكون له فضلٌ على سائر الناس، لا سِيَّما إذا عَمِل بما عَلِم؛ وهذا كما رُوي عن عليٍّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه أنه قال: لكلِّ شيء قيمةٌ، وقيمةُ المرءِ ما يُحْسِنُهُ (٤). (١) برقم (١٥٧٢) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (١٤٥٧٥). قال السندي كما في حاشية المسند: ((الأسود البهيم)): الأسود الخالص، و((ذي النقطتين)) أي: نقطتين من البياض، ومثله من شرار الكلاب. (٢) ينظر المنتقى ٢٨/٥ . (٣) ينظر المفهم ٤ / ٤٥٠ - ٤٥٢. (٤) تفسير أبي الليث ١/ ٤١٧ . وقول علي أورده المُناوي في فيض القدير ٤/ ١١٠ بنحوه وعزاه للراغب. ٣١٤ سورة المائدة: الآية ٤ الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أمرٌ بالَّسمية؛ قيل: عند الإرسال على الصيد، وفِقْهُ الصيد والذَّبح في معنى التسمية واحدٌ، يأتي بيانُه في ((الأنعام))(١). وقيل: المرادُ بالتسمية هنا التسميةُ عند الأكل(٢)، وهو الأظهرُ. وفي ((صحيح)) مسلم أن النبيَّ ﴾ قال لِعمرَ بن أبي سَلَمَةَ: ((يا غلامُ، سَمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينك، وكُلْ ممَّا يَليك)). ورَوَى من حديث حُذَيفةَ، قال رسولُ اللهِ ﴾: ((إنَّ الشيطانَ لَيَستحِلُّ الطعامَ ألّا يُذكرَ اسمُ اللهِ عليه)) الحديث(٣). فإنْ نَسِيَ التسميةَ أوَّلَ الأكل؛ فَلْيُسَمِّ آخرَه؛ وروى النسائيّ عن أُمَيَّةَ بن مَخْشِيّ - وكان من أصحاب رسول الله ﴾ - أنّ رسولَ الله # رأى رجلاً يأكلُ ولم يُسَمِّ اللهَ، فلما كان في آخر لُقْمَةٍ قال: بسم الله أوّلَه وآخِرَه؛ فقال رسولُ اللهِ﴾: ((مازال الشيطانُ يأكلُ معه، فلما سَمَّى فَاءَ ما أَكَله))(٤). التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أَمْرٌ بالتقوى على الجُملة، والإشارةُ القريبةُ هي ما تَضمَّنته هذه الآياتُ من الأوامر. وسُرْعةُ الحسابِ هي من حيث كونُه تعالى قد أحاط بكلِّ شيءٍ عِلْماً، وأحصَى كلَّ شيءٍ عَدَداً؛ فلا يَحتاج إلى محاولة عَدِّ(٥) ولا عقدٍ كما يَفعله الحُسَّاب؛ ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فهو سبحانه يُحاسِبُ الخلائقَ دَفْعةً واحدةً. ويَحتمِلُ أن يكون وعيداً بيوم القيامة؛ كأنه قال: إنَّ حسابَ الله لكم سريعٌ إتيانُه؛ إِذ يومُ القيامة قريبٌ. ويَحتمِلُ أن يريدَ بالحساب المُجازاةَ؛ فكأنه توَّد في الدنيا بمجازاةٍ (١) في تفسير الآية (١٢١) منها. (٢) ينظر المحرر الوجيز ١٥٨/٢ . (٣) سلف هذان الحديثان ١/ ١٥١ - ١٥٢. (٤) سنن النسائي الكبرى (٦٧٢٥)، وأخرجه أحمد (١٨٩٦٣)، وأبو داود (٣٧٦٨)، وفي إسناده المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي، قال الذهبي: لا يعرف، وقال ابن المديني: مجهول. ميزان الاعتدال ٤٣٥/٣. (٥) في النسخ: عدد، والمثبت من (م). ٣١٥ سورة المائدة: الآيتان ٤ - ٥ سريعةٍ قريبةٍ إنْ لم يَتَّقُوا اللهَ(١). قوله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَثُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ ◌ِلٌّ لَهُّ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرُ بِلإِيَنِ ۵ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُ وَهُوَ فِ اٌلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِنَ فيه عشر مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَثِّ﴾ أي: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ و﴿اَلْيَّمَ أُمِلَّ لَكُمُ الَِّبَتْ﴾. فأعادَ تأكيداً، أي: أُحِلَّ لكم الطَّيِّباتُ التي سألتُم عنها. وكانت الطَّيِّات أُبيحتْ للمسلمين قبل نزول هذه الآية، فهذا جوابُ سؤالهم إذْ قالوا: ماذا أُحِلَّ لنا. وقيل: أشار بِذِكْر اليوم إلى وقت محمد﴿ كما يُقال: هذه أيامُ فلان، أي: هذا أوانُ ظُهوركم وشيوع الإسلام؛ فقد أكملتُ بهذا دينكم، وأحللتُ لكم الظَّيِّبات. وقد تقدَّم ذِكْرُ الطَّيِّبات في الآية قبلَ هذا(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ. والطعامُ اسمٌ لما يُؤْكَّلُ، والذبائحُ منه، وهو هنا خاصٌّ بالذبائح عند كثير من أهل العلم بالتأويل(٣). وأما ما حُرِّم علينا من طعامهم فليس بداخلٍ تحت عُموم الخِطاب؛ قال ابنُ عباس: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ثم استثنَى فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾(٤) يعني ذبيحةَ اليهوديّ والنصرانيّ، وإن كان النصرانيُّ يقول عند الذبح: باسم المسيح، واليهوديُّ يقول: باسم عُزَيْر؛ وذلك لأنهم يَذبحون على المِلَّة. (١) المحرر الوجيز ١٥٨/٢ . (٢) في المسألة الثانية في الآية قبلها. (٣) ينظر المحرر الوجيز ١٥٨/٢. (٤) أخرجه أبو داود (٢٨١٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٨٢. ٣١٦ سورة المائدة: الآية ٥ وقال عطاء: كُلْ مِن ذبيحة النصرانيّ وإنْ قال: باسم المَسِيح؛ لأن الله جلَّ وعزَّ قد أباح ذبائحهم، وقد عَلِمَ ما يقولون(١). وقال القاسمُ بن مُخَيْمِرةَ: كُلْ من ذبيحته وإن قال: باسم جرجس(٢) - اسم كنيسة لهم - وهو قولُ الزهريّ وربيعةَ والشعبيّ ومكحول؛ ورُوي عن صحابيّين: عن أبي الدرداء وعُبادةَ بن الصّامت. وقالت طائفة: إذا سمعتَ الكتابيَّ يُسَمِّي غيرَ اسم الله عزَّ وجلَّ فلا تأكُلْ؛ وقال بهذا من الصحابة عليٍّ وعائشةُ وابنُ عمر، وهو قول طاوس والحسن مُتَمسِّكين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مَِّّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. وقال مالك: أكرهُ ذلك، ولم يُحرِّمه. قلت: العَجَبُ من الكيا الطبريّ (٣) الذي حكَى الاتّفاقَ على جواز ذبيحة أهل الكتاب، ثم أخذَ يستدلُّ بذلك على أن التسميةَ على الذبيحة ليست بشرط، فقال: ولا شكَّ أنهم لا يُسمُّون على الذبيحةِ إلا الإله الذي ليس معبوداً حقيقةً، مثل المَسِيح وعُزَيْر، ولو سَمَّوا الإلهَ حقيقةً لم تكن تسميتُهم بطريق(٤) العبادة، وإنما تكون(٥) على طريقٍ آخرَ، واشتراطُ التسميةِ لا على وجهِ العبادة لا يُعقل، ووجودُ التسمية من الكافر وعَدَمُها بمثابةٍ واحدة إذا(٦) لم تُتصوَّر منه العبادة، ولأن