Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سورة النساء: الآية ٨٤
اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، ﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: من
أجل هذا فقاتل.
وقيل: هي متعلقةٌ بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٥]
﴿فَقَلِلْ﴾(١). كأنَّ هذا المعنى: لا تَدَعِ جهادَ العدوِّ، والانتصار للمستضعَفين(٢) من
المؤمنين ولو وحدك؛ لأنَّه وَعَده بالنصر. قال الزَّجاج(٣): أمر الله تعالى رسوله ﴾
بالجهاد وإنْ قاتل وحده؛ لأنَّه قد ضمِن له النصر.
قال ابن عطية (٤): هذا ظاهرُ اللفظ، إلا أنه لم يَجِئ في خبرٍ قظُ أنَّ القتال فُرض
عليه دون الأمة مدةً ما؛ فالمعنى والله أعلم: أنه خطابٌ له في اللفظ، وهو مثالُ ما
يقال لكلِّ واحدٍ(٥) في خاصة نفسه، أي: أنت يا محمد وكُلُّ واحدٍ من أمتك القولُ له
﴿فَقَائِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. ولهذا ينبغي لكلِّ مؤمنٍ [أنْ يستشعر] أنْ
يجاهد ولو وحده؛ ومن ذلك قولُ النبيِّ ◌َ﴾: ((واللهِ لأُقاتلنَّهم حتى تنفردَ سالِفتي﴾ (٦).
وقولُ أبي بكر وقتَ الردة: ((ولو خالفتني يميني لجاهدتُها بشمالي))(٧).
وقيل: إنَّ هذه الآية نزلتْ في موسم بدر الصغرى؛ فإنَّ أبا سفيان لمَّا انصرف من
أُحُدٍ واعَدَ رسولَ اللهِ ﴾ موسِمَ بدرٍ الصغرى، فلما جاء الميعادُ، خرج إليها
رسول اللـه * في سبعين راكباً، فلم يحضر أبو سفيان، ولم يتّفق قتال. وهذا على
(١) معاني القرآن للزجاج ٨٤/٢-٨٥ .
(٢) في (خ) و (د) و(م): والاستنصار عليهم للمستضعفين، وفي تفسير البغوي ١/ ٤٥٧ (والكلام منه):
والاستنصار للمستضعفين، والمثبت من (ز) و (ظ).
(٣) في معاني القرآن له ٢/ ٨٥ .
(٤) المحرر الوجيز ٨٦/٢، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٥) في (م): واحد.
(٦) قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (١٨٩٢٨)، والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) من حديث مروان بن
الحكم والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما. قوله: ((حتى تنفرد سالفتي)) قال الحافظ في الفتح ٣٣٨/٥:
السالفة صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل؛ لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه.
(٧) أورده الزجاج في معاني القرآن ٢/ ٨٥، وهو بنحوه في تفسير أبي الليث ١/ ٣٧٢، وأحكام القرآن
لابن العربي ١/ ٤٦٢ .

٤٨٢
سورة النساء: الآية ٨٤
معنى ما قاله مجاهد كما تقدَّم في ((آل عمران))(١).
ووجه النَّظم على هذا، والاتصالِ بما قبلُ: أنه وَصَف المنافقين بالتخليط وإيقاعِ
الأراجيف، ثم أمر النبيَّ ل﴿ بالإعراضِ عنهم، وبالجِدٍّ في القتال في سبيل الله وإنْ لم
يساعده أحدٌ على ذلك.
قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكُ﴾ (تُكَلَّف)) مرفوع لأنه مستقبل، ولم يُجْزَمْ لأنه
ليس علَّة للأول. وزعم الأخفش(٢) أنه يجوز جزمه. ((إِلا نَفْسَكَ)) خبرُ ما لم يسمَّ
فاعلُهُ(٣)؛ والمعنى: لا تُلْزَم فِعْلَ غيرِك ولا تؤاخذ به.
قوله تعالى: ﴿وَحَرِضِ الْمُؤْمِنَّ عَسَى اَللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حُضَّهم على الجهاد والقتال. يقال:
حرَّضتُ فلاناً على كذا: إذا أمرتَه به (٤). وحارَضَ فلانٌ على الأمر وأكَبَّ [عليه]
وواظَبَ عليه(٥) بمعنىّ واحدٍ.
الثانية: قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إطماعٌ، والإطماع من
الله عزَّ وجلَّ واجبٌ. على أنَّ الطمع قد جاء في كلام العربِ على الوجوب، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْفَقِ يَوْمَ الَّذِينِ﴾ [الشعراء: ٨٢](٦). وقال ابن
مُقْبِل:
ظنِّي بهم كعسى وهم بِتَنُوفةٍ يتنازعون جوائز الأمثال (٧)
(١) ٥ / ٤٢٢ .
(٢) معاني القرآن له ١/ ٤٥١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٧٦/١.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٧٦/١ .
(٤) مجمل اللغة ٢٢٦/١.
(٥) قوله: عليه، من (ظ)، وينظر تهذيب اللغة ٢٠٤/٤، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/١ .
