Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة النساء: الآيتان ١٢٧ - ١٢٨
أوَّل السورة(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ
يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالصُّلَحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّخُّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ
٢٨
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
فیه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ﴾ رفع بإضمار فعلٍ يفسِّرُه ما بعدَه(٢).
و﴿خَافَتْ﴾ بمعنى توَقَّعت(٣). وقولُ من قال: خافت: تَيَقَّنت خطأٌ.
قال الزجاج(٤): المعنى: وإن امرأةٌ خافتْ من بعلها دوامَ النُّشوز.
قال النحاس(٥): الفرقُ بين النُّشوز والإعراضِ أنَّ النشوزَ التَّباعدُ، والإعراضَ
ألَّ يكلِّمَها ولا يأنسَ بها.
ونزلت الآية بسبب سَوْدَةً بنتِ زَمْعَةَ؛ روى الترمذيُّ عن ابن عباس قال: خَشِيَتْ
سَودةُ أنْ يُطلِّقَها رسولُ اللهِ ﴾، فقالت: لا تُطلِّقنْي وأَمسِكْني، واجعَلْ يومي منك
لعائشةَ؛ ففعل، فنزلتْ: ((فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا (٦) بَيْنَهُمَا صُلْحاً والصُّلْحُ
خَيْرٌ))، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائزٌ، قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب(٧) .
وروى ابنُ عيينة عن الزُّهريِّ، عن سعيد بنِ المسيب أنَّ رافعَ بنَ خَديجٍ كانت
تحتَه خَوْلَةُ ابنةُ محمد بنٍ مَسلمةَ، فكره من أمرها إمَّا كِبْراً وإمَّا غيرَه، فأراد أنْ
(١) ٦/ ٢٣ - ٢٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٩٢.
(٣) الكشاف ٥٦٨/١ .
(٤) في معاني القرآن ١١٦/٢ .
(٥) في إعراب القرآن ١/ ٤٩٢ .
(٦) في (ظ): يُصلحا، والقراءتان متواترتان، وسيذكرهما المصنف.
(٧) سنن الترمذي (٣٠٤٠)، وفي إسناده سليمان بن قَرْم بن معاذ، سيئ الحفظ. التقريب ص ١٩٣ .

١٦٢
سورة النساء: الآية ١٢٨
يُطلِّقَها، فقالت: لا تطلِّقْني، واقْسِم لي ما شئتَ؛ فجرت السُّنَّةُ بذلك، ونزلت:
﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوَ إِعْرَاضًا﴾(١).
وروى البخاريُّ عنْ عائشةَ رضي الله عنها: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ
إِعْرَاضًا﴾ قالت: الرجلُ تكونُ عنده المرأةُ ليس بمستكثِرٍ منها يريدُ أنْ يفارقَها،
فتقولُ: أَجعلُك من شأني في حِلِّ. فنزلت هذه الآية(٢).
وقراءةُ العامَّة: ﴿أن يَصَّالحا﴾(٣)، وقرأ أكثر الكوفيين: ﴿أَن يُصْلِحَا﴾. وقرأ
الجَحْدَريُّ وعثمان البِّيُّ: ((أَنْ يَصَّلِحًا)) والمعنى: يصْطَلحا، ثم أُدْغِم (٤).
الثانية: في هذه الآيةِ من الفقه الردُّ على الرُّغْن الجھَّالِ الذين يَرَوْن أنَّ الرجلَ إذا
أخذ شبابَ المرأةِ وأسنَّت؛ لا ينبغي أنْ يتبدَّلَ بها. قال ابنُ أبي مليكة: إنَّ سَوْدَة بنتَ
زَمْعَةَ لمَّا أسنَّت أراد النبيُّ ﴾ أنْ يطلِّقها، فآثرت الكونَ معه، فقالت له: أَمسِكْني
واجعلْ يومي لعائشةً؛ ففعل ﴿، وماتتْ وهي من أزواجه(٥).
قلت: وكذلك فعلت بنتُ محمد بنِ مسلمةَ؛ روى مالك عن ابن شهابٍ، عن
رافع بن خَديجٍ أنه تزوَّج بنتَ محمد بنِ مسلمة الأنصاريةَ، فكانت عنده حتى كَبِرت،
فتزوَّج عليها فتاةً شابَّةً، فآثر الشابَّةَ عليها، فناشدَتْه الطَّلاقَ، فطلَّقها واحدةً، ثم
أَمْهَلَها(٦)، حتى إذا كانت تَحِلُّ؛ راجعها، ثم عاد، فآثر الشَّابَّةَ عليها، فناشَدَته
الطلاقَ، فطلَّقها واحدةً، ثم راجعها، [ثم عاد] فآثر الشَّابَّةَ عليها، فناشدَتْه الطَّلاقَ،
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٧٠١ تفسير)، وابن أبي شيبة ٢٠٢/٤ ، والواحدي في أسباب النزول ص١٧٨
من طريق ابن عيينة به.
(٢) صحيح البخاري (٢٤٥٠)، وأخرجه أيضاً مسلم (٣٠٢١) (١٤).
(٣) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. السبعة ص٢٣٨، والتسير ص٩٧ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٠٦/٢، وقراءة الجحدري في القراءات الشاذة ص٢٩، والمحتسب ٢٠١/١،
وقراءة عثمان البتي في المحرر الوجيز ١١٩/٢ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٥٠٤/١ ، ولم نقف على قول ابن أبي مليكة، وأخرج نحوه البيهقي ٧/ ٧٥
عن عروةً مرسلاً، ويشهد له حديث ابن عباس السالف قريباً.
(٦) في (د) و (ز) و(م): أهملها: والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للموطأ ٥٤٨/٢.

