Indexed OCR Text
Pages 1-20
كَامِ القُرآن الجامع الا ٧ وَالمُبَيِّنُ لمَا تَضَمَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الفُرْقَانِ تَأليفُ أِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَقَدِيْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِالقُرُبِيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحْقِيْق الدكتور عبد الله بن عبدالمحسن التركي شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء محمد رضوان عرقییوسي الجُرُءُ السَّابِعُ مؤسسة الرسالة 3- 3 الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ القُرآنِ ٠٧ وَاَلُبَيِّنُ لَمْ تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ اَلْقُزْقَانِ جَمْعُ الحقوق محفوظة للنّاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م مؤسسة الرسالة وطى المصطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت- لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah PUBLISHERS BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax: 818615-P.O.Box: 117460 Email:Resalah@Cyberia.net.Ib بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا فيه عشرون مسألةً : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًا﴾ هذه آيةٌ من أمَّهاتِ الأحكام. والمعنى: ما ينبغي لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً إلا خطأً، فقولُه: ((وما كان)) ليس على النّفي، وإنَّما هو على التحريم والنهي، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولو كانت على النفي لَمَا وُجِد مؤمنٌ قتلَ مؤمناً قظٌ؛ لأنَّ ما نفاه الله فلا يجوزُ وجودُه، كقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ لَكُنْ أَنْ تُلِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]. فلا يقدرُ العبادُ أن يُنبتوا شجرَها أبداً. وقال قتادةُ: المعنى: ما كان له ذلك في عهد الله(١). وقيل: ما كان له ذلك فیما سلف، کما ليس له الآن ذلك بوجهٍ. ثم استثنى استثناءً منقطعاً ليس من الأوَّل، وهو الذي يكون فيه ((إلَّا)) بمعنى (١) أخرجه الطبري ٣٠٥/٧ . ٦ سورة النساء: الآية ٩٢ (لكنْ))، والتقديرُ: ما كانَ له أن يقتلَه البتّةَ، لكنْ إن قتلَه خطأً فعليه كذا؛ هذا قولُ سيبويهِ والزَّجَّاجِ رحمهما اللهُ(١). ومن الاستثناءِ المنقطع قولُه تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْرٍ إِلَّا أَنْبَعَ الَّلِنَّ﴾ [النساء: ١٥٧]. وقالَ النابغةُ: عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ من أحَدٍ وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَاناً أُسائِلُها والنُّؤْيُ كالحَوِض بالمظلومةِ الجَلَدِ (٢) إِلَّا الأَوَارِيَّ لَأُياً ما أبَيِّنُها فلمَّا لم تكنِ ((الأَواريَّ)) من جنسٍ ((أحدٍ)) حقيقةً لم تدخلُ في لفظِه. ومثلُه قولُ الآخَر : أمسى سُقَامٌ خَلاءً لا أنيسَ به إلَّا السباعَ ومَرَّ الريح بالغَرَفِ(٣) وقال آخرُ : إلَّا اليعافيرُ وإلَّ العِيسُ(٤) وبلدةٍ ليس بها أنيسُ وقال آخر(٥): وبعضُ الرجالِ نخلةٌ لا جَنَى لها ولا ظلَّ إلا أن تُعَذَّ من النخلِ أنشده سيبويهِ(٦)، ومثلُه كثير، ومِن أَبدعِه قولُ جريرٍ : (١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٨٠، والمحرر الوجيز ٩٢/٢، وقول سيبويه في الكتاب ٣٢٥/٢، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢/ ٩٠ . (٢) ديوان النابغة ص ٣٠، وقد تقدم البيتان ١/ ٤٦٠ برواية: أصيلالاً، بدل أصيلاناً. وأُصيلان تصغير أُصلان جمع أصيل، ثم أبدلوا من النون لاماً وقالوا: أُصيلال. الصحاح (أصل). وقوله: إلا الأواريّ، قال البَطَلْيَوْسي في الحلل ص٣٢٢: فيها وجهان؛ النصب على الاستثناء، والرفع على البدل من موضع: من أحد. وينظر تفصيل معاني هذين البيتين وإعرابهما هناك. (٣) قائله أبو خراش الهذلي، وهو في شرح أشعار الهذليين ١٢٢٨/٣، وفيه: سقام كغُراب: واد، والغَرَف: شجر. (٤) قائله جِرَان العَوْد النُّمَيْري، وهو في ديوانه ص٩٧ وفيه بسابساً، بدل: وبلدة، وهو في الكتاب ٣٢٢/٢ برواية المصنف. قوله: اليعافير، واحدها اليعفور: وهي ظَبْيٌّ بلون التراب. والعيس: الإبل البيض يخالط بياضها شُقْرة. القاموس (عفر) (عيس). (٥) هو مُتَّمِّم بن نويرة، كما في الكامل ١٤٤٨/٣، والتعازي والمراثي ص١٨ . (٦) لم نقف عليه في الكتاب، ووقع في (ز) و(ظ): أنشد سيبويه. ٧ سورة النساء: الآية ٩٢ مِن البِيضِ لم تَظْعنْ بعيداً ولم تطأ على الأرضِ إلَّا ذَيْلَ مِرْطِ مُرَخَّلٍ (١) كأنه قالَ: لم تطأ على الأرضِ إلا أن تطأ ذيلَ البُرْد(٢). ونزلت الآيةُ بسببٍ قَتلِ عيَّش بنِ أبي ربيعةً(٣) الحارثَ بنَ يزيد بنِ أبي أُنَيْسةَ العامريّ(٤)؛ لِنَةٍ(٥) كانت بينهما، فلما هاجرَ الحارثُ مُسْلِماً، لَقِيَه عيّاشٌ فقتله، ولم يشعرْ بإسلامه، فلما أُخبِرَ أَتى النبيَّ لَ﴾، فقال: يا رسول الله، إنه قد كان من أمري وأمرِ الحارثِ ما قد علمتَ، ولم أشعرْ بإسلامه حتى قتلتُه، فنزلت الآيةُ (٦). وقيل: هو استثناءٌ متَّصل، أي: وما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً، ولا(٧) يقتصَّ منه، إلَّا أن يكون خطأً (٨)، فلا يقتصُّ منه، ولكنْ فيه كذا وكذا. ووجهٌ آخَر: وهو أن تقدَّرَ(٩) ((كان)) بمعنى: استقرَّ ووُجِد، كأنه قال: وما وُجد، وما تقرَّر (١٠)، وما ساغَ، لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً إلا خطأً؛ إذ هو مغلوبٌ فيه أحياناً. فيجيءُ الاستثناءُ على هذين التأويلين غيرَ منقطع . (١) ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب ٩٤٥/٢. قوله: مرط: هو كساء من صوف، ومرخَّل: برد فيه تصاوير. القاموس (مرط) و(رحل). ووقع في (ز) و(ظ): برد مرخَّل. (٢) مجاز القرآن ١/ ١٣٧. (٣) ابن المغيرة، وهو ابن عم خالد بن الوليد، وكان من السابقين الأولين، توفي سنة (١٥هـ) بالشام في خلافة عمر، وقيل: استشهد باليمامة، وقيل: باليرموك. الإصابة ٧/ ١٨٤ . (٤) القرشي، قيل: إنه كان يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل بمكة، والحارث يومئذ كافر، فحلف عياش ليقتلنه. ينظر الإصابة ٢/ ١٨٤ . (٥) الجِنَة: العداوة، وهي لغة قليلة في الإحنة. النهاية (حَنّه). ووقع في (ظ): لحقد. (٦) ينظر أسباب النزول للواحدي ص١٦٢-١٦٣، وتفسير الطبري ٣٠٦/٧-٣٠٨ ، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٧٨١) و (٥٧٨٢). (٧) في النسخ الخطية: فلا. (٨) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٧٦/٢، ورده ابن العربي في أحكام القرآن ٤٧١/١- ٤٧٣. (٩) في (د) و(ز) و(م): يقدر. (١٠) في (ظ): استقر. ٨ سورة النساء: الآية ٩٢ وتتضمَّنُ الآية على هذا إعظامَ العَمْدِ، وبشاعةً شأنه، كما تقولُ: ما كان لك یا فلانُ أن تتكلم بهذا إلَّا ناسياً؛ إعظاماً للعمدِ والقصدِ، مع حظرٍ (١) الكلام به البتة. وقيل: المعنى: ولا خطأً؛ قال النحاسُ(٢): ولا يجوزُ أن تكون ((إِلا)) بمعنى الواوٍ، لا يُعرف(٣) ذلك في كلام العرب، ولا يصحُّ في المعنى؛ لأنَّ الخطأ لا يُخظَر. ولا يُفهمُ من دليلِ خطابه (٤) جوازُ قتل الكافرِ المسلمَ؛ فإنَّ المسلمَ محترمُ الدم، وإنَّما خَصَّ المؤمنَ بالذكر تأكيداً لحنانِهِ وأخوَّتِهِ وشفقته وعقيدته(٥). وقرأ الأعمشُ: ((خطاءً)) ممدوداً في المواضع الثلاث(٦). ووجوهُ الخطأ كثيرةٌ لا تُحصى يربطُها عدمُ القصدِ، مثلُ أن يَرْميّ صفوفَ المشركين، فيصيبَ مسلماً. أو يسعى بين يديه مَن يستحقُّ القتلَ؛ مِن زانٍ أو محاربٍ أو مرتدٍّ، فطلبَه ليقتله، فلقي غيرَه فظنَّه هو فقتله، فذلك خطأ. أو يرميَ إلى غَرَضٍ فيصيبَ إنساناً، أو ما جرى مجراه، وهذا مما لا خلافَ فيه. والخطأُ اسمٌ مِن: أَخطأَ خَطَأَ وإخطاءً: إذا لم يصنع عن تعمُّد(٧). فالخطأُ الاسمُ (١) في النسخ الخطية: خطر، وكذلك وقع في المطبوع من المحرر الوجيز ٩٢/٢ ، والكلام منه، والمثبت من (م). (٢) في إعراب القرآن ١/ ٤٨٠ . (٣) في (م): ولا يعرف. (٤) سلف التعريف بدليل الخطاب (وهو مفهوم المخالفة) ٦/ ٧٠ . (٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٧٠-٤٧١ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٨٠، والمحرر الوجيز ٩٢/٢ وزاد نسبتها