النصرانيَّ إنما يَذبح على اسمٍ المسيح، وقد حكم اللهُ بحِلِّ ذبائحهم مطلقاً؛ وفي ذلك دليلٌ على أن التسميةَ لا تُشترط أصلاً كما يقول الشافعي، وسيأتي ما في هذا للعلماء في ((الأنعام)) إن شاء الله تعالى(٧). (١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠١٨٠) و(١٠١٨٤) بنحوه. (٢) في النسخ: سرجس، والمثبت من الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٤٣/٢ - ٢٤٤ و٣٥١ - ٣٥٢، والكلام منه، وينظر تفسير الطبري ١٣٨/٨، والاستذكار ٢٣٨/١٥ - ٢٤٠ . (٣) في أحكام القرآن له ٢٨/٣ . (٤) في (م): على طريق. (٥) في النسخ: كان، والمثبت من أحكام القرآن للكيا. (٦) في (د): إذ. (٧) في تفسير الآية (١٢١) منها. ٣١٧ سورة المائدة: الآية ٥ الثالثة: ولا خلافَ بين العلماء أنَّ ما لا يَحتاج إلى ذَكاةٍ - كالطعام الذي لا مُحاولةَ فيه؛ كالفاكهةِ والبُرِّ - جائزٌ أكلُه؛ إذْ لا يضرُّ فيه تملُّكُ أحد، والطعامُ الذي تقعُ فيه محاولةٌ على ضَرْبین: أحدهما: ما فيه محاولةُ صَنْعةٍ لا تَعَلُّقَ الدِّين بها؛ كخبز الدقيق، وعَصْر الزيت ونحوه؛ فهذا إنْ تُجُنِّبَ من الذِّمّيّ فعلى وجهِ التَّقْزُّز. والضَّرْب الثاني: هي التَّذْكيةُ التي ذكرنا أنها هي التي تحتاجُ إلى الدِّين والنّة؛ فلما كان القياسُ ألا تجوزَ ذبائحُهم - كما تقول(١): إنهم لا صلاةَ لهم ولا عبادةَ مقبولةٌ - رّخَّصَ اللهُ تعالى في ذبائحهم على هذه الأُمَّة، وأخرجها النصُّ عن القياس(٢) على ما ذكرناه من قول ابنِ عباس(٣)، والله أعلم. الرابعة: واختلف العلماءُ أيضاً فيما ذَكَّوه؛ هل تعملُ الذَّكاةُ فيما حُرِّمَ عليهم، أو لا؟ على قولين؛ فالجمهورُ على أنها عاملةٌ في كُلِّ الذبيحة؛ ما حَلَّ له منها وما حَرُمَ عليه، لأنه مُذَّى. وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنما أحلَّ لنا من ذبيحتهم ما حَلَّ لهم؛ لأن ما لا يَحِلُّ لهم لا تعملُ فيه تَذْكِيتُهم؛ فمنعت هذه الطائفةُ الطَّرِيفَ(٤) والشُّحومَ المَخْضَةَ من ذبائح أهل الكتاب، وقَصَرَتْ لفظَ الطعام على البعض، وحَمَلَته الأُولى على العموم في جميع ما يؤكل. وهذا الخلافُ موجودٌ في مذهب مالك(٥). قال أبو عمر(٦): وكره مالكٌ شُحُومَ اليهود وأكلَ ما نَحَروا من الإبل، وأكثرُ أهل (١) في (م): كما نقول. (٢) المحرر الوجيز ١٥٨/٢. (٣) سلف في المسألة الثانية. (٤) قال الخرشي في شرح مختصر سيدي خليل ٣/ ٦ : الطريفة: هي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة، أي: ملتصقة بظهر الحيوان .. وإنما كانت الطريفة عندهم (أهل الكتاب) محرمة؛ لأن ذلك علامةٌ على أنها لا تعيش من ذلك، فلا تعمل فيها الذكاة عندهم، بمنزلة منفوذة المقاتل عندنا. (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٥٨/٢. (٦) في الكافي ٤٣٨/١. ٣١٨ سورة المائدة: الآية ٥ العلم لا يَرَوْنَ بذلك بأساً. وسيأتي هذا في ((الأنعام)) إن شاء الله تعالى(١). وكان مالكٌ رحمه الله يكره ما ذبحوه إذا وجدَ ما ذَبَحه المسلم، وكره أن يكونَ لهم