Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة النساء: الآية ١٠٢
وفي صحيح مسلم عن جابر أنَّه عليه الصلاة والسلام: صلى بطائفةٍ ركعتين، ثمَّ
تأخروا، وصلَّى بالطائفةِ الأخرى ركعتين. قال: فكانَ لِرسول الله ﴾ أربعُ ركعاتٍ
وللقوم ركعتان(١).
وأخرجه أبو داود والدَّارقطنيُّ من حديث الحسن عن أبي بكرة وذكرا فيه أنَّه سلَّم
من کل ركعتين(٢).
وأخرجه الدّار قطني أيضاً عن الحسن عن جابر أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ صلَّى بهم
ركعتين، ثُمَّ سلَّم، ثم صلَّى بالآخرين ركعتين، ثم سلَّم(٣).
قال أبو داود(٤): وبذلك كان الحسن يُفتي. ورُوي عن الشافعيِّ(٥)، وبه يَحتجُّ كلُّ
منْ أجازَ اختلافَ نِيَّة الإمام والمأموم في الصلاة، وهو مذهبُ الشافعيّ،
والأوزاعيّ، وابنِ عُلَيَةَ، وأحمدَ بنِ حنبل، وداودَ(٦)، وعَضَدُوا هذا بحديث جابر:
أنَّ معاذاً كان يصلِّي مع النبيِّ ﴿ العشاء، ثمَّ يأتي فيؤمُّ قومَه، الحديث(٧). وقال
الطحاويُّ: إنّما كان هذا في أَوَّل الإسلام إذْ كان يجوزُ أنْ تُصلى الفريضةُ مرتين، ثم
نُسِخَ ذلك، والله أعلم (٨). فهذه أقاويلُ العلماءِ في صلاة الخوف.
الثالثة: وهذه الصلاة المذكورةُ في القرآن إنَّما يُحتاجُ إليها والمسلمونَ مستدبرونَ
القبلةَ، ووجهُ العدوِّ القبلة، وإنَّما اتَّفق هذا بذاتِ الرِّقاع، فأمَّا بعُسْفان والموضع
(١) صحيح مسلم (٨٤٣): (٣١٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٤١٣٦).
(٢) سنن أبي داود (١٢٤٨)، وسنن الدارقطني (١٧٨١)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٤٩٧)، والنسائي
١٧٨/٣ .
(٣) سنن الدار قطني (١٧٨٢)، وأخرجه أيضاً النسائي ١٧٨/٣.
(٤) بإثر الحديث (١٢٤٨).
(٥) ينظر المفهم ٤٧١/٢ .
(٦) التمهيد ٢٧٥/١٥ .
(٧) أخرجه أحمد (١٤٩٦٠)، والبخاري (٧٠١)، ومسلم (٤٦٥) مطولاً.
(٨) إكمال المعلم ٢٢١/٣، والمفهم ٤٧١/٢ .

١٠٢
سورة النساء: الآية ١٠٢
الآخرِ فالمسلمون كانوا في قُبالةِ القبلةِ (١). وما ذكرناه من سبب النزول في قصةٍ خالد
ابنِ الوليد لا يلائمُ تفريقَ القوم إلى طائفتين، فإنَّ في الحديثِ بعدَ قوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ
الصَّلَوةَ﴾، قال: فحضرت الصلاةُ، فأمرهم النبيُّ # أَنْ يأخذوا السلاحَ، وصَفَّنا
خلفه صفَّين، قال: ثم ركع، فركعْنا جميعاً، قال: ثم رفع، فرفعنا جميعاً، قال: ثمَّ
سجد النبيُّ﴾ بالصفّ الذي يليه قال: والآخرون قيامٌ يحرُسُونهم، فلما سجدوا
وقاموا، جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، قال: ثم تقدم هؤلاء في مَصافّ
هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مَصافٍ هؤلاء، قال: ثم ركع، فركعوا جميعاً، ثم رفع،
فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبيُّ ﴿ والصفُّ الذي يليه، والآخرون قيامٌ يحرُسُونهم،
فلما جلس الآخرون سجدوا، ثم سلَّم عليهم. قال: فصلاها رسولُ اللهِ 8# مرتين:
مرَّةً بِعُسْفان ومرَّةٌ في أرض بني سُلَيم. أخرجه(٢) أبو داود(٣) من حديث أبي عَيَّاش
الزُّرَقيِّ، وقال: وهو قولُ الثوريّ، وهو أحوطُها.
وأخرجه أبو عيسى الترمذيُّ من حديث أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ # نزلَ بين
ضَجْنان وعُسْفان(٤)؛ الحديث. وفيه أنَّه عليه الصلاة والسلام صَدَعَهُمْ صِدْعَيْن،
وصلَّى بكل طائفةٍ ركعةً، فكانت للقوم ركعةٌ ركعة، وللنبيِّ # ركعتان، قال: حديث
حسنٌ صحيحٌ غريب. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن
عباس، وجابر، وأبي عَيّاش الزُّرَقي؛ واسمه زيدُ بن الصّامت، وابنٍ عمر، وحُذيفةَ،
وأبي بكرة(٥)، وسهل بنِ أبي حَثْمَةٍ (٦).
(١) ينظر معالم السنن ٢٦٩/١.
(٢) في (د) و (ز) و(م): وأخرجه، والمثبت من (ظ).
(٣) برقم (١٢٣٦)، وسلف بعضه في المسألة الأولى.
(٤) ضجنان: موضع أو جبل بين مكة والمدينة، وعسفان: قرية جامعة بين مكة والمدينة. وسلف ذكرهما
ص٨٩ .
(٥) في النسخ: أبي بكر، والمثبت من سنن الترمذي (٣٠٣٥) وحديث أبي بكرة سلف في المسألة الثانية.
(٦) حديث سهل بن أبي حثمة سلف في ص٩٧ من هذا الجزء، وحديث أبي هريرة سلف ص٨٩ من هذا الجزء.

