Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة النساء: الآيات ١١٠ - ١١٢ قال: ما من عبدٍ يذنبُ ذنباً، ثم يتوضأُ ويصلِّي ركعتين، ويستغفرُ الله، إلا غَفَر له، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(١). قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ. وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوَ إِنْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٦) قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ أي: ذنباً ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: عاقِبتُه عائدةٌ عليه. والكسبُ ما يَجُرُّ به الإنسانُ إلى نفسه نفعاً، أو يَدفعُ عنه به ضرراً؛ ولهذا لا يُسمَّى فعلُ الربِّ تعالى كَسْباً. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَّةٌ أَوْ إِنْماً﴾: قيل: هما بمعنى واحدٍ؛ كُرِّر لاختلاف اللفظِ تأكيداً. وقال الطبريّ: إنما فَرَّق بين الخطيئةِ والإثم أنَّ الخطيئةَ تكونُ عن عَمْدٍ وعن غيرِ عَمْدٍ، والإثمُ لا يكونُ إلا عن عَمْد(٢). وقيل: الخطيئةُ ما لم تَتَعَمَّدْهُ(٣) خاصَّةً، كالقتل بالخطأ. وقيل: الخطيئة: الصغيرةُ، والإثم: الكبيرة(٤)، وهذه الآيةُ لفظُها عامّ يندرجُ تحتَه أهلُ النازلةِ وغيرُهم (٥) . (١) أخرجه أحمد (٢)، وأبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٣٠٠٦)، والنسائي في الكبرى (١٠١٧٥)، وابن ماجه (١٣٩٥). (٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٧٧، والمحرر الوجيز ١١١/٢، وعنه نقل المصنف. (٣) في (د): تتعمد، وفي (ز): يتعمد، وفي (ظ): الخطيئة الإثم يتعمد، والمثبت من (م)، وينظر زاد المسير ٢/ ١٩٤ . (٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٨٧/١ . (٥) المحرر الوجيز ٢/ ١١١ . ١٢٢ سورة النساء: الآيتان ١١١ - ١١٢ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا﴾ قد تقدَّم اسم البريء(١). والهاءُ في ((به)) للإثم أو للخطيئة؛ لأنَّ معناها الإثمُ، أوْ لَهما جميعاً، وقيل: تَرجعُ إلى الكسب(٢). ﴿فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ تشبيهٌ؛ إذ الذنوبُ ثِقل ووِزرٌ، فهي كالمحمولات(٣)؛ وقد قال تعالى: ﴿وَلَيَحْيُنَّ أَثْقَالَمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَائِمٌ﴾ [العنكبوت : ١٣]. والبُهتان من البَهْت، وهو أنْ تستقبلَ أخاك بأنْ تَقْذِفَه بذنب وهو منه بريءٌ(٤) روى مسلمٌ عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ :﴿ قال: «أتدرون ما الغيبةُ؟)) قالوا: الله ورسولُه أعلم؛ قال: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكره ». قيل: أفرأيتَ إنَ كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كانَ فيه ما تقولُ فقد اغتبته، وإنْ لم يكنْ فيه فقد بَهَّه(٥)). وهذا نَصِّ؛ فرَمْيُ البريءِ بهتٌّ له. يقال: بَهتَه بَهْتا وبَهَتاً وبُهْتَاناً: إذا قال عليه ما لم يقل(٦)، وهو بَهَّاتٌ، والمقول له: مَبْهُوتٌ. ويقال: بَهِتَ الرجلُ - بالكسر - إذا دَهِشَ وتحيَّر. وبَهُت - بالضم - مثلُه، وأفصحُ منهما: بُهِت، كما قال الله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرِّ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لأنه يقال: رجلٌ مبهوتٌ، ولا يقال: باهِتٌ ولا بَهِيتٌ، قاله الكسائي(٧). (١) ص١١٤ من هذا الجزء، ووقع في (م): تقدم اسم البريء في البقرة، وهو خطأ. (٢) ينظر تفسير البغوي ٤٧٩/١، وزاد المسير ١٩٥/٢، وتفسير الرازي ٣٨/١١. (٣) المحرر الوجيز ١١١/٢. (٤) ينظر تفسير الرازي ٣٨/١١. (٥) صحيح مسلم (٥٢٨٩)، وهو عند أحمد (٧١٤٦). (٦) في (م): يفعله. (٧) المفهم ٦/ ٥٧١ . ١٢٣ سورة النساء: الآية ١١٣ قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت ◌َآئِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ اُلْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمَّ وَكَانَ فَضْلُ الَّهِ عَلَّكَ عَظِيمًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما بعد (لَوْلَا)) مرفوعٌ بالابتداء عندَ سيبويه، والخبر محذوفٌ لا يظهر، والمعنى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ بأنْ نَبَّهك على الحق(١)، وقيل: بالنبوءة والعِصمةِ(٢). ﴿لَّمَّت ◌َائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ﴾ عن الحقِّ؛ لأنهم سألوا رسولَ اللـه ﴾ أنْ يُبرِّئَ ابنَ أُبَيرِق من التُّهَمَة، ويُلحقَها اليهوديّ، فتفضَّل الله عزَّ وجلَّ على رسوله عليه الصلاة والسلام بأنْ نَبَّههُ على ذلك وأعلَمه إيَّاه. ﴿وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ لأنهم يعملون عملَ الضَّالين، فوبالُه راجعٌ (٣) عليهم. ﴿وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ لأَنَّك معصوم (٤). ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ﴾ هذا ابتداءُ كلام. وقيل: الواو للحال، كقولك: جئتك والشمسُ طالعةٌ؛ ومنه قولُ امرئٍ القيس : وقد أَغتدي(٥) والطيرُ في وُكُناتها فالكلامُ متصلٌ، أي: ما يضرُّونك من شيء مع إنزالِ اللهِ عليكَ القرآنَ . ((والحِكْمَةَ)): القضاء بالوحي. ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمَّ﴾ يعني من الشَّرائع (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٨٧/١، وكلام سيبويه في الكتاب ١٢٩/٢ . (٢) الوسيط ١١٤/٢. (٣) في (م): فوباله لهم راجع. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٨٧ . (٥) صدر بيت، وعجزه: بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلٍ، وهو في ديوانه ص١٩ وقوله: وُكُناتها هي المواضع التي تأوي إليها الطير، ومنجرد: هو الفرس القصير الشعر، وقوله: الأوابد: الوحش، وقوله: هيكل: الفرس الضخم. شرح الديوان. ١٢٤ سورة النساء: الآيتان ١١٣ - ١١٤ والأحكام(١). و(تَعْلَمُ)) في موضع نصب؛ لأنه خبرُ كان. وحُذِفت الضَّمةُ من النونِ للجزم، وحُذِفت الواوُ لالتقاء السَّاكنين(٢). قوله تعالى: ﴿لَّا خَيّرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَجِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ آبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (9)﴾. أرادَ ما تفاوض به قومُ بني أُبَيْرِق منَ التدبير، وذكروه للنبي ﴾(٣). والنَّجْوَى: السِّرُّ بين الاثنين، تقول: ناجيتُ فلاناً مناجاةً ونِجاءً، وهم ينْتَجُون ويَتَناجَوْن. ونَجَوْتُ فلاناً أنْجُوهُ نَجْواً، أي: ناجَيتُه(٤)، فنجوى مشتقَّةٌ من نجوتُ الشَّيءَ أنجوه، أي: خلَّصته وأفردتُه، والنَّجوة من الأرض: المرتفعُ؛ لانفراده بارتفاعه عمَّا حوله، قال الشاعر: فَمَنْ بِنَجْوتِه كمن بِعَقْوتِهِ والمُسْتَكِنُّ كمنْ يَمْشِي بِقِرْواح(6) (١) ينظر تفسير البغوي ٤٧٩/١، وزاد المسير ١٩٦/٢ - ١٩٧. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٨٧/١ - ٤٨٨ . (٣) ينظر تفسير البغوي ٤٧٩/١، وزاد المسير ١٩٨/٢. (٤) ينظر الصحاح (نجا)، وتهذيب اللغة ١٩٨/١١، ومجمل اللغة ٤ / ٨٥٧ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٨٨/١، والبيت نسبه أبو علي القالي في أماليه ١٧٧/١ لعَبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ص٥٣، ونسبه ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١/ ٢٠٨، وأبو الفرج في الأغاني ١١/ ٧١ لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص١٦ ، والرواية فيه وفي الأمالي: بمَحفَله بدل: بعَقْوَته، ورواية الأغاني: فمن بمحفله کمن بنجوته ... ، قال ابن سلَام في طبقات فحول الشعراء ٩٢/١ بعد أن ذكر البيت: فجعله يونس لعَبيد، وعلى ذلك كان إجماعنا، فلما قدم المفضّل صرفها إلى أوس بن حجر. ونقل أبو الفرج في الأغاني ١١/ ٧٠ عن الأصمعي: تميمٌ تروي هذه القصيدة الحائيَّة لعَبيد، وذلك غلط، ومن الناس من يخلطها بقصيدته التي على وزنها ورويِّها لتشابههما. وقوله: بعقوته: أي الساحة وما حول الدار والمحلة. وقوله: بقرواح: البارز الذي ليس يستره من السماء شيء. اللسان (عقا) (قرح). ١٢٥ سورة النساء: الآية ١١٤ فالنجوى: المسارَّة، مصدرٌ، وقد تُسمَّى به الجماعة، كما يقال: قومٌ عَدلٌ ورِضًا (١)؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ تَجْوَ﴾ . فعلى الأول يكونُ الأمرُ أَمْرَ استثناءٍ من غير الجنس، وهو الاستثناء المنقطعُ، وقد تقدَّم، وتكونُ ((مَن)) في موضعٍ رفع، أي: لكن من أَمَر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس، ودعا إليه، ففي نجواه خيرٌ(٢). ويجوزُ أنْ تكونَ ((مَن)) في موضع خفضٍ، ويكون التقدير: لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهم (٣) إلا نجوى من أَمَر بصدقة. ثم حذف. وعلى الثاني - وهو أنْ يكونَ النجوى اسماً للجماعةِ المنفردين - فتكون ((مَن)) في موضع خفضٍ على البدل، أي: لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهم إلَّا فيمن أَمَر بصدقةٍ. أو تكون في موضع نصب على قول من قال: ما مررتُ بأحد إلا زيداً (٤). وقال بعض المفسرين منهم الزجاج(٥): النَّجْوَى: كلام الجماعةِ المنفردةِ أو الاثنين(٦) كانَ ذلك سِرًّا أَو جهراً، وفيه بُعْدٌ. والله أعلم. والمعروف: لفظٌ يَعُمُّ أعمالَ البِرِّ كلَّها(٧). وقالَ مقاتل: المعروفُ هنا القرضُ(٨)، والأول أصحُ. وقال ﴿: ((كلُّ معروفٍ صدقةٌ، وإنَّ منَ المعروفِ أنْ تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ))(٩). (١) المحرر الوجيز ١١٢/٢. (٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٨٨/١، ومشكل إعراب القرآن ٢٠٨/١، وتفسير الرازي ٤١/١١ . (٣) في النسخ: نجوى، والمثبت من (م). (٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٨٨/١، وتفسير الرازي ٤١/١١ . (٥) في معاني القرآن ١٠٤/٢، وينظر المحرر الوجيز ١١٢/٢. (٦) في النسخ: الاثنان، والمثبت من (م). (٧) ينظر تفسير البغوي ٤٧٩/١، والوسيط ١١٥/٢ . (٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٦٤ . (٩) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٤٧٠٩) من حديث جابر ﴾، وأخرجه أحمد (٢١٥١٩)، ومسلم (٢٢٢٦) = ١٢٦ سورة النساء: الآية ١١٤ وقال: ((المعروفُ كاسمه، وأولُ(١) من يدخلُ الجنَّةَ يومَ القيامةِ المعروفُ وأهلُه))(٢). وقال عليٍّ بنُ أبي طالبٍ ﴾: لا يُزهِدنَّكَ في المعروفِ كفرُ من كفرَهُ(٣)، فقد يَشْكُر الشاکر بأضعاف جحودِ الكافر. وقال الخُطَيئة : لا يذهبُ العُرْفُ بين اللهِ والناسِ منْ يفعلِ الخيرَ لا يَعدَمْ جوازِيَه(٤) وأنشد الرِّياشِيّ: تَحمَّلها كَفورٌ أو شكورُ يَدُ المعروفِ غُنْمٌ حيثُ كانت وعند اللهِ ما كفَرَ الكفورُ(٥) ففي شكرِ الشكورِ لها جزاءٌ وقال الماورديُّ(٦): فينبغي لمن قَدَرَ على إسداء المعروفِ أنْ يعجِّلَه حِذارَ فواتِهِ، ويبادرَ به خِيفَة عَجْزِهِ، وليعلم أنه من فُرَص زمانِه، وغنائم إمكانِه، ولا يُهمِلْه ثقةً = من حديث أبي ذر بلفظ: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)). وأخرج القطعة الأولى منه أحمد (٢٣٣٧٠) ومسلم (١٠٠٥) من حديث حذيفة ، وأخرجها أيضاً البخاري (٦٠٢١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وينظر ٣٢٧/٤. (١) في (د): وقال#: أول .. ، والمثبت من (ز) و(ظ) و(م)، وهو الموافق لأدب الدنيا والدين للماوردي ص١٨٥، والكلام منه. (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٠١٥) من حديث أبي أمامة بلفظ: ((إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أول أهل الجنة دخولاً الجنة أهل المعروف)). قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٣: فيه من لم أعرفه، وعزاه المتقي الهندي في كنز العمال (١٦٤٤٩) لابن النجار عن ابن شهاب مرسلاً بلفظ: ((المعروف معروف كاسمه وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة)). (٣) في (د) و(ز): كفر. (٤) في النسخ: جوائزه، والمثبت من الديوان ص٢٨٤، وأدب الدنيا والدين ص ١٨٥، والكلام منه. (٥) البيتان لابن المبارك، وهما في بهجة المجالس لابن عبد البر ٣٠٧/١ ، والمحاسن والأضداد للجاحظ ص٢٠ ، ورواية صدر البيت الثاني فيه: فعند الشاكرين لها جزاء. والرياشي هو عباس بن الفرج شيخُ الأدب، كان من بحور العلم، كان أبو العباس ثعلب يفضله ويقدّمه، وقال المازني: قرأ عليَّ الرياشي ((الكتاب))، وهو أعلم به مني، مات في فتنة الزنج بالبصرة سنة (٢٥٧ هـ). السير ٣٧٢/١٢. (٦) في أدب الدنيا والدين ص١٨٦ . ١٢٧ سورة النساء: الآية ١١٤ بالقدرة عليه، فكم واثقٍ(١) بالقدرةِ عليه، فاتتْ فأعقبتْ نَدَماً، ومُعوِّلٍ على مُكْنَةٍ زالتْ، فأوْرثَتْ خجلاً، كما قال الشاعر: ما زلتُ أسمعُ كم من واثقٍ خجلٌ حتى ابتُليتُ فكنتُ الواثقَ الخَجِلَا(٢) ولو فَطِن لنوائب دهرِهِ، وتحفّظَ من عواقبٍ أمرٍهٍ(٣) لكانت مغانمُه مذخورةً، ومغارمُه مجبورةً. وقد رُويَ عن النبيِّ# أنه قال: ((مَن فُتح عليه بابٌ من الخير فلينتهِزْهُ؛ فإِنَّه لا يدري متى يُغْلقُ عنه))(٤). ورُوي عنه ﴿ أنه قال: ((لكلِّ شيءٍ ثمرةٌ، وثمرةُ المعروفِ السَّرَاحُ)) (٥). وقيل لأنُوشروان(٦): ما أعظمُ المصائبِ عندكم؟ قال: أنْ تقدرَ على المعروفِ فلا تصطنعُه حتى يفوتَ. وقال عبدُ الحميد(٧): من أخَّر الفُرصةَ عن وقتها فليكنْ على ثقةٍ من فوتها. وقال بعض الشعراء: فإنَّ لكلِّ خافِقَةٍ سُكونُ إذا هبَّتْ رياحُك فاغْتَنِمْها فما تدري السُّكونُ متى يكونُ(٨) ولا تَغفُلْ عن الإحسانِ فيها (١) في (م): فكم من واثق. (٢) قائله ابن الحجاج، وهو في التمثيل والمحاضرة ص١٩، ويتيمة الدهر للثعالبي ١٠٦/٣. (٣) في النسخ: دهره، والمثبت من (م)، والذي في أدب الدنيا والدين ص١٨٦، والكلام منه: مَكْرِه. (٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٧)، وأحمد في الزهد ١/ ٤٧٢، وهناد في الزهد (٩٦١) عن حكيم ابن عُمير مرسلاً، وفي إسناده أبو بكر بنُ أبي مريم، وهو ضعيف. (٥) أورده الماوردي في أدب الدنيا والدين ص١٨٦ ولم نقف له على إسناد. قوله: السراح؛ يقال أمر سَريح، أي: معجَّل. ينظر اللسان (سرح). (٦) هو ملك الفرس كسرى بن قبازين، فيروز، كان ملكه سبعاً وأربعين سنة. تهذيب الأسماء واللغات ٦٦/٢ - ٦٧ . (٧) هو ابن يحيى بن سعد، أبو يحيى الأنباري، الكاتب البليغ، قتل سنة (١٣٢ هـ). السير ٥ / ٤٦٢. (٨) أدب الدنيا والدين ص١٨٦، والبيتان لابن هندو، وهما في التمثيل والمحاضرة ص٢٣١، وغرر الخصائص ص٢٤٠ . ١٢٨ سورة النساء: الآية ١١٤ . وكتب بعضُ ذوي الحُرماتِ إلى والٍ قصَّر في رعايةِ حُرْمته : أم في الحسابِ تمنُّ بالإنعام أَعَلَى الصراطِ تُرِيدُ رِغيةَ حُرمتي لحوائجي من رَقْدَةِ النُّوَّامِ(١) للنفع في الدنيا أريدُك فانتيِهْ وقال العباسُ ﴾: لا يتم المعروفُ إلا بثلاثِ خصال: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجَّلته هنأته، وإذا صغَّرتَه عظّمتَه، وإذا ستَرته أتممْتَه(٢). وقال بعض الشعراء: زادَ معروفَكَ عندي عِظَما أنه عِندَك مستورٌ حَقِيرْ تَتناساه(٣) كأن لم تأتِه وَهْوَ عندَ الناسِ مشهورٌ خطيرْ ومن شرط المعروفِ تركُ الامتنانِ به، وتركُ الإعجابِ بفعله، لمَا فيهما مِنْ إسقاطِ الشكرِ وإحباطِ الأجرِ. وقد تقدَّم في ((البقرة)) بيانه (٤). قوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ عامٌّ في الدِّماء والأموال والأعراض، وفي كلِّ شيءٍ يقعُ التداعي والاختلافُ فيه بين المسلمين، وفي كلِّ كلام يرادُ به وجهُ اللهِ تعالى. وفي الخبر: ((كلامُ ابنِ آدمَ كلُّه عليه لا له؛ إلَّا ما كان من أمرٍ بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكرٍ لله تعالى))(٥). فأمَّا من طلب الرِّياءَ والترؤسَ فلا ينالُ الثوابَ. وكتب عمرُ إلى أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنهما: رُدَّ الخصومَ حتى يَصطلِحوا؛ فإنَّ فَضْلَ القضاءِ يُورثُ بينهم الضَّغائنَ(٦). وسيأتي في ((المجادلة)) ما يَحْرُم من المناجاة وما يجوزُ إنْ شاء الله تعالى(٧). (١) أدب الدنيا والدين ص ١٨٧، وهما بنحوه في المستطرف ١١٤/٢. (٢) سلف ٤/ ٣٦٢. (٣) في أدب الدنيا والدين، والكلام منه: وتناسيت، والبيتان سلفا ٣٦٢/٤ . (٤) أدب الدنيا والدين ص ١٨٧، وتقدم ٣٢٥/٤ . (٥) أخرجه الترمذي (٢٤١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٤) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها. قال الترمذي: حديث حسن غريب. (٦) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٠٤)، والبيهقي ٦/ ٦٦ . (٧) عند تفسير الآيتين (٩ - ١٠) منها. ١٢٩ سورة النساء: الآية ١١٤ وعن(١) أنس بن مالك ﴾ أنَّه قال: من أصلَح بين اثنين؛ أعطاهُ الله بكلِّ كلمةٍ عِثْقَ رقبة (٢). وقال النبيُّ ◌َ﴿ لأبي أيوبَ: ((أَلا أدُلُّك على صدَقةٍ يحبُّها الله ورسولُه؟ تُصْلِحُ بين الناسِ(٣) إذا تفاسَدُوا، وتُقَرِّبُ بينهم إذا تَباعدُوا))(٤). وقال الأوزاعيُّ: ما خطوةٌ أحبَّ(٥) إلى الله عزَّ وجلَّ من خطوةٍ في إصلاحِ ذاتِ البينِ، ومن أصلَح بينَ اثنين كتبَ الله له براءةً من النَّار. وقال محمد بن المُنْكَدِر: تنازعَ رجلان في ناحية المسجد، فمِلْتُ إليهما، فلم أَزَلْ بهما حتى اصطلحا، فقالَ أبو هريرةَ - وهو يراني -: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((مَنْ أصلح بين اثنينِ استوجبَ ثوابَ شهيدٍ)»(٦). ذكرَ هذه الأخبارَ أبو مطيعٍ مكحولُ بن الفضلِ (٧) النَّسفيُّ في كتابِ اللؤْلُئياتِ له. وجدتُه بخطّ المصنفِ في وُرَيقة، ولم ينبِّه على موضعها ﴾. و﴿أَبْتِغَاءَ﴾ نصب على المفعول من أجله. (١) من هذا الموضع إلى قوله: على موضعها ﴿، سقط من (د) و(ز). (٢) قال المنذري في الترغيب والترهيب ٤٧٨/٤: حديث غريب جدًّا. (٣) في (م): أناس. (٤) أخرجه الطيالسي (٥٩٨)، والطبراني في الكبير (٣٩٢٢)، والبيهقي في الشعب (١١٠٩٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧٩/٨ : فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وفي الباب عن أنس ﴾ أخرجه البزار (٢٠٦٠) (كشف الأستار) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨٠/٨: فيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري، وهو متروك. وفي الباب أيضاً عن أبي أمامة # عند الطبراني (٧٩٩٩)، قال الهيثمي في المجمع ٨٠/٨، فيه عبد الله بن حفص صاحب أبي أمامة لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. (٥) في (ظ): ما خطا أحد أحب. (٦) لم نقف عليه. (٧) في (ظ) و(م): المفضل، والمثبت من مصادر الترجمة، وهو الحافظ الرحَّال الفقيه؛ روى عن داود الظاهري وأبي عيسى الترمذي، ذكر أن اسمه محمد، ومكحول لقبُه، مات سنة (٣٠٨ هـ). السير ٣٣/١٥، والجواهر المضية ٤٩٨/٣. وانظر ما سلف ص١١٥ - ١١٦ من هذا الجزء. ١٣٠ سورة النساء: الآيات ١١٥ - ١١٦ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قال العلماءُ: هاتان الآيتانِ نزلتا بسببٍ ابن أُبَيْرِق السارقِ لمَّا حكم النبيُّ# عليه بالقطع، وهرَبَ إلى مكةً وارتدً (١)؛ قال سعيد بنُ جبير: لما صار إلى مكة نَقَبَ بيتاً بمكة، فلَحِقَه المشركون فقتلوه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.) إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾(٢). وقال الضَّحَّاك: قدِم نفرٌ من قريشِ المدينةَ، وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكةً مرتدِّين، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾(٣). والمشاقّة: المعاداةُ. والآيةُ وإنْ نزلَتْ في سارقِ الدِّرعِ أو غيرِه؛ فهي عامةٌ في كلِّ من خالفَ طريقَ المسلمين(٤). و ((الهُدَى)): الرشدُ والبيانُ، وقد تقدَّم(٥). وقولُه تعالى: ﴿نُوَلِهِ، مَا تَوَلَى﴾ يقال: إنَّه نزل فيمن ارتدَّ؛ والمعنى: نتركُه وما يعبد؛ عن مجاهد (٦). أي: نَكِلُه إلى الأصنام التي لا تنفعُ ولا تضرُّ. وقاله مقاتل(٧). وقال الكلبيُّ: نزل قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى﴾ في ابن أُبَيرِق؛ لما ظهرت (٨) (١) ينظر الوسيط ١١٦/٢، وتفسير البغوي ١/ ٤٨٠، والمحرر الوجيز ١١٢/٢. (٢) أورده النحاس في معاني القرآن ١٩٠/٢ وانظر ما سلف ص١١٣ من هذا الجزء. (٣) أورده أبو الليث في تفسيره ٣٨٨/١. (٤) ينظر المحرر الوجيز ١١٢/٢. (٥) ٢٤٧/١. (٦) أورده النحاس في معاني القرآن ٢/ ١٩٠، وينظر تفسير الطبري ٧/ ٤٦٢ - ٤٦٥. (٧) ينظر تفسير أبي الليث ٣٨٨/١. (٨) في (ظ): ظهر. ١٣١ سورة النساء: الآيتان ١١٥ - ١١٦ حالُهُ وسَرِقتُه هرَب إلى مكَّة، وارتدَّ ونقَبَ حائطاً لرجلٍ بمكة يقال له: حجَّاج بنُ ◌ِلاط، فسقَط، فبقي في النَّقْب حتى وُجدَ على حاله، وأخرجوه من مَّة؛ فخرجَ إلى الشَّام، فسرَقَ بعضَ أموالِ القافلةِ، فرجموه وقتلُوه، فنزلت: ﴿نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾(١). وقرأ عاصمٌ وحمزةُ وأبو عمرو: ((نُوَلِّهْ))، ((ونُصْلِهْ)) بجزم الهاءِ، والباقون بكسرها، وهما لغتان(٢). الثانية: قال العلماءُ: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ دليلٌ على صحة القولِ بالإجماع (٣)، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ.﴾ ردٌّ على الخوارج؛ حيثُ زعَمُوا أنَّ مرتكِبَ الكبيرةِ كافرٌ. وقد تقدَّم القولُ في هذا المعنى (٤). وروى الترمذِيُّ عن علي بن أبي طالب ﴾ قال: ما في القرآنِ آيةٌ أحبّ إليَّ من هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب(٥). قال ابن فُورَك: وأجمعَ أصحابنا على أنه لا تخليدَ إلا للكافر، وأنَّ الفاسقَ من أهل القبلةِ إذا مات غيرَ تائبٍ؛ فإنَّه إنْ عُذِّب بالنار فلا مَحالةَ أنه يخرجُ منها بشفاعة الرسولِ ﴾، أو بابتداءِ رحمةٍ من الله تعالى(٦). وقال الضَّحَّاك: إنَّ شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول اللهِ ﴾، فقال: يا رسولَ (١) أورده أبو الليث في تفسيره ٣٨٨/١، وينظر تفسير البغوي ١/ ٤٨٠. (٢) تفسير أبي الليث ٣٨٨/١، وقراءة عاصم بجزم الهاء إنما هي من رواية شعبة عنه. وقرأ قالون وهشام بخلف عنه باختلاس الكسرة، والباقون من السبعة بإشباعها. ينظر السبعة ص ٢١٠ - ٢١١ ، والتيسير ص٨٩ . (٣) ينظر البرهان للجويني ١/ ٤٣٥ . (٤) ٦ / ٠٦ ٤ . (٥) في (م): حديث غريب، والحديث في سنن الترمذي (٣٠٣٧)، وقد سلف ٦ / ٤٠٦ - ٤٠٧. (٦) ينظر المفهم ١٩٩/١ - ٢٠٠ . ١٣٢ سورة النساء: الآيات ١١٥ - ١١٧ الله، إنِّي شيخٌ منهمِكٌ في الذنوب والخطايا، إلَّا أنّي لم أشْرِك بالله شيئاً منذ عرفتُه وآمنتُ به، ولم أتخذْ من دونه وليّاً، ولم أوقع المعاصي جُرأةً على الله ولا مكابرةً له، وإني لنادٌ وتائبٌ مستغفر (١). فما حالي عندَ الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ الآية(٢). قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَا شَيْطَنَا ◌َرِيدًا قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي: من دون اللهِ ﴿إِلَّ إِنَاثًا﴾؛ نزلت في أهل مكةَ إذْ عبدوا الأصنام(٣). و((إِنْ)) نافية بمعنى: ((ما)). و((إناثاً)): أصناماً، يعني اللَّات والعُزَّى ومَنَاةَ. وكان لكل حيٍّ صنمٌ يعبدونه، ويقولون: أُنثى بني فلان، قاله الحسن وابنُ عباس(٤). وأُبي(٥): مع كلِّ صنم شيطانه يتراءى للسَّدَنة والكَهَنةِ، ويكلِّمهم؛ فخرج الكلامُ مخرجَ التعجبِ؛ لأنَّ الأنثى من كلِّ جنسٍ أخسُّه(٦)؛ فهذا جهلٌ ممن يشركُ بالله جماداً، فيسميه أنثى، أو يعتقدُه أنثى. وقيل: ﴿إِلَّ إِنَثًا﴾: مَواتاً؛ لأنَّ المَواتَ لا رُوحَ له، كالخشبة والحجرِ. والمَواتِ يُخْبَر عنه كما يُخبرُ عن المؤنَّث؛ لاتِّضاع المنزلةِ؛ تقول: الأحجارُ تُعجبني، كما تقول: المرأة تُعجبني (٧). وقيل: ((إلَّا إنَاثاً)): ملائكة؛ لقولِهِم: الملائكة (١) من قوله: ولم أتخذ من دونه ولياً ... إلى هذا الموضع، سقط من (م). (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٣٨٩، وتفسير البغوي ١/ ٤٨٠ - ٤٨١ . (٣) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٨١ . (٤) أخرجه عن الحسن الطبري ٤٨٨/٧ ، وأورده الواحدي في الوسيط عن ابن عباس رضي الله عنهما ١١٧/٢ . (٥) في (ز) و(م): وأتى، وفي (د): وإنَّ. وقول أُبي ﴾ أخرجه ابن أبي حاتم ١٠٦٦/٤، وينظر معاني النحاس ١٩١/٢، وتفسير البغوي ١/ ٤٨١، وزاد المسير ٢٠٣/٢ . (٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٨٩/١ . (٧) ينظر معاني القرآن للنحاس ١٩٢/٢، وتفسير البغوي ٤٨١/٢. ١٣٣ سورة النساء: الآية ١١٧ بناتُ اللـه، وهي شفعاؤنا عندَ الله؛ عن الضحاك(١). وقراءةُ ابنِ عباس: ((إلّا وَثَنَا))، بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس(٢)، وقرأ أيضاً: ((وُثُنا)) بضم الواو والثاء(٣): جمعُ وثن. وأوثان أيضاً: جمع وَثَن، مثل: أسد وآساد. النحاس: ولم يُقرأ به فيما عَلمتُ. قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباريُّ: حدّثنا أَبي، حدّثنا نصر بنُ داود، حدّثنا أبو عبيد(٤) حدّثنا حجاج، عن ابن جريج، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها أنها كانت تقرأُ: ((إن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَوْثَاناً))(٥). وقرأ ابنُ عباس أيضاً: ((إلا أُثُنا))؛ كأنه جَمعَ وَثَناً على وِثان؛ كما تقول: جَمل وجِمال، ثم جَمع وِثاناً على وُثُن؛ كما تقول: مثال ومُثُل(٦)؛ ثم أبدل من الواو همزة لمَّا انْضمت؛ كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّنَتْ﴾ [المرسلات: ١١] من الوقت؛ فأُثُنْ(٧) جمعُ الجمع. وقرأ النبيُّ ◌َ﴾: ((إلا أُنُثا)) (٨) جمع أَنِيث، كغَدِير وغُدُر. وحكى الطبريُّ(٩) أنه جمعُ (١) أخرجه الطبري ٤٨٨/٧ . (٢) ذكر هذه القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٣/٢. (٣) في (م): بضم الثاء والواو، ووردت القراءة في القراءات الشاذة ص٢٨، والمحرر الوجيز ١١٣/٢، وعنه نقل المصنف. (٤) في (د) و(ظ): أبو عبيدة. (٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٧٠ ، والطبري ٧/ ٤٨٩ ، وابن أبي حاتم ١٠٦٧/٤ من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٢٢٣ إلى ابن الأنباري في المصاحف. وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٩ . (٦) المحرر الوجيز ١١٣/٢، وقراءة ابن عباس في