للحسن، ونسبها للحسن أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٨ ، والموضع الثالث هو في الإسراء في قوله تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطأ كبيرا﴾ الآية: ٣١، وقد وافق فيه الأعمش ابنَ كثير في لفظة: خِطاء بكسر الخاء، كما في البحر ٣٢/٦، وسيرد ذكر قراءة ابن كثير في موضعها. (٧) تهذيب اللغة ٤٩٨/٧ . ٩ سورة النساء: الآية ٩٢ يقومُ مقامَ الإخطاء. ويقالُ لم أرادَ شيئاً ففعل غيرَه: أخطأَ، ولمن فعلَ غيرَ الصواب: أخطأَ. قال ابن المنذر(١): قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ فحَكَم الله جلَّ ثناؤه في المؤمنِ يقتل خطأً بالدِّيَةِ، ودلت(٢) السنةُ الثابتةُ عن رسول اللـه ﴾ على ذلك، وأجمَعَ أهلُ العلم على القولِ به. الثانية: ذهب داودُ إلى القِصَاصِ بين الحرِّ والعبدِ في النَّفْس، وفي كلِّ ما يُستطاعُ القصاصُ فيه من الأعضاء؛ تمسُّكاً بقوله تعالى: ﴿وَكَيْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾، وقولِه عليه الصلاة والسلامُ: ((المسلمونَ تتكافأُ دماؤهم))(٣) فلم يُفرِّق بين حرِّ وعبدٍ، وهو قولُ ابنِ أبي لَيْلَى. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا قصاصَ بين الأحرارِ والعبيدِ إلا في النفسِ، فَيُقتل الحرُّ بالعبدِ، كما يقتلُ العبدُ بالحرِّ، ولا قصاصَ بينهما في شيءٍ من الجراحِ والأعضاء. وأجمع العلماءُ على أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا﴾ أنَّه لم يدخلْ فيه العبيدُ، وإنما أُريد به الأحرارُ دون العبيد، فكذلك قولُه عليه السلام: ((المسلمونَ تتكافأُ دماؤُهم)) أُريد به الأحرارُ خاصةً، والجمهورُ على ذلك. وإذا لم يكن قصاصٌ بين العبيدِ والأحرارِ فيما دون النفسِ، فالنَّفسُ أَحرى بذلك (٤)، وقد مضى هذا في ((البقرة))(٥). (١) الإشراف ٢/ ١٤٢. (٢) في النسخ: وثبتت، والمثبت من الإشراف. (٣) سلف ٦٨/٣ . (٤) الاستذكار ٢٦٦/٢٥ . (٥) ٦٦/٣ وما بعدها. ١٠ سورة النساء: الآية ٩٢ الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَتَحِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: فعليه تحريرُ رقبةٍ. هذه الكفارةُ التي أوجبَها الله تعالى في كفارة القتل والظّهارِ أيضاً، على ما يأتي (١). واختلف العلماءُ فيما يُجزِئ منها، فقال ابن عباس والحسنُ والشَّعْبيُّ والنَّخَعيُّ وقَتَادةُ وغيرُهم: الرقبةُ المؤمنة هي التي صلَّت، وعَقَلتِ الإيمان، لا تُجزئ في ذلك الصغيرةُ(٢)، وهو الصحيحُ في هذا الباب. وقال(٣) عطاء بنُ أبي رباح: يُجزئُّ الصغيرُ المولود بين مُسلِمَين. وقال جماعةٌ منهم مالكٌ والشافعيُّ: يُجزئ كلُّ مَن حُكِم له بحكم [الإسلام] في الصلاة عليه إن مات ودفنِه. قال مالكٌ: ومَن صلَّى وصام أحَبُّ إليَّ. ولا يُجزئ في قولِ كافةِ العلماءِ أعمى، ولا مُفْعَدٌ، ولا مقطوعُ اليدين أو الرجلين (٤)، ولا أشلُّهما، ويُجزئ عند أكثرِهم الأعرجُ والأعورُ. قال مالكٌ: إلّا أن يكون عَرَجاً شديداً. ولا يُجزئ عند مالكِ والشافعيِّ وأكثرِ العلماء أَقطعُ إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين، ويُجزئ عند أبي حنيفة وأصحابِهِ. ولا يُجزئ عند أكثرهم المجنونُ المظْبَقُ. ولا يُجزئ عند مالكِ الذي يُجَنُّ ويُفيقُ، ويُجزئ عند الشافعيِّ. ولا يُجزئُ عند مالكِ المُعْتَق إلى سنين، ويُجزئ عند الشافعيِّ(٥). ولا يُجزئ المُدبَّر عند مالكٍ والأوزاعيِّ وأصحابِ الرأي، ويُجزئ في قولِ الشافعيِّ وأبي ثور، واختاره ابن المنذر(٦). وقال مالكٌ: لا يصحُّ مَن أُعِقِ بعضُه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ﴾. ومَن أَعتقَ البعضَ لا يُقالُ: حرَّر رقبةً، وإنما حَرَّر بعضَها. (١) عند تفسير الآية الثالثة من سورة المجادلة. (٢) المحرر الوجيز ٩٣/٢، وأخرج الأقوال الطبري ٧/ ٣١٠-٣١٢ . (٣) في (د) و (ز) و(م): قال: والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٩٣/٢، والكلام منه وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في (د) و (ظ): ولا الرجلين. (٥) الإشراف ٢٤٨/٤ . (٦) الإشراف ٢٤٦/٤، والكلام الذي قبله