١٠٣
سورة النساء: الآية ١٠٢
قلتُ: ولا تعارضَ بين هذه الرواياتِ، فلعله صلَّى بهم صلاةً كما جاءَ في حديث
أبي عياشٍ مجتمعين، وصلَّى بهم صلاةً أخرى مفترقين(١) كما جاء في حديث أبي
هريرةَ، ويكون فيه حجةٌ لمن يقولُ: صلاةُ الخوفِ ركعةٌ.
قال الخطابِيُّ: صلاةُ الخوفِ أنواعٌ؛ صلاها النبيُّ :﴿ في أيامٍ مختلفةٍ وأشكالٍ
متباينةٍ، يتوخَّى فيها كلِّها ما هو أحوطُ للصلاة وأبلغُ في الحراسة (٢).
الرابعة: واختلفوا في كيفية صلاةِ المغرب، فروى الدَّارَقُطْنيُّ عن الحسن عن أبي
بَكْرَةَ أنَّ النبيَّ ◌َ# صلَّى بالقوم صلاةَ المغربِ ثلاثَ ركعاتٍ، ثمَّ انصرفوا، وجاءَ
الآخرون، فصلَّى بهم ثلاثَ ركعاتٍ، فكانت للنبيِّ ◌َ﴾ ستّ(٣)، وللقوم ثلاثٌ
ثلاثٌ (٤)، وبه قال الحسن .
والجمهورُ في صلاةٍ المغربِ على خلاف هذا، وهو أنَّه يصلِّي بالأولى ركعتين،
وبالثانية ركعةً.، وتقضي(٥) على اختلافِ أصولِهم فيه متى يكون، هل قبلَ سلامِ
الإمامِ أو بعدَه؟ هذا قولُ مالكٍ وأبي حنيفة (٦)؛ لأنَّه أحفظ لهيئة(٧) الصلاةِ.
وقال الشافعيّ: يُصلّي بالأولى ركعةً، لأنَّ عَلِيًّا ﴾ فعلَها ليلةَ الهَريرِ، والله تعالى
(٨)
أعلم (٨).
الخامسة: واختلفوا في صلاةِ الخوفِ عندَ التحامِ الحربِ، وشدّةِ القتالِ، وخِيْف
(١) في (م): متفرقين.
(٢) معالم السنن ٢٦٩/١، إكمال المعلم ٢٢٤/٣، والمفهم ٢/ ٤٧٣، وعنه نقل المصنف.
(٣) في (م): ستا.
(٤) من (م): ثلاثا ثلاثاً، وفي (د) و(ز): وللقوم ثلاث، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لسنن الدار قطني
(١٧٨٣).
(٥) في النسخ: ويقضي، والمثبت من المفهم ٤٧٤/٢ ، والكلام منه.
(٦) يعني أنه يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٩٤/١ .
(٧) في (ز) و(ظ): لأبهة، والمثبت من (د) و(م): وعبارة ابن العربي في أحكام القرآن ٤٩٤/١: لأهبة.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ٤٩٤/١، وليلة الهرير هي ليلة من ليالي صفّين سنة (٣٧هـ). ينظر وقعة
صفين لنصر بن مزاحم ص ٤٧٥ ، وتاريخ الطبري ٤٧/٥، ومعجم البلدان ٤٠٣/٥ .

١٠٤
سورة النساء: الآية ١٠٢
خروجُ الوقتِ؛ فقال مالك والثَّوْريّ والأوزاعِيّ والشافعي وعامة العلماء: يصلّي
كيفما أمكن(١)؛ لقول ابن عمر: فإن كان خوفٌ أكثرَ مِنْ ذلك فيصلِّي(٢) راكباً
أو قائماً (٣)؛ يومئُ إيماءً.
قال في الموطأ: مستقبل القبلةِ وغيرَ مستقبلها (٤). وقد تقدَّم في ((البقرة))(٥) قولُ
الضحاكٍ وإسحاقَ.
وقال الأوزاعيُّ: إنْ كانَ تهيأَ الفتحُ، ولم يقدروا على الصلاة، صلَّوا إيماءً؛ كلُّ
امرىءٍ لنفسه، فإنْ لم يقدروا على الإيماء؛ أخّروا الصَّلاة حتى ينكشفَ القتالُ
ويأمنوا، فيصلُّوا ركعتين، فإنْ لم يقدروا صلَّوا ركعةً وسجدتين، فإنْ لم يقدروا لم
يَجْزِهم (٦) التكبيرُ، ويؤخِّروها حتى يأمَنوا؛ وبهِ قال مَكْحُول(٧).
قلت: وحكاه الكِيَا الطبريُّ في ((أحكام القرآن))(٨) له عن أبي حنيفةَ وأصحابِه؛
قال الكِيا: وإذا كان الخوفُ أشدّ من ذلك، وكان التحام القتالِ، فإنَّ المسلمين
يصلُّون على ما أمكّنَهم مستقبلي القبلة ومستدبريها، وأبو حنيفةً وأصحابُه الثلاثة
متَّفقون على أنهم لا يصلُّون والحالةُ هذه، بل يؤخّرون الصلاة. وإنْ قاتَلوا في
الصلاةِ، قالوا: فسدت الصلاة. وحُكيَ عن الشافعي أنه إنْ تابعَ الطعنَ والضربَ
(١) ينظر المفهم ٤٧٤/٢ .
(٢) في (د) و(ز): يصلي، وفي (ظ): فصلى، والمثبت من (م)، وقول ابن عمر ﴾ سلف آخر المسألة
الثانية.
(٣) في النسخ: وقائماً، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٤) في (ز): مستقبليها، والمثبت من (د) و(ظ) و(م)، وعبارة الموطأ ١٨٤/١: مستقبلي القبلة، أو غيرّ
مستقبلیها.
(٥) ٤ /٢٠١.
(٦) في (م): فإن لم يقدروا يجزئهم وهو خطأ.
(٧) علّق البخاري في صحيحه بصيغة الجزم قول الأوزاعي ومكحولٍ قبل الحديث (٩٤٥)، وينظر إكمال
المعلم ٢٢٧/٣ ، والمفهم ٢/ ٤٧٥ .
(٨) ١ / ٤٩١ .

١٠٥
سورة النساء: الآية ١٠٢
فسدت صلاتُه.
قلت: وهذا القولُ يدلُّ على صحة قولٍ أنس: حضرْتُ مناهضةَ حِصنٍ تُسْتَر عندَ
إضاءةِ الفجر، واشتدَّ اشتعالُ القتالِ، فلم نقدِرْ على الصلاة إلا بعد ارتفاع النهار،
فصلَّيناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا. قال أنسُ: وما يَسُرُّني بتلك الصلاةِ الدنيا
وما فيها، ذكره البخاريُّ(١). وإليه كان يذهبُ شيخنا الأستاذُ أبو جعفر أحمدُ بنُ
محمد بن محمد القَيْسيُّ القرطبيُّ، المعروفُ بأبي حجة(٢)؛ وهو اختيارُ البخاريِّ فيما
يظهر؛ لأنَّه أردفه بحديثٍ جابر، قال: جاءَ عمرُ يومَ الخَنْدَقِ، فجعل يَسبُّ كفارَ
قريش ويقول: يا رسولَ الله، ما صلَّيتُ العصرَ حتى كادت الشمسُ أنْ تغربَ، فقال
النبيُّ﴾: ((وأنا والله ما صلَّيتُها)). قال: فنزل إلى بُطْحان، فتوضأ وصلى العصر بعد
ما غربت الشمسُ، ثم صلى المغربَ بعدَها(٣).
السادسة: واختلفوا في صلاةِ الطالبِ والمطلوبِ؛ فقال مالكٌ وجماعةٌ من
أصحابه: هما سواء، كلٌّ واحدٍ منهما يصلي على دابته.
وقال الأوزاعيُّ والشافعيُّ وفقهاءُ أصحابِ الحديثِ وابنُ عبدِ الحكم: لا يصلِّي
الطالبُ إلا بالأرضِ (٤)، وهو الصحيح؛ لأنَّ الطلبَ تطوٌُّ، والصلاةُ المكتوبةُ فرضُها
أنْ تصلَّى بالأرضِ حيثُما أمكن ذلك، ولا يصليها راكباً (٥) إلّا خائفٌ شديدٌ خوفُه،
وليسَ كذلك الطالب. والله أعلم.
السابعة: واختلفوا أيضاً في العسكر إذا رأَوا سَواداً؛ فظنُّوه عدوّاً، فصلَّوا صلاةً
(١) تعليقاً قبل الحديث (٩٤٥)، وتُستَر: بضم أولها وإسكان ثانيها وفتح التاء بعدها: بلدة بالعراق معروفة،
وهي التي تُنسب إليها الثياب التسترية. ينظر معجم ما استعجم ٣١٢/١.
(٢) سلفت ترجمته ٤١٢/٥ .
(٣) صحيح البخاري (٩٤٥)، وأخرجه أيضاً مسلم (٦٣١). قوله: بُطحان: وادٍ بالمدينة، وهو أحد أوديتها
الثلاث: العقيق وبُطحان وقناة. معجم البلدان ٤٤٦/١ .
(٤) ينظر المفهم ٤٧٦/٢ .
(٥) في (د) و(ز) و(م): راكب، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للتمهيد ٢٨٥/١٥ والكلام منه.

١٠٦
سورة النساء: الآية ١٠٢
الخوفِ، ثم بانَ لهم أنَّه غيرُ شيءٍ؛ فلعلمائنا فيه روايتان: إحداهما: يُعيدون، وبه
قالَ أبو حنيفة، والثانية: لا إعادةَ عليهم، وهو أظهرُ قولَي الشافعيِّ.
وجه (١) الأُولى: أنَّهم تبيَّنَ لهم الخطأُ، فعادُوا إلى الصواب كحكم الحاكم.
ووجهُ الثانيةِ أنَّهم عمِلوا على اجتهادهم، فجازَ لهم كما لو أخطؤوا القبلةَ، وهذا
أولى؛ لأنهم فعلوا ما أُمِروا به(٢). وقد يقال: يُعيدون في الوقت، فَأَمّا بعدَ خروجهِ
فلا(٣). والله أعلم.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلَيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ عِذْرَهُمْ
وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ هذا وَصاةٌ بالحذَرِ وأَخْذِ السلاحِ؛ لئلا ينالَ العدوُّ أملَه ويدركَ فُرصته(٤).
والسلاحُ: ما يدفع به المرءُ عن نفسه في الحرب(٥)، قال عنترة (٦):
سلاحي بعدَ عُرْيٍ وافتضاحٍ
كَسَوْتُ الجَعْدَ جعدَ بني أَبانٍ
يقول: أَعَرْتُه سلاحي ليمتنعَ بها بعدَ عُريه من السلاح.
قال ابن عباس: ﴿وَلَيَّأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمَّ﴾؛ يعني: الطائفةَ التي وُجاهَ العدوِّ؛ لأنَّ
المُصَلِّيةَ لا تحارِبُ(٧). وقال غيره: هي المُصَلِّيةُ، أي: وليأخُذ الذين صلَّوْا أوّلاً
أسلحتَهم، ذكره الزجَّاج(٨). قال: ويحتملُ أنْ تكونَ الطائفةُ(٩) الذين هم في الصلاة
(١) في (د) و(م): ووجه.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤٩٥/١، ووقع فيه التعليل الأول للقول الثاني والتعليل الثاني للقول الأول،
والصواب ما ذكره المصنف.
(٣) ينظر عارضة الأحوذي ٣/ ٤٧ .
(٤) ينظر المحرر الوجيز ١٠٧/٢ .
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ٩٨/٢ .
(٦) في ديوانه ص١١٥ .
(٧) أخرجه الطبري ٧/ ٤٢٤ .
(٨) في معاني القرآن ٢/ ٩٧ .
(٩) في (ظ): الطائفتين، وينظر الدر المصون ٨٤/٤، وفتح القدير ١/ ٥٠٨ .

١٠٧
سورة النساء: الآية ١٠٢
أُمِروا بحملِ السلاح، أي: فلتقُم طائفةٌ منهم معكَ، وليأخذوا أسلحتهم؛ فإنَّه أرهَبُ
للعدوِّ.
النحاس(١): يجوز أنْ يكونَ للجميع؛ لأنه أهيب للعدوّ، ويحتملُ أنْ يكونَ للتي
وُجاهَ العدوِّ خاصَّةً.
قال أبو عمر: وأكثرُ أهلِ العلمِ يَستحبُّون للمصلي أَخْذَ سلاحِه إذا صلى في
الخوف، ويَحمِلُون قوله: ﴿وَلَيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ على النَّدب؛ لأنَّه شيءٌ لولا الخوفُ
لم يجب أخذُه؛ فكانَ الأمرُ به ندْباً.
وقال أهلُ الظاهرِ: أخذُ السلاح في صلاة الخوفِ واجبٌ لأمر اللهِ به، إلاَّ لمن
كان به أذى من مَطَرٍ [أو مرض]، فإن كان ذلك جازَ له وضعُ سلاحِه(٢).
قال ابن العربيّ(٣): إذا صلَّوا أخذُوا سلاحَهم عندَ الخوفِ، وبه قال الشافعيُّ،
وهو نصُّ القرآنِ.
وقال أبو حنيفة: لا يَحملونها؛ لأنه لو وَجَب عليهم حملُها لبطَلت الصلاةُ
بتركِها. قلنا: لم يجِبْ حملُها لأجلِ الصلاةٍ، وإنَّمَا وجبَ عليهم قوةً لهم ونَظَراً.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾؛ الضَّمير في: ((سَجَدُوا)) للطائفة المصلِّيةِ،
فلينصرفوا ؛ هذا على بعض الهيئاتِ المرويَّةِ.
وقيل: المعنى: فإذا سَجَدوا ركعةَ القضاءِ؛ وهذا على هيئة سهلِ بنِ أبي حَثْمَة (٤).
ودلَّت هذه الآيةُ على أنَّ السجودَ قد يُعبَّر به عن جميع الصلاةِ؛ وهو كقوله عليه
الصلاة والسلام: ((إذا دخلَ أحدكم المسجدَ، فليسجدْ سجدتين))(٥)، أي: فليصلٌ
(١) في معاني القرآن ٢/ ١٨١ - ١٨٢.
(٢) التمهيد ٢٨٢/١٥ - ٢٨٣، وما بين حاصرتين منه.
(٣) في أحكام القرآن ١/ ٤٩٤ .
(٤) المحرر الوجيز ١٠٧/٢، وخبر سهل بن أبي حثمة سلف ص ٩٧ من هذا الجزء.
(٥) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (٤٦٧)، من حديث أبي قتادة ﴾، وأخرجه أحمد (٢٢٥٢٣)، والبخاري
(٤٤٤)، ومسلم (٧١٤) بلفظ: فليركع ركعتين.

١٠٨
سورة النساء: الآية ١٠٢
ركعتين، وهو في السُّنَّة.
والضميرُ في قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ يحتملُ أنْ يكونَ للذينِ سَجدُوا، ويَحتملُ أنْ
يكونَ للطائفةِ القائمةِ أوّلاً بإزاء العدوّ(١).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: تمنَّى وأحبَّ الكافرون غفلتّكم
عن أخذ السِّلاحِ ليصلوا إلى مقصودهم؛ فبيَّن الله تعالى بهذا وجهَ الحكمةِ في الأمر
بأخذ السِّلاحِ، وذِكرُ الحِذْرِ في الطائفة الثانيةِ دون الأولى؛ لأنها أَوْلى بأخذ الحِذْرِ،
لأنَّ العدوَّ لا يؤخّر قصدَه عن هذا الوقت؛ لأنَّه آخرُ الصلاة؛ وأيضاً يقول العدوُّ: قد
أَثقلَهم السلاح، وكلُّوا.
وفي هذه الآيةِ أدلُّ دليلٍ على تعاطي الأسبابِ، واتخاذٍ كلِّ ما يُنجي ذوي
الألباب، ويوصلُ إلى السَّلامة، ويبلغُ دارَ الكرامة(٢).
ومعنى ((مَيْلَةً واحدةً مبالغة، أي: مستأصلة لا يُحتاجُ معها إلى ثانية(٣).
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَطَرٍ﴾
الآية .
للعلماء في وجوبٍ حمل السلاحِ في الصلاة كلامٌ قد أشرنا إليه(٤)، فإنْ لم
يجبْ؛ فيُستحَبُّ للاحتياط. ثم رخّص في المطرِ وضعَه(٥)؛ لأنه تَبْتَلُّ المبطّناتُ،
وتَنْقُلُ، ويَضْدأُ الحديد(٦).
وقيل: نزلت في النبيِّ # يومَ بطنِ نَخْلة(٧) لمَّا انهزم المشركون، وغَنِم
(١) المحرر الوجيز ٢/ ١٠٧.
(٢) ينظر تفسير الرازي ٢٧/١١ .
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ١٠٧.
(٤) في المسألة الثامنة.
(٥) في (د) و(ز): منعه.
(٦) ينظر تفسير الرازي ٢٦/١١ .
(٧) هو موضع على ليلة من مكة، وهي التي ورد فيها الحديث ليلة الجن. معجم ما استعجم ٤/ ١٣٠٤.

١٠٩
سورة النساء: الآية ١٠٢
المسلمون، وذلك أنَّه كان يوماً مَطِيراً، وخرج النبيُّ لَ﴾ لقضاء حاجتِه واضعاً سلاحَه،
فرآه الكفارُ منقطعاً عن أصحابه، فقصده غَوْرَتُ بنُ الحارث، فانحدَر عليه من الجبل
بسيفه، فقال: من يمنعُك مِنِّي اليومَ؟ فقال: ((الله)). ثم قال: ((اللّهُمَّ اكْفِني الغَورثَ
بما شئتَ)). فأهوى بالسيفِ إلى النبيِّ﴾، ليضربَه، فانكبَّ لوجهه لزلقةٍ زَلِقها - وذكر
الواقديُّ(١) أنَّ جبريل عليه السلامُ دَفعه في صدره على ما يأتي في المائدة(٢) - وسقطَ
السيفُ من يده؛ فأخذَه النبيُّ # وقال: ((منْ يمنعُك منّي يا غَورثُ؟)) فقال: لا أحد.
فقال: فتشهدُ(٣) لي بالحق، وأُعطيكَ سيفَك؟)) قال: لا؛ ولكنْ أَشهدُ ألَّ أقاتلكَ بعدَ
هذا، ولا أُعِينَ عليك عدوًّا؛ فدفع إليه السيفَ(٤).
ونزلتِ الآيةُ رخصةً في وضعِ السلاحِ في المطر، ومرضٍ عبد الرحمن بن عَوْف
من جُرحٍ كما في صحيح البخاري(٥)، فرخّصَ الله سبحانه لهم في ترك السلاحِ
والتأهُّب للعدوِّ بعذر [المرض و] المطرِ، ثمَّ أَمرهم، فقال: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾، أي:
كونوا متيقظين، وضعتم السلاحَ أو لم تضعوه. وهذا يدلُّ على تأكيدِ التأهُّبِ والحذرِ
من العدوِّ في كلِّ الأحوالِ وتركِ الاستسلام؛ فإنَّ الجيشَ ما جاءه مُصابٌ قطٌ إلَّا من
تفريط في حذر(٦).
وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾؛ بمعنى(٧): تقلّدوا سيوفكم؛
(١) في المغازي ١٩٥/١، وفيه أن اسمَ الرجل الذي قصد رسولَ اللـه ﴾ بالقتل: دُعثور. وأن الحادثةَ كانت
في شأن غروة غطفان بذي أمرّ؛ قال ابن جحر في الفتح ٤٢٨/٧ : فالظاهر أنهما قصتان في غزوتين
والله أعلم. وسيأتي الكلام على هذه الحادثة مفصلاً عند تفسير الآية (١١) من سورة المائدة.
(٢) عند تفسير الآية (٦٧) منها.
(٣) في (م): تشهد.
(٤) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٤٧٥ من حديث ابن عباس ه بنحوه، وأصل الحديث عند أحمد (١٤٣٣٥)
(وجادات ابنه عبد الله)، والبخاري (٤١٣٦) تعليقاً، ومسلم (٨٤٣): (٣١١) من حديث جابر ﴾،
وعندهم أن الحادثة في غزوة ذات الرقاع، ولم يذكروا أن الآية نزلت في ذلك.
(٥) برقم (٤٥٩٩).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤٩٦/١، وما بين حاصرتين منه.
(٧) في (م): يعني، وقول الضحاك أورده أبو الليث في تفسيره ٣٨٢/١.

١١٠
سورة النساء: الآيتان ١٠٣ - ١٠٤
فإنَّ ذلك هيئةُ الغزاة.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَّةَ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ
فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةٌ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا
وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِّ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ
وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢)﴾
فيه خمس مسائل :
الأولى: ﴿قَضَيْتُمْ﴾ معناه: فرَغتم من صلاةِ الخوف، وهذا يدلُّ على أنَّ
القضاءَ يُستعملُ فيما قد فُعل في وقته؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمِ نَّنَاسِكَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٠٠]، وقد تقدَّم(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ ذهبَ الجمهورُ
إلى أنَّ هذا الذِّكْرَ المأمورَ به إنَّما هو إثرَ صلاةِ الخوف؛ أي: إذا فَرَغتم من الصلاة
فاذكروا الله بالقلب واللسانِ على أيِّ حالٍ كنتم ﴿قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾(٢)،
وأَديموا ذِكرَه بالتكبير والتهليلِ والدُّعاءِ بالنصر؛ لاسيَّما في حال القتالِ. ونظيرُه: ﴿إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. ويقال: ﴿فَإِذَا
قَضَيْتُمُ الصَّلَوةَ﴾ بمعنى: إذا صليتم في دار الحربِ فصلُّوا على الدَّوابِ، أو قياماً،
أو قُعوداً، أو على جنوبكم إنْ لم تستطيعوا القيامَ، إذا كان خوفاً أو مرضاً؛ كما قال
تعالى في آية أخرى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانً﴾(٣) [البقرة: ٢٣٩].
وقال قوم: هذه الآيةُ نظيرةُ التي في ((آل عمران)»(٤)؛ فرُويَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعود
(١) ٣٥٥/٣.
(٢) تفسير أبي الليث ٣٨٤/١، والمحرر الوجيز ١٠٧/٢.
(٣) تفسير أبي الليث ١/ ٣٨٤ .
(٤) الآية (١٩١)، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ وينظر أحكام القرآن لابن
العربي ١ /٤٩٦ .

١١١
سورة النساء: الآيات ١٠٣ - ١٠٤
رأى الناس يَضِجُون في المسجد، فقال: ما هذه الضَّجَّةُ؟ قالوا: أليس الله تعالى
يقول: ﴿اذْكُرُوا اللهَ قِياماً وقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾؟ قال: إنّما يعني بهذا الصلاةَ
المكتوبةَ؛ إن لم تستطعْ قائماً فقاعداً، وإنْ لم تستطعْ(١) فَصَلِّ على جنبك(٢). فالمرادُ
نفسُ الصلاة؛ لأنَّ الصلاةَ ذكرُ اللهِ تعالى، وقد اشتملت على الأذكار المفروضةِ
والمسنونةِ(٣)؛ والقولُ الأوَّلُ أظهرُ. والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ﴾ أي: أَمِنْتُم. والظّمَأنينةُ: سكونُ النَّفْسِ من
الخوف(٤).
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾ أي: فأتوها(٥) بأركانها وبكمال هيئتِها في السَّفر، وبكمال
عددِها في الحَضَر (٦).
﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ أي: مؤقّةً مفروضةً.
وقال زيد بن أسلمَ: ((موقوتا)): مُنَجَّماً، أي: تؤدُّونها في أنجُمِها؛ والمعنى عندَ
أهلِ اللغةِ: مفروضٌ لوقتٍ بعينه؛ يقال: وقتَه فهو موقوتٌ. ووقَّته فهو مؤقَّتٌ. وهذا
قولُ زيدِ بنِ أسلمَ بعينه(٧). وقال: ((كِتاباً))، والمصدرُ مذكَّر؛ فلهذا قال: ((موقوتاً».
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تَضْعُفُوا، وقد تقدَّم في ((آل
عمران))(٨). ﴿فِي أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِّ﴾: طَلَبِهِم.
(١) لفظة: تستطع، من (ظ) و(م).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٠٥٦/٤، وأخرجه أيضاً محمد بن وضاح القرطبي في البدع ص٨ - ٩ دون تفسيره
للآية. وأخرج تفسيره للآية الطبرانيُّ في الكبير (٩٠٣٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٩/٦: إسناده
منقطع، وفيه: جويبر، وهو متروك.
(٣) قوله: المسنونة، من (ظ) و(م)، وهو الموافق لأحكام القرآن للكيا ٤٩٣/١، والكلام منه.
(٤) المحرر الوجيز ١٠٨/٢.
(٥) في (ظ): فأتوا.
(٦) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٤٩٧ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٢/ ١٨٢، وقول زيد أخرجه الطبري ٧/ ٤٥١.
(٨) ٢١٦/٤.

١١٢
سورة النساء: الآيات ١٠٣ - ١٠٤
قيل: نزلت في حرب أُحدٍ حيثُ أَمر النبيُّ :﴿ بالخروج في آثار المشركين، وكان
بالمسلمين جراحاتٌ، وكان أمر ألَّا يَخرُجَ معه إلا من كان في الوَقْعة، كما تقدَّم في
((آل عمران)). وقيل: هذا في كلِّ جهادٍ(١).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ﴾، أي: تتألمون مما أصابكم من
الجراحِ، فهم يتألَّمون أيضاً مما يُصيبُهم، ولكم مَزِيَّةٌ، وهي أنكم تَرجُون ثوابَ اللهِ،
وهم لا يَرجونه؛ وذلك أنَّ من لا يؤمنُ بالله لا يرجو منَ الله شيئاً(٢). ونظيرُ هذه الآيةِ
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْجٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرٌْ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقد تقدَّم(٣).
وقرأَ عبد الرحمن الأعرجُ: ((أنْ تكونوا)) بفتح الهمزة(٤)، أي: لأنْ، وقرأ منصور
ابنُ المعتمِر: ((إنْ تكونوا تِيْلَمُون)»(٥) بكسر التَّاءِ. ولا يجوزُ عندَ البصريين کسرُ التاء؛
لثقل الکسر فيها.
ثم قيل: الرجاءُ هنا بمعنى الخوف؛ لأنَّ من رجا شيئاً فهو غيرُ قاطعٍ بحصوله؛
فلا يخلو من خوفٍ فوتٍ(٦) ما يرجو.
وقال الفرَّاء والزجَّاج: لا يُطلقُ الرجاءُ بمعنى الخوفِ إلا مع النفي؛ كقوله
تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارَا﴾ [نوح: ١٣]، أي: لا تخافون له(٧) عَظَمةً، وقولِهِ
تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْحُونَ أَيَّامَ الَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، أي: لا يخافون(٨).
(١) ينظر تفسير أبي الليث ٣٨٤/١، والوسيط ١١١/٣، والبغوي ٤٧٦/١.
(٢) ينظر النكت والعيون ٥٢٧/١.
(٣) ٣٣٤/٥.
(٤) القراءات الشاذة ص٢٨، والمحتسب ١/ ١٩٧.
(٥) في (د) و(م): تتلمون، وفي (ظ): تتلمون، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس
٤٨٦/١، والكلام منه، وذكر القراءة أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٨/٢، وينظر المحتسب
١٩٨/١ .
(٦) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٤٥٦، وتفسير البغوي ١/ ٤٧٧ .
(٧) في (م): لله.
(٨) معاني القرآن للفراء ٢٨٦/١، ومعاني القرآن للزجاج ١٠٠/٢.

١١٣
سورة النساء: الآية ١٠٥
قال القشيريُّ: ولا يبعُدُ ذكرُ الخوفِ من غير أنْ يكونَ في الكلام نفيٌ، ولكنهما
ادَّعيا أنه لم يوجد ذلك إلا مع النفي. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّه
وَلَا تَكُنْ لِلْخَآيِنِينَ خَصِيمًا
١٠٥)
فيه أربعُ مسائلَ :
الأولى: في هذه الآيةِ تشريفٌ للنبيِّ ﴾، وتكريمٌ وتعظيمٌ وتفويضٌ إليه، وتقويمٌ
أيضاً على الجادّة في الحكم، وتأنيبٌ على [قبول] ما رُفعَ إليه في (١) أمرْ بني أُبَيْرِق،
وكانوا ثلاثةَ إخوة: بِشْر وبُشَير ومُبَشِّر (٢)، وأُسَيْر بنُ عروة ابنُ عَمِّ لهم؛ نقَبوا
مَشْرَبَةً(٣) لرِفاعةَ بنِ زيدٍ في الليل، وسرَقوا أدراعاً له وطعاماً، فعُثر على ذلك(٤).
وقيل: إنَّ السَّارقَ بُشَيْرٌ وحدَه - وكان يُكْنَى أبا طعمةَ - أَخذَ دِرْعاً (٥).
قيل: كان الدِّرعُ في جِرابٍ فيه دقيقٌ، فكان الدقيقُ يَنتثِرُ من خَرْقٍ في الجِراب
حتى انتهى إلى داره(٦)، فجاء ابنُ أخي رِفاعةَ - واسمُه قتادةُ بنُ النعمانِ - يشكوه (٧)
إلى النبيِّ﴾. فجاء أُسَير بنُ عروةَ إلى النَّبِيِّ :﴿، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ هؤلاء
عَمَدُوا إلى أهل بيتٍ هم أهلُ صلاحٍ ودِينٍ، فأَنَّبوهم(٨) بالسَّرقة، ورمَوْهم بها من غير
بيِّنة. وجَعل يُجادلُ عنهم حتى غَضِبَ رسولُ اللـه :﴿ على قتادةَ ورفاعةً؛ فأنزل الله
تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] الآية. وأنزل الله تعالى:
(١) في (م): من.
(٢) المحرر الوجيز ١٠٨/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) أي: غرفة. النهاية (شرب).
(٤) أخرجه الطبري ٤٥٩/٧ - ٤٦٠، وابن أبي حاتم ٤ / ١٠٦٠.
(٥) أخرجه الحاكم ٤/ ٣٨٥ .
(٦) تفسير البغوي ١/ ٤٧٧، وفيه أن السارق طُعمة بن أُبيرق.
(٧) في (د) و(م): يشكوهم.
(٨) في (ظ): فاتهموهم.

١١٤
سورة النساء: الآية ١٠٥
﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيّئَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِئًا﴾ (١) [النساء: ١١٢].
وكان البريءُ الذي رَمَوه بالسرقة لبيدَ بنَ سهل، وقيل: زيد بن السَّمين، وقيل:
رجل من الأنصار(٢). فلما أنزل الله ما أنزل، هرَب ابن أُبَيْرِق السارقُ إلى مكةَ، ونزل
على سُلافةً بنتِ سعد بن شهيد(٣)؛ فقال فيها حسانُ بن ثابت بيتاً يُعرِّضُ فيه بها،
وهو:
وقد أنزلَتْه بنتُ سعدٍ وأصبحتْ يُنازعُها جِلْدَاسْتِها وتُنازِعُه
وفينا نبيٌّ عندَه الوَحْيُّ واضعُه(٤)
ظننتُمْ بأنْ يَخْفَى الذي قد صنَعتُمُ
فلما بلغها قالت: إنما أهديْتَ لي شِعْرَ حسان. وأَخَذَتْ رحله، فطَرحَتْه خارجَ
المنزلِ، فهرَب إلى خيبر، وارتدَّ. ثم إنه نَقَب بيتاً ذاتَ ليلةٍ ليَسْرِقَ، فسقَط الحائطُ
عليه، فمات مرتدًا. ذكر هذا الحديثَ بكثير من ألفاظه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ
غريب(٥)، لا نعلم أحداً أسنده غيرُ محمد بنِ سلمةَ الحرَّانيِّ. وذكره الليث(٦)
والطبريُّ(٧) بألفاظ مختلفة.
وذكر قصةَ موتِه يحيى بنُ سلَّام(٨) في تفسيره، والقشيريُّ كذلك، وزاد ذِكرَ
الردّةِ، ثم قيل: كان زيد بنُ السَّمين ولبيدُ بن سهل يهوديين. وقيل: كان لَبِيدٌ مسلماً.
(١) ينظر تفسير الطبري ٤٥٩/٧ - ٤٦١، وزاد المسير ١٩٠/٢، والمحرر الوجيز ١٠٩/٢.
(٢) أخرج هذه الأقوال الطبري ٧/ ٤٥٩ - ٤٦٣ .
(٣) هي الأنصارية الأوسية، والدة عثمان بن طلحة الذي طلب منه النبي # أن يعطيه مفتاح الكعبة، فطلبه
من أمه سلافة، فنازعته طويلاً، ثم أعطته له، ثم أسلمت بعدُ. ينظر الإصابة ٣٠٧/١٢ .
(٤) دیوان حسان ص١٥٨° .
(٥) كذا في النسخ، والذي في سنن الترمذي (٣٠٣٦): حديث غريب.
(٦) كذا في (د) و(ز) و(م)، ولم ترد هذه الكلمة في (ظ)، ولعله أبو الليث السمرقندي، والكلام بنحوه في
تفسيره ٣٨٥/١ . ومحمد بن سلمة الحراني ثقة، من رجال التهذيب.
(٧) في (ظ): والطبري وغيره. وكلام الطبري في تفسيره ٤٥٨/٨ - ٤٦٥ .
(٨) هو أبو زكريا البصري نزيل إفريقية، حدث عن الثوري ومالك. قال الداني: له تفسير ليس لأحد من
المتقدمين مثله، كان ثقة ثبتا عالماً بالكتاب والسنة، مات سنة (٢٠٠ هـ). السير ٣٩٦/٩.

١١٥
سورة النساء: الآية ١٠٥
ذكره المهدوي(١)، وأدخله أبو عمر (٢) في كتاب الصحابة له، فدلَّ ذلك على إسلامه
عندَه.
وكان بُشير رجلاً منافقاً يهجو أصحابَ النبيِّ ﴾، ويَنْحَلُ الشعرَ غيرَه، وكان
المسلمون يقولون: واللهِ ما هو إلا شعرُ الخبيث. فقال شعراً يتنصَّلُ فيه؛ فمنه قولُه:
أو كُلَّما قال الرجالُ قصيدةً نُحلتْ وقالوا: ابنُ الأُبَيْرِق قالها(٣)
وقال الضحاك: أراد النبيُّ ﴾ أنْ يقطعَ يدَه، وكان مُطاعاً، فجاءت اليهودُ شاكِين
في السِّلاح، فأخذوه وهَرَبوا به؛ فنزل: ﴿هَكَأَنتُمْ هَوَّلَاءٍ﴾؛ يعني اليهودَ(٤). والله أعلم.
الثانية: قوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَكَ اللَّهُ﴾ معناه على قوانين الشَّرع؛ إمّا بوَحْيٍ ونَصِّ،
أو بنظرٍ جارٍ على سَنَن الوَحْي. وهذا أصلٌ في القياس؛ وهو يدلُّ على أنَّ النَّبِيَّ #: إذا
رأى شيئاً أصاب؛ لأنَّ الله تعالى أراه(٥) ذلك، وقد تضمن(٦) الله تعالى لأنبيائه
العِصْمَةَ، فأمَّا أحدُنا إذا رأى شيئاً يظنُّه، فلا قطعَ فيما رآه(٧) .
ولم يُرِدْ رؤيةَ العينِ هنا؛ لأنَّ الحُكمَ لا يُرى بالعين. وفي الكلام إضمارٌ، أي:
بما أراكه الله (٨)، وفيه إضمارٌ آخرُ: وأمْضِ الأحكامَ على ما عرَّفناك من غير اغترارٍ
(٩)
باستدلالهم(٩).
(١) وذكره أيضاً الطبري ٧/ ٤٦٠ .
(٢) في الاستيعاب بهامش الإصابة ٩/ ٢٨٤ .
(٣) المحرر الوجيز ١٠٨/٢، وينظر تفسير الطبري ٤٥٩/٧، وفيه: أَضِموا، بدل: نُحلت، وأضموا من
أضِم الرجل إذا أضمر حقداً لا يستطيع إمضاءه. النهاية (أضم).
(٤) أورده أبو الليث في تفسيره ٣٨٦/١، والكلام فيه على طعمة بن أبيرق، والذي يظهر من كلام المصنف
أن المعنيَّ هنا بشير.
(٥) في (د) و(ز): أراد.
(٦) في (م): ضمن.
(٧) ينظر الكشاف ٥٦١/١، والمحرر الوجيز ١٠٨/٢ .
(٨) ينظر البيان لابن الأنباري ٢٦٦/١ - ٢٦٧، وتفسير الرازي ٣٣/١١.
(٩) في (د) و(ز): باستزلالهم، وفي (ظ): بأستارهم، والمثبت من (م).

١١٦
سورة النساء: الآية ١٠٥
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾ اسم فاعل؛ كقولك:
جالستُه، فأنا جليسُه، ولا يكون فعيلاً هنا بمعنى مفعول؛ يدلُّ على ذلك: ﴿وَلَا
تُحَدِلْ﴾، فالخصيمُ هو المجادلُ، وجمعُ الخصيمِ خُصماء. وقيل: خصيماً: مخاصِماً
اسمُ فاعل أيضاً.
فنهى اللهُ عزَّ وجلَّ رسولَهُ عن عَضْدِ أهلِ التُّهَمِ والدِّفاعِ عنهم بما يقوله خصمُهم
من الحجّة.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ النيابةَ عن المبطل والمثَّهَم في الخصومة لا تجوزُ، فلا
يجوزُ لأحد أنْ يخاصمَ عن أحد إلا بعد أنْ يعلمَ أنه مُحِقٌّ(١).
ومشى الكلامُ في السورة على حفظ أموالِ اليتامى والناس؛ فبيَّن أنَّ مالَ الكافرِ
محفوظٌ عليه، كمال المسلم، إلا في الموضع الذي أباحه الله تعالى.
المسألة الرابعة: قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاقُ قومٍ أنْ يُجادلَ
فريقٌ منهم فريقاً عنهم؛ ليَحموهم ويدفَعوا عنهم، فإنَّ هذا قد وقع على عهد النبيِّ ﴾،
وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾، وقولُه: ﴿وَلَ تُجَدِلْ عَنِ
الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. والخطابُ للنبيِّ ﴾، والمرادُ منه الذين كانوا يفعلونه من
المسلمين دونَه لوجهين(٢):
أحدُهما: أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعدُ بقوله: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي
الْحَيَوِ الذُّنْيَا﴾.
والآخر: أنَّ النبيَّ ◌ِ﴾ كان حَكَماً فيما بينهم، ولذلك(٣) كان يُعتَذْرُ إليه، ولا يَعتذِرُ
هو إلى غيره، فدلَّ على (٤) أنَّ القصدَ لغيره.
(١) أحكام القرآن للكيا ٢/ ٤٩٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٤٩٨/١ .
(٢) ينظر تفسير البغوي ٤٧٨/١، ومجمع البيان ٢٢٣/٢ .
(٣) في (د) و(ز): كذلك، والمثبت من (ظ) و(م).
(٤) لفظة: على، من (م).

١١٧
سورة النساء: الآيتان ١٠٦ - ١٠٧
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
فيه مسألةٌ واحدة:
ذهب الطبريُّ(١) إلى أنَّ المعنى: استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين،
فأمره بالاستغفار لِما(٢) همَّ بالدفع عنهم وقطعِ يد اليهوديِّ. وهذا مذهبُ من جوَّز
الصغائرَ على الأنبياء صلواتُ الله عليهم.
قال ابن عطية(٣): وهذا ليس بذنب؛ لأنَّ النبيَّ# إنما دافع على الظاهر وهو
يعتقدُ براءتهم. والمعنى: واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل؛
ومحلُّكَ من النَّاس أنْ تسمعَ من المُتَدَاعِيَيْنِ، وتَقضيَ بنحو ما تَسمعُ، وتستغفرَ
للمذنب.
وقيل: هو أمرٌ بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: أستغفر الله؛ على
وجه التسبيحِ؛ من غير أنْ يقصدَ توبةً من ذنب.
وقيل: الخطاب للنبيِّ﴾ والمرادُ بنو أُبَيْرِق، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّقُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾
[الأحزاب: ١]، ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍ﴾ (٤) [يونس: ٩٤].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِّلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
خَوَّانًا أَشِيمًا ﴾
أي: لا تُحاجِجْ عن الذين يخونون أنفسَهم؛ نَزلَت في أُسَيْر بنِ عُرْوة كما تقدّم(٥).
والمجادلة: المخاصمةُ، من الجَدْل، وهو الفَتْلُ(٦)؛ ومنه رجلٌ مَجْدُولُ
الخَلْقِ(٧)، ومنه: الأجْدَلُ؛ للصَّقر.
(١) في تفسيره ٧/ ٤٥٧، والمحرر الوجيز ١٠٩/٢، وعنه نقل المصنف.
(٢) في (ظ): عما.
(٣) في المحرر الوجيز ١١٠/٢.
(٤) ينظر مجمع البيان ٢/ ٢٢١ .
(٥) في المسألة الأولى قبل الآية.
(٦) في (ز) و(ظ): القتل، ومثله في معاني القرآن للزجاج ١٠٢/٢، وهو خطأ، والمثبت من (د) و(م).
(٧) قوله: مجدول الخَلْق، أي: لطيف القَصَب. تهذيب اللغة ١٠/ ٦٥٠ .

١١٨
سورة النساء: الآيات ١٠٧ - ١٠٩
وقيل: هو من الجَدَالةِ، وهي وجهُ الأرضِ، فكلُّ واحدٍ من الخصمين يريدُ أنْ
يُلقِيَ صاحبَه عليها(١)؛ قال العجَّاج:
قد أركبُ الحالةَ بعدَ الحالة. وأترُكُ العاجزَ بالجَدَالهْ
مُنْعَفِراً ليستْ له مَحَالَهْ(٢)
الجَدَالة: الأرضُ، من ذلك قولُهم: تركته مُجَدَّلاً؛ أي: مطروحاً على
الجَدَالة(٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾، أي: لا يَرضَى عنه ولا يُنوِّه بذكر ﴿مَن كَانَ
خَوَّانًا﴾ خائناً. و((خوّاناً)) أبلغُ؛ لأنه من أبنية المبالغة؛ وإنَّما كان ذلك لعظم قَدْرِ تلك
الخيانة(٤)، والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ
مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴿ هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ
عَنْهُمْ فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم ◌َن يَكُونُ عَلَيَّهِمْ
٠٩
وَكِيلا
قال الضخَّاكُ: لما سَرَق الدِّرع اتَّخذَ حُفرةً في بيته، وجعلَ الدِّرع تحتَ التراب؛
فنزلت: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللَّهِ﴾؛ يقول: لا يخفى مكانُ الدِّرعِ على
الله، ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾، أي: رقيبٌ حفيظٌ عليهم. وقيل: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾، أي:
يستترون(٥)، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] أي: مستترٌ (٦)؛
وقيل: يَستحيون من الناس، وهذا لأنَّ الاستحياءَ سببُ الاستتار(٧).
(١) ينظر الصحاح (جدل)، وتهذيب اللغة ٦٤٩/١٠ - ٦٥٠، وتفسير البغوي ٤٧٨/١.
(٢) سلف ٣٢٦/٣.
(٣) ينظر تهذيب اللغة ٦٥٠/١٠.
(٤) في (د) و(ز): الجناية، وينظر الكشاف ١/ ٥٦٢، وتفسير الرازي ٣٥/١١.
(٥) تفسير أبي الليث ٣٨٥/١ .
(٦) بعدها في (ظ): بالليل.
(٧) ينظر تفسير البغوي ٤٧٨/١، وتفسير الرازي ٣٦/١١.

١١٩
سورة النساء: الآيتان ١٠٨ - ١٠٩
ومعنى ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾، أي: بالعلم والرؤيةِ والسَّمع، هذا قُول أهلِ السنة.
وقالت الجهمية والقدرية(١) والمعتزلةُ: هو بكل مكان، تمسُّكاً بهذه الآيةِ وما كان
مثلها، قالوا: لمَّا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ثبت أنَّه بكلِّ مكانٍ؛ لأنَّه قد أَثبت كونَه معهم.
تعالى الله عن قولهم، فإنَّ هذه صفةٌ للأجسام(٢)، والله تعالى متعالٍ عن ذلك، ألا
ترى مناظَرةٍ بِشْرٍ (٣) في قول اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَثَةٍ إِلَّ هُوَ رَإِعُهُمْ﴾
[المجادلة: ٧] حين قال: هو بذاته في كل مكان، فقال له خصمُه: هو في قَلَنْسُوَتِك
وفي حَشْوك(٤) وفي جوف حِمارِك. تعالى الله عما يقولون! حكى ذلك وَكِيعٌ ﴾(٥).
ومعنى ﴿يُبَيِّتُونَ﴾: يقولون. قاله الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس (٦).
﴿مَا لَا يَرْضَى﴾ أي: ما لا يرضاه الله لأهل طاعته. ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: من الرأي
والاعتقاد، كقولك: مذهبُ مالك والشافعيِّ. وقيل: ((القول)) بمعنى المقول؛ لأنَّ
نفسَ القولِ لا يُبيَّتُ.
قوله تعالى: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ﴾ يريد قومَ بُشير السَّارقِ لمَّا هَربوا به، وجادَلوا
عنه (٧). قال الزَّجَّاج(٨): ((هؤلاء)) بمعنى الذين. ﴿جَدَلْتُمْ﴾: حاججتُم ﴿فِى الْحَيَزَةِ
الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ استفهامٌ معناه الإنكارُ والتوبيخُ(٩). ﴿أَم مَّن
يَكُونُ عَلَتِهِمْ وَكِيلًا﴾؛ الوكيل: القائمُ بتدبير الأمور، فالله تعالى قائمٌ بتدبير خلقِه.
(١) قوله: القدرية، من (م).
(٢) في (م): صفة الأجسام.
(٣) هو بشر بن غياث، أبو عبد الرحمن، البغدادي المَرِيسي، كان متكلماً بارعاً، من كبار الفقهاء، وكان
جهمياً يدعو إلى القول بخلق القرآن، فمقته أهل العلم، وكفّره عدة، وسئل عنه أحمد فقال: لا تُصلِّ
خلفه، قال الذهبي: فهو بشر الشرّ، وبشر الحافي بشر الخير مات سنة (٢١٨ هـ). السير ١٩٩/١٠.
(٤) في (ز) و(ظ): حشك.
(٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٧/ ١٤٣ .
(٦) لم نقف عليه من قول ابن عباس ، وينظر تفسير البغوي ٤٧٨/١ .
(٧) ينظر ما سلف ص١١٣ من هذا الجزء.
(٨) في معاني القرآن ٢/ ١٠٢.
(٩) ينظر تفسير الرازي ١١/ ٣٧ .

١٢٠
سورة النساء: الآيات ١٠٨ - ١١٠
والمعنى: لا أحدَ لهم يقومُ بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلَهم النار(١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَحِیمًا
قال ابن عباس(٢): عرض اللهُ التوبةَ على بني أُبَيْرِق بهذه الآية، أي: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ
سُوءًا﴾ بأن يسرقَ ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بأنْ يُشرِكَ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللَّهَ﴾ يعني بالتوبة، فإنَّ
الاستغفارَ باللسان من غير توبةٍ لا ينفعُ، وقد بيََّّاه في ((آل عمران))(٣).
وقال الضَّحَّاك: نزلت الآيةُ في شأنِ وحشيٍّ (٤) قاتِلِ حمزةَ؛ أشركَ بالله، وقتلَ
حمزة، ثم جاء إلى رسول اللـه﴾ وقال: إنِّي لنادِمٌ، فهل لي من توبة؟ فنزل: ﴿وَمَنْ
يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية(٥).
وقيل: المرادُ بهذه الآيةِ العمومُ والشُّمولُ لجميع الخلق(٦).
وروى سفيان عن أبي إسحاقَ، عن الأسودِ وعلقمةَ قالا: قال عبدُ الله بنُ
مسعود: من قرأَ هاتين الآيتينِ من سورة النساء، ثم استغفر؛ غُفِر له: ﴿وَمَن يَعْمَلْ
سُّءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوَاْ
أَنفُسَهُمْ جَاءُوَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوََّبًا زَّحِيمًا﴾
[النساء: ٦٤](٧)، ورُوِي عن عليٍّ ه أنَّه قال: كنتُ إذا سمعتُ حديثاً من رسول الله ﴾
نفعني الله به ما شاء، وإذا سمِعتُه من غيره حلَّفتُه، وحدَّثني أبو بكر - وصدقَ أبو بكر -
(١) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٤٧٤، وتفسير البغوي ٤٧٨/١، والكشاف ٥٦٢/١، والوسيط ١١٣/٢.
(٢) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ١٩٤/٢.
(٣) ٥٩/٥ .
(٤) في (د) و (ز): في شأن قتل وحشي.
(٥) تفسير أبي الليث ٣٨٦/١ .
(٦) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٤٧٥، وزاد المسير ١٩٤/٢.
(٧) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢١٩/٢، ونسبه لعبد بن حميد.