Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ سورة النساء: الآية ١٦٣ وقال ابن عباس فيما ذكره ابنُ إسحاق: نزلت في قوم من اليهود - منهم سُكَيْن وعديُّ بنُ زيد - قالوا للنبيِّ﴾: ما أوحى الله إلى أحد بعد (١) موسى. فكذَّبهم الله(٢). والوحي: إعلامُ في خَفاء؛ يقال: وَحَى إليه بالكلام يَحِي وَحْياً، وأوحى يُوحِي إِيحَاءٌ(٣). ﴿إِلَى نُجِ﴾ قدَّمه؛ لأنه أوّلُ نبيٍّ شُرعت على لسانه الشرائع. وقيل غيرُ هذا (٤). ذكر الزُّبير بنُ بكار: حدَّثني أبو الحسن علي بنُ المغيرة، عن هشام بن محمد بنِ السَّائب، عن أبيه قال: أوَّلُ نبيٍّ بعثه الله تبارك وتعالى في الأرض إدريس، واسمُه أَخْنُوخ؛ ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله نوحاً بن لَمَك بن متوشلخ بن أخنوخ، وقد كان سام بنُ نوح نبيًّ، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيًّا، واتخذَه خليلاً؛ وهو إبراهيم بنُ تَارَخ؛ واسم تارخ آزَر، ثم بعث إسماعيل بنَ إبراهيم، فمات بمكة، ثم إسحاق بن إبراهيم، فمات بالشام، ثم لوط(٥)، وإبراهيم عمُّه، ثم يعقوب؛ وهو إسرائيل بن إسحاق، ثم يوسف بن يعقوب، ثم شعيب بن يَوْبَب، ثم هود بنُ عبد الله، ثم صالح بنُ أسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم أيوب، ثم الخَضِر؛ وهو خضرون، ثم داود بن إِيشا، ثم سليمان بن داود، ثم يونُس بن مَتَّى، ثم إلياس(٦)، ثم ذا الكِفل؛ واسمُه عويدنا من سِبط يهوذا بن يعقوب؛ قال: وبين موسى بنُ عِمرانَ ومريمَ بنتِ عمرانَ أمُّ عيسى ألفُ سنةٍ وسبعُ مئة سنة، وليسا من سِبط؛ ثم محمد بنُ عبد الله بنِ عبد المطلب النَّبي ﴾ .. قال الزبير: كلُّ نبيٍّ ذُكر في القرآن من ولد إبراهيمَ؛ غير إدريس ونوح ولوط وهود (١) في (م): من بعد. (٢) السيرة النبوية ٢/ ٥٦٢، وتفسير الطبري ٧/ ٦٨٦ . (٣) ينظر تهذيب اللغة ٢٩٦/٥، والمحرر الوجيز ١٣٦/٢. (٤) ينظر مجمع البيان ٢٩٢/٦، وتفسير الرازي ١٠٨/١١. (٥) بعدها في النسخ الخطية زيادة: ثم هارون، والذي في المصادر: لوط بن هارون، والمثبت من (م). (٦) بعدها في (د): ثم بشير، ووقع في طبقات ابن سعد ٥٥/١ : ابن تشبين، وفي الدر ٢٤٧/٢: ابن بشير. ٢٢٢ سورة النساء: الآية ١٦٣ وصالح. ولم يكن من العرب أنبياءُ إلا خمسة: هود وصالح وإسماعيل وشعيبُ ومحمدٌ صلى الله عليه وعليهم أجمعين؛ وإنَّما سُمُّوا عرباً؛ لأنه لم يتكلمْ بالعربية غيرُهم (١). قوله تعالى: ﴿وَأُلِِّنَ مِنْ بَعْدِةٍ﴾ هذا يتناول جميعَ الأنبياء؛ ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَاً إِلَّ إِثْرَهِيمَ﴾، فخصَّ أقواماً بالذكر تشريفاً لهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَلُبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ. وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ثم قال: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ﴾ قَدَّمَ عيسى على قوم كانوا قبله، لأنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيب، وأيضاً فيه تخصيصُ عيسى ردًّا على اليهود. وفي هذه الآيةِ تنبيهٌ على قدْرِ نبيِّنا ﴿ وشَرَفِه حيثُ قدَّمه في الذِّكر على أنبيائه(٢)، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْعِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوح﴾ الآية [الأحزاب: ٧]. ونوح مشتقٌّ من النَّوْح؛ وقد تقدَّم ذكره مُوعباً (٣) في ((آل عمران))(٤)، وانصرف وهو اسمٌ أعجميٌّ؛ لأنه على ثلاثة أحرُفٍ، فخَفَّ، فأما إبراهيمُ وإسماعيل [وإسحاقُ] فأعجميَّةٌ، وهي مَعرِفة، ولذلك لم تنصرفْ، وكذا يعقوبُ وعيسى وموسى إلا أنَّ عيسى وموسى يجوز أنْ تكونَ الألفُ فيهما للتأنيث، فلا ينصرفان في معرفة ولا نَكِرة؛ فأما يُونس ويوسف فرُوي عن الحسن أنه قرأ: ((ويُونِس)) بكسر النون(٥)، وكذا: ((يُوسِف)) يجعلُهما من آنس وآسف، ويجبُ على هذا أنْ يُصرفَا ويُهمزا، ويكون جمعُهما: يآَنِس ويآسف. ومن لم يَهمِزْ قال: يَوانِس ويَواسِف. وحكى أبو زيد: يونَس ويُوسَف بفتح النونِ والسِّين(٦)؛ قال المهدويُّ: وكأنَّ (١) أخرجه ابن سعد ٥٤/١ - ٥٥ عن محمد بن السائب الكلبي بنحوه، وأورده السيوطيّ في الدر المنثور ٢٤٦/٢، وعزاه لابن بكار في الموفقيات، ولم نقف عليه في القسم المطبوع منه. (٢) ينظر مجمع البيان ٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣ . (٣) في (ظ): مستوعباً. (٤) ٥ / ٩٤ . (٥) نسبها ابن عطية في المحرر ١٣٦/٢ لابن جماز، ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير ٢٥٥/٢ لأبي السمَّال، ولم نقف على من نسبها للحسن. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٥٠٦/١ وما سلف بين حاصرتين منه. ٢٢٣ سورة النساء: الآية ١٦٣ ((يونس)) في الأصل فِعلٌ مبنيٌّ للفاعل، و((يونَس)) فعلٌ مبنيٍّ للمفعول، فسُمِّيَ بهما. قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ الزَّبور كتابُ داودَ، وكان مئةً وخمسينَ سورة ليس فيها حكم ولا حلالٌ ولا حرام، وإنما هي حِكَم، ومواعظُ. والزَّبْر: الكتابةُ، والزَّبور بمعنى المزبورِ، أي: المكتوبِ، كالرَّسولِ والرَّكُوب والحَلوب(١). وقرأ حمزة: ((زُبُوراً)) بضمِّ الزاي(٢) جمعُ زَبْرٍ، كفَلْس وَقُلُوس، وزَبْر بمعنى: المزبور؛ كما يقال: هذا الدِّرهمُ ضَرْبُ الأميرِ، أي: مَضروبُه؛ والأصل في الكلمة التوثيقُ؛ يقال: بئر مَزْبورةٌ، أي: مطويَّةٌ بالحجارة، والكتاب يُسمَّى زَبوراً لقوّة الوثيقةِ به(٣). وكان داودُ عليه السَّلام حَسنَ الصَّوتِ؛ فإذا أَخذ في قراءة الزبورِ اجتمع إليه الإنسُ والجِنُّ والطَّيرُ والوحشُ لحُسْن صوتِهِ(٤)، وكان متواضعاً يأكلُ من عمل يدِهِ، رَوى أبو بكر بنُ أبي شيبةً: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه قال: إن كان داود ﴿ ليَخطب النَّاس وفي يده القُفَّةُ من الخُوص، فإذا فرغ ناوَلها بعضَ مَن إلى جنبه يبيعُها(٥)، وكان يَصنعُ الدُّرُوعَ؛ وسيأتي(٦). وفي الحديث: ((الزُّرقةُ في العين يُمْرٌ، وكان داودُ أزرقَ))(٧). (١) ينظر تفسير البغوي ١/ ٥٠٠، وتفسير الرازي ١٠٩/١١. (٢) السبعة ص ٢٤٠، والتيسير ص٩٨ . (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٣٣/٢، والمحرر الوجيز ١٣٦/٢. (٤) ينظر تفسير البغوي ١/ ٥٠٠ . (٥) مصنف ابن أبي شيبة ١١/ ٥٥١، وأخرجه أيضاً أحمد في الزهد ص٩٣ ، وهناد في الزهد (٥٦١) من طريق هشام به، وقوله: الخُوص بالضم: ورقُ النخل، الواحدة: خُوصة. القاموس (خوص). (٦) عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنبياء. (٧) أخرجه الحاكم في تاريخه كما في تنزيه الشريعة ٢٠٠/١ من حديث أبي هريرة، قال ابن عرَّاق: في سنده الحسين بنُ علوان وهو وضَّاع. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٢٤٩/٦ بلفظ: ((من الزرقة يُمن)) وفي سنده سليمان بنُ أرقم، قال ابن حجر في التقريب ص١٨٩ : ضعيف . = ٢٢٤ سورة النساء: الآية ١٦٤ قوله تعالى: ﴿وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْتَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا قوله تعالى: ﴿وَرُسُلَا قَدْ قَصَصَّنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ يعنى بمكةً . ﴿وَرُسُلًا﴾ منصوبٌ بإضمار فعل، أي: وأرسلنا رسلاً؛ لأنَّ معنى ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى نُوح)): وأرسلْنا نوحاً. وقيل: هو منصوبٌ بفعل دَلَّ عليه: ((قَصَصْنَاهُمْ))، أي: وقصصنا رسلاً؛ ومثلُه ما أنشد سيبويه(١): أَمْلِكُ رأسَ البعيرِ إنْ نَفَرَا أصبحتُ لا أحملُ السِّلاحَ ولا وَحْدِي وأخشى الرِّياحَ والمطرَا(٢) والذّئبَ أخشاه إنْ مررتُ بهِ أي: وأخشى الذئبَ. وفي حرف أُبيِّ: ((وَرُسُلٌ)) بالرفع على تقدير: ومنهم رسل(٣). ثم قيل: إنَّ اللهَ تعالى لما قَصَّ في كتابه بعضَ أسماءِ أنبيائِه، ولم يذكر أسماءَ بعضٍ، ولِمن ذكر فضلٌ على من لم يذكرْ، قالت اليهود: ذكر محمدٌ الأنبياءَ، ولم يَذْكر موسى؛ فنزلت ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾(٤). = وأخرجه ابن حبان في الضعفاء ٢/ ١٦٤ من حديث عائشة رضي الله عنها دون قوله: ((و کان داود أزرق))، قال ابن الجوزي كما في فيض القدير ٧١/٤: حديث موضوع، وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٦٧/٢ في ترجمة عبَّد بن صهيب، ونقل عن البخاري أنه متروك. وأخرجه ابن عدي ٢٧٣٩/٧ من حديث أنس بلفظ: ((الزرقة في البياض يُمن)). وفي سنده: يُغنم بن سالم، قال ابن عدي: يروي عن أنس مناكير. وأخرجه أبو داود في المراسيل ص٣٣٣ عن الزهري مرسلاً، وفي سنده رجلٌ مجهول. (١) في الكتاب ٨٩/١ - ٩٠. (٢) انظر إعراب القرآن للنحاس ٥٠٦/١ - ٥٠٧، والبيتان للربيع بن ضَبُع الفزاري أحد المعمرين، وهما في الكتاب ٨٩/١، والمحتسب ٩٩/٢، وخزانة الأدب ٣٨٤/٧. (٣) معاني القرآن للفراء ٢٩٥/١، وإعراب القرآن للنحاس ٥٠٧/١، وتفسير البغوي ١/ ٥٠٠، والمحرر الوجيز ٢/ ١٣٧ . (٤) ينظر مجمع البيان ٦/ ٢٩٤ . ٢٢٥ سورة النساء: الآيتان ١٦٤ - ١٦٥ ((تكليماً)) مصدرٌ معناه التأكيدُ؛ يدلُّ على بطلان من يقول: خَلَق لنفسه كلاماً في شجرةٍ، فَسَمِعَه موسى، بل هو الكلامُ الحقيقيُّ الذي يكون به المتكلمُ متكلماً(١). قال النحاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكَّدتَ الفعلَ بالمصدر لم يكن مجازاً، وأنه لا يجوزُ في قول الشاعر: امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَظْنِي أنْ يقول: قال قولاً؛ فكذا لمَّا قال: ((تَكْلِيماً)) وجب أنْ يكونَ كلاماً على الحقيقة من الكلام الذي يُعقَل(٢). وقال وهب بنُ مُنَبِّه: إنَّ موسى عليه السَّلام قال: يا ربِّ بِم اتخذتني كليماً؟ - يَطلُبُ(٣) العملَ الذي أسعَده الله به ليُكثرَ(٤) منه - فقال الله تعالى له: أتذكرُ إذْ نَدَّ من غنمك جَدْيٌ، فاتَّبعته أكثرَ النهارِ، وأتعبَك، ثم أخذته وقبَّلته وضَممتَه إلى صدرك، وقلت له: أتعبتني وأتعبتَ نفسَك، ولم تغضبُ عليه؛ من أجل ذلك انَّخذتُك كليماً (٥). قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِِّينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ هو نصبٌ على البدل من: ((وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ))، ويجوزُ أنْ يكونَ على إضمار فعل؛ ويجوزُ نصبُه على الحال؛ أي: كما أوحينا إلى نوح والنَّسِّين من بعده رسلاً (٦). (١) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٣٣/٢، وتفسير أبي الليث ١/ ٤٠٥، وتفسير البغوي ١/ ٥٠٠، والوسيط ٠١٤٠/٢ (٢) في النسخ: يفعل، والمثبت من (م)، ولم نقف على قائله، وهو في إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٠٧، وعجزه: مهلاً رويداً قد ملأت بطني، وسلف ٢/ ٢٥٥ . (٣) في (م): طلب. (٤) في النسخ: يكثر، والمثبت من (م). (٥) لم نقف عليه، وهو من