منه. ١١ سورة النساء: الآية ٩٢ واختلفوا أيضاً في معناها، فقيل: أُوجِبت تمحِيصاً وطُهوراً لذنب القاتلِ، وذنبُهُ تركُ الاحتياطِ والتحقُّظِ حتى هلك على يديه امرؤٌ مَحْقُونُ الدَّم. وقيل: أُوجبت بدلاً من تعطيلٍ حقِّ اللهِ تعالى في نفس القتيل؛ فإنه كان له في نفسِه حقٌّ، وهو التنعُّمُ بالحياة، والتصرُّفُ فيما أُحِلَّ له تصرُّفَ الأحياءِ. وكان للهِ سبحانه فيه حقٌّ، وهو أنه كان عبداً من عبادِه يجبُ(١) له من اسم العبودية - صغيراً كان أو كبيراً، حرًّا كان أو عبداً، مسلماً كان أو ذِمِّيًّا - ما يتميّز به عن البهائم والدَّوابِ، ويُرْتَجَى مع ذلك أن يكون من نسله مَن يعبدُ الله ويطيعُه، فلم يَخْلُ قاتلُه من أن يكون فوَّت منه الاسمَ الذي ذكرنا، والمعنى الذي وَصَفْنا؛ فلذلك ضَمِنَ الكفارة. وأيُّ واحدٍ من هذين المعنَيَيْن كان، ففيه بيانُ أنَّ النصَّ وإن وقع على القاتل خطأً، فالقاتلُ عمداً مثلُه، بل أوْلى بوجوب الكفارة عليه منه، على ما يأتي بيانه(٢)، واللهُ أعلمُ. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ﴾ الدِّيَةُ ما يُغْطَى عِوَضاً عن دم القتيل إلى وليِّه. ((مُسَلَّمَةٌ)): مدفوعةٌ مؤدَّةٌ. ولم يُعيِّنِ اللهُ في كتابه ما يُعْطَى في الدِّيَةِ، وإنما في الآية إيجابُ الدِّيَّةِ مطلقاً، وليس فيها إيجابُها على العاقلةِ أو على القاتل، وإنما أُخِذ ذلك من السُّنة، ولا شكَّ أنَّ إيجابَ المواساةِ على العاقلة خلافُ قياسِ الأصول في الغراماتِ وضمانٍ المُتْلَفات، والذي وجبَ على العاقلةِ لم يجب تغليظاً، ولا أنَّ وِزْرَ القاتلِ عليهم، ولكنَّه مواساةٌ مَخْضٌ. واعتقَدَ(٣) أبو حنيفةً أنها باعتبارِ النصرة [لازمة]، فأوجَبها على أهلِ ديوانه. (١) في النسخ الخطية: يحب، والمثبت من (م). (٢) ٧ / ٣٧ - ٣٨. (٣) في النسخ الخطية: واعتضد، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٨٠، والكلام من بداية المسألة منه، وما سيأتي بين حاصرتين منه. ١٢ سورة النساء: الآية ٩٢ وثبتتِ الأخبارُ عن رسولِ الله# بأنَّ الدِّيَةَ مئةٌ من الإبل(١)، ووَدَاها ﴾ في عبدالله بنِ سهل المقتولِ بخيبرَ لحُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةَ وعبدِ الرحمن(٢)، فكان ذلك بياناً على لسان نبيِّه عليه الصلاة والسلام لمُجْمَل كتابه. وأجمع أهلُ العلم على أن على أهل الإبل مئةً من الإبل. واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل؛ فقالت طائفةٌ: على أهل الذهب ألفُ دينار، وهم أهلُ الشام ومصرَ والمغرب، هذا قول مالكِ وأحمد وإسحاق وأصحابِ الرأي، والشافعيِّ في أحدٍ قوليه، في القديم. ورُوي هذا عن عُمرَ وعروة بنِ الزبير وقَتَادة(٣). وأما أهلُ الوَرِق؛ فاثنا عَشَرَ ألفَ درهم، وهم أهلُ العراق وفارسَ وخراسانَ. هذا مذهبُ مالكِ على ما بلغه عن عمرَ: أنه قوَّم الدِّيَةَ على أهل القرى، فجعلها على أهلِ الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألفَ درهم. وقال المُزَنيُّ: قال الشافعيُّ: الدِّيَةُ الإبلُ، فإن أُعوِزتْ فقيمتُها بالدراهم والدنانير على ما قوَّمها عمرُ، ألفُ دينار على أهل الذهب، واثنا عشرَ ألفَ درهم على أهل الوَرِق(٤). وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوريُّ: الدِّيَة من الوَرِق عشرةُ آلافٍ درهم. رواه الشَّعْبيِّ، عن عَبِيدة، عن عمرَ؛ أنَّه جعل الدِّيَة على أهل الذهب ألفَ دينار، وعلى أهل الوَرِق عشرةَ آلاف درهم، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاءِ ألفي شاةٍ (٥)، وعلى أهل الإبل مئةً من الإبل، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّةٍ (٦) .. 