١٦٣
سورة النساء: الآية ١٢٨
فقال: ما شئتٍ، إنما بَقِيت واحدةٌ، فإنْ شئتِ استقررتِ على ما تَرَيْنَ من الأَثَرة، وإنْ
شئتٍ فارقتُك، قالت: بل أَستقِرُّ على الأثرة. فأمسَكَها على ذلك؛ ولم يَرَ رافِعٌ عليه
إِثْماً حينَ قرَّت عنده على الأثَرة (١). رواه مَعْمر عن الزهريَّ بلفظه ومعناه، وزاد :
فذلك الصُّلحُ الذي بلغنا أنه نزلَ فيه: ((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَو إِعْرَاضاً
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ))(٢).
قال أبو عمر بنُ عبد البَرّ(٣): قولُه - والله أعلم -: فآثر الشابّة عليها؛ يريدُ في
الميل بنفسه إليها والنشاطِ لها؛ لا أنه آثرها عليها في مطعَم وملبَس ومَبِيت؛ لأنَّ هذا
لا ينبغي أنْ يُظَنَّ بمثلِ رافع، والله أعلم.
وذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة قال: حدَّثنا أبو الأخْوَص عن سِمَاك بنِ حرب، عن
خالد بن عَرْعِرَةَ، عن عليّ بنِ أبي طالب ﴾ أنَّ رجلاً سأله عن هذه الآيةِ، فقال: هي
المرأةُ تكونُ عند الرجلِ، فَتَنْبُو عيناه عنها من دمامتها، أو فقرِها، أو كِبَرها، أو سُوءٍ
خُلقُها، وتكره فراقَه؛ فإنْ وَضعتْ له من مهرها شيئاً حلَّ له(٤)، وإن جعلتْ له من
أيامها فلا حرجَ(٥).
وقال الضحَّاك لا بأسَ أنْ يَنقصَها من حقٌّها إذا تزوَّج من هي أشَبُّ منها وأعجبُ
إليه(٦).
وقال مُقاتل بنُ حَيَّان: هو الرجلُ تكون تحتَه المرأةُ الكبيرةُ، فيتزوَّجُ عليها
الشابَّةَ؛ فيقولُ لهذه الكبيرةِ: أُعطيكِ من مالي على أنْ أَقسِم لهذه الشَّابةِ أكثرَ مما
(١) الموطأ ٥٤٨/٢ - ٥٤٩، وما بين حاصرتين منه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ١٧٥ والمصنف (١٠٦٥٣)، والطبري ٥٥٦/٧ - ٥٥٧ من طريق
معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن رافع بن خديج به. وسلف ذكره مختصراً في المسألة التي قبلها.
(٣) في الاستذكار ٣٧٩/١٦.
(٤) في (م): حلَّ له أن يأخذ.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٣/٤ - ٢٠٤، وأخرجه أيضاً الطبري ٧/ ٥٤٩ من طريق أبي الأحوص به.
(٦) أخرجه الطبري ٥٥٩/٧ بنحوه.

١٦٤
سورة النساء: الآية ١٢٨
أَقِمُ لكِ من الليل والنهارِ؛ فَتَرضى الأخرى بما اصطلحا عليه؛ وإنْ أَبَتْ أنْ
ترضى(١) فعليه أنْ يَعْدِلَ بينهما في القَسْم، والله أعلم.
الثالثة: قال علماؤنا: وفي هذا أنَّ أنواعَ الصُّلْحِ كلَّها مباحةٌ في هذه النازلةِ؛ بأنْ
يُعْطِيَ الزوجُ على أن تصبر هي، أو تعطيَ هي (٢) على أنْ [لا] يؤثِّرَ الزوج، أو على أنْ
يؤثرَ ويتمسَّكَ بالعِضْمة، أو يَقعَ الصلحُ على الصبر والأَثَرَةَ(٣) من غير عطاءٍ؛ فهذا كلُّه
مباحٌ.
وقد يجوزُ أنْ تُصالِحَ إحداهنَّ صاحبتَها عن يومها بشيء تُعطيها، كما فعل أزواجُ
النبيِّ #؛ وذلك أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ كان غَضِب على صَفِيَّة، فقالت لعائشة: أَضْلِحي
بيني وبين رسولِ اللهِ ﴿، وقد وهَبتُ يومي لكِ. ذكره ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد في أحكامه عن
عائشة قالت: وَجَدَ رسولُ اللهِ﴾ على صفيّة في شيء، فقالت لي صفيَّة: هل لكِ أنْ
تُرضِي(٤) رسولَ اللهِ ﴾ عنِّي ولكِ يومي؟ قالت: فلبستُ خِماراً كان عندي مصبوغاً
بزعفران ونَضَحْتُه، ثم جئتُ، فجلستُ إلى جنب رسولِ الله ﴾، فقال: ((إليكِ عني،
فإنه ليس بيومك)). فقلت: ذلك فضلُ اللهِ يؤتيه من يشاء. وأخبرتُه الخبر، فرضيَ
عنها (٥). وفيه أنَّ تركَ التَّسويةِ بَيْن النساءِ وتفضيلَ بعضِهنَّ على بعضٍ لا يجوزُ إلَّا بإذن
المفضولةِ ورضاها (٦).
(١) في النسخ: أبت ألا ترضى، والمثبت من تفسير البغوي ٤٨٦/١، والقول منه، وينظر الوسيط ١٢٥/٢.
(٢) المحرر الوجيز ١١٩/٢.
(٣) كذا في النسخ، وعبارة ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٩/٢: الصبر على الأثرة. والكلام وما بين
حاصرتين منه.
(٤) في النسخ: ترضين، والمثبت هو الوجه.
(٥) أخرجه أحمد (٢٤٦٤٠)، والنسائي في الكبرى (٨٨٨٤)، وابن ماجه (١٩٧٣) من طريق سميّة عن
عائشة به، وفي إسناده سمية، بصرية، وهي مجهولة، فقد تفرد عنها ثابت البناني كما ذكر الذهبي في
ميزان الاعتدال ٤/ ٦٠٧، وقال الهيثمي في المجمع ٣٢١/٤: روى لها أبو داود وغيره، ولم يضعفها
أحد. وأخرجه أيضاً أحمد (٢٦٨٦٦) من طريق سمية عن صفيّة به مطولاً.
(٦) ينظر المفهم ٢٠٣/٤ - ٢٠٤ .

١٦٥
سورة النساء: الآية ١٢٨
الرابعة: قرأ الكوفيون: ((يُصْلِحَا)). والباقون: ((أَنْ يَصَّالَحَا)). الجحدَرِيُّ(١):
(يَصَّلِحَا))(٢). فمن قرأ: ((يَصَّالَحَا))؛ فوجهُها(٣) أنَّ المعروفَ في كلام العربِ إذا كان
بين قومٍ تشاجرٌ أنْ يقالَ: تصالح القومُ، ولا يقال: أَصلحَ القوم؟ ولو كان: أصلحَ،
لكان (٤) مصدرُه: إصلاحاً.
ومن قرأ: ((يُصْلِحًا)) فقد استُعمل مثلُه في التشاجُر والتنازُع؛ كما قال: ﴿فَأَصْلَحَ
بَيْهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢]. ونصب قوله ((صُلْحاً)) على هذه القراءةِ على أنه مفعولٌ(٥)، وهو
اسمٌ، مثلُ العطاءِ؛ من أَعطيتُ. فأصلحتُ صلحاً مثلُ: أصلحتُ أمراً؛ وكذلك هو
مفعولٌ أيضاً على قراءة من قرأ: ((يَصَّالَحًا))؛ لأنَّ تفاعل قد جاء متعدِّياً؛ ويحتملُ أنْ
يكونَ مصدراً حذفت زوائده(٦).
ومن قرأ: ((يَصَّلِحًا))؛ فالأصلُ: ((يَصْتَلِحا))، ثم صار إلى: يصطَلِحا، ثم أُبدلتِ
الطاءُ صاداً، وأُدغمتْ فيها الصَّادُ؛ ولم تُبْدَل الصادُ طاءً لِما فيها من امتداد الزفير(٧).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ لفظٌ عامٌ مطلَقٌ يقتضي أنَّ الصُّلحَ
الحقيقيَّ الذي تَسكُنُ إليه النفوسُ ويزولُ به الخلافُ خيرٌ على الإطلاق. ويدخلُ في
هذا المعنى جميعُ ما يقعُ عليه الصلحُ بينَ الرجل وامرأته في مالٍ أو وَظْء أو غيرِ ذلك.
(خَيْرٌ))، أي: خيرٌ من الفُرقة (٨)؛ فإنَّ التماديَ على الخلاف والشَّخْناء والمباغضةِ هي
(١) لفظة: الجحدري، من (م)، وسلف ذكر القراءات قريباً.
(٢) قوله: يصّلِحا، من (ظ) و (م).
(٣) في (م): فوجهه.
(٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٩٣/١، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٩٨/١ - ٣٩٩.
(٥) في النسخ: مفعول له، والمثبت من (م)، وبنظر إعراب القرآن للنحاس ٤٩٣/١، والحجة للقراء
السبعة ١٨٣/٣ - ١٨٤، والمحرر الوجيز ١١٩/٢ .
(٦) ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٩٨/١، والحجة ١٨٤/٣، والمحرر الوجيز ١١٩/٢ - ١٢٠.
(٧) يعني امتداد النَّفَس، وفي المحتسب ٢٠١/١: امتداد الصغير، وينظر البيان لابن الأنباري ١/ ٢٦٨،
والمحرر الوجيز ١١٩/٢ - ١٢٠.
(٨) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢٠٧/٢، والمحرر الوجيز ١٢٠/٢.

١٦٦
سورة النساء: الآية ١٢٨
قواعدُ الشَّرّ، وقد قال عليه الصلاة والسلام في البِغْضة: ((إنها الحالقة))(١)، يعني
حالقةَ الدِّينِ، لا حالقةَ الشعر.
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ إخبارٌ بأنَّ الشُّحَّ في كلِّ أحد.
وأنَّ الإنسانَ لا بدَّ أنْ یَشخّ بحكم خلقته وچېلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما
یکره؛ یقال: شَخَّ يَشِخُ، بكسر الشين.
قال ابن جُبير: هو شُحُ المرأةِ بالنفقة من زوجها، وبقَسْمِه لها أيامَها.
وقال ابنُ زيد: الشُّحُّ هنا منه ومنها.
قال ابنُ عطية (٢): وهذا أحسن؛ فإنَّ الغالبَ على المرأة الشخُّ بنصيبها من
زوجها، والغالبَ على الزوج الشُّحُ بنصيبه من الشَّابَّة. والشخُّ الضبط على المعتقدات
والإرادة وفي الهمم (٣) والأموالِ ونحوِ ذلك، فما أُفرط منه على الدِّين فهو محمودٌ،
وما أفُرط منه في غيره ففيه بعضُ المَذَمَّة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. وما صار إلى حَيِّز(٤) منع الحقوق الشَّرعيةِ
أو التي (٥) تقتضيها المروءةُ فهو البخلُ، وهي رذيلةٌ. وإذا آلَ البخلُ إلى هذه الأخلاقِ
المذمومة والشّيَمِ اللئيمةِ، لم يبقَ معه خيرٌ مرجوٍّ ولا صلاحٌ مأمولٌ.
قلت: وقد رُوي أنَّ النبيَّ :﴿ قال للأنصار: ((من سيِّدُكم))؟ قالوا: الجَدُّ بنُ قیس
على بُخْلٍ فيه. فقال النبيُّ﴾: ((وأيُّ داءٍ أدْوَى(٦) من البخل؟!)). قالوا: وكيف ذاك يا
(١) أخرجه أحمد (١٤١٢)، والترمذي (٢٥١٠) من حديث الزبير بن العوام بلفظ: ((دَبَّ إليكم داء
الأمم: الحسدُ والبغضاءُ هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعَر، ولكن تحلق الدين .. )) وفي إسناده انقطاع.
وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٥٠٨)، وأبو داود (٤٩١٩) من حديث أبي الدرداء بلفظ: ((وفسادُ ذاتٍ البين
هي الحالقة)). وأخرجه الترمذي (٢٥٠٨) من حديث أبي هريرة # بنحو حديث أبي الدرداء.
(٢) عبارة المحرر الوجيز ٢/ ١٢٠، وما قبله منه، وأخرج القولين السالفين الطبري ٧/ ٥٦٢، ٥٦٤.
(٣) عبارة في المحرر الوجيز: المعتقدات والإرادات والهمم.
(٤) في (د) و (ز): خير، وفي (ظ): خيره، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٥) في النسخ: الشرعية التي، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٦) في (د) و (ز): أدوا .

١٦٧
سورة النساء: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩
رسولَ الله؟ قال: ((إنَّ قوماً نزلوا بساحل البحرِ (١)، فكرِهوا لبُخلهم نزولَ الأضيافِ
بهم، فقالوا: ليَبْعُدِ الرجالُ منَّا عن النساء حتى يعتذرَ الرجالُ إلى الأضياف ببُعد
النساءِ، وتَعتذرَ(٢) النساءُ ببعد الرجالِ، ففعلوا، وطال ذلك بهم، فاشتغل الرجالُ
بالرجال، والنساءُ بالنساء)). وقد تقدَّم، ذكره الماورديُّ(٣).
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُوا﴾ شرطٌ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ جوابه. وهذا خطابٌ للأزواج من حيثُ إنَّ للزوج أنْ يَشِحَّ ولا
يُحسنَ؛ أي: إن تُحسِنوا وتتقوا في عِشْرة النساءِ بإقامتكم عليهنَّ مع كراهيتكم(٤)
لصُحبتهنَّ واتِّقاءِ ظلمهنَّ، فهو أفضلُ لكم(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَضْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ
كُلَ اُلْمَّيْلِ فَتَذَرُوهَا كَلْمُعَلَقَةٍ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
رَّحِيمًا
٢٩
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِسَاءِ وَلَوْ حَرَّصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ
اٌلْمَيْلِ﴾ أَخبر تعالى بنفي الاستطاعةِ في العدل بين النساءِ، وذلك في ميل الطبعِ
بالمحبَّةِ(٦) والجِماع والحظّ من القلب. فوصفَ اللهُ تعالى حالةَ البشرِ، وأنهم بحُكم
الخِلقةِ لا يملكون ميلَ قلوبِهِم إلى بعضٍ دونَ بعضٍ؛ ولهذا كان عليه الصلاة والسلام
يقول: ((اللهم! هذا قَسْمي(٧) فيما أملكُ، فلا تَلُمني فيما تَمِلكُ ولا أَملِكُ)). ثم نھی،
(١) لفظة: البحر، من (م)، ومنهاج اليقين شرح أدب الدنيا والدين ص ٣٣٠ .
(٢) في النسخ: يعتذر، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمنهاج اليقين.
(٣) سلف ٥/ ٤٤٠، وذكره الماوردي في أدب الدنيا والدين ص٣٣٠ (طبعة منهاج اليقين)، ولم نقف على
الخبر عند غيره.
(٤) في النسخ: كراهتكم، والمثبت من (م).
(٥) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٨٧، والمحرر الوجيز ١٢٠/٢.
(٦) في النسخ: في المحبة، والمثبت من (م).
(٧) في (د): اللهم إن هذا قسمي، وفي (م): اللهم إن هذه قسمتي، والمثبت من (ز) و (ظ).

١٦٨
سورة النساء: الآية ١٢٩
فقال: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اُلْمَيْلِ﴾(١). قال مجاهد: لا تتعمَّدوا الإساءَة، بل الزَمُوا
التسويةَ في القَسْم والنفقةِ؛ لأنَّ هذا مما يُستطاع(٢). وسيأتي بيانُ هذا في ((الأحزاب))
مبسوطاً إن شاء الله تعالى(٣).
وروى قتادة عن النَّضْر بن أنس، عن بشير بن نَهِيكِ، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ﴾: ((من كانت له امرأتان فلم يعدِلْ بينهما، جاء يومَ القيامة وشِقُّه مائلٌ))(٤)
قوله تعالى: ﴿فَتَذَّرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾، أي: لا هي مطلَّقةٌ ولا ذاتُ زوجٍ؛ قاله
الحسن(٥). وهذا تشبيهٌ بالشيء المعلَّقِ من شيءٍ؛ لأنه لا على الأرض استقرَّ، ولا
على ما عُلِّق عليه انْحملَ(٦)؛ وهذا مظَّردٌ في قولهم في المثل: ((إِرْضَ من المركب
بالتعليق))(٧)، وفي تُرف النَّحويينَ في (٨) تعليق الفعل.
ومنه في حديث أُمِّ زَرْعِ قولُ (٩) المرأة: زوجي العَشَنَّق (١٠)، إنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وإِنْ
أَسكتْ أُعَلَّقْ .
وقال قتادةُ: كالمحبوسة(١١)، كالمسجونة. وكذا قرأ أُبيِّ: ((فَتَذَرُوها
(١) ينظر المحرر الوجيز ١٢٠/٢، والحديث أخرجه أحمد (٢٥١١١)، وأبو داود (٢١٣٤)، واللفظ له،
والترمذي (١١٤٠)، والنسائي ٧/ ٦٣ - ٦٤، وابن ماجه (١٩٧١) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) أخرجه الطبري ٧/ ٥٧١ - ٥٧٢ .
(٣) عند تفسير الآية (٥١) منها.
(٤) أخرجه أحمد (٧٩٣٦)، وأبو داود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي ٧ / ٦٣.
(٥) أخرجه الطبري ٧ / ٥٧٤ .
(٦) المحرر الوجيز ١٢١/٢ .
(٧) أورده الميداني في مجمع الأمثال ١/ ٣٠١، وقال: مثل يضرب في القناعة بإدراك بعض الحاجة؛ أي:
ارض من عظيم الأمور بصغيرها.
(٨) في (م): فمن.
(٩) في (د) و (ز) و(م): في قول، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(١٠) قوله: العَشَنَّق: الطويل الممتدُّ القامة، النهاية (عشنق)، وحديث أم زرع سلف قطعة منه ٢٩٣/١.
(١١) لفظة: كالمحبوسة، من (ظ)، والأثر أخرجه الطبري ٥٧٤/٧.

١٦٩
سورة النساء: الآيات ١٢٩ - ١٣٢
كالمسجونة)). وقرأ ابن مسعود: ((فَتَذَرُوها كأنها مُعَلقةٌ))(١).
وموضع ((فتذروها)) نصبٌ؛ لأنه جوابُ النهي. والكافُ في ((كالمعلقة))(٢) في
موضع نصبٍ أيضاً.
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّنِ سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا
حَكِيمًا (١٤) وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضَِّ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَتَّقُواْ اَللَّهَ وَ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضَِّ وَ كَانَ اَللَّهُ غَنَّا حَمِيدًا ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ
وَكِيلًا
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّاً مِّنِ سَعَتٍِّ﴾ أي: وإن لم يصطلحا بل
تفرَّقا، فليحسنا ظنَّهما بالله، فقد يُقيِّضُ للرجل امرأةٌ تَقَرُّ بها عينُه، وللمرأة من يوسِّع
عليها(٣).
ورُوي عن جعفر بن محمد أنَّ رجلاً شكا إليه الفقرَ، فأمرَه بالنكاح، فذهب
الرجلُ وتزوَّج؛ ثم جاء إليه، وشكا إليه الفقرَ، فأمره بالطلاق؛ فسُئل عن ذلك(٤)،
فقال: أمرتُه بالنكاح، فقلتُ(٥): لعلَّه من أهل هذه الآية: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فلمَّا لم يكنْ من أهل تلك الآيةِ أمرتُه بالطلاق، فقلتُ: فلعله أن
يكون(٦) من أهل هذه الآية: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّاً مِّنِ سَعَتِهِ﴾.
(١) المحرر الوجيز ١٢١/٢، وقراءة أبي في القراءات الشاذة ص٢٩، ومعاني القرآن للفراء ٢٩٢/١،
وقراءة ابن مسعود ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٣٦٥/٣.
(٢) في (د) و(ز): في من كأنها، وفي (ظ): في كأنها، والمثبت من (م)، وهو الموافق لإعراب القرآن
للنحاس ٤٩٤/١ .
(٣) ينظر المحرر الوجيز ١٢١/٢.
(٤) في (د) و (م): عن هذه الآية، والمثبت من (ز) و(ظ)، والأثر من تفسير أبي الليث ٣٩٤/١.
(٥) لفظة: فقلتُ، من (ظ)، وتفسير أبي الليث.
(٦) قوله: أن يكون، من (ظ).

١٧٠
سورة النساء: الآيات ١٣٠ - ١٣٢
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي: الأمرُ بالتقوى
كان عامًّا لجميع الأمم(١). وقد مضى القولُ في التقوى (٢).
﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطفٌ على ((الذين)). ﴿أَنِ أَتَّقُوا اللهَ﴾ في موضعٍ نصبٍ؛ قال
الأخفش(٣): أي: بأن اتقوا الله.
وقال بعض العارفين: هذه الآيةُ هي رَحَى آي القرآنِ (٤)؛ لأنَّ جمیعَه يدورُ
عليها.
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَكَانَ اَللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا
وَلِلَِّ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ إن قال قائلٌ: ما فائدةُ هذا التكرير؟
فعنه جوابان :
أحدهما: أنه كرَّر تأكيداً؛ ليتنَّهَ العبادُ، وينظروا ما في ملكوته وملكِه، وأنه غنيٌّ
عن العالمين(٥).
الجوابُ الثاني: أنه كرر لفوائدَ: فأخبر في الأوَّل أنَّ الله تعالى يُغني كلًّا من
سَعته؛ لأنَّ له ما في السماوات وما في الأرض، فلا تَنفَدُ خزائنه. ثم قال: أوصيناكم
وأهلَ الكتاب بالتقوى، ((وإِنْ تَكْفُرُوا)) فإنه(٦) غنيٌّ عنكم؛ لأنَّ له ما في السماوات
وما في الأرضِ. ثم أَعلم في الثالث بحفظ خَلقه وتدبيرِه إياهم بقوله: ﴿وَكَفَى بِالَّهِ
وَكِيلًا﴾ لأنَّ له ما في السماوات وما في الأرض(٧).
(١) ينظر تفسير الرازي ١٢٢/٢، والمحرر الوجيز ١٢٢/٢.
(٢) ٢٤٨/١ - ٢٤٩.
(٣) في معاني القرآن له ١/ ٤٥٤، وإعراب القرآن للنحاس ٤٩٤/١، وعنه نقل المصنف.
(٤) في (د): هي أرجى آي القرآن، وفي (ز) و (ظ): هي رحى القرآن، والمثبت من (م).
(٥) في (ظ): عن خلقه.
(٦) في (م): وإن تكفروا، أي: وإن تكفروا فإنه.
(٧) ينظر مجمع البيان ٢/ ٢٥٤، وتفسير الرازي ١١/ ٧٠ - ٧١ .

١٧١
سورة النساء: الآية ١٣٣
وقال: ﴿مَا فِ السَّمَوَتِ﴾، ولم يقل: مَن في السماوات؛ لأنه ذُهِب به مَذْهَبَ
الجِنس، وفي السماوات والأرضِ مَن يَعقِلُ ومن لا يعقلُ.
قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخِنْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ
قَدِیرًا
قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ يعني بالموت. ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ يريد
المشركين والمنافقين(١). ﴿وَيَأْتِ ◌َِاخِينٌ﴾ يعني بغيركم.
ولما نزلت هذه الآيةُ ضَرب رسولُ اللهِ ﴾ بيدِه(٢) على ظهر سلمانَ، فقال: ((هم
قومُ هذا)»(٣).
وقيل: الآية عامَّة، أي: وإنْ تكفروا يُذهبْكم ويأتِ بخلقٍ أطوعَ لله منكم. وهذا
كما قال في آيةٍ أخرى: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ﴾
[محمد: ٣٨].
وفي الآية تخويفٌ وتنبيهٌ لجميع من كانت له ولايةٌ وإمارةٌ أو (٤) رياسةٌ، فلا يَعدِلُ
في رعيَّته، أو كان عالِماً، فلا يعملُ بعلمه، ولا ينصَحُ الناسَ، أنْ يُذهبَه ويأتيَ بغيره.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ والقدرة صفةٌ أزليةٌ، لا تتناهى مقدوراتُه، كما أنه لا
تتناهى(٥) معلوماته، والماضي والمستقبلُ في صفاته بمعنّى واحدٍ، وإنما خصَّ
الماضيّ بالذِّكر؛ لئلا يُتوهمَ أنه يحدثُ في ذاته وصفاته(٦). والقدرةُ هي التي يكون بها
(١) ينظر الوسيط ١٢٦/٢.
(٢) قوله: بيده، ليس في (م).
(٣) أخرجه الطبري ٥٨٢/٧، وسيرد عند تفسير الآية (٣٨) من سورة محمد ﴾. وينظر المحرر الوجيز
١٢٢/٢.
(٤) في (د) و(ز) و(م): ورئاسة، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لتفسير أبي الليث ٣٩٥/١، والكلام
منه.
(٥) في (د) و(ز) و(م): كما لا تتناهى، والمثبت من (ظ).
(٦) في (ظ): وصفاً.

١٧٢
سورة النساء: الآيات ١٣٣ - ١٣٥
الفعلُ، ولا يجوزُ وجودُ العجز معها(١).
قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ
اَللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
أي: مَن عَمِلَ بما افترضه اللهُ عليه طلباً للآخرة؛ آتاه الله ذلك في الآخرة، ومن
عَمِلَ طلباً للدنيا؛ آتاه ما(٢) كتب له في الدنيا، وليس له في الآخرة مِن ثواب؛ لأنه
عَمِل لغير اللهِ كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. وقال
تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ﴾ [هود: ١٦]. وهذا على أنْ يكونَ
المرادُ بالآية المنافقين(٣) والكفارَ، وهو اختيارُ الطبريٌّ(٤).
ورُوي أنَّ المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما يتقرَّبون إلى الله تعالى ليوسِّعَ
عليهم في الدنيا، ويرفعَ عنهم مكروهَها، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ
الذُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ تَوَابُ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٥) أي: يَسمعُ ما يقولونه،
ويُبْصِرُ ما يُسِرُّونه(٦).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنُّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَلَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ
الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
فيه عشر مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَمِينَ﴾؛ ((قَوَّامِينَ)) بناءُ مبالغة، أي: ليتكرَّرْ منكم
(١) ينظر تفسير الرازي ١١/ ٧١.
(٢) في (د) و(ز) و(م): بما، والمثبت من (ظ).
(٣) في (ز) و(م): المنافقون.
(٤) في تفسيره ٧/ ٥٨٢، وينظر المحرر الوجيز ١٢٢/٢.
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ١١٧/٢، وتفسير أبي الليث ٣٩٥/١.
(٦) ينظر المحرر الوجيز ١٢٢/٢.

١٧٣
سورة النساء: الآية ١٣٥
القيامُ بالقِسْط، وهو العدلُ في شهادتكم(١) على أنفسكم، وشهادةُ المرء على نفسه
إقرارُه بالحقوق عليها. ثم ذَكَرَ الوالدين لوجوب بِرِّهما، وعِظَمٍ قَدْرِهما، ثم ثنّى
بالأقربين؛ إذْ هم مَظِنَّةُ الموذَّةِ والتَّعصُّب؛ فكانَ الأجنبيُّ(٢) من الناس أحرى أنْ يقامَ
عليه بالقسط، ويُشهَدَ عليه، فجاء الكلامُ في السورة في حفظ حقوقِ الخلقِ في
الأموال.
الثانية: لا خلاف بين أهلِ العلمِ في صِحَّة أحكام هذه الآيةِ، وأنَّ شهادةَ الولدِ
على الوالدين الأبِ والأمِّ ماضيةٌ، ولا يَمنَعُ ذلك بِرَّهما (٣)، بل مِن برِّهما أنْ يَشهدَ
عليهما، ويُخلِّصَهما من الباطل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
[التحريم: ٦]، فإنْ شَهِدَ لهما أو شَهِدًا له، وهي:
الثالثة: فقد اختلف فيها قديماً وحديثاً؛ فقال ابن شهاب الزهريُّ: كان من مضى
من السَّلف الصالحِ يُجيزون شهادةَ الوالد(٤) والأخ، ويتأوَّلون في ذلك قولَ الله
تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، فلم يكن أحدٌ يُتَّهم في ذلك من السَّلف
الصالحِ رضوانُ الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أمورٌ حملت الولاةَ على اتِّهامهم،
فتركت شهادة من يُتَّهم، وصار ذلك لا يجوزُ في الولد والوالد والأخِ والزوجِ
والزوجة(٥)؛ وهو مذهبُ الحسنِ والنَّخَعيِّ والشَّعبيِّ وشُريحٍ ومالكِ والثوريِّ
والشافعيِّ وابنٍ حنبل.
وقد أجاز قومٌ شهادةَ بعضِهم لبعضٍ إذا كانوا عدولاً.
(١) في (د) و(ز): شهاداتكم.
(٢) في (ز): فجاء الأجنبي، ومثله في المحرر الوجيز ١٢٢/٢، والكلام منه، وفي (ظ): فالأجنبي،
والمثبت من (د) و(م).
(٣) في (م): من برهما.
(٤) في (ظ) و(م): الوالدين، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠٧
وما قبله منه.
(٥) في أحكام القرآن لابن العربي: والمرأة، ومثله في تفسير الطبري ٧/ ٥٨٦ - ٥٨٧ .

١٧٤
سورة النساء: الآية ١٣٥
ورويَ(١) عن عمرَ بنِ الخطاب أنه أجازه؛ وكذلك رُويَ عن عمرَ بنِ عبد العزيز،
وبه قال إسحاق وأبو ثور(٢) والمزنيُّ.
ومذهبُ مالكِ: جوازُ شهادةِ الأخِ لأخيه إذا كان عدلاً إلا في النَّسب.
ورَوى عنه ابنُ وهب أنها لا تجوزُ إذا كان في عياله، أو في نصيبٍ من مالٍ
ير ثه(٣).
وقال مالك وأبو حنيفة: شهادةُ الزوج لزوجته لا تُقبلُ؛ لتواصُلِ منافع الأملاكِ
بينهما، وهي محلُّ الشهادة.
وقال الشافعيُّ: تجوزُ شهادة الزوجين بعضِهما لبعض؛ لأنهما أجنبيان، وإنما
بينهما عقدُ الزوجية، وهو مُعَرَّضٌ للزوال. والأصل قَبولُ الشهادةِ إلا حيثُ خصَّ، فما
عدَا المخصوص بَقي(٤) على الأصل؛ وهذا ضعيفٌ؛ فإنَّ الزوجيةَ توجبُ الحَنَانَ
والمواصلةَ والأُلْفةَ والمحبة، فالتهمةُ قويةٌ ظاهرةٌ(٥).
وقد روى أبو داود(٦) من حديث سليمان بنٍ موسى عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جدِّه أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ ردَّ شهادةَ الخائنِ والخائنةِ وذي الغِمر على أخيه،
وردَّ شهادةَ القانعِ لأهل البيتِ، وأجازها لغيرهم(٧).
قال الخطّابيُّ (٨): ذو الغِمْر هو الذي بينه وبين المشهودِ عليه عداوةٌ ظاهرةٌ، فتردُّ
(١) في النسخ الخطية: رُوي، والمثبت من (م).
(٢) في النسخ: والثوري بدل: وأبو ثور، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي، وسلف ذكر الثوري
قريباً.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠٧ .
(٤) في (د) و(ز) و(م): فيما عدا المخصوص فبقي، والمثبت من (ظ).
(٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠٧ - ٥٠٨ .
(٦) في سننه (٣٦٠٠)، وهو عند أحمد (٧١٠٢).
(٧) في النسخ الخطية: لغيرها، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر.
(٨) في معالم السنن ٤/ ١٦٩ .

١٧٥
سورة النساء: الآية ١٣٥
شهادتُه للتُّهَمة(١). وقال أبو حنيفة: شهادتُه على العدوِّ مقبولةٌ إذا كان عدلاً.
والقانع: السائلُ والمستطعِم، وأصل القُنوعِ السُّؤالُ. ويقالُ في القانع: إنه
المنقطعُ إلى القوم يخدِمُهم، ويكونُ في حوائجهم؛ وذلك مثلُ الأجيرِ أو الوكيلِ
ونحوه.
ومعنى ردِّ هذه الشهادةِ التُّهَمَةُ في جرِّ المنفعةِ إلى نفسه؛ لأنَّ القانعَ(٢) لأهل
البيت ينتفعُ بما يصيرُ إليهم من نفع. وكلُّ من جرَّ إلى نفسه بشهادته نفعاً فشهادتُه
مردودٌ؛ كمن شهد لرجلٍ على شراء دارٍ هو شفيعُها، أو كمن حُكم له على رجلٍ بدَيْن
وهو مفلسٌ، فشهد للمفلس (٣) على رجل بدَيْنِ ونحوِه.
قال الخطّابيُّ: ومَن ردَّ شهادةَ القانعِ لأهل البيتِ بسبب جرِّ المنفعةِ، فقياسُ قولِه
أنْ يَردَّ شهادةَ الزوج لزوجته؛ لأنَّ ما بينهما من التُّهَمة في جرِّ النفع(٤) أكثر؛ وإلى هذا
ذهب أبو حنيفة.
والحديث أيضاً حجَّةٌ على من أجاز شهادةَ الأب لابنه؛ لأنه يجرُّ به النفعَ؛ - لما
جُبِل عليه من حُبِّه والميلِ إليه؛ ولأنه يتملَّك عليه مالَه، وقد قال:﴿: ((أنت ومالُك
لأبيك)»(٥).
وممَّن تُردُّ شهادتُه عند مالكِ البدويُّ على القَرَويِّ؛ قال: إلَّا أنْ يكون في بادية
أو قريةٍ، فأما الذي يُشهِد في الحضَر بدَوِيًّا، ويَدَعُ چِيرتَه من أهل الحضَرِ عندي
مُریبٌ.
وقد روى أبو داود والدار قطنيُّ عن أبي هريرة أنه سمع رسولَ الله ﴾ يقول:
(١) في (م): شهادته عليه للتهمة.
(٢) في معالم السنن: التابع.
(٣) في النسخ: المفلس، والمثبت من معالم السنن ١٦٩/٤ .
(٤) في (د) و(م): المنفعة، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لمعالم السنن ١٦٩/٤ .
(٥) معالم السنن ١٦٩/٤، والحديث أخرجه أحمد (٦٦٧٨)، وأبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن
عمرو رضي الله عنهما.

١٧٦
سورة النساء: الآية ١٣٥
((لا تجوز شهادةُ بدوِيٍّ على صاحب قرية))(١).
قال محمد بنُ عبد الحكم: تأوَّل مالكٌ هذا الحديثَ على أنَّ المرادَ به الشهادةُ
في الحقوق والأموالِ، ولم يُرد (٢) الشهادةَ في الدِّماء وما في معناها(٣) مما يُطلبُ به
الخَلَواتُ(٤).
وقال عامَّة أهلِ العلم: شهادةُ البَدَويّ إذا كان عَدْلاً يُقيم الشهادةَ على وجهها
جائزةٌ؛ والله أعلم(٥). وقد مضى القولُ في هذا في ((البقرة)) (٦)، ويأتي في ((براءة))
تمامُها إنْ شاء الله تعالى(٧).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ نصب على النعت لـ ((قوّامِين))، وإنْ شئتَ كان
خبراً بعد خبر.
قال النحاس(٨): وأجودُ من هذين أنْ يكونَ نصباً على الحال بما(٩) في ((قوَّامين))
مِن ذِكْر الذين آمنوا؛ لأنه نفسُ المعنى، أي: كونوا قوَّامين بالعدل عندَ شهادتكم.
قال ابنُ عطية (١٠): والحالُ فيه ضعيفةٌ في المعنى؛ لأنها تُخصِّصُ(١١) القيامَ
بالقِسْط إلى معنى الشهادةِ فقط.
(١) سنن أبي داود (٣٦٠٢)، وسنن الدارقطني (٤٥١٤)، وقد سلف ٤٤٩/٤ .
(٢) في (د): ولم ترد، وفي (م): ولا ترد.
(٣) في (د) و(ز): قضاها، وفي (ظ): معناهما، والمثبت من (م).
(٤) في (م): الخلق، وقول ابن عبد الحكم في النوادر والزيادات ٣٤٠/٨، وينظر البيان والتحصيل
٠٤٣٠/٩
(٥) معالم السنن ٤/ ١٧٠ .
(٦) ٤ / ٤٤٩ .
(٧) عند تفسير الآية (٩٧) منها.
(٨) في إعراب القرآن ١/ ٤٩٤، وما قبله منه.
(٩) في النسخ: مما، والمثبت من (م)، وهو الموافق لإعراب القرآن.
(١٠) في المحرر الوجيز ١٢٢/٢.
(١١) في (م)، والمحرر الوجيز: تخصيص.

١٧٧
سورة النساء: الآية ١٣٥
ولم ينصرف ((شهداء)) لأنَّ فيه ألفَ التأنيث(١).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿اللَّهِ﴾؛ معناه: لِذات الله ولوجهه، ولمرضاتِه وثوابه.
﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلُّقٌ بـ ((شُهَدَاء)). هذا هو الظاهرُ الذي فسَّر عليه الناسُ، وأنَّ
هذه الشهادةَ المذكورةَ هي في الحقوق(٢)، فيُقِرُّ بها لأهلها، فذلك قيامُه(٣) بالشَّهادة
على نفسه؛ كما تقدَّم(٤).
أَذَّب الله جلَّ وعزَّ المؤمنين بهذا؛ كما قال ابن عباس: أُمروا أن يقولوا الحقَّ
ولو على أنفسهم(٥).
ويحتمل أنْ يكونَ قولُه: ((شُهَدَاءَ لِلهِ)) معناه: بالوحدانيَّة لله، ويتعلقُ قوله: (وَلَوْ
عَلَى أَنْفُسِكُمْ)) بـ ((قوّامين))، والتأويلُ الأوَّلُ أبْيَنْ(٦).
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَفِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا﴾ في الكلام
إضمارٌ، وهو اسمُ كان؛ أي: إنْ يكن المطالَبُ (٧) أو المشهودُ عليه غنِيًّا، فلا يُراعى
لغناه ولا يُخافُ منه، وإنْ يكن فقيراً فلا يُراعَى إشفاقاً عليه، ﴿فَلَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي:
فيما اختار لهما من فقرٍ وغنّى (٨). قال السُّدِّيُّ: اختَصم إلى النبيِّ﴾ غنيٌّ وفقير، فكان
ضَلْعُهُ # مع الفقيرِ، ورأى أنَّ الفقير لا يَظلِمُ الغنيَّ؛ فنزلت الآية (٩).
السابعة: قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمّا﴾ إنما قال: ((بهما))، ولم يقل: ((به)) وإنْ
كانت ((أو)) إنما تدلُّ على الحصول لواحدٍ (١٠)؛ لأنَّ المعنى: فاللهُ أولى بكلِّ واحدٍ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٤/١.
(٢) المحرر الوجيز ١٢٢/٢ .
(٣) في (ظ): قيام.
(٤) في المسألة الأولى.
(٥) أخرجه الطبري ٥٨٦/٧ .
(٦) المحرر الوجيز ٢/ ١٢٢.
(٧) في (د) و(ز) و(م): الطالب، والمثبت من (ظ)، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٩٥/١ .
(٨) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٥٠٨/١ ، والمحرر الوجيز ١٢٣/٢.
(٩) أخرجه الطبري ٧/ ٥٨٥ - ٥٨٦، قوله: ضَلْعه، أي: ميلُه. النهاية (ضلع).
(١٠) في (م): الواحد.

١٧٨
سورة النساء: الآية ١٣٥
منهما.
وقال الأخفش(١): تكون ((أو)) بمعنى الواوٍ؛ أي: إن يكن غنياً وفقيراً؛ فالله أولى
بالخصمين كيفما كانا. وفيه ضَعْفٌ.
وقيل: إنما قال: ((بِهِما))؛ لأنه قد تقدَّم ذِكرهما؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ، أَخُ أَوْ
أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢].
الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَلَ تَتَّبِعُواْ الْمَوَكَةَ﴾ نهيٌّ، فإنَّ اتِّباعَ الهوى مُرْدٍ، أي:
مُهْلِكٌ؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَمْكُ بَّنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾(٢)
[ص: ٢٦] فاتباعُ الهوى يَحملُ على الشهادة بغير الحقِّ، وعلى الجَوْرِ في الحكم، إلى
غير ذلك.
وقال الشَّعبيُّ(٣): أخذ اللـهُ عزَّ وجلَّ على الحكّام ثلاثةَ أشياء: ألَّا يَتَّبعوا الهوى،
وألَّا يخشَوا الناسَ ويَخشَوه، وألَّا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً.
﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ في موضعٍ نصب.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُوا﴾؛ قُرئ: ((وإنْ تَلْوُوا))(٤) مِن لَوَيتُ
فلاناً حقَّه لَيَّ: إذا دفعتَه به، والفعلُ منه: (لَوَى))، والأصلُ فيه: ((لَوَيَ))؛ قُلبت الياءُ
ألفاً لحركتها وحركةِ ما قبلَها، والمصدرُ ((لَيًّا))، والأصل: لَوْياً، ولَيَّاناً، والأصل:
لَوْيَاناً، ثم أُدغمت الواوُ في الياءِ(٥).
وقال القُتَبِيُّ(٦): (تَلْوُوا)) من اللَّيِّ في الشهادة والميلِ إلى أحد الخصمين.
(١) في معاني القرآن له ٤٥٥/١ - ٤٥٦، وإعراب القرآن للنحاس ٤٩٥/١، وعنه نقل المصنف، وما
قبله منه، وينظر مشكل إعراب القرآن ١/ ٢١٠، والمحرر الوجيز ١٢٣/٢.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ١٢٣/٢.
(٣) لم نقف عليه من قول الشعبي، وذكره البخاري تعليقاً إثر الحديث (٧١٦٢) من قول الحسن، وسيذكره
المصنف عند تفسير الآية (٤٤) من المائدة.
(٤) يعني بواوين، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم والكسائي السبعة ص٢٣٩ ، والتيسير
ص ٩٧ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٥/١ .
(٦) في غريب القرآن ص١٢٦ .

١٧٩
سورة النساء: الآية ١٣٥
وقرأ ابن عامرٍ والكوفيون(١): (تَلُوا)) أراد: قمتم بالأمر وأَعرضتُم، من قولك:
وَلِيتُ الأمرَ، فيكونُ في الكلام معنى التوبيخِ للإعراض عن القيام بالأمر.
وقيل: إنَّ معنى ((تلُوا)) الإعراضُ.
فالقراءةُ بضمِ اللام تفيدُ معنيَين: الولايةَ والإعراضَ، والقراءةُ بواوين تفيدُ معنّی
واحداً، وهو الإعراضُ(٢).
وزعم بعضُ النَّحويين أنَّ مَنْ قرأ: ((تلُوا)) فقد لَحَن؛ لأنه لا معنَى للولاية هاهنا.
قال النحاس(٣) وغيره: وليس يلزمُ هذا، ولكنْ (٤) تكون ((تلُوا)) بمعنى: ((تَلْوُوا))،
وذلك أنَّ أصلَه: (تَلْوُوا))، فاستُثقلت الضمةُ على الواو بعدَها واوٌ أخرى، فأُلقيت
الحركةُ على اللام، وحُذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنينِ؛ وهي كالقراءة بإسكان
اللامِ وواوين؛ ذكره مكيّ(٥).
وقال الزجَّاج(٦): المعنى على قراءته: ((إنْ تلْوُوا))، ثم همز الواوَ الأولى،
فصارت: ((تلؤُوا))، ثم خُفِّفت الهمزةُ بإلقاء حركتها على اللام، فصارت: ((تلُوا))،
وأصلُها (تلووا))، فتتَّفقُ القراءتانِ على هذا التقدير، وذكره النحاس ومكيُّ وابنُ
العربيّ وغیرُهم(٧).
قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بينَ يدي القاضي، فيكونُ لَيُّ
القاضي، وإعراضُه لأحدهما على الآخَر؛ فاللَّيُّ على هذا مَظْلُ الكلامِ وجَرُّه حتى
(١) هي قراءة حمزة وحده من الكوفيين، وأما قراءة عاصم والكسائي - وهما كوفيان - فهي بواوين، كما
سلف .
(٢) ينظر المحرر الوجيز ١٢٣/٢ - ١٢٤.
(٣) في إعراب القرآن ٤٩٥/١، وما قبله منه.
(٤) في (د) و(ز): ولا، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لإعراب القرآن.
(٥) لم نقف على هذا الكلام عند مكي، والذي ذكره في مشكل إعراب القرآن الكلام الآتي.
(٦) في معاني القرآن ١١٨/٢ .
(٧) إعراب القرآن ٤٩٥/١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٢١٠/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٠٩/١ .

١٨٠
سورة النساء: الآيتان ١٣٥ - ١٣٦
يفوتَ فصلُ القضاء، وإنفاذُه للذي يميلُ القاضي عليه(١). قال ابن عطية: وقد شاهدتُ
بعضَ القضاةِ يفعلون ذلك، والله حسيبُ الكلِّ.
وقال ابن عباس أيضاً والسُّدِّيُّ وابن زيد والضحَّاك ومجاهدٌ: هي في الشهود
يَلوي الشاهدُ(٢) الشهادةَ بلسانه، ويحرِّفُها فلا يقول الحقَّ فيها، أو يُعرضُ عن أداء
الحقِّ فيها(٣).
ولفظ الآيةِ يعُمُّ القضاءَ والشهادةَ، وكلُّ إنسانٍ مأمورٌ بأنْ يعدلَ(٤)؛ وفي
الحديث: ((لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعقوبته)»؛ قال ابنُ الأعرابيّ: عقوبتُه حبسُه،
وعِرْضُه شِكايتُه(٥).
العاشرة: وقد استدلَّ بعضُ العلماءِ في ردِّ شهادة العبدِ بهذه الآيةِ، فقال: جعل
الله تعالى الحاكمَ شاهداً في هذه الآيةِ، وذلك أدلُّ دليلٍ على أنَّ العبدَ ليس من
أهل(٦) الشهادةِ؛ لأنَّ المقصودَ منه الاستقلالُ بهذا المهمِّ إذا دعتِ الحاجةُ إليه، ولا
يتأتَّى ذلك من العبد أصلاً، فلذلك رُدَّت الشهادة(٧).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى
رَسُولِهِ، وَأَلْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ.
وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ ءَامِنُواْ﴾ الآية. نزلت في جميع المؤمنين؛
(١) في (م): إليه، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٢٣/٢، والكلام منه،
والأثر أخرجه الطبري ٥٨٩/٧ بنحوه.
(٢) لفظة: الشاهد، من (م).
(٣) تفسير الطبري ٧/ ٥٩٠ - ٥٩٢ .
(٤) المحرر الوجيز ١٢٣/٢.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٥/١، والحديث سلف ٢٥٦/٣.
(٦) في النسخ الخطية: بأهل، والمثبت من (م).
(٧) في النسخ الخطية: فكذلك الشهادة، والمثبت من (م).