أسواقٌ يبيعون فيها ما يذبحون؛ وهذا منه رحمه الله تَنَزُّهُ. الخامسة: وأما المَجُوسُ فالعلماء مجمعون - إلا من شَذَّ منهم - على أنَّ ذبائحهم لا تُؤْكل، ولا يُتَزوَّجُ منهم؛ لأنهم ليسوا أهلَ كتاب على المشهور عند العلماء. ولا بأسَ بأكل طعام من لا كتابَ له، كالمشركين وعَبَدةِ الأوثان؛ ما لم يكُنْ من ذبائحهم ولم يَحْتَجْ إلى ذَكاة؛ إلا الجُبن؛ لما فيه من إِنْفَحَةِ الميتة(٢). فإنْ كان أبو الصبيّ مجوسيًّا وأُمُّه كتابيَّةً؛ فَحُكمه حُكْمُ أبيه عند مالك، وعند غيره لا تُؤْكَلُ ذبيحةٌ الصبيِّ إذا كان أحدُ أبويه ممن لا تُؤْكَلُ ذبيحته(٣). السادسة: وأما ذبيحةُ نصارى بني تَغْلِبَ، وذبائحُ كلِّ دَخيل في اليهوديّة والنَّصرانيَّةِ؛ فكان عليٍّ ه ينهى عن ذبائح بني تَغْلب؛ لأنهم عَرَبٌ، ويقول: إنهم لم يتمسَّكوا بشيء من النصرانيَّة إلا بِشُرب الخمر. وهو قولُ الشافعي، وعلى هذا فليس يَنْهى عن ذبائح النصارى المُحقِّقين منهم. وقال جمهورُ الأُمَّة: إنَّ ذبيحةَ كلِّ نصرانيّ حلالٌ، سواء كان من بني تَغْلِب أو غيرهم، وكذلك اليهوديّ(٤). واحتجَّ ابنُ عباس بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَوَلَُّم ◌ِنْكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١](٥). فلو لم تكن بنو تَغْلِبَ من النصارى إلا بتولِيهم إيَّهم لأُكِلَتْ ذبائحُهم. السابعة: ولا بأسَ بالأكل والشّرب والطّبخ في آنية الكفار كلِّهم، ما لم تكن ذهباً (١) في تفسير الآية (١٤٢) منها. (٢) الإنفحة: شيء يستخرج من بطن ذي الكرش، أصفرُ يُعصَر في صوفةٍ مُبتلَّةٍ في اللبن، فيغلُظ كالجبن. اللسان (نفح). (٣) الكافي ٤٣٨/١ . (٤) المحرر الوجيز ١٥٩/٢، وينظر الاستذكار ٢٣٩/١٥، وقول علي ( أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٥٧٠). (٥) أخرجه الطبري ٨/ ١٣٠، وأورده ابن عبد البر في الاستذكار ٢٣٨/١٥ . ٣١٩ سورة المائدة: الآية ٥ أو فِضَّةً أو جِلْدَ خِنزير، بعد أن تُغسَلَ وتُغلى (١)؛ لأنهم لا يَتَوقّون النجاساتِ، ويأكلون المِيتاتِ، فإذا طَبَخوا في تلك القُدور تَنَجَّستْ، وربما سَرَتِ النجاساتُ في أجزاء قُدور الفَخَّار؛ فإذا ◌ُبخ فيها بعد ذلك تُوُقِّع مخالطةُ تلك الأجزاءِ النَّجِسة للمطبوخ في القِذْر ثانيةً؛ فاقتضَى الوَرَعُ الكفَّ عنها. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: إنْ كان الإناءُ من نُحاس أو حديد غُسِل، وإنْ كان من فَخَّار أُغليَ فيه الماء ثم غُسِل، هذا إذا احتیجَ إلیه. وقاله مالك. فأما ما يستعملونه لغير الطَّبخ؛ فلا بأسَ باستعماله من غير غسل؛ لِما رَوى الدار قطنيُّ عن عمرَ أنه توضَّأ من بيت نصرانيٍّ في حُقِّ نَصْرانيَّة، وهو صحيحٌ(٢)، وسيأتي في ((الفرقان)) بكماله(٣). وفي (صحيح)) مسلم من حديث أبي ثَعْلَبةَ الخُشَنيّ قال: أتيتُ رسولَ الله ﴾ فقلت: يا رسولَ الله، إنَّا بأرضٍ قومٍ أهلٍ (٤) كتاب نأكُلُ في آنيتهم، وأرضٍ صَيْدٍ؛ أَصِيدُ بقوسي وأَصِيدُ بكلبي المُعَلَّم، أو بكلبي(٥) الذي ليس بمعلَّم، فأَخْبِرني: ما الذي يَحِلُّ لنا من ذلك؟ قال: ((أما ما ذَكَرْتَ أنَّكم بأرضٍ قومٍ أهلٍ (٦) كتاب تأكلون (١) ينظر الكافي ٤٣٩/١. (٢) ينظر المفهم ٢١٧/٥ - ٢١٨، وأثر عمره في سنن الدارقطني (٦٤) من طريق سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعلقه البخاري في صحيحه (قبل الحديث ١٩٣) بلفظ: توضأ عمر بالحميم ومن بيت نصرانية. قال الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ١٣١/٢: وهذا إسناد ظاهره الصحة، وهو منقطع. وقال في الفتح ٢٩٩/١: وهذا الأثر وصله الشافعي، وعبد الرزاق، وغيرهما عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، به .. ولم يسمعه ابنُ عيينة من زيد بن أسلم، فقد رواه البيهقي من طريق سعدان بن نصر عنه قال: حدثونا عن زيد بن أسلم، عن أبيه، به .. ورواه الإسماعيلي من وجه آخر بإثبات الواسطة فقال: عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، به، وأولاد زيد عبدُ الله وأسامة وعبد الرحمن، وأوثقهم وأكبرهم عبد الله، وأظنه هو الذي سمع ابن عيينة منه ذلك ولهذا جزم به البخاري. (٣) في تفسير الآية (٤٨) منها، المسألة الخامسة. (٤) في (م) من أهل. (٥) في (د) و(ز) و(م): وأصيد بكلبي، والمثبت من (ظ) وصحيح مسلم. (٦) في (م): من أهل. ٣٢٠ سورة المائدة: الآية ٥ في آنيتهم؛ فإنْ وَجَدتُم غيرَ آنيتهم فلا تَأْكلوا فيها، وإنْ لم تَجِدوا فاغْسِلوها، ثم كُلوا فيها)) وذكَر (١) الحديث(٢). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُّكُمْ سِلٌّ لَّمْ﴾ دليلٌ على أنهم مُخاطَبون بتفاصيل شَرْعنا؛ أي: إذا اشْتَرَوا مِنَّ اللَّحم يَحِلُّ لهم اللَّحمُ، ويَحِلُّ لنا الثمنُ المأخوذُ منهم. التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية. قد تقدَّم معناها في ((البقرة)) و((النساء))(٣) والحمد لله. ورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾: هو على (٤) العَهْد دون دار الحَرْب، فيكون خاصًّا(٥). وقال غيره: يجوز نكاحُ الذِّمِّيةِ والحربيَّةِ لعموم الآية (٦). ورُوي عن ابن عباس أنه قال: ((المحصَناتُ)): العفيفاتُ العاقلات(٧). وقال الشَّعبيُّ: هو أن تُحصِنَ فَرْجَها فلا تَزني، وتغتسلَ من الجنابة. وقرأ الشَّعبيّ: ((والمُحصِنَات)) بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائيُّ(٨). وقال مجاهد: (المُحصَنَات)) الحرائر(٩). قال أبو عُبيد: يذهب(١٠) إلى أنه لا يَحِلُّ نكاحُ إماء أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمِن ◌َّ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥] (١) في (م): ثم ذكر. (٢) صحيح مسلم (١٩٣٠)، وأخرجه أحمد (١٧٧٥٢)، والبخاري (٥٤٨٨). (٣) ٦٧/٣ وما بعدها، و١٩٨/٦. (٤) لفظة ((على)) ليست في (ظ). (٥) أخرجه الطبري ١٤٦/٨ بنحوه. (٦) المصدر السابق ١٤٥/٨. (٧) أخرجه الطبري ٨/ ١٤٢ من قول مجاهد. (٨) السبعة ص ٢٣٠، والتيسير ص ٩٥. (٩) أخرج الطبري قولي الشعبي ومجاهد ١٣٩/٨ و١٤٣ . (١٠) في النسخ الخطية: نذهب، والمثبت من (م).