(٧) ديوان تميم بن مقبل العامري ص٢٦١، براوية: جوائب الأمثال، وهو في مجاز القرآن ١٣٤/١، =

٤٨٣
سورة النساء: الآية ٨٤
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ أي: صَوْلةً، وأعظمُ سلطاناً، وأَقْدَرُ بأساً على
ما يريده. ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ أي: عقوبةً؛ عن الحسن وغيره(١). قال ابن دُرَيد(٢): رماه
الله بنُكْلَةٍ، أي: رماه بما ينكِّله. قال: ونكَّلْتُ بالرجل تنكيلاً، من النَّكال. والمَنْكَل:
الشيء الذي يُنَكِّل بالإنسان. قال(٣):
وارمٍ على أقفَائهم بمَنْكَلٍ
الثالثة: إِنْ قال قائلٌ: نحن نرى الكفار في بأسٍ وشدَّة، وقلتم: إنَّ (عسى)) بمعنى
اليقين، فأين ذلك الوعدُ؟
قيل له: وقد وُجد هذا الوعدُ، ولا يلزمُ وجودُه على الاستمرار والدوام، فمتى
وُجِد ولو لحظةً - مثلاً - فقد صَدَق الوعد؛ فكفَّ الله بأسَ المشركين ببدرٍ الصغرى،
وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال ﴿وَكَفَى اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ﴾
[الأحزاب: ٢٥].
وبالحُدَيْبيَة أيضاً عمَّا رامُوه من الغدر وانتهازِ الفرصة، ففطِن بهم المسلمون،
فخرجوا فأخذوهم أَسْرى، وكان ذلك والسفراءُ يمشون بينهم في الصلح، وهو المرادُ
بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] على ما يأتي (٤).
= والأضداد لابن السكيت ص١٨٨، والخزانة ٣١٣/٩ . قال البغدادي: التنوفة: الفلاة، ويتنازعون:
يتجاذبون، وجوائز الأمثال، أي: الأمثال السائرة في البلاد، وبمعناه: جوائب الأمثال، من جاب
الوادي أو المكان يجوبه جَوْباً، إذا سلكه وقطعه. وقوله: ظني بهم كعسى، قال أبو عبيدة: أي ظني بهم
يقين. وقال ابن السكيت: اليقين منهم كعسى، وعسى شكّ. قال البغدادي: فجعل (يعني ابن السكيت)
اليقين للظن، وعسى للشك على أصلها .. يريد أنه لا يقين له بهم.
(١) أورده الواحدي في الوسيط ٨٨/٢ عن الحسن وقتادة، وأخرجه الطبري ٢٦٨/٧، عن قتادة.
(٢) جمهرة اللغة ٣/ ١٧٠، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن فارس في مجمل اللغة ٨٨٣/٣.
(٣) هو رياح الهذلي كما في الجمهرة ٣/ ١٧٠ ، وبعده:
بصخرة أو عَرض جيش جَحْفَل
(٤) عند تفسير هذه الآية من سورة الفتح، والخبر أخرجه أحمد (١٢٢٢٧)، ومسلم (١٨٠٨) من حديث
أنس ﴾. وأخرجه مسلم (١٨٠٨) من حديث سلمة بن الأكوع ﴾. وأخرجه أحمد (١٦٨٠٠) عن عبد
الله بن مغفل

٤٨٤
سورة النساء: الآيتان ٨٤ - ٨٥
وقد ألقى الله في قلوب الأحزاب الرُّغْبَ، وانصرفوا من غير قتلٍ ولا قتال، كما
قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ﴾ [الأحزاب: ٢٥]. وخرج اليهود من ديارِهم
وأموالهم بغير قتالِ المؤمنين لهم، فهذا كلُّه بأسٌ قد كفَّه الله عن المؤمنين، مع أنه قد
دخل من اليهود والنصارى العددُ الكثير والجَمُّ الغفيرُ تحت الجِزْيةِ صاغرين، وتركوا
المحارَبَةَ داخِرين، فكفَّ الله بأسَهم عن المؤمنين، والحمد لله ربِّ العالمين.
قوله تعالى: ﴿مَّنْ يَشْفَعْ شَفَعَةٌ حَسَنَةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهًا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ
سَيِّئَةٌ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ﴾ أصلُ الشفاعة والشُّفعة ونحوِها من الشَّفْع،
وهو الزوجُ في العدد (١) ومنه الشَّفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شَفْعاً. ومنه: ناقةٌ
شَفُوع: إذا جَمعت بين مِحْلَبَيْن في حَلْبٍ واحدة. وناقةٌ شفيع(٢): إذا اجتمع لها حَمْلٌ
وولدٌ يَتبعها. والشَّفْع: ضمُّ واحدٍ إلى واحد. والشُّفْعة: ضَمُّ مِلْكِ الشريك إلى مِلْكِكَ،
فالشفاعة إذاً: ضَمُّ غيرِك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهارٌ لمنزلة
الشفيع عند المشفّع(٣) وإيصالُ منفعة (٤) إلى المشفوع له.
الثانية: واختلف المتأوّلون في هذه الآية؛ فقال مجاهدٌ والحسن وابن زيد
وغيرُهم: هي في شفاعات الناس بينَهم في حوائجهم، فمَن يشفعْ لينفعَ فله نصيبٌ،
ومَن يشفع ليضُرَّ فله كِفْل(٥).