الإسرائيليات. (٦) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٠٧ - ٥٠٨ . ٢٢٦ سورة النساء: الآية ١٦٥ ﴿لِتَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولاً، وما أنزلتَ علينا كتاباً؛ وفي التنزيل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَبِعَ ءَأَئِكَ﴾ [طه: ١٣٥]، وفي هذا كلِّه دليلٌ واضحٌ أنه لا يجب شيءٌ من ناحية العقل(١). ورُوي عن كعب الأحبار أنه قال: كان الأنبياءُ ألفَي ألفٍ ومئتي ألف. وقال مقاتل: كان الأنبياءُ ألفَ ألفٍ وأربع مئةً ألفٍ وأربعةً وعشرينَ ألفاً (٢). وروى أنَس بنُ مالك عن رسول اللهِ ﴾ أنه قال: ((بُعثتُ على أثر ثمانيةِ آلافٍ من الأنبياء، منهم أربعةُ آلافٍ من بني إسرائيلَ))، ذكره أبو الليث السمر قنديُّ في التفسير له (٣)؛ ثم أسند عن شعبةً، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعورِ، عن أبي ذرِّ الغِفاريِّ قال: قلت يا رسولَ اللهِ، كم كانت الأنبياءُ، وکم کان المرسلون؟ قال: ((كانت الأنبياءُ مئةَ ألفِ نبيٍّ وأربعةً وعشرين(٤) ألفَ نبيٍّ، وكان المرسلون ثلاث مئة وثلاثةَ عشر))(٥). قلت: هذا أصحُّ ما رُوي في ذلك؛ خرَّجه الآجُرِّيُّ وأبو حاتم البُستيُّ في المسند (١) ينظر تفسير البغوي ١/ ٥٠٠، وتفسير الرازي ١١٠/١١، والمحرر الوجيز ١٣٨/٢. (٢) أورد قول كعب ومقاتلٍ أبو الليث في تفسيره ٤٠٥/١ . (٣) ١/ ٤٠٥، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٤١٣٢)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٥٣ بلفظ: ((بعث الله ثمانية آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس)). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢١٠/٨ : فيه موسى ابن عُبيدة الرَّبذي، وهو ضعيف جداً. وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٤٠٩٢) بلفظ: ((كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا))، قال الهيثمي في المجمع ٢١١/٨ : فيه محمد بن ثابت العبدي، وهو ضعيف. وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية ١٦٢/٣ بلفظ المصنف، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، قال فيه الحافظ في التقريب ص٤٦٢: صدوق، كثير الأوهام. (٤) في النسخ: أربع وعشرون، والمثبت من (م). (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٤٠٥ . ٢٢٧ سورة النساء: الآيات ١٦٥ - ١٦٧ الصحيحِ له (١). قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَّ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَبِكَةُ ١٦٦ يَشْهَدُونَّ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا قوله تعالى: ﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ رفع بالابتداء، وإنْ شئتَ شدَّدتَ الثُّونَ، ونصبتَ(٢). وفي الكلام حذفٌ دلَّ عليه الكلام، كأنَّ الكفّار قالوا: ما نَشْهَدُ لك يا محمدُ فيما تقولُ، فمن يَشْهَدُ لك؟ فنزل: ﴿لَّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ﴾(٣). ومعنى ﴿أَنَزَلَهُ بِعِلْمِةٍ،﴾، أي، وهو يَعلَم أنك أهلٌ لإنزاله عليك؛ ودَلَّت الآية على أنه تعالى عالم بعلم (٤). ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ذكر شهادةَ الملائكةِ ليقابلَ بها نفيَ شهادتِهم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: كفى الله شاهداً، والباء زائدةٌ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلًا بَعِيدًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني اليهود(٥). ﴿وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، (١) صحيح ابن حبان (٣٦١) ضمن حديث طويل، وذكره الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية (١٦٥) من آل عمران من طريق الآجرّي، وقال: روى هذا الحديث الحافظ ابن حبان في كتابه، وقد وسمه بالصحة، وخالفه ابن الجوزي في الموضوعات، واتَّهم به إبراهيم بنَ هشام، ولا شك أنه تكلم فيه غیرُ واحد من أئمة الجرح والتعديل لأجل هذا الحديث. وأخرجه ابن عدي ٢٦٩٩/٧، وفي إسناده يحيى بن سعيد القرشي، قال فيه ابن حبان في المجروحين ١٢٩/٣: يروي عن الثقات المُلزقات، لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد. وأخرجه أحمد (٢١٥٥٢) دون ذكر عدد الأنبياء، قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٠: فيه المسعودي، وهو ثقة، لكنه اختلط . وفي الباب عن أبي أمامة ﴾ عند أحمد (٢٢٢٨٨)، قال الهيثمي في المجمع ١٥٩/١: مداره على علي ابن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. (٢) يعني في غير القرآن، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٥٠٨/١ . (٣) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٦٩٤، وتفسير أبي الليث ٤٠٦/١ . (٤) ينظر مجمع البيان ٢٩٦/٦، وزاد المسير ٢٥٧/٢، والمحرر الوجيز ١٣٨/٢. (٥) بعدها في (م): أي ظلموا. ٠ ٠. ٢٢٨ سورة النساء: الآيات ١٦٧ - ١٧٠ أي: عن اتباع محمدٍ ﴿ بقولهم: ما نجِد صفتَه في كتابنا، وإنما النُّوَّةُ في ولد هارونَ وداودَ، وإنَّ في التوراة أنَّ شرعَ موسى لا يُنسخ(١). ﴿قَدْ ضَلُواْ ضَلَا بَعِيدًا﴾؛ لأنهم كفروا؛ ومع ذلك مَنعوا النَّاسَ من الإسلام. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ﴿٤﴾ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيْرًا (يَا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُوا﴾ يعني: اليهودَ؛ أي: ظلموا محمداً بكتمان نعتِهِ، وأنفسَهم إذْ كفروا، والناسَ إذْ كتموهم. ﴿لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَمْ﴾ هذا فيمن يموتُ على كفره ولم يتب(٢). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن زَبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْرً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيَا حَكِيمًا (٤﴾﴾. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطابٌ للكلِّ. ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ يريد محمداً عليه الصَّلاة والسَّلام. ﴿بِلْحَقِّ﴾: بالقرآن، وقيل: بالدِّين الحقِّ، وقيل: بشهادة أن لا إله إلا الله؛ وقيل: الباء للتعدية(٣)؛ أي: جاءكم ومعه الحقّ؛ فهو في موضع الحال. قوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ خَيْرً لَّكُمْ﴾ في الكلام إضمارٌ؛ أي: وأُتوا خيراً لكم؛ هذا مذهبُ سيبويه، وعلى قول الفرَّاء: نعتٌ لمصدر محذوف، أي: إيماناً خيراً لكم، وعلى قول أبي عبيدةً: يكن خيراً لكم (٤). (١) ينظر تفسير الطبري ٦٩٥/٧، والوسيط ١٤١/٢، وزاد المسير ٢٥٨/٢، وتفسير الرازي ١١٣/١١. (٢) ينظر الوسيط ٢/ ١٤١، وزاد المسير ٢٥٨/٢. (٣) ينظر الوسيط ١٤١/١، ومجمع البيان ٢٩٨/٦ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٥٠٨/١، وكلام سيبويه في الكتاب ٢٨٢/١ - ٢٨٣، وكلام الفراء في معاني القرآن ٢٩٥/١، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٤٣/١. ٢٢٩ سورة النساء: الآية ١٧١ قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْدٌ فَامِنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَهُ أَنْتَهُواْ خَيْرَاً لَكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهُ وَحِدٌ سُبْحَتَهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضُِ وَّكَفَى بِلَّهِ وَكِيلًا قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ﴾ نهى عن الغلوّ. والغلوُّ: التجاوزُ في الحدِّ؛ ومنه: غلا السِّعرُ يغلو غَلاءً؛ وغلا الرجل في الأمر غُلُوًّا، وغلا بالجارية لحمُها وعظْمُها: إذا أسرعَت الشَّباب، فجاوزَتْ لِداتِها(١). ويعني بذلك - فيما ذكره المفسِّرون - غُلُوَّ اليهودِ في عيسى حتى قَذَفوا مريمَ، وغُلوَّ النَّصارى فيه حتى جعلوه رَبًّا (٢)؛ فالإفراط والتقصيرُ كلُّه سيِّئَةٌ وكفرٌ، وكذلك(٣) قال مطرِّف بنُ عبدِ الله: الحسنةُ بينَ سيِّئتين(٤)؛ وقال الشاعر: وصافح فلم يستوفٍ قَطُ کریمُ وأوفٍ ولا تَستَوفٍ(٥) حقَّك کلَّه كِلَا طرفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذَمِيمُ(٦) ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر واقتصدْ وقال آخر : عليكَ بأوساطِ الأمورِ فإنَّها نجاةٌ ولا تركَبْ ذَلولاً ولا صَعْبًا(٧) (١) جمع لِدَة، وهو التِّرْبُ والسِّنُّ، يقال: هذه لدةُ هذه، أي: تِرْبُها، وأصله: وِلْدَة، فعُوِّضت الهاء من الواو. النهاية (لدا) واللسان (ترب). (٢) ينظر تفسير البغوي ١/ ٥٠٢، والوسيط ١٤٢/٢، وزاد المسير ٢٦٠/٢. (٣) في (م): ولذلك. (٤) أورده ابن عبد البر في التمهيد ١/ ١٩٥، وأبو عُبيد البكري في فصل المقال ص٣١٧ . (٥) في (م): تسوفٍ. (٦) قائل البيتين أبو سليمان حَمْد بن محمد الخطابي، وهما في قِرى الضَّيف ٣٨٥/٤، ومعجم الأدباء ٢٥٩/٤، وفيهما: وأبْقِ: بدل: وصافح، وفي قرى الضيف: وسامح، وفي معجم الأدباء: تسامح بدل: وأوْفٍ. (٧) البيت في البيان والتبيين ٢٥٥/١، والتمثيل والمحاضرة للثعالبي ص٤٢٩، وبهجة المجالس ٢١٨/١ ، وفصل المقال ٣١٧/١ دون نسبة. ٢٣٠ سورة النساء: الآية ١٧١ وفي صحيح البخاريِّ عنه عليه الصلاة والسلام: ((لا تُظْرُوني كما أظْرَتِ النَّصارى عيسى، وقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه))(١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّ الْحَقّ﴾، أي: لا تقولوا: إنَّ له شريكاً أو ابناً. ثم بيَّنَ تعالى حالَ عيسى عليه السَّلام وصفتَه، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وفيه ثلاثُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ((إنَّمَا المَسِيحُ))، المسيح رفعٌ بالابتداء؛ و ((عیسی)) بدلٌ منه، وكذا ((ابْنُ مَرْيَمَ)). ويجوزُ أنْ يكونَ خبرَ الابتداءِ، ويكون المعنى: إنما المسيحُ ابنُ مريم. ودَلَّ بقوله: ((عيسى ابن مريم)) على أنَّ من كان منسوباً بوالدته كيف يكونُ إلهاً؟ وحقُّ الإلهِ أنْ يكونَ قديماً لا مُحدَثاً. ويكون ((رسُولُ اللهِ) خبراً بعدَ خبر (٢). الثانية: لم يذكر اللهُ عزَّ وجلَّ امرأةً وسمَّاها باسمها في كتابه إلا مريم ابنةً عمرانَ؛ فإنه ذكر اسمَها في نحوٍ من ثلاثينَ موضعاً لحكمةٍ ذكرها بعضُ الأشياخ؛ فإنَّ الملوك والأشرافَ لا يذكرون حرائرهم في الملأ، ولا يبتذلون أسماءهنَّ؛ بل يَكنُون عن الزوجة بالعِرس والأهلِ والعِيالِ، ونحو ذلك؛ فإذا (٣) ذكروا الإماءَ لم يَكْنُوا عنهنَّ، ولم يصونوا أسماءهنَّ عن الذكر والتَّصريحِ بها؛ فلما قالت النَّصارى في مريمَ ما قالت، وفي ابنها، صرَّح الله باسمها، ولم يَكنِ عنها بالأمُوّةِ والعبوديةِ التي هي صفةٌ لها؛ وأَجرَى الكلامَ على عادة العرب في ذکر إمائِها. الثالثة: اعتقاد أنَّ عيسى عليه السَّلام لا أبَ له واجبٌ، فإذا تكرر ذِكرُه(٤) منسوباً للأم؛ استشْعرَت القلوبُ ما يجبُ عليها اعتقادُه من نفي الأبِ عنه، وتنزيهِ الأمّ (١) صحيح البخاري (٣٤٤٥) وهو من حديث عمر ، وسلف ٢٤٧/٥. (٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٥٠٩/١ . (٣) في (م): فإن. (٤) في (م): اسمه. ٢٣١ سورة النساء: الآية ١٧١ الظّاهرةِ عن مقالة اليهودِ لعنهم الله. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، أي: هو مكوَّن بكلمة: ((كن))، فكان بشراً من غير أبٍ؛ والعربُ تُسَمِّي الشَّيءَ باسم الشيء إذا كان صادراً عنه. وقيل: ((كلمته)) بشارةُ اللهِ تعالى مريمَ عليها السَّلام، ورسالتُه إليها على لسان جبريلَ عليه السَّلام؛ وذلك قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ (١) [آل عمران: ٤٥]. وقيل: ((الكلِمةُ)) ههنا بمعنى الآية؛ قال الله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَ﴾ [التحريم: ١٢]، و﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. وكان لعيسى أربعةُ أسماء؛ المسيح، وعيسى، وكلمةٌ، ورُوحٌ، وقيل غيرُ هذا مما ليس في القرآن. ومعنى ((أَلْقَاها إِلَى مَرْيَمَ)): أَمر بها مريم. قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾. هذا الذي أوقع النَّصارى في الإضلال؛ فقالوا: عيسى جزءٌ منه، فجهِلوا وضلُّوا؛ وعنه أجوبةٌ ثمانية: الأوّل: قال أبيُّ بنُ كعب: خلق الله أرواحَ بني آدمَ لمَّا أَخذ عليهم الميثاقَ؛ ثم ردَّها إلى صُلب آدَمَ، وأمسَك عندَه روحَ عيسى عليه السَّلام؛ فلما أراد خلْقَه أرسلَ ذلك الرُّوحَ إلى مريمَ، فكان منه عيسى عليه السَّلام؛ فلهذا قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾(٢). وقيل: هذه الإضافةُ للتَّفضيل وإنْ كان جميعُ الأرواح من خلقه؛ وهذا كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيِّىَ لِلطَّآيِفِينَ﴾ (٣) [الحج: ٢٦]، وقيل: قد يُسَمَّى من تَظْهرُ منه الأشياءُ العجيبةُ رُوحاً، ويضاف(٤) إلى الله تعالى، (١) ينظر المفهم ١/ ٢٠٠. (٢) أخرجه الطبري ٧/ ٧٠٥ بنحوه. (٣) ينظر تفسير البغوي ١/ ٥٠٢ . (٤) في (م): وتضاف. ٢٣٢ سورة النساء: الآية ١٧١ فيقال: هذا روحٌ من الله، أي: من خلقه؛ كما يقال في النِّعمة: إنها من الله. وكان عيسى عليه السَّلامِ يُبْرِئُ الأكمه والأبرصَ، ويُحيي الموتى، فاستَحَقَّ هذا الاسمَ. وقيل: سُمِّيَ (١) رُوحاً بسبب نفخةٍ جبريل عليه السَّلام، ويُسمَّى النفخُ رُوحاً؛ لأنه ريحٌ يخرجُ من الرُّوحِ(٢) قال الشاعر - هو ذو الرُّمَّة -: بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لها قِيئَةٌ قَدْرا(٣) فقلتُ له ارْفَعْها إِلَيكَ وأخْيِها وقد وَرَد أنَّ جبريلَ نفخ في دِرْعِ مريمَ، فحملت منه بإذن الله (٤)؛ وعلى هذا يكونُ: ((وَرُوحٌ مِنْهُ)) معطوفاً على المضمر الذي هو اسمُ اللهِ في ((أَلْقَاهَا))؛ التقدير: ألقى اللهُ وجبريلُ الكلمةَ إلى مريم (٥). وقيل: (رُوحٌ مِنْهُ))، أي: من خلقه؛ كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، أي: من خلقه. وقيل: ((رُوحٌ مِنْهُ))، أي: رحمةٌ منه؛ وكان عيسى رحمةً من الله لمن اتَّبعه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَتَّدَهُم بِرُوجٍ مِنْهٌ﴾ [المجادلة: ٢٢]، أي: بِرحمةٍ (٦)، وقُرئ: ((فَرُوحٌ وَرَيْحَانٌ))(٧) [الواقعة: ٨٩]. وقيل: (وَرُوحٌ مِنْهُ): وبرهانٌ منه؛ وكان عيسى برهاناً وحجَّةً على قومه ﴾(٨). قوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ﴾﴾، أي: آمنوا بأنَّ اللهَ إلهٌ واحدٌ خالقُ المسيحِ (١) في (د) و(ز) و(م): يُسمى، والمثبت من (ظ). (٢) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٧٠٣، وتفسير البغوي ١/ ٥٠٢، والنكت والعيون ٥٤٦/١ . (٣) ديوان ذي الرمة ١٤٢٩/٣ - ١٤٣٠، وهذا البيت قاله ذو الرمة في نار اقتدحها ، وأمر صاحبه بالنفخ فيها. أي: أحیها بنفخك. اللسان (روح). (٤) أورده أبو الليث في تفسيره ١/ ٤٠٧ من قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) ينظر تفسير الطبري ٧٠٥/٧، ومجمع البيان ٣٠٢/٦ . (٦) ينظر زاد المسير ٢٦١/٢. (٧) هي قراءة يعقوب من العشرة من رواية رُويس. النشر ٣٨٣/٢. (٨) ينظر إكمال المعلم ٢٥٨/١ . ٢٣٣ سورة النساء: الآية ١٧١ ومرسِلُه، وآمنوا برسله ومنهم عيسى، فلا تجعلوه إلهاً. ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ أي: لا تقولوا: آلهتُنا ثلاثةٌ. عن الزَّجاج(١). قال ابنُ عباس: يريدُ بالتَّثليث الله تعالى وصاحبتَه وابنَه. وقال الفرَّاء وأبو عبيد: أي: لا تقولوا: هم ثلاثة(٢)؛ كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢]. قال أبو عليّ: التقدير: ولا تقولوا: هو ثالثُ ثلاثة؛ فحذَف المبتدأ والمضاف(٣). والنصارى مع فِرقهم مُجمِعون على التثليث ويقولون: إنَّ اللهَ جوهرٌ واحدٌ، وله ثلاثةُ أقانيمَ (٤)؛ فيجعلون كلَّ أُقْنُومِ إلهاً، ويعنون بالأقانيم الوجودَ والحياةَ والعِلْم، وربما يعبِّرون عن الأقانيم بالأب والابنِ ورُوحِ القُدُس؛ فيعنون بالأب الوجودَ، وبالرُّوح الحياةَ، وبالابنِ المسيحَ(٥)، في كلام لهم فيه تخُّطُ(٦) بيانُه في أصول الدِّين. ومحصولُ كلامِهم يؤول إلى التمسُّكِ بأنَّ عيسى إلهٌ بما كان يُجريه اللهُ سبحانه وتعالى على يده(٧) من خوارقِ العاداتِ على حسب دواعيه وإرادته؛ وقالوا: قد علمنا خروجَ هذه الأمورِ عن مقدور البشر، فينبغي أنْ يكون المقتَدِرُ عليها موصوفاً بالإلهية. فيقال لهم: لو كان ذلك من مقدوراته وكانَ مستقلًّا به؛ كان تخليصُ نفسِه من أعدائه ودفعُ شرِّهم عنه من مقدوراته، وليس كذلك؛ فإن اعترفت النَّصارى بذلك فقد سقط قولُهم ودعواهم أنه كان يفعلُها مستقلًا به؛ وإنْ لم يُسَلِّموا ذلك فلا حجَّةَ لهم أيضاً؛ لأنهم معارَضون بموسى عليه السلام، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام، (١) في معاني القرآن ١٣٥/٢. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٩٦/١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١٤٤/١. (٣) المحرر الوجيز ١٣٩/٢. (٤) قوله: أقانيم جمع أقنوم، وهو الأصل، وهو لفظ رُومي. ينظر القاموس (قنم). (٥) ينظر الكشاف ١/ ٥٨٥، ومجمع البيان ٣٠٢/٦، وتفسير الرازي ١١٦/١١. (٦) في النسخ: تخبيط، والمثبت من (م). (٧) في (م): يديه. ٢٣٤ سورة النساء: الآية ١٧١ مثلُ قلبِ العصا ثعباناً، وفلْقِ البحرِ واليدِ البَيْضاء والمنِّ والسَّلوى، وغيرِ ذلك؛ وكذلك ما جرى على يد(١) الأنبياء؛ فإنْ أنكروا ذلك فتُنكر(٢) ما يدَّعونه أيضاً (٣) من ظهوره على يد عيسى عليه السَّلام، فلا يمكنهم إثباتُ شَيءٍ من ذلك لعيسى؛ فإنَّ طريقَ إثباتِه عندَنا نصوصُ القرآنِ وهم ينكرون القرآن، ويكذِّبون من أتى به، فلا یمکنُهم إثبات ذلك بأخبار التواتر. وقد قيل: إنَّ النَّصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانينَ سنة(٤) بعد ما رُفع عيسى؛ يُصَلُّون إلى القِبلة؛ ويصومون شهرَ رمضانَ، حتى وقع فيما بينهم وبينَ اليهودِ حربٌ، وكان في اليهود رجلٌ شجاعٌ يقال له: بولُس، قَتل جماعةً من أصحابٍ عيسى، فقال: إن كان الحقُّ مع عيسى، فقد گفرنا وجحدْنا، والنارُ(٥) مصیرُنا، ونحن مغبونون إنْ دخلوا الجنةَ ودخلْنا النار؛ وإني أحتالُ فيهم، فأضلُّهم فيدخلون النار؛ وكان له فرسٌ يقال لها: العقاب، فأظهر النَّدامةَ، ووضع على رأسه التُّرابَ، وقال للنصارى: أنا بولُس عدوُكم، قد نُوديتُ من السَّماء أنْ ليست لك توبةٌ إلا أنْ تتنصَّر، فأَدخَلُوه في الكنيسة بيتاً، فأقام فيه سَنةً لا يخرجُ ليلاً ولا نهاراً حتى تَعلَّم الإنجيل؛ فخرج وقال: نُوديتُ من السماء أنَّ اللهَ قد قبِل توبتك، فصدَّقوه وأحبُّوه، ثم مضى إلى بيت المقدسِ، واستخلف عليهم نُسْطُورًا، وأعلَمه أنَّ عيسى ابنَ مريم إلهٌ، ثم توجَّه إلى الرّوم، وعلَّمهم اللاهوتَ والنَّاسوتَ، وقال: لم يكن عيسى بإنسٍ فتأنَّسَ، ولا بجسمٍ فتجسّم، ولكنه ابنُ الله. وعلَّم رجلاً - يقال له: يعقوب - ذلك؛ ثم دعا رجلاً يقال له: الملك(٦)، فقال له: إنَّ الإلهَ لم يَزَلْ ولا يَزال عيسى؛ فلما استَمكن (١) في النسخ: يدي، والمثبت من (م). (٢) في (ظ): فينكر. (٣) في (م): هم أيضاً. (٤) كذا ذكر المصنف، والذي في التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفرائيني ص١٣٣ : إحدى وثلاثين سنة. (٥) في (م): وإلى النار. (٦) كذا في النسخ، والذي في التبصير ص١٣٤، والملل والنحل ٢٢٢/١: مَلْكا. وهو الذي ظهر بأرض الروم والقائل: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرَّعت بناسُوته، وإليه تُنسب الملكانية، إحدى فرق النصارى، ينظر الملل والنحل ٢٢٢/١. ٢٣٥ سورة النساء: الآية ١٧١ منهم دعا هؤلاء الثلاثةَ واحداً واحداً، وقال له: أنتَ خالِصتِي، ولقد رأيتُ المسيحَ في النوم ورضيَ عنِّي، وقال لكلِّ واحدٍ منهم: إني غداً أذبحُ نفسي، وأتقرَّبُ بها، فادع النَّاسَ إلى نِخلتِك، ثم دخل المذبحَ فَذَبحَ نفسَه؛ فلما كان يوم ثالثه دعا كلُّ واحدٍ منهم الناسَ إلى نِحِلَتِهِ، فتبعَ كلَّ واحدٍ منهم طائفةٌ، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميعُ النَّصارى من الفرق الثلاث؛ فهذا كان سبب شركِهم فيما يقال. والله أعلم(١). وقد رُويت هذه القصةُ في معنى قولِه تعالى: ﴿فَأَغْيَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، وسيأتي إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَنْتَهُواْ خَيْرَاً لَكُمْ﴾، ((خيراً)) منصوبٌ عندَ سيبويه(٢) بإضمار فعلٍ؛ كأنه قال: ائتوا خيراً لكم، لأنه إذا نهاهم عن الشِّرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خيرٌ لهم؛ قال سيبويه: ومما(٣) ينتصبُ على إضمار الفعلِ المتروكِ إظهارُه: ((انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ))؛ لأنك إذا قلتَ: انتهِ (٤)، فأنت تُخرِجُه من أمرٍ، وتُدخلُه في آخرَ؛ وأنشد: فواعِدِيهِ(٥) سَرْحَتَيْ مالِكِ أَوِ الرُّبَا بينهما أسْهَلَا(٦) ومذهبُ أبي عبيدةً(٧): انتهوا يكن خيراً لكم؛ قال محمد بنُ يزيد(٨): هذا خطأً؛ (١) ينظر التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفرائيني ص١٣٣ - ١٣٤. (٢) في الكتاب ١/ ٢٨٢ - ٢٨٣. (٣) في النسخ: وفيما، والمثبت من الكتاب ٢٨٢/١، وإعراب القرآن للنحاس ٥٠٩/١، والكلام منه. (٤) في (م): انته. (٥) في النسخ: فواعديهي، يعني بإشباع حركةٍ الهاء لأجل الوزن. (٦) قائل البيت عمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص ١٦٠، والخزانة ٢/ ١٢٠، ورواية الديوان: أو ذا الذي بينهما أسهلا وواعِديه سِدْرتَيْ مالكٍ وقوله: سَرَحَتَيْ هو تثنية سَرْحٍ، وهو الشجر العظيم أو كل شجرٍ لا شوك فيه أو كلُّ شجر طال. انظر القاموس (سرح). قال البغدادي في الخزانة ١٢١/٢: وليس سَرْحَتَي مالك اسمَ مكان بل هما شجرتان لمالك، والرُّبا: جمع ربوة، بتثليث الراء، وهو المكان المرتفع عما حوله. (٧) في مجاز القرآن ١٤٣/١ . (٨) هو المبرّد، وكلامه في المقتضب ٢٨٣/٣. ٢٣٦ سورة النساء: الآية ١٧١ لأنه يُضْمِرِ الشَّرط وجوابَه، وهذا لا يوجدُ في كلام العرب. ومذهبُ الفرَّاءِ(١) أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف؛ قال عليّ بنُ سليمان: هذا خطأٌ فاحشٌ؛ لأنه يكونُ المعنى: انتَهوا الانتهاءَ الذي هو خيرٌ لكم(٢). قوله تعالى: ﴿إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ابتداء(٣) وخبر؛ و((وَاحِدٌ)» نعتٌ له. ويجوز أنْ يكونَ ((إِله)) بدلاً من اسم اللهِ عزَّ وجلَّ، و((واحدٌ)) خبرُه؛ التقدير: إنما المعبودُ واحد. ﴿سُبْحَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾، أي: تنزيهاً عن أنْ يكونَ له ولد؛ فلما سقَط ((عن)) كان ((أنْ)) في محل النَّبِ بنزع الخافض؛ أي: كيف يكونُ له ولد؟ وولدُ الرجل مُشْبِهِ له، ولا شَبيهَ لله عزَّ وجلَّ(٤). ﴿لَُّ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ فلا شريكَ له، وعيسى ومريمُ من جملة ما في السَّموات وما في الأرض، وما فيهما مخلوقٌ، فكيفَ يكونُ عيسى إلهاً وهو مخلوقٌ؟! وإنْ جاز ولدٌ، فليجزْ أولادٌ حتى يكونَ كلُّ من ظَهرتْ عليه معجزةٌ ولداً له. ﴿وَكَفَ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أي: لأوليائه؛ وقد تقدَّم(٥). قوله تعالى: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَبِّكَةُ الْمُرَّبُونَ فَمَّا الَّذِينَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَيِّهِ، وَيَسْتَكْبٍِ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ◌َـ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اَللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا قوله تعالى: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾، أي: لنْ يأنَفَ ولن يَحتشِمَ. ﴿أَنْ يَكُونَ (١) في معاني القرآن له ٢٩٥/١ - ٢٩٦. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٥٠٩/١ وعلي بن سليمان المذكور هو الأخفش الصغير. (٣) في (م): هذا ابتداء. (٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٥٠٩/١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢١٤/١ - ٢١٥. (٥) ٤٧٦/٦، وص١١٩ من هذا الجزء. ٢٣٧ سورة النساء: الآيتان ١٧٢ - ١٧٣ عَبْدًا لِلَّهِ﴾، أي: من أنْ يكونَ؛ فهو في موضع نصب(١). وقرأ الحسن: ((إِنْ يكونُ))(٢) بكسر الهمزة على أنها نفيٌّ بمعنى(٣) ((ما))، والمعنى: ما يكون له ولدٌ؛ وينبغي رفعُ يكون، ولم يذكره الرُّواة (٤). ﴿وَلَا الْمَلَئِكَةُ المُقْرَبُونَ﴾، أي: من رحمة اللهِ ورضاه؛ فدلَّ بهذا على أنَّ الملائكةَ أفضلُ من الأنبياء، صلواتُ الله عليهم أجمعين، وكذا: ﴿وَلَآَ أَقُولُ إِنِِّ مَلَكٌ﴾(٥) [هود: ٣١]، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في ((البقرة))(٦). ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ﴾، أي: يأنَف ﴿عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْرِ﴾ فلا يفعلُها. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمُ إِلَيْهِ﴾، أي: إلى المحشر. ﴿جَمِيعًا﴾ فيجازِي كلَّا بما يستحِقُّ، كما بيَّنه في الآية بعدَ هذا: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾. وأصل ((يَسْتَنْكِفُ)): نَكَفَ؛ فالياء والسِّين والتاء زوائد؛ يقال: نكّفتُ من الشيءٍ واسْتَنْكفتُ منه. وأنكَفْتُه، أي: نزَّهته عمَّا يُستَنكَفُ منه؛ ومنه الحديثُ: سئل عن ((سبحان الله))، فقال: ((إنْكافُ اللهِ من كل سوءٍ))، يعني تنزيهَه وتقديسَه عن الأنداد والأولاد(٧). وقال الزجاج(٨): استنكف، أي: أنِف، مأخوذٌ من نَكَفْت الدَّمع: إذا نَخَّيته بإصبعك عن خدِّك؛ ومنه الحديثُ: ((ما يُنْكَفُ العَرَقُ عن جَبينه))(٩)، أي: ما يَنقطع؛ (١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٥١٠/١. (٢) يعني في قوله تعالى: ﴿سبحانه أن يكون له ولد﴾ في الآية قبلها. (٣) في (م): نعني هو بمعنى. (٤) ذكر ابن خالويه القراءة في القراءات الشاذة ص٣٠، وقيدها برفع يكون، وذكرها أيضاً ابن جني في المحتسب ٢٠٤/١ وقال: لم يذكر ابن مجاهد إعراب يكون وإنما يجب رفعه. وينظر المحرر الوجيز ١٤٠/٢. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٥١٠/١. (٦) ١/ ٤٣٠ . (٧) ينظر النهاية واللسان (نكف)، والحديث أخرجه الخطابي في غريبه ١/ ١٤٠ عن إبراهيم التيمي مرسلاً. (٨) في معاني القرآن له ١٣٦/٢ . (٩) لم نقف عليه. ٢٣٨ سورة النساء: الآيات ١٧٢ - ١٧٥ ومنه الحديثُ: جاء بجيش لا يُنْكَفُ آخرُهُ(١)، أي: لا ينقطع آخره. وقيل: هو من النَّكَفِ، وهو العيب؛ يقال: ما عليه في هذا الأمرِ نَكَفٌ ولا وَكَفٌ: أي: عيب؛ أي: لن يمتنعَ المسيحُ ولنْ يتنزَّهَ من العبودية ولنْ ينقطعَ عنها ولنْ یعیبها(٢). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانُ مِّنِ زَّيِّكُمْ﴾ يعني محمداً ﴾؛ عن الثوريّ(٣)، وسماه برهاناً؛ لأنَّ معه البرهانَ، وهو المعجزة. وقال مجاهد: البرهان ههنا الحجةُ(٤)؛ والمعنى متقارب؛ فإنَّ المعجزاتِ حجَّتُه ◌ُ﴾. والنُّور المنزَّلُ هو القرآنُ؛ عن الحسن(٥)، وسماه نوراً؛ لأنَّ به تتبينُ الأحكامُ، ويُهتدَى به من الضَّلالة، فهو نورٌ مبين، أي: واضحٌ بَيِّن(٦). قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْيِلُهُمْ فِ رَحْمَتٍ مِنْهُ ١٧٥ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيِهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن عن معاصيه، وإذا اعتصموا بكتابه فقد اعتصموا به وبنبيِّه. وقيل: ((اعتصموا بِهِ))، أي: بالله(٧). والعصمة: الامتناعُ، وقد تقدّم(٨). (١) هو من قول مالك بنِ عوف النصري لغلام له حادِّ البصرِ يسأله عن جيش المسلمين في غزوة حُنين. أورده الخطابي في غريب الحديث ١٩٩/٢، والزمخشري في الفائق ٢٦٤/١، وابن الأثير في النهاية (نكف). (٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٣٦/٢، وتهذيب اللغة ٢٨٧/١٠. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١١٢٥/٤ . (٤) تفسير مجاهد: ١٨١، وأخرجه الطبري ٧١١/٧ . (٥) لم نقف عليه من قول الحسن، وأخرجه الطبري ٧/ ٧١٢ من قول قتادة. (٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٥١٠/١، والوسيط ١٤٤/٢. (٧) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٥١٠/١، وزاد المسير ٢٦٤/٢، والمحرر الوجيز ١٤١/٢. (٨) ٢٣٦/٥ - ٢٣٧. ٢٣٩ سورة النساء: الآيتان ١٧٥ - ١٧٦ ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾، أي: وهو يهديهم، فأضمر ((هو)) ليدلَّ على أنَّ الكلامَ مقطوعٌ(١) مما قبلَه. ﴿إِلَيْهِ﴾، أي: إلى ثوابه، وقيل: إلى الحقِّ ليعرِفوه. ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، أي: دِيناً مستقيماً. و((صِرَاطاً)) منصوبٌ بإضمار فعلٍ دلَّ عليه: ((وَيَهْدِيهِمْ))؛ التقدير: ويعرّفُهم صراطاً مستقيماً. وقيل: هو مفعولٌ ثانٍ على تقدير: ويهديهم إلى ثوابه صراطاً مستقيماً. وقيل: هو حال(٢). والهاء في ((إِلَيْهِ)) قيل: هي للقرآن، وقيل: للفضل، وقيل: للفضل والرحمة؛ لأنهما بمعنى الثواب. وقيل: هي لله عزَّ وجلَّ على حذف المضافِ كما تقدَّم من أنَّ المعنی : ویهدیھم إلی ثوابه. أبو عليّ: الهاء راجعةٌ إلى ما تقدَّم من اسم اللهِ عزَّ وجلّ، والمعنى: ويهديهم إلى صِراطه، فإذا جعلنا: ((صِراطاً مستقيماً)) نصباً على الحال، كانت الحالُ من هذا المحذوف(٣). وفي قوله: ((وَفَضْلٍ)) دليلٌ على أنه تعالى يتفضَّل على عباده بثوابه؛ إذْ لو كان في مقابلة العملِ لما كان فضلاً. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ إِنِ آَمُؤْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهٍُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ يَكُنْ لَمَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَبْنِ ج فَلَهُمَا اُلُّلُثَانِ مِمَّا نَزَهْ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةُ رِّجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلَّذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِ الْأُنَّيْنِ يُبَيِّنُ ٧٦ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ فیه ست مسائل: الأولى: قال البراء بن عازب: هذه آخرُ آيةٍ نزلت من القرآن؛ كذا في كتاب (١) في النسخ: مقطوعاً، والمثبت من (م). (٢) ينظر مشكل إعراب القرآن ٢١٥/١، والمحرر الوجيز ١٤١/٢. (٣) لم نقف على قوله، ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٤٠٥/٣، والسَّمين في الدر المصون ٠١٧١/٤ ٢٤٠ سورة النساء: الآية ١٧٦ مسلم(١). وقيل: نزلت والنبيُّ # متجهّزٌ لحجة الوداع، ونزلت بسبب جابر؛ قال جابر بنُ عبد الله: مرضت، فأتاني رسولُ اللهِ ﴾ وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأُغمي عليَّ؛ فتوضَّأ، ثم(٢) صَبَّ عليَّ من وَضوئه، فأَفقتُ، فقلت: يا رسولَ اللهِ، كيف أَقضي في مالي؟ فلم يردَّ شيئاً حتى نزلت آيةُ الميراثِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَّةِ﴾ رواه مسلم (٣)؛ وقال: آخرُ آيةٍ نزلت: ﴿وَأَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) [البقرة: ٢٨١]، وقد تقدَّم(٥). ومضى في أوَّل السُّورةِ الكلامُ في ((الكلالة)) مستوفّى(٦)، وأنَّ المرادَ بالإخوة هنا الإخوةُ للأب والأم، أو للأبِ، وكان لجابرٍ تسعُ أخوات. الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنِ أَمْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، أي: ليس له ولدٌ (٧) ولا والدٌ؛ فاكتفى بذكر أحدِهما(٨). قال الجرجانيُّ: لفظُ الولدِ ينطلقُ على الوالد والمولودِ؛ فالوالد يُسمَّى والداً؛ لأنه ولد، والمولود يُسمَّى وَلداً؛ لأنه وُلد؛ كالذرِّيَّة، فإنَّها من ذَرَا، ثم تُطلقُ على المولود وعلى الوالد؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَايَّةٌ لَّمْ أَنَّا خَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى اٌلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]. الثالثة: والجمهور من العلماء من الصَّحابة والتابعين يجعلون الأخواتِ عصبةً البنات وإنْ لم يكن معهنَّ(٩) أخٌ، غير ابنِ عباس؛ فإنه كان لا يجعل الأخواتِ عصبةً (١) برقم (١٦١٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٦٣٨)، والبخاري (٦٧٤٤)، وسلف ٩٨/١ . (٢) في (م): فتوضأ رسول الله ﴾، ثم. (٣) برقم (١٦١٦)، وأخرجه أيضاً البخاري (٦٧٢٣)، وسلف ٢٧٦/٤ . (٤) لم نقف عليه من قول جابر ﴾، وأخرجه البخاري (٤٥٤٤) من قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) ٤ / ٤٢١ . (٦) ١٢٦/٦ . (٧) قوله: أي: ليس له ولد، من (م). (٨) ينظر الوسيط ١٤٦/٢، وزاد المسير ٢٦٦/٢. (٩) في النسخ: معهم، والمثبت من (م).