تفسير الطبري ٤٨٩/٧، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٨ ، وابن جني في المحتسب ١٩٨/١ لعائشة. (٧) في (ز) و(ظ): فأثناً، وينظر المحتسب ١/ ١٩٨، ومعاني القرآن للنحاس ١٩٢/٢، وتفسير الطبري ٤٨٩/٧، وزاد المسير ٢٠٢/٢ - ٢٠٣ . (٨) المحرر الوجيز ١١٣/٢، ووردت القراءة في المحتسب ١٩٨/١ عن عائشة. (٩) في تفسيره ٤٨٩/٧ . ١٣٤ سورة النساء: الآيتان ١١٧ - ١١٨ إِنَاثٍ، كَثِمَار وثُمُر؛ حكى هذه القراءةَ عن النبيّ # أبو عمرو الدّانِيُّ؛ قال: وقرأ بها ابنُ عباس، والحسن، وأبو (١) حَيْوَة. قوله تعالى: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا﴾ يريد إبليس؛ لأنهم إذا أطاعوه فيما سوَّل لهم، فقد عبَدوه(٢)؛ ونظيرُه في المعنى: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَزْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، أي: أطاعوهم فيما أمروهم به؛ لا أنهم عبَدوهم، وسيأتي. وقد تقدّم اشتقاقُ لفظِ الشيطان(٣). والمَرِيد: العاتي المتمرِّدُ؛ فَعيل؛ من مَرَد: إذا عَتَا(٤). قال الأزهريُّ: المَرِيد: الخارجُ عن الطاعة، وقد مَرُد الرجل يَمْرُد مُروداً: إذا عتا وخرج عن الطاعة، فهو ماردٌ ومَرِيدٌ ومُتَمرّدٌ. ابنُ عرفةً: هو الذي ظهر شرُّه؛ ومن هذا يقال: شجرةٌ مَرْداءُ: إذا تَساقَطَ ورقُها ، فظهرت عيدانُها؛ ومنه قيل للرجل: أمردُ، أي: ظاهرُ مكانِ الشعر من عارضَيْه(٥). قوله تعالى: ﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا قوله تعالى: ﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ أصل اللعن الإبعاد، وقد تقدّم(٦). وهو في العُرف: إبعادٌ مقترِنٌ بسُخطٍ وغضب(٧)؛ فلعنة الله على إبليس - عليه لعنةُ الله - على التعيين جائزةٌ، وكذلك سائرُ الكفرةِ الموتى، كفرعونَ وهامان وأبي جهل؛ فأما الأحياءُ فقد (١) في (ز) و(ظ): وابن، والكلام في المحرر الوجيز ١١٣/٢، وينظر المحتسب ١٩٨/١، وزاد المسير ٢٠٢/٢. (٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٠٨/٢، وتفسير البغوي ١/ ٤٨١ . (٣) ١/ ١٤٠ . (٤) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٨١، والمحرر الوجيز ١١٤/٢. (٥) لم نقف عليه، وينظر معاني القرآن للزجاج ١٠٨/٢، والصحاح (مرد). ومجمل اللغة ٨٢٩/٤ . (٦) ٢٤٧/٢ . (٧) المحرر الوجيز ١١٤/٢ . ١٣٥ سورة النساء: الآيتان ١١٨ - ١١٩ مضى الكلام فيه في ((البقرة))(١). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، أي: وقال الشيطان؛ والمعنى: لأستخلصتَّهم بغوايتي وأضلنَّهم بإضلالي، وهم الكفرةُ والعصاةُ(٢). وفي الخبر: مِن كلِّ ألفٍ واحدٌ لله، والباقي للشيطان(٣). قلت: وهذا صحيحٌ معنى؛ يعضده قولُه تعالى لآدمَ يومَ القيامة: ابعثْ بعثَ النَّار، فيقول: وما بعثُ النَّارِ؟ فيقول: مِنْ كلِّ ألفٍ تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعين)). أخرجه مسلم (٤). وبعثُ النار هو نصيبُ الشيطان(٥). والله أعلم. وقيل: من النَّصيب طاعتُهم إياه في أشياء، منها: أنهم كانوا يَضرِبون للمولود مسماراً عندَ ولادتِهِ، ودَوَرانهم به يومَ أسبوعِه، يقولون: ليعرفه العُمَّار(٦). قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَنِكُنَّ ءَاذَانَ اْأَنْعَمِ وَلَمُنَّهُمْ فَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اَللَّهِّ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا فيه تسع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلََّّهُمْ﴾، أي: لَأَصرِفِنَّهم عن طريق الهدى. وَلَأُمَّنِيَنَّهُمْ﴾، أي: لأُسَوِّلَنَّ لهم، من التّمنِّي، وهذا لا يَنحصِرُ إلى واحد من (١) ٢ /٢٨٥ . (٢) المحرر الوجيز ١١٤/٢. (٣) أورده أبو الليث في تفسيره ٣٨٩/١، والزمخشري في الكشاف ٥٦٤/١ من قول مقاتل، وابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ٢٠٤ من قول الحسن، وأورده الزجاج في معاني القرآن ١٠٨/٢، والبغوي ٤٨١/١ دون نسبة. (٤) برقم (٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري ، وأخرجه أيضاً البخاري (٣٣٤٨). وهو عند أحمد .4 (١٩٨٨٤) من حديث عمران بن حصين (٥) المحرر الوجيز ١١٤/٢. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٨٩/١. ١٣٦ سورة النساء: الآية ١١٩ الأمنيّة؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ في نفسه إنما يمنِّيه بقدرٍ رغبتِه وقرائنِ حالِه (١). وقيل: لَأُمِنَِّّهم طُولَ الحياةِ الخيرَ والتوبةَ والمعرفةَ (٢) مع الإصرار. ﴿ وَلَّمُرَنَّهُمْ فَيُبَيِّكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَمِ﴾ البَتْكُ: القطعُ، ومنه سيفٌ باتِكٌ. أي: أحمِلُهم على قطع آذانِ البَحيرةِ والسائبة ونحوِه. يقال: بتَكَه وبتَّكه، مخفَّفاً ومشدّداً. وفي يده بِتْكَةٌ، أي: قطعةٌ، والجمعُ بِتَك(٣)، قال زهير: طارت وفي كفّه من رِيشِها بِتَكُ(٤) الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَمُهَنَهُمْ فَلَيُغَيْرَُ خَلْقَ اَللَّهَّ﴾ اللّاماتُ كلُّها للقَسَمِ(٥). واختلف العلماء في هذا التغييرِ إلى ماذا يرجع. فقالت طائفةٌ: هو الخِصاءُ، وفَقْءُ الأعينِ، وقطعُ الآذانِ. قال معناه ابنُ عباس وأنس وعكرمة وأبو صالح(٦). وذلك كلُّه تعذيبٌ للحيوان، وتحريمٌ وتحليلٌ بالطغيان، وقولٌ بغير حجةٍ ولا برهان. والآذانُ في الأنعام جَمالٌ ومنفعةٌ، وكذلك غيرُها من الأعضاء؛ فلذلك رأى الشيطان أنْ يغيِّر بها خلقَ اللهِ تعالى(٧). وفي حديث عياضٍ بن حمار المجاشعيِّ: ((وإني خلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم، وإنَّ الشياطينَ أتتهم، فاجتالتهم عن دينهم، فحرَّمتْ عليهم ما أَحلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهم أنْ يُشركوا (٨) بي ما لم ◌ُنزل به سلطاناً، وأَمَرَتهم أنْ يغيروا خَلْقي)). الحديث، أخرجه القاضي إسماعيل ومسلم أيضاً(٩). (١) المحرر الوجيز ١١٤/٢. (٢) في إعراب القرآن ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠، والكلام منه: طولَ الحياة والخيرَ والتوبةً والمغفرة. (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٠٩/٢، والصحاح (بتك)، وتهذيب اللغة ١٥٣/١٠. (٤) ديوان زهير ص ١٧٥، وصدره: حتى إذا ما هَوت كفّ الغلام لها. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٠/١ . (٦) ينظر المحرر الوجيز ١١٤/٢، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٤٩٥/٧ - ٤٩٦. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠٠ . (٨) في (ظ): وأن الشيطان أتاهم فاختالهم ... فحرم ... وأمرهم أن يشركوا ... (٩) برقم (٢٨٦٥) مطولاً - وهو عند أحمد (١٧٤٨٤) - دون قوله: ((وأمرتهم أن يغيروا خلقي)). وأخرج = ١٣٧ سورة النساء: الآية ١١٩ ورَوى إسماعيل قال: حدّثنا أبو الوليد وسليمان بنُ حرب قالا: حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ اللهِلَّ﴿ وأنا قَشِفُ الهيئة، قال: ((هل لك من مالٍ؟)). قال: قلتُ: نعم. قال: ((من أيِّ المالِ؟)). قلتُ: من كلِّ المالِ، من الخيل والإبل والرقيق - قال أبو الوليد: والغنم - قال: ((فإذا آتّاك اللهُ مالاً، فَلْيُرَ عليك أثَرُه)). ثم قال: «هل تُنْتَجُ إِلُ قومِك صحاحاً آذانُها، فتعمِدَ إلى موسى، فتَشُقَّ آذانَها وتقولُ: هذه بُحُرِّ، وتَشُقَّ جلودَها وتقولُ: هذه صُرُمٌ؛ لتحرِّمَها عليك(١) وعلى أهلك؟)). قال: قلتُ: أجَلْ. قال: ((فكلُّ ما آتاك الله حِلٌّ، ومُوسَى اللهِ أحَدُّ من مُوساك(٢)، وساعدُ اللهِ أشدُّ من ساعدِك)). قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلاً نزلْتُ به، فلم يَقْرِني، ثم نزل بي، أفأَقْرِيه (٣) أم أكافئُه؟ فقال: ((بل اقْرِه)(٤). الثالثة: ولما كان هذا من فعل الشيطانِ وأثرِه؛ أمرَنا رسولُ اللهِ﴾ أنْ نَستشرفَ العينَ والأذنَ، ولا نضحِّيَ بعوراءَ، ولا مُقابَلةٍ، ولا مُدابَرةٍ، ولا خَرْقاءَ، ولا شَرْقاءَ)) أخرجه أبو داود(٥) عن عليٍّ قال: أمرَنا، فذكره. المقابَلَة: المقطوعةُ طرفِ الأذن. والمدابَرةُ: المقطوعةُ مؤخّرِ الأذنِ. والشَّرْقاءُ: مشقوقةُ(٦) الأذن. والخرقاءُ التي تَخْرِق أذنَها السِّمَةُ (٧). = هذه الزيادة النسائي في الكبرى (٨٠١٧). قوله: فاجتالتهم، أي استخفَّتهم فجالُوا معهم في الضلال. النهاية (جول). (١) في النسخ الخطية: هذه حُرُم عليك، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمصادر التخريج. (٢) في النسخ: موسك، والمثبت من مسند أحمد. (٣) في النسخ: أأقره، والمثبت من (م). (٤) أخرجه بتمامه أحمد، (١٥٨٨٨)، وأخرج بعضه دون بعض أبو داود (٤٠٦٣)، والترمذي (٢٠٠٦)، والنسائي ٨/ ١٨٠ - ١٨١، قال ابن كثير عند تفسير الآية (٥٩) من سورة يونس: هذا حديث جيد قوي، قوله: صُرُم؛ جمع صريم، وهو الذي صُرمت أذنه؛ أي: قُطعت. النهاية (صَرَم). (٥) في سننه (٢٨٠٤). وهو عند أحمد (٦٠٩). قوله: نستشرف، أي: نتأمل سلامتهما من آفة تكون بهما، وقيل: هو من الشُّرْفة، وهي خيار المال؛ أي: أمرنا أن نتخيرها. النهاية (شرف). (٦) في (د) و(ظ): شق. (٧) ينظر سنن أبي داود بإثر الحديث السالف. ١٣٨ سورة النساء: الآية ١١٩ والعيبُ في الأذن مراعى عندَ جماعةِ العلماء؛ قال مالك والليثُ: المقطوعةُ الأذنِ أو جُلّ الأذنِ لا تجزئ، والشَّقُّ للمِيسَم يُجزئ، وهو قولُ الشافعيِّ وجماعةٍ الفقهاء. .أ فإنْ كانت سَّاء - وهي التي خُلقتْ بلا أذن - فقال مالك والشافعيُّ: لا تجوزُ. وإنْ كانت صغيرةَ الأذنِ أجزأتْ، ورُوي عن أبي حنيفةَ مثلُ ذلك(١). الرابعة: وأما خِصاءُ البهائم؛ فرخّص فيه جماعةٌ من أهل العلم إذا قُصدت فيه المنفعةُ؛ إما لسِمَنٍ أو غيرِهِ. والجمهورُ من العلماء وجماعتِهم على أنه لا بأسَ أنْ يُضحّى بالخَصِيِّ، واستحسنه بعضُهم إذا كان أسمنَ من غيره(٢). ورَخّص في خِصاء الخيل عمرُ بنُ عبد العزيز، وخَصَى عروةُ بن الزبير بغلاً له. ورَخْص مالكٌ في خِصاء ذكورِ الغنم (٣)، وإنما جاز ذلك؛ لأنه لا يُقصد به تعليقُ الحيوانِ بالدِّين لصنمٍ يُعبد، ولا لربِّ يوحَّد، وإنما يُقصَدُ به تطييبُ اللحم [فيما يؤكلُ]، وتقويةُ الذِّكَرِ إذا انقطع أملُه (٤) عن الأنثى. ومنهم من كره ذلك، لقول النبيِّ #: ((إنما يَفعلُ ذلك الذين لا يعلمون))(٥). واختاره ابنُ المنذر وقال: لأنَّ ذلك ثابتٌ عن ابن عمرَ، وكان يقول: هو مما (٦) [نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلَّمُهَهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾] وكره ذلك عبد الملك (١) ينظر التمهيد ١٦٨/٢٠ - ١٦٩. (٢) ينظر التمهيد ١٧١/٢٠. (٣) ينظر الإشراف ٣٢٤/٢ - ٣٢٥، وأثر عمر وعروة أخرجهما عبد الرزاق (٨٤٣٨)، (٨٤٤٣). (٤) في (ز) و(ظ): أصله. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠٢ وما سلف بين حاصرتين منه، ولم نقف على الحديث في مسألة خصاء الحيوان، وأخرجه أحمد (٧٨٥)، وأبو داود (٢٥٦٥)، والنسائي ٢٢٤/٦، عن علي ﴾ قال: أُهدِيتْ لرسول اللـه ﴾ بغلةٌ، فقلنا: يا رسول الله، لو أنزينا الحُمُر على خيلنا فجاءتنا بمثل هذه؟ فقال رسول اللـه ﴾: إنما يفعلُ ذلك الذين لا يعلمون)). وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٧٩٣) من حديث دحية الكلبي ﴾. (٦) في (م): نماء. ١٣٩ سورة النساء: الآية ١١٩ ابنُ مروان. وقال الأوزاعيُّ: كانوا يكرهون خِصاء كلِّ شيءٍ له نسلٌ (١). وقال ابن المنذر: وفيه حديثان: أحدُهما: عن ابن عمر أنَّ النبيَّ # نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل. والآخر: حديثُ ابنِ عباس أنَّ النبيَّ :﴿ نهى عن صبر الروحِ وخِصاءِ البهائم(٢). والذي في الموطأ (٣) من هذا الباب ما ذكره عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يكره الإخصاءَ، ويقولُ: فيه تمامُ الخلق. قال أبو عمر: يعني في ترك الإخصاءِ تمامُ الخلق، ورُوي: نَماءُ الخلق (٤). قلت: أسنده أبو محمد عبدُ الغني(٥)، من حديث عمرَ بن أبي إسماعيل(٦)، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسولُ اللهِ لَ﴾ يقولُ: ((لا تَخصُوا ما يُنمي خلقَ الله)). رواه عن الدار قطنيّ شيخه، قال: حدّثنا أبو عبد الله(٧) المعدّل، حدثنا عباس(٨) بن (١) الإشراف ٣٢٤/٢ - ٣٢٥، وما بين حاصرتين منه، وقول ابن عمر والأوزاعي أخرجه عبد الرزاق (٨٤٤٠) (٨٤٤٧). (٢) الإشراف ٣٢٤/٢ - ٣٢٥، حديث ابن عمر أخرجه ابن عدي ١٤٨١/٤، والبيهقي ٢٤/١٠، وهو عند أحمد (٤٧٦٩) بلفظ: ((نهى رسول اللـه # عن إخصاء الخيل والبهائم)). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٥/٥: فيه عبد الله بن نافع، وهو ضعيف. وحديث ابن عباس أخرجه البزار (١٦٩٠)، والبيهقي ٢٤/١٠. قال الهيثمي في المجمع ٥٦٥/٥: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. (٣) ٢ /٩٤٨ . (٤) الاستذكار ٧٢/٢٧ وراوية: نماء الخلق، هي عند عبد الرزاق (٨٤٤٠)، وأحمد (٤٧٦٩)، وسلف ذکرهما . (٥) هو ابن سعيد الأزدي المصري. (٦) في (د) و (ظ) و(م): بن إسماعيل، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لموضح أوهام الجمع والتفريق ٢٨٦/٢، ولم نقف على هذا الاسم في كتب الرجال، وجاء في لسان الميزان ٢٨٥/٤: عمر بن إسماعيل عن هشام بن عروة: لا يُدرى من هو. وعمر بن إسماعيل عن أبي المليح: مجهول. (٧) كذا في النسخ، والذي في المصادر: أبو عبيد الله، وهو أحمد بن عمرو بن عثمان؛ كما في الرؤية (٢٦٩) و(٢٧١) و(٢٧٦)، والعلل للدار قطني ٢٧٥/٣ . (٨) في (د) و(ز): عياش، وهو خطأ، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو أبو الفضل الدوريّ أحد الأثبات كان من حفاط وقته، مات سنة (٢٧١هـ). السير ١٢/ ٥٢٢ . ١٤٠ سورة النساء: الآية ١١٩ محمد، حدّثنا قُراد(١)، حدثنا أبو مالك النخعيّ(٢)، عن عمر بن أبي إسماعيل(٣)، فذكره. قال الدارقطنيُّ: ورواه عبد الصمد بنُ النعمان عن أبي مالك(٤). الخامسة: وأما الخِصاء في الآدمي فمصيبةٌ، فإنه إذا خُصيَ بَطَل قلبُه وقوّتُه، عكس الحيوان، وانقطع نسلُهُ(٥) المأمورُ به في قوله عليه الصلاة والسلام: ((تَناكحوا تَناسَلوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم))(٦)، ثم إنَّ فيه ألَماً عظيماً ربما يُفضِي بصاحبه إلى الهلاك، فيكونُ فيه تضييعُ مالٍ وإذهابُ نفسٍ، وكلُّ ذلك منهيٍّ عنه. ثم هذه مُثلةٌ، وقد نهى النبيُّ :﴿ عن المُثلة(٧)، وهو صحيحٌ. وقد كره جماعةٌ من فقهاء الحجازيّين والكوفيّين شراءَ الخَصِيِّ من الصقالبة (٨) وغيرِهم، وقالوا: لو لم يَشْتَروا منهم لم يَخْصوا. ولم يختلفوا أنَّ خِصاءَ بني آدمَ لا يَحلُّ ولا يجوزُ، وأنه (٩) مُثْلَةٌ، وتغييرٌ لخلقِ اللهِ تعالى، وكذلك قطعُ سائرِ أعضائِهم في غير حَدٍّ ولا قَوَدٍ. قاله أبو عمر (١٠). (١) قوله: حدثنا قُراد، سقط من (م). وقراد هو عبد الرحمن بن غزوان الخزعي أبو نوح الحافظ الصدوق قال أحمد بن حنبل: كان عاقلاً من الرجال، مات سنة (٢٠٧ هـ). السير ٥١٨/٩ . (٢) هو عبد الملك بن الحسين، روى عن يعلى بن عطاء، وعنه وكيع، ضعفه يحيى وأبو حاتم وأبو زرعة. بنظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣٤٧/٥ . (٣) في (م): عمر بن إسماعيل. (٤) أخرجه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٢٨٦/٢ من طريق عبد الصمد بن النعمان، به. وعبد الصمد شيخ بغدادي، روى عنه عباس الدوري، وثقه ابن معين وغيره، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، توفي سنة (٢١٦هـ). السير ٥١٨/٩ . (٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠٢ . (٦) سلف ٤/ ٧٢ . (٧) سلف ٢/ ٣٨٢. (٨) هم جيل تُتاخم بلادهم بلاد الخَزَر في أعالي جبال الروم، بين بلغار وقسطنطينية. معجم البلدان ٤١٦/٣ ، والقاموس (صقلب). (٩) في (م): لأنه. (١٠) في الاستذكار ٢٧/ ٧٣ .