1 (١) الإشراف ٢/ ١٣٣. (٢) أخرجه أحمد (١٦٠٩٦)، والبخاري (٦٨٩٨)، ومسلم (١٦٦٩): (٥) من حديث سهل بن أبي حثمة وقد سلف تخريج بعض رواياته ١٩٦/٢ . (٣) الإشراف ١٣٣/٢، والتمهيد ٣٤٥/١٧، وينظر تخريج خبر عمر فيما يأتي. (٤) التمهيد ٣٤٥/١٧، وبلاغ مالك عن عمر في الموطأ ٢/ ٨٥٠، وأخرجه أبو داود (٤٥٤٢) مطولاً. (٥) في (د) و (ز) و(م) والمطبوع من التمهيد ٣٤٨/١٧ (والكلام منه): ألف، والمثبت من (ظ)، ونسخة على هامش التمهيد، ومصادر الخبر على ما يأتي، وهو الصواب. (٦) في التمهيد ٣٤٨/١٧، والاستذكار، ١١/٢٥، وأخرجه عبد الرزاق (١٧٢٦٣)، وابن أبي شيبة = ١٣ سورة النساء: الآية ٩٢ قال أبو عمر(١): في هذا الحديث ما يدلُّ على أن الدنانيرَ والدراهمَ صِنفٌ من أصناف الدِّية، لا على وجهِ البدل والقيمة، وهو الظاهرُ من(٢) الحديث عن عثمان وعليٍّ وابن عباس(٣). وخالف أبو حنيفة مارواه عن عمر(٤) في البقرِ والشاء والحُلل، وبه قال عطاء وطاوسٌ وطائفة من التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين(٥). قال ابن المنذر(٦): وقالت طائفةٌ: ديَةُ الحرِّ المسلم مئةٌ من الإبل لا دِيَةَ غيرُها، كما فرض رسول الله﴾. هذا قول الشافعيِّ، وبه قال طاوسٌ. قال ابن المنذر: دِيَة الحرِّ المسلم مئةٌ من الإبل في كلِّ زمان، كما فرض رسولُ اللـهل﴾. واختلفت الأخبار (٧) عن عمرَ في أعداد(٨) الدراهم، وما منها شيء يصحُّ عنه؛ لأنها مراسيلُ، وقد عرَّفتك مذهبَ الشافعي وبه نقولُ. الخامسة: واختلف الفقهاء في أسنانِ دِيَةِ الإبل؛ فروى أبو داود(٩) من حديث = ١٢٧/٩، وهو من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي، وذكره ابن حزم في المحلى ٣٩٧/١٠ وقال: ابن أبي ليلى سيئُ الحفظ. (١) في التمهيد ٣٤٩/١٧ . (٢) في (ظ): في. (٣) أخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أبو داود (٤٥٤٦)، والترمذي (١٣٨٨)، والنسائي ٤٤/٨، وابن ماجه (٢٦٢٩)، وأخرجه عن علي البيهقي ٧٩/٨، وذكر البيهقي أيضاً خبر عثمان ٨/ ٨٠ . (٤) قوله: ما رواه عن عمر، ليس في (ز). (٥) وهم: سعيد بنُ المسيِّب، وعروة بنُ الزُّبير، والقاسم بنُ محمد، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وفي السابع ثلاثة أقوال؛ فقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ١٧٢ (ترجمة خارجة بن زيد). (٦) الإشراف ٢/ ١٣٣ . (٧) في (د) و (ز) و(م): الروايات، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في الإشراف ١٣٤/٢. (٨) في (ظ): عداد، وفي الإشراف: عدد. (٩) في سننه (٤٥٤١)، وهو عند أحمد (٦٦٦٣)، والنسائي في المجتبى ٤٢/٨-٤٣ . ١٤ سورة النساء: الآية ٩٢ عمرو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسول الله ﴾ قضى أن مَن قُتِل خطأً؛ فدِيتُه مئةٌ من الإبل: ثلاثون بنتَ مَخاضٍ، وثلاثون بنتَ لَبونٍ، وثلاثون حِقَّةٌ(١)، وعشرةٌ بني(٢) لَبُون. قال الخطّابيُّ(٣): هذا الحديث لا أعرف أحداً قال به من الفقهاء، وإنما قال أكثرُ العلماء: دِيَة الخطأ أخماسٌ. كذلك(٤) قال أصحابُ الرأي والثَّورِيُّ، وكذلك [قال] مالكٌ وابن سيرين وأحمد بن حنبل، إلا أنهم اختلفوا في الأصناف، فقال أصحاب الرأي وأحمدُ: خُمُسٌ بنو مخاض، وخُمُسٌ بناتُ مخاض، وخُمُسٌ بناتُ لبون، وخُمُسٌ حِقاقٌ، وخُمُسٌ جِذاعٌ. وروي هذا القولُ عن ابن مسعود(٥). وقال مالك والشافعيُّ: خُمسٌ حِقاقٌ، وخُمسٌ جِذاعٍ، وخُمُسٌ بنات لَبون، وخُمُسٌ بنات مخاض، وخُمُسٌ بنو لبون. وحُكي هذا القولُ عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بنٍ يَسار والزُّهريِّ وربيعةَ والليثِ بن سعد. قال الخطّابيُّ: ولأصحابِ الرأي فيه أثرٌ، إلا أنَّ راويَه [عن] عبد الله: خِشْفُ بن مالكٍ(٦)، وهو مجهولٌ لا يُعرف إلا بهذا الحديث. وعَدَلَ الشافعيُّ عن القول به؛ لِمَا (١) الحِقُّ والحِقَّة: هو الذي دخل في السنة الرابعة، جمعها: حقاق. وبنت اللبون وابن اللبون هما من الإبل ما أتى عليه سنتان، ودخل في الثالثة، فصارت أمه لبوناً، أي: ذات لبن؛ لأنها تكون قد حملت حملاً آخر ووضعته. وبنت المخاض وابن المخاض: ما دخل في السنة الثانية. النهاية (حقق) و(لبن) و(مخض). (٢) في النسخ الخطية: ابن، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في سنن أبي داود، والنسائي، ووقع عند أحمد: بنو. (٣) في معالم السنن ٢٣/٤ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في (م) كذا. (٥) أخرجه عبد الرزاق (١٧٢٣٨)، وابن أبي شيبة ١٣٤/٩، والدارقطني (٣٣٦١). والجَذّع من الإبل: هو ما دخل في السنة الخامسة. النهاية (جذع). (٦) في النسخ: إلا أن راويه عبد الله بن خشف بن مالك، وفي معالم السنن: إلا أن روايه عن عبد الله عن خشف بن مالك، وكلاهما خطأ، وعبد الله هو ابن مسعود ﴾. ١٥ سورة النساء: الآية ٩٢ ذكرنا من العلَّة في راويه؛ ولأنَّ فيه بَني مَخاض، ولا مدخلَ لبني مخاضٍ في شيءٍ من أسنان الصَّدقات. وقد رُويَ عن النبيِّ:﴿ في قصة القَسامة أنه وَدَى قتيلَ خَيْبَر مئةً من إبلِ الصدقة(١)، وليس في أسنان الصدقة ابنُ مخاض. قال أبو عمر (٢): وقد رَوى زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول اللـه :﴿ جعل الدِّيَةَ في الخطأ أخماساً. إلا أنَّ هذا لم يرفعه إلا خِشفُ بن مالك الكوفيّ الطائي، وهو مجهولٌ؛ لأنه لم يَرْوِ (٣) عنه إلا زيدُ بن جُبير، وزيد بن جبير (٤) بن حَرْمل الطائيُّ الجُشَمي من بني جُشَم ابن معاوية، أحدُ ثقات الکوفیین. قلت: قد ذكر الدَّارَ قُطْنيُّ في ((سننه)) حديث خِشْف بنِ مالك من رواية حجَّاجٍ بن أَرْطاة، عن زيد بن جُبير، عن خِشف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود قال: قضى رسولُ اللـه * في دِيَة الخطأ مئةً من الإبل؛ منها عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بناتٍ لَبون، وعشرون بنات مخاضٍ، وعشرون بني(٥) مخاض(٦). قال الدار قطنيُّ: هذا حديثٌ ضعيف غيرُ ثابتٍ عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عِدَّةٍ، أحدها: أنه مخالفٌ لِمَا رواه أبو عُبيدة بنُ عبد الله بن مسعود، عن أبيه بالسند الصحيح عنه(٧)، الذي لا مَظْعنَ فيه، ولا تأويل عليه، وأبو عبيدةَ أعلمُ بحديث أبيه (١) سلف ٣١٦/٥ . (٢) في الاستذكار ٣٨/٢٥. (٣) في النسخ: يروه، والمثبت من الاستذكار. (٤) قوله: وزيد بن جبير من (د) و (ز)، وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في الاستذكار. (٥) في (م): بنو. (٦) سنن الدار قطني (٣٣٦٤) وما سيرد بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٣٠٣)، وأبو داود (٤٥٤٥)، والترمذي (١٣٨٦)، والنسائي ٤٣/٨-٤٤، وابن ماجه (٢٦٣١). قال الترمذي: حديث ابن مسعود لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفاً. وقال أبو داود: وهو قول عبد الله. (٧) لكن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه منقطعة، كما سننقل عن البيهقي لاحقاً. ١٦ سورة النساء: الآية ٩٢ وبمذهبه [وفُتْياء] من خِشْف بنِ مالك ونُظَرائِهِ، وعبدُ الله بن مسعود أتقى لربه، وأشخُ على دينه مِن أن يرويَ عن رسول الله ﴿ أنه قَضى(١) بقضاء، ويُفتي هو بخلافه، هذا لا يُتوهّم مثلُه على عبدِ الله بن مسعود، وهو القائل في مسألةٍ وردت عليه لم يَسمع فيها من رسول الله ﴿ شيئاً(٢)، ولم يبلغه عنه فيها قولٌ: أقولُ فيها برأيي(٣)، فإن يكن صواباً فمن الله ورسوله، وإن يكن خطأً فمنِّي. ثم بلغه بعد [ذلك] أنَّ فُتْياه فيها وافقَ قضاءَ رسول اللـه ﴿ في مثلها، فرآه أصحابُه عند ذلك فرح فرحاً شديداً لم يَرَوْه فرحَ مثلَه؛ لموافقة فتياهُ قضاءَ رسول الله ﴾(٤). فمَنْ كانت هذه صفته، وهذا حالَه، فكيف يصحُّ عنه أن يرويَ(٥) عن رسول الله ﴾ [شيئاً] ويخالفَه. ووجه آخر: وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكرُ بني المخاض لا نعلمه رواه إلا خِشْف بنُ مالك، عن ابن مسعود، وهو رجلٌ مجهول، [و] لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حَرْمل الجُشَمي، وأهلُ العلم بالحديث لا يحتجُون بخبرٍ ينفرد بروايته رجلٌ غيرُ معروف، وإنما يَثبتُ العلمُ عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلاً مشهوراً، أو رجلاً قد ارتفع عنه اسمُ الجهالة، وارتفاعُ اسم الجهالة عنه أن يَزْوي عنه رجلان فصاعداً؛ فإذا كانت هذه صفته، ارتفع عنه حينئذٍ اسمُ الجهالة، وصار حينئذٍ معروفاً. فأما مَن لم يرو عنه إلا رجلٌ واحد، وانفرد بخبرٍ، وَجَبَ التوقُّفُ عن خبره ذلك حتى يوافقه عليه غیرُه. والله أعلم. ووجه آخر: وهو أن [خبر] خِشْف بن مالك لا نعلم أحداً رواه عن زيد بن جبير (١) في (م): يقضي. (٢) قوله: شيئاً، من (م)، وهو الموافق لما في سنن الدار قطني . (٣) في النسخ الخطية، برأي. والمثبت من (م). (٤) الخبر أخرجه أحمد (٤٠٩٩)، (١٨٤٦٠) وأبو داود (٢١١٤)، والترمذي (١١٤٥)، وابن ماجه (١٨٩١)، والنسائي ١٢٢/٦، والبيهقي ٢٤٥/٧، عن عبد الله بن مسعود ﴾. أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يكن سمّى لها صَداقاً، فمات قبل أن يدخل بها ... فقال: لها صَداق نسائها، ولها الميراث، وعليها العِدَّة. (٥) في (د) و (ز): فكيف يصح أنه يروي. ١٧ سورة النساء: الآية ٩٢ عنه غير (١) الحجاج بن أَرْطاة، والحجاج رجلٌ مشهورٌ بالتدليس، وبأنه يحدِّث عمَّن لم يَلْقه، ولم يسمع منه؛ وترك الروايةَ عنه سفيانُ بن عيينة ويحيى بنُ سعيد القطّان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخَبَروه، وكفاك بهم عِلماً بالرجل ونُبْلاً. وقال يحيى ابنُ مَعِين: حجاج بنُ أَرْطاة لا يُحتجُّ بحديثه. وقال عبد الله بن إدريس: سمعت الحجّاج يقول: لا يَنْبُل الرجل حتى يدع الصلاة في الجماعة! وقال عيسى بن يونس: سمعت الحجاج يقول: أَخرجُ إلى الصلاة يزاحمني الحمَّالون والبقالون؟! وقال جرير: سمعت الحجاج يقول: أهلكني حبُّ المال والشرف. وذَكر (٢) أَوْجُهاً أُخَر؛ منها أن جماعة من الثقات روَوْا هذا الحديث عن الحجاج ابن أرطاة، فاختلفوا عليه فيه. إلى غير ذلك مما يطول ذكره، وفيما ذكرنا مما ذَكَره(٣) كفايةٌ ودلالة على ضعفٍ ما ذهب إليه الكوفيون في الدِّيَة، وإن كان ابن المنذر - مع جلالته - قد اختاره(٤) على ما يأتي. وروى حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا سليمان التيميُّ، عن أبي مِجْلَز، عن أبي عبيدة، أن ابن مسعود قال: دِيَةُ الخطأ خمسةُ أخماسٍ: عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةٌ، وعشرون بنات(٥) مخاضٍ، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني (٦) لَبُون ذكور. قال الدَّارَقُطْني: هذا إسناد حسن، ورواته ثقات، وقد رُوي عن علقمة عن عبدِ الله نحو هذا (٧). (١) في (م): إلا. (٢) يعني الدار قطني. (٣) في (م): وفيما ذكرناه مما ذكروه. (٤) في الإشراف ١٣٨/٢ . (٥) في النسخ الخطية: بنت، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في سنن الدار قطني (٣٣٦٢). (٦) في (د) و(ظ): بنو. (٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٣-١٣٤ من طريق أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود ﴾. قال البيهقي ٧٦/٨ : ورواية أبي عبيدة عن أبيه منقطعة؛ لأن أبا عبيدة لم يدرك أباه، وكذلك رواية أبي = ١٨ سورة النساء: الآية ٩٢ قلت: وهذا هو مذهب مالك والشافعيِّ أنَّ الدِّيَة تكون مُخَمَّسةً. قال الخطّابيُّ (١): وقد روي عن نفرٍ من العلماء أنهم قالوا: دِيَةُ الخطأ أرباعٌ، وهم الشَّعْبيُّ والنّخَعيُّ والحسن البصريُّ، وإليه ذهب إسحاق بن رَاهَوَيه، إلا أنهم قالوا: خمسٌ وعشرون جَذَعةً، وخمسٌ وعشرون حِقَّةً، وخمسٌ وعشرون بنات لَبون، وخمس وعشرون بنات مَخاض. وقد روي ذلك عن عليٍّ بن أبي طالب(٢). قال أبو عمر(٣): أما قول مالك والشافعيِّ؛ فروي عن سليمان بن يسار(٤)، وليس فيه عن صاحبٍ(٥) شيءٌ؛ ولكن عليه عملُ أهل المدينة. وكذلك حكى ابنُ جُريج عن ابن شهاب(٦). قلت: قد ذكرنا عن ابن مسعود ما يوافقُ ما صار إليه مالك والشافعيُّ. قال أبو عمر (٧): وأسنان الإبل في الدِّيَات لم تؤخذ قياساً، ولا نظراً، وإنما أُخذت اتِّباعاً وتسليماً، وما أُخذ من جهة الأثر فلا مدخلَ فيه للنظر، فكلٌّ يقول بما قد صحَّ عنده مِن سَلَفِه، رضي الله عنهم أجمعين. قلت: وأما ما حكاه الخطابِيُّ من أنه لا يَعلم مَن قال بحديث عمرو بن = إسحاق السبيعي عن علقمة منقطعة؛ لأن أبا إسحاق رأى علقمة، لكن لم يسمع منه شيئاً ... وقد ذكر البيهقي رحمه الله اختلافاً في روايات هذا الحديث، فقد جاء في بعضها: بنو مخاض وفي بعضها: بنو لبون، وأخذ على الدار قطني روايته للحديث بلفظ: بنو لبون، ثم قال: ومذهب عبد الله ﴾ مشهور في بني المخاض. ينظر السنن الكبرى ٧٥/٨، ومختصر خلافيات البيهقي ٣٦٢/٤، والتلخيص الحبير ٢٢/٤ . (١) في معالم السنن ٢٣/٤ . (٢) أخرجه أبو داود (٤٥٥٢). (٣) في التمهيد ١٧/ ٣٥١ . (٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٥٢، والبيهقي ٨/ ٧٣ . (٥) في (م): صحابي. (٦) أخرجه عبد الرزاق (١٧٢٣٠). (٧) في التمهيد ١٧/ ٣٥٤-٣٥٥ . ١٩ سورة النساء: الآية ٩٢ شعيب(١)، فقد حكاه ابنُ المنذر(٢) عن طاوسٍ ومجاهدٍ، إلا أنَّ مجاهداً جعل مكان [ثلاثين] بنتِ مخاض: ثلاثين جَذَعةٌ(٣). قال ابن المنذر: وبالقول الأولِ أقولُ - يريد قولَ عبد الله وأصحاب الرأي الذي ضعَّفه الدَّار قطني والخطابيُّ وابنُ عبد البر - قال: لأنه الأقلُّ مما قيل، ولحديث مرفوعٍ(٤) رويناه عن النبيِّ ﴾ يوافق هذا القولَ. قلت: وعجباً لابن المنذر! مع نقده واجتهادِه؛ كيف قال بحديثٍ لم يوافقه أهلُ النقد على صحّته! لكنَّ الذهولَ والنسيان قد يعتري الإنسان، وإنَّما الكمال لعزة ذي الجلال. السادسة: ثبتتِ الأخبارُ عن النبيِّ المختارِ محمدٍ # أنه قضى بدِيَة الخطأ على العاقلة، وأجمع أهلُ العلم على القول به. وفي إجماع أهل العلم أنَّ الدِّيّة في الخطأ على العاقلة، دليلٌ على أن المرادَ من قول النبيِّ ﴾ لأبي رِمْثَة (٥)، حيث دخل عليه ومعه ابنُه: ((إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه)) [جنايةُ] العمد دونَ الخطأ(٦). وأجمعوا على أنَّ ما زاد على ثلث الدية على العاقلة. واختلفوا في الثلث(٧)، (١) تقدم قول الخطابي وحديث عمرو بن شعيب في بداية هذه المسألة. (٢) في الإشراف ١٣٨/٢. (٣) الخبران عن مجاهد وطاوس أخرجهما عبد الرزاق (١٧٢٣١) و (١٧٢٣٩). وما بين حاصرتين زيادة لضرورة السياق. (٤) في (ز) و(م): وبحديث مرفوع، وفي (د): والحديث مرفوع، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في الإشراف. (٥) صحابي اشتهر بكنيته، واختلف في نسبته، فقيل: أبو رمثة البَلَوي، وقيل: التميمي، وقيل: التيمي من تيم الرِّباب، واختلف في اسمه كذلك. ينظر تهذيب الكمال ٣١٦/٣٣، والإصابة ١٣٤/١١. وجزم أحمد بإثر الحديث (١٧٤٩٢)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣٠١/٣، وابن حبان (٥٩٩٥) أن اسمه رفاعة بن يَثْربي. (٦) الإشراف ٢/ ١٩٥ وما سلف بين حاصرتين منه، والحديث أخرجه أحمد (٧١٠٧)، وأبو داود (٤٢٠٨)، والنسائي ٨/ ٥٣ من حديث أبي رِمْثة ﴾. (٧) الإشراف ٢/ ١٩٧ . ٢٠ سورة النساء: الآية ٩٢ والذي عليه جمهورُ العلماء: أن العاقلة لا تحمل عمداً ولا اعترافاً ولا صُلحاً، ولا تحمل من دِيَةِ الخطأِ إلا ما جاوزَ الثلثَ(١)، وما دون الثلث في(٢) مال الجاني. وقالت طائفة: عقلُ الخطأ على عاقلة الجاني، قَلَّت الجنايةُ أو كَثُرت؛ لأن مَن غَرِمِ الأكثَر غَرِمَ الأقلَّ، كما عَقْلُ العمدِ في مال الجاني قلَّ أو كثر؛ هذا قولُ الشافعيّ(٣). السابعة: وحكمُها أن تكون منجَّمةً على العاقلة، والعاقلةُ: العَصَبة. وليس ولدُ المرأة إذا كان من غير عَصَبتها من العاقلة، ولا الإخوةُ من الأمُّ بعصبةٍ لأخوتهم من الأب والأم، فلا يَعقِلون عنهم شيئاً(٤)، وكذلك الديوانُ لا يكون عاقلةً في قول جمهور أهلِ الحجاز. وقال الكوفيون: يكون عاقلةً إن كان من أهل الديوان(٥). فتُنجَّم الدِّيَةُ على العاقلة في ثلاثة أعوامٍ؛ على ما قضاه عمرُ وعليٍّ (٦)؛ لأن الإبلَ قد تكون [في وقت الوجوب] حواملَ فيضرُّ به(٧). وكان النبيُّ ﴾ يعطيها دفعةً واحدة لأغراض؛ منها أنه كان يعطيها صلحاً وتسديداً. ومنها أنه كان يُعجِّلها تأليفاً، فلما تمهّدَ الإسلامُ؛ قدَّرَتها (٨) الصحابةُ على هذا النظام؛ قاله ابنُ العربيِّ. وقال أبو عمرَ(٩): أجمعَ العلماء قديماً وحديثاً أن الدِّيّة على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين، ولا تكون في أقلَّ منها. وأجمعوا أنها على البالغين من الرجال. (١) التمهيد ٣٦٦/١٧. (٢) في (د): من. (٣) الإشراف ٢/ ١٩٧. (٤) ينظر الكافي ١١٠٦/٢ . (٥) ينظر الاستذكار ٢٢١/٢٥-٢٢٢. (٦) أخرجه عن عمر عبد الرزاق (١٧٨٥٧) و (١٧٨٥٨) و(١٧٨٥٩)، وأخرجه عن علي ﴾ البيهقي ١١٠/٨. (٧) في (د) و(ز): فتضر بها، وفي (ظ): فيضر بها، وفي (م): فتضر به، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ١ /٤٧٥ ، والكلام منه، وما سلف بین حاصرتین منه. (٨) في أحكام القرآن: قررتها. (٩) في الاستذكار ٢٢١/٢٥-٢٢٢.