(١) المحرر الوجيز ٨٦/٢ .
(٢) كذا في النسخ، وفي كتب اللغة: ناقة شافع. ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٩٢/٢، وتهذيب اللغة
٤٣٨/١، ومجمل اللغة ٥٠٨/٢ ، والصحاح (شفع)، والنهاية (شفع).
(٣) قال ابن الأثير في النهاية (شفع): المشفّع: الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تُقبل شفاعته.
(٤) في (م): المنفعة.
(٥) المحرر الوجيز ٨٦/٢، وأخرج أقوالهم الطبري ٢٦٩/٧ -٢٧٠.

٤٨٥
سورة النساء: الآية ٨٥
وقيل: الشفاعة الحسنة هي في البِرِّ والطاعة، والسيئةُ في المعاصي(١). فمن شَفَع
شفاعةً حسنةً ليُصلحَ بين اثنين استوجَبَ الأجر، ومن سعى بالنميمة والغِيبة أَثِم، وهذا
قريبٌ من معنى(٢) الأول. وقيل: يعني بالشفاعة الحسنةِ الدعاءَ للمسلمين، والسيئة
الدعاءَ عليهم(٣). وفي صحيح الخبر: ((مَن دعا [لأخيه المسلم] بظهر الغيب،
استُجيب له، وقال الملك: آمين، ولك بمثلٍ)). فهذا هو النصيب(٤)، وكذلك في
الشرّ، بل يرجع شؤمُ دعائه عليه. وكانت اليهود تدعو على المسلمين.
وقيل: المعنى: مَنْ يكن شَفْعاً (٥) لصاحبه في الجهاد؛ يكُنْ له نصيبُه (٦) من
الأجر، ومن يكن شفعاً لآخر في باطلٍ؛ يكن له نصيبه من الوٍزر(٧).
وعن الحسن أيضاً: الحسنة ما يجوز في الدِّين، والسيئةُ ما لا يجوز فيه. وكأنَّ
هذا القولَ جامع (٨).
والكِفْل: الوِزر والإثم؛ عن الحسن وقَتادة. السُّدِّيُّ وابن زيد: هو النصيب(٩).
واشتقاقُه من الكِساء الذي يحوِّيهِ راكبُ البعير على سَنامه لئلا يسقط(١٠). يقال:
اكتفلتُ البعيرَ، إذا أدرتَ على سنامه كِساءً ورَكِبتَ عليه. ويقال له: اكتفلَ؛ لأنه لم
يَستعمل الظَّهْرَ كلَّه، بل استعمل نصيباً من الظهر (١١). ويُستعمل في النصيب من الخير
(١) المحرر الوجيز ٨٦/٢، ونسب ابن عطية هذا القول للحسن.
(٢) قوله: معنى، من (د) و (ظ) وليس في باقي النسخ.
(٣) النكت والعيون ١/ ٥١٢. وذكره الرازي ٢٠٦/١٠ عن مقاتل.
(٤) تفسير الرازي ١٠/ ٢٠٧، وما سلف بين حاصرتين منه، والحديث أخرجه بنحوه مسلم (٢٧٣٢).
(٥) في (د): شفيعاً (في الموضعين).
(٦) في (ظ): نصيب (في الموضعين).
(٧) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٦٣/١ .
(٨) أورده الواحدي في الوسيط ٨٩/٢ عنه بلفظ: ما يجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة، وما
لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة.
(٩) أخرج أقوالهم الطبري ٧/ ٢٧٠ عدا قول الحسن.
(١٠) حوَّى ظهر البعير: أدار حول سنامه كساء ليركبه. متن اللغة (حوي)
(١١) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٨٥ وينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٤٢٨/٤ .

٤٨٦
سورة النساء: الآية ٨٥
والشرّ، وفي كتاب الله تعالى: ﴿يُؤْيَكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ [الحديد: ٢٨].
والشافع يؤجَرُ فيما يجوز وإن لم يُشَفَّع؛ لأنه تعالى قال: ﴿مَّن يَشْفَعْ﴾ ولم يقل:
يُشَفَّع(١). وفي صحيح مسلم(٢): ((اشْفَعُوا تُؤْجَروا، ولْيَقْضِ اللهُ على لسان نبيِّه ما
أحبَّ)).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَكَنَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾ ((مُقِيتا)) معناه: مُقتدِراً؛ ومنه
قولُ الزبير بنِ عبد المطلب(٣):
وذي ضِغْنٍ كفْفتُ النفسَ عنه وكنتُ على مَساءته مُقِيثًا
أي: قدیراً:
فالمعنى: إنَّ الله تعالى يعطي كلَّ إنسانٍ قُوْتَه، ومنه قولُه عليه الصلاة والسلام:
((كفى بالمرء إثماً أن يُضَيِّعَ مَن يُقيت)). على من رواه هكذا، أي: مَن هو تحت قدرته
وفي قبضته من عِيالٍ وغيره؛ ذكره ابن عطية (٤). تقول منه: قُتُّه أَقوتُه قَوْتاً، وأَقَتُّه أُقِيتُه
إقاتة، فأنا قائتٌ ومُقيت(٥).
وحكى الكسائي: أَقاتَ يُقيت(٦). وأما قول الشاعر:
(١) أخرج هذا القول الطبري ٢٦٩/٧ عن الحسن.
(٢) برقم (٢٦٢٧)، وأخرجه أحمد (١٩٥٨٤)، والبخاري (١٤٣٢) عن أبي موسى الأشعري ﴾
(٣) تفسير الطبري ٢٧٢/٧، والمحرر الوجيز ٨٦/٢، وأخرجه أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف
والابتداء ١/ ٨٠ في مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس منسوباً لأحيحة بن الجلاح، وهو في اللسان
(قوت) للزبير بن عبد المطلب أو لأبي قيس بن رفاعة.
(٤) المحرر الوجيز ٨٦/٢، والحديث سلف ١٤٩/٤ براوية: ((يقوت))، والرواية المذكورة أعلاه أشار
إليها الطبري ٧/ ٢٧٣، وعنه نقل ابن عطية، وذكرها أيضاً الأزهري في تهذيب اللغة ٩/ ٢٥٤، والفراء
في معاني القرآن ١/ ٢٨٠ ، وسيأتي قوله.
(٥) ينظر تفسير الطبري ٢٧٣/٧ .
(٦) المحرر الوجيز ٨٦/٢ .

٤٨٧
سورة النساء: الآية ٨٥ - ٨٦
... إنّي على الحساب مُقِيتُ(١)
فقال فيه الطبري(٢): إنه من غير هذا المعنى المتقدِّم، وإنه بمعنى: الموقوف.
وقال أبو عبيدة(٣): المُقيت: الحافظ. وقال الكسائي: المُقيت: المقتدر. قال
النحاس(٤): وقول أبي عبيدة أولى؛ لأنه مشتقٌّ من القَوْت، والقُوتُ معناه: مقدارُ ما
يحفظ الإنسان.
وقال الفراء(٥): المُقيت: الذي يعطي كلَّ رجلٍ قُوْتَه. وجاء في الحديث: ((كفى
بالمرء إثماً أن يضيِّعَ مَن ((يَقوت)) و((يقيت)). ذكره الثعلبي.
وحكى ابنُ فارسٍ في ((المُجْمَلِ)) (٦): المُقيتُ: المقتدر، والمُقيتُ: الحافظ
والشاهد. وما عنده قِيتُ ليلةٍ وقوتُ ليلة. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيِثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ﴾﴾.
فيه اثنتا عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِِّثُم بِشَحِيَّةٍ﴾ التَّحيةِ تَفْعِلةٌ، من حيَّيْتُ؛ الأصل:
تَحْيِيَة، مثل: تَرْضِيَة وتَسْمِيَة، فأدغموا الياءَ في الياء(٧). والتحية: السلام. وأصل
التحية: الدعاءُ بالحياة. والتحيَّات لله، أي: السلام(٨) من الآفات(٩). وقيل: المُلْك؛
(١) قائله السمَوْأل بن عادياء، وهو في الأصمعيات ص٨٦، والصحاح (قوت) وتمامه:
أَليّ الفضلُ أَمْ عليَّ إذا حو
سبتُ إني على الحساب مُقيت.
(٢) في تفسيره ٧/ ٢٧٣ .
(٣) مجاز القرآن ١٣٥/١.
(٤) إعراب القرآن ١/ ٤٧٧، وعنه نقل المصنف قول أبي عبيدة والكسائي.
(٥) معاني القرآن ٢٨٠/١.
(٦) ٧٣٦/٣ .
(٧) معاني القرآن للزجاج ٨٦/٢، وتفسير الرازي ٢٠٩/١٠.
(٨) في (ظ): السلامة.
(٩) تهذيب اللغة ٥/ ٢٩٠، وتفسير الرازي ٢٠٩/١٠ .

٤٨٨
سورة النساء: الآية ٨٦
قال عبد الله بن صالح العِجْليُّ(١): سألت الكِسائيَّ عن قوله: ((التحياتُ لله)) ما
معناه(٢)؟ فقال: التحيات مثلُ البركات، فقلت: ما معنى البركات؟ فقال: ما سمعتُ
فيها شيئاً. وسألتُ عنها محمد بنَ الحسن فقال: هو شيءٌ تعبَّد اللهُ به عبادَه . فقدِمتُ
الكوفةَ فلقِيتُ عبد الله بنَ إدريس(٣)، فقلت: إني سألت الكسائيَّ ومحمداً عن قوله:
(التحيات لله))، فأجاباني بكذا وكذا، فقال عبد الله بنُ إدريس: إنهما لا عِلمَ لهما
بالشِّعر وبهذه الأشياء! التحيةُ: المُلك؛ وأنشد:
أُنِيخَ على تحيَّته بِجُنْدٍ (٤)
أَؤُمُّ بها أبا قابوسَ حتى
وأنشده(٥) ابن خُوَيْزِمَنْدَاد :
أُنِيخَ على تحيَّته بجُند(٦)
أَسِيرُ به إلى النُّعمانِ حتى
يريد: على ملكه. وقال آخر(٧):
(١) أبو أحمد الكوفي المقرئ، والد الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي صاحب التاريخ، توفي سنة (٢١١ هـ).
السير ٤٠٣/١٠ .
(٢) في (ظ): ما معناها.
(٣) هو أبو محمد الأَوْدي الكوفي، الحافظ المقرئ، تلا على نافع، وحدث عنه مالك وأحمد وابن المبارك
وغيرهم، وقد قيل: إن جميع ما يرويه مالك في الموطأ فيقول: بلغني عن علي ﴾، أنه سمعه من ابن
إدريس، توفي سنة (١٩٢ هـ). السير ٩/ ٤٢.
(٤) المحدث الفاصل (١٦٥)، وقائل البيت عمرو بن معدي كرب، وسيذكر المصنف الرواية الأخرى له
بعده. ووقع في (ظ) و (م): بجُندي، والمثبت هو الصواب. قال البكري في معجم ما استعجم
٣٩٧/٢: جُنْد بضم أوله وإسكان ثانيه: جبل باليمن. اهـ. وقيدها الفيروز آبادي في القاموس (جند)
جَنَد، بالتحريك.
(٥) في (د) و(ظ) و(م): وأنشد، والمثبت من (ز).
(٦) هو في غريب الحديث لأبي عبيد ١١١/١، وإصلاح المنطق ص٣٤٩، ومعجم ما استعجم ٣٩٧/٢ ،
واللسان (حيا) وجاء في بعض هذه المصادر: أُسَيِّرها، بدل: أسير به، قال ابن بري كما في اللسان
(حيا): ويُروى: أسير بها، ويُروى: أؤم بها . اهــ وأبو قابوس هو النعمان بن المنذر. القاموس (قبس).
(٧) هو زهير بن جناب الكلبي، كما في غريب الحديث لأبي عبيد ١١٢/١، وطبقات فحول الشعراء ٣٦/١ ،
وإصلاح المنطق ص٣٤٩ ، والأغاني ٢٢/١٩.

٤٨٩
سورة النساء: الآية ٨٦
ولَكُلُّ ما نال الفتى قدنِلْتُه إِلَّ النَّحِيَّةْ
وقال القُتَبِيّ: إنما قال: ((التحيات لله)) على الجمع؛ لأنه كان في الأرض ملوٌ
يُحَيَّوْن بتحيات مختلفات، فيقال لبعضهم: أبَيْتَ اللَّعْنَ، ولبعضهم: اِسْلَم وانْعَم،
ولبعضهم: عِش ألفَ سنة. فقيل لنا: قولوا: التحياتُ لله؛ أي: الألفاظُ التي تدلُّ
على المُلْك، ويُكنَى بها عنه [هي] لله تعالى(١).
ووجهُ النَّظم بما قبل أنه قال: إذا خرجتُم للجهاد كما سبق به الأمرُ، فَحيِيتم في
سفركم بتحية الإسلام، فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلامَ: لستَ مؤمناً، بل رُدُّوا
جوابَ السلام؛ فإنَّ أحكام الإسلام تجري عليهم(٢).
الثانية: واختلف العلماء في معنى الآية وتأويلها؛ فروى ابن وهب وابن القاسم
عن مالكٍ أنَّ هذه الآيةَ في تشميت العاطس والردِّ على المُشَمِّت(٣). وهذا ضعيف؛ إذ
ليس في الكلام دلالةٌ على ذلك، أمَّا الردُّ على المشمِّت فمما يدخل بالقياس في معنى
ردِّ التحية، وهذا هو مَنْحَى مالكِ - إن صحَّ ذلك عنه - والله أعلم(٤).
وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وقد يجوز أن تُحملَ هذه الآيةُ على الهبة إذا كانت
للثواب، فَمن وُهب له هبةٌ على الثواب، فهو بالخيار: إن شاء ردَّها، وإن شاء قَبِلَها
وأثاب عليها قيمَتَها(٥).
قلت: ونحو هذا قال أصحابُ أبي حنيفة، قالوا: التحية هنا الهدية؛ لقوله
تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَاً﴾، ولا يمكن ردُّ السلام بعينه، وظاهر الكلام يقتضي ردَّ (٦) التحيةِ
(١) تهذيب اللغة ٢٩٠/٥، والنهاية (تحا)، وما بين حاصرتين منهما.
(٢) ينظر تفسير الرازي ٣٠٩/١٠.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٦٤ .
(٤) المحرر الوجيز ٢/ ٨٧ .
(٥) قوله: قيمتها، ليس في (د) و (ز).
(٦) في (د) و(م): أداء، وفي (ز): إذ، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي
٤٦٦/١، والكلام منه.

٤٩٠
سورة النساء: الآية ٨٦
بعينها، وهي الهدية، فأمر بالتعويض إن قَبِل، أو الردِّ بعينه، وهذا لا يمكن في
السلام. وسيأتي بيانُ حكم الهبة للثواب والهدية في سورة الروم، عند قوله: ﴿وَمَآ
ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا﴾ [الآية: ٣٩] إن شاء الله تعالى.
والصحيح أنَّ التحية ههنا: السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءُوَكَ حَيّوَكَ بِمَا لَمْ يُّكَ بِهِ
[المجادلة: ٨].
هُ﴾
وقال النابغة الذُّنْيانيُّ:
وأكسيةُ الإصْرِيحِ فوق المَشَاجِبٍ(١)
تُحَيِّيهمُ بیضُ الولائدِ بینھم
أراد: ويسلّم عليهم. وعلى هذا جماعةُ المفسرين.
وإذا ثبت هذا وتقرَّر، ففِقهُ الآية أن يقال: أجمع العلماء على أنَّ الابتداء بالسلام
سُنَّةٌ مُرَغَبٌ فيها، وردُّه فريضة؛ لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَأَ﴾
[النساء: ٨٦](٢).
واختلفوا إذا ردَّ واحدٌ من جماعةٍ؛ هل يُجزئُ أو لا؟ فذهب مالك والشافعيُّ إلى
الإجزاء(٣). وأنَّ المسلِّم قد رُدَّ عليه مثل قوله. وذهب الكوفيون إلى أنَّردّ السلام من
الفروض المتعيِّنة؛ قالوا: والسلام خلاف الردّ؛ لأن الابتداء به تطوٌُّ، وردُّه فريضة.
ولو ردَّ غيرُ المسلَّم عليهم لم يُسقِط ذلك عنهم فَرْضَ الردّ، فدلَّ على أنَّ ردَّ السلام
يلزم كلَّ إنسانٍ بعينه(٤)؛ حتى قال قتادة والحسن(٥): إنَّ المصلِّيَ يردُّ السلامَ كلاماً إذا
سُلُم عليه، ولا يَقطعُ ذلك عليه صلاتَه؛ لأنه فَعلَ ما أُمِر به. والناس على خلافه.
(١) ديوان النابغة ص ١٢، وتهذيب اللغة ٥٥٢/١٠، وفيه: أكسية الإضريج: أكسيةُ خزّ حُمْرٌ. وفي اللسان
(شجب): المشاجب: عيدان يُضَمُّ رؤوسها، ويُفَرَّج بين قوائهما، وتوضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها
الأسقية لتبريد الماء.
(٢) الاستذكار ١٣٥/٢٧.
(٣) التمهيد ٢٨٧/٥، والاستذكار ١٣٥/٢٧.
(٤) ينظر التمهيد ٢٨٩/٥ .
(٥) أخرج قولهما عبد الرزاق (٣٦٠٤).

٤٩١
سورة النساء: الآية ٨٦
احتجَّ الأوَّلون بما رواه أبو داود(١) عن عليٍّ بن أبي طالبٍ، عن النبيِّ﴾ قال:
((يُجزِئُّ من الجماعة إذا مَرُّوا أنْ يُسلِّمَ أحدُهم، ويُجزئُ عن الجلوس أنْ يردَّ أحدُهم)».
وهذا نصٍّ في موضع الخلاف. قال أبو عمر (٢): وهو حديثٌ حسَن، لا مُعارِض
له، وفي إسناده سعيد بنُ خالد، وهو سعيد بن خالد الخزاعيُّ، مدنِيٌّ، ليس به بأسٌ
عند بعضهم، وقد ضعَّفه بعضُهم؛ منهم أبو زُرعةَ وأبو حاتم ويعقوب بنُ شيبة،
وجعلوا حديثَه هذا منكراً؛ لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد، على أنَّ عبد الله بنَ الفضل لم
يسمع من عبيد الله بنِ أبي رافع(٣)، بَيْنهما الأعرجُ في غير ما حديث. والله أعلم.
واحتجوا أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام: ((يُسلِّم القليلُ على الكثير)) (٤). ولمَّا
أجمعوا على أنَّ الواحد يسلّم على الجماعة، ولا يحتاج إلى تكريره على عداد(٥)
الجماعة، كذلك يردُّ الواحدُ عن الجماعة، وينوب عن الباقين كفروض الكفاية.
وروى مالكٌ عن زيد بن أسلم: أن رسول اللـه ◌ِ﴾ قال: ((يسلِّم الراكبُ على
الماشي، وإذا سلَّم واحدٌ من القوم أَجْزاً عنهم)) (٦). قال علماؤنا: وهذا يدلُّ على أن
الواحد يكفي في الردّ؛ لأنه لا يقال: أجزأ عنهم، إلَّا فيما قد وَجب [عليهم](٧).
والله أعلم .
قلت: هكذا تأوَّلَ علماؤنا هذا الحديثَ، وجعلوه حُجَّةً في جواز ردِّ الواحد،
وفيه قَلَق.
(١) في سننه (٥٢١٠).
(٢) في التمهيد ٢٩٠/٥، والكلام الذي قبله منه.
(٣) وهما من رجال الإسناد في هذا الحديث، فقد رواه سعيد بن خالد، عن عبد الله بن الفضل، عن
عبيدالله بن أبي رافع، عن علي ، عن النبي #.
(٤) قطعة من حديث أبي هريرة # أخرجه أحمد (١٠٦٢٤)، والبخاري (٦٢٣١)، ومسلم (٢١١٠).
(٥) في (د) و (ز): أعداد.
(٦) الموطأ ٩٥٩/٢، وهو مرسل، ووصله ابن عبد البر في التمهيد ٢٩١/٥ عن زيد بن أسلم من غير طريق
مالك.
(٧) ينظر التمهيد ٢٨٩/٥، وما بين حاصرتين منه. والاستذكار ٢٧ / ١٣٦.

٤٩٢
سورة النساء: الآية ٨٦
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ﴾ ردُّ الأحسنِ أن يَزِيد، فيقول:
عليك السلامُ ورحمة الله، لمن قال: سلامٌ عليك. فإن قال: سلامٌ عليك ورحمةٌ
الله، زِدْتَ في ردِّك: وبركاتُه. وهذا هو النهايةُ، فلا مزيد. قال الله تعالى مخبراً عن
البيت الكريم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَّكَتُهُ﴾ [هود: ٧٣](١) على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فإن انتهى بالسلام غايتَه، زدتَ في ردِّك الواوَ في أوَّلِ كلامك، فقلتَ: وعليك السلام
ورحمةُ الله وبر كاته.
والردُّ بالمثل أن تقولَ لمن قال: السلام عليك: عليك السلام، إلَّا أنه ينبغي أن
يكون السلام كلُّه بلفظ الجماعة، وإن كان المُسَلَّمُ عليه واحداً. روى الأَعمشُ عن
إبراهيمَ النَّخَغيِّ قال: إذا سلَّمتَ على الواحد، فقل: السلام عليكم، فإنَّ معه
الملائكة(٢). وكذلك الجوابُ يكون بلفظ الجمع؛ قال ابن أبي زيد(٣): يقول المُسَلِّم:
السلام عليكم، ويقول الرادُّ: وعليكم السلام، أو يقول: السلام عليكم، كما قيل
له، وهو معنى قوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَاً﴾ ولا تقل في ردِّك: سلام عليك.
الرابعة: والاختيارُ في التسليم والأدب فيه تقديمُ اسم الله تعالى على اسم
المخلوق؛ قال الله تعالى: ﴿سلامٌ على آل ياسين﴾ [الصافات: ١٣٠]، وقال في قصة
إبراهيم عليه السلام: ﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْنِ﴾ [هود: ٧٣]. وقال مخبراً
عن إبراهيم: ﴿َسَلَمُ عَلَّكَ﴾ [مريم: ٤٧]، وفي صحيح البخاري ومسلم(٤) من حديث
(١) ينظر الاستذكار ١٣٨/٢٧، والمنتقى ٢٨٠/٧، وتفسير البغوي ٤٥٨/١، والمحرر الوجيز ٨٧/٢،
وذكر ابن عبد البر في التمهيد ٢٩٣/٥ عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا يكرهان أن يزيد أحد في
السلام على قوله: وبركاته. وأخرج مالك في الموطأ ٩٥٩/٢ قصة عن ابن عباس، وفيها قوله: إن
السلام انتهى إلى البركة.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦١٢ .
(٣) الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص ٦٩٧ .
(٤) صحيح البخاري (٦٢٢٧)، وصحيح مسلم (٢٨٤١)، وهو عند أحمد (٨١٧١).

٤٩٣
سورة النساء: الآية ٨٦
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((خَلق الله عزَّ وجلَّ آدَمَ على صورته(١)، طُوله
سِتَّون ذراعاً، فلمَّا خلقه قال: اذهبْ فسَلِّم على أولئك النَّفَرِ - وهم نفرٌ من الملائكة
جلوسٌ - فاستمع ما يُحيُّونك(٢)، فإنها تحيَّتُك وتحيَّةُ ذُرِّيتِك. قال: فذهب، فقال:
السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه(٣): ورحمة الله، قال:
((فكلُّ مَن يدخلُ الجنة على صورة آدم، طولُه (٤) ستون ذراعاً، فلم يزل الخلقُ يَنْقُص
بعده حتى الآن)).
قلت: فقد جمع هذا الحديثُ مع صحته فوائدَ سبع: الأولى: الإخبار عن صفة
خلق آدم. الثانية: أنَّا ندخل الجنة عليها بفضله. الثالثة: تسليمُ القليل على الكثير.
الرابعة: تقديم اسم الله تعالى. الخامسة: الردُّ بالمثل؛ لقولهم: السلام عليك(٥).
السادسة: الزيادة في الردّ. السابعة: إجابة الجميع بالردِّ كما يقول الكوفيون. والله
أعلم.
الخامسة: فإن ردَّ؛ فقدَّم اسمَ المُسَلِّم عليه لم يأتِ محرَّماً ولا مكروهاً؛ لثبوته
عن النبيَّ ﴾، حيث قال للرجل الذي لم يُحسن الصلاةَ وقد سلَّم عليه: ((وعليك
السلامُ، ارْجِع فصَلِّ، فإنك لم تُصَلِ))(٦).
وقالت عائشة: وعليه السلام ورحمةُ الله، حين أخبرها النبيُّ ﴾ أنَّ جبريلَ يقرأُ
(١) قال أبو العباس في المفهم ١٨٣/٧: هذا الضمير عائد على أقرب مذكور، وهو آدم، ومعنى ذلك:
أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالاً، ولا تَرَّد في الأرحام
أطواراً إذ لم يخلقه صغيراً فكبر، ولا ضعيفاً فقوي، بل خلقه رجلاً كاملاً سويًّا قويًّا، بخلاف سنّة الله
في ولده. ويصحُ أن يكون معناه للإخبار عن أن الله تعالى خَلَقَه يومَ خَلَقَه على الصورة التي كان عليها
بالأرض، وأنه لم يكن في الجنة على صورة أخرى.
(٢) في (د) و (ز): يجيبونك.
(٣) قبلها في (م): قال.
(٤) في (م) وصحيح مسلم: وطوله.
(٥) في (د) و (ز) و(م): عليكم، والمثبت من (ظ).
(٦) سلف ٢٩/٢ -٣٠.

٤٩٤
سورة النساء: الآية ٨٦
عليها السلام. أخرجه البخاريّ(١). وفي حديث عائشة من الفقه: أنَّ الرَّجل إذا أُرسل
إلى رجلٍ بسلامه، فعليه أن يردّ كما يرد عليه إذا شافهه.
وجاء رجلٌ إلى النبي﴾ فقال: إنَّ أبي يُقرئكَ السلام، فقال: ((عليكَ وعلى أبيك
السلام))(٢).
وقد روى النَّسائيُّ وأبو داود من حديث جابر بن سُلَيْم قال: لَقِيتُ رسولَ اللهِ﴾،
فقلت: عليك السلامُ يا رسولَ الله، فقال: ((لا تَقُلْ عليك السلام؛ فإنَّ عليك السلام
تحيةُ الميت، ولكن قُل: السلام عليك))(٣). وهذا الحديث لا يثبت(٤)؛ إلَّا أنه لمّا
جرت عادةُ العرب بتقديم اسم المدعوِّ عليه في الشرِّ؛ كقولهم: عليه لعنةُ اللهِ وغضبُ
الله؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨](٥)؛ وكان ذلك أيضاً
دأُبَ الشعراء وعادَتَهم في تحية الموتى؛ كقولهم:
عليك سلامُ الله قيسَ بنَ عاصم ورحمتُه ما شاء أن يترحَّما (٦)
(١) في صحيحه (٦٢٥٣)، وهو عند أحمد (٢٤٢٨١)، ومسلم (٢٤٤٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٣١٠٤)، وأبو داود (٥٢٣١)، والنسائي في الكبرى (١٠١٣٣) من طريق غالب
القطان، عن رجل من بني نمير، عن أبيه، عن جده، أنه أتى النبي ﴾ .... قال المنذري في تهذيب سنن
أبي داود ٩٥/٨: هذا الإسناد فيه مجاهيل.
(٣) سنن النسائي الكبرى (١٠٠٧٧)، وسنن أبي داود (٤٠٨٤)، وهو عند أحمد (١٥٩٥٥)، والترمذي
(٢٧٢٢)، والحاكم ١٨٦/٤. قال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) يريد المصنف - والله أعلم - أنه لا يثبت العمل به، وأنه ليس كما قد يُتوهم من أن السنة في تحية الميت
أن يقال: عليك السلام، وهو ما سيبينه المصنف فيما يأتي، فالحديث المذكور صحيح، فقد صححه
الترمذي، والحاكم ووافقه الذهبي، والنووي في شرحه لصحيح مسلم ١٤/ ١٤٠، وابن القيم في زاد
المعاد ٢/ ٣٨٤، وحسنه ابن عبد البر في الاستيعاب ١١٩/٢ - ١٢٠، وينظر معالم السنن ٤٩/٦.
(٥) قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٤١/٧ : وهذا لا حجة فيه؛ لأن الله عز وجل قد نص في
الملاعنة بتقديم اللعنة والغضب على الاسم. اهـ. يعني في قوله تعالى: ﴿وَاَلْخَيِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ
مِنَ الْكَذِينَ﴾ [النور: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَاَلَْلِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَِّقِينَ﴾ [النور: ٩].
(٦) قائله عبدة بن الطبيب، كما في الشعر والشعراء ٧٢٨/٢، والأغاني ٢٦/٢١. وقد استشهد بهذا البيت
كذلك شرّاح الحديث كما في معالم السنن ٤٩/٦، وإكمال المعلم ٤١/٧، والمفهم ٥/ ٤٨٥، وزاد
المعاد ٣٨٤/٢ .

٤٩٥
سورة النساء: الآية ٨٦
وقال آخر، وهو الشَّمَّاخ:
عليكَ سلامٌ من أمير وباركتْ يَدُ اللهِ في ذاك الأَديم المُمَزَّقِ(١)
نهاه عن ذلك(٢)، لا أنَّ ذاك هو اللفظُ المشروع في حقِّ الموتى؛ لأنه عليه
الصلاة والسلام ثبت عنه أنه سلَّم على الموتى كما سلَّم على الأحياء، فقال: ((السلام
عليكم دارَ قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون))(٣). وقالت عائشة: قلتُ: يا
رسولَ الله، كيف أقول إذا دخلتُ المقابر؟ قال: ((قولي: السلام عليكم أهل الديارِ
من المؤمنين)). الحديث(٤) وسيأتي في سورة (ألهاكم)) إن شاء الله تعالى(٥).
قلت: وقد يحتمل أن يكون حديثُ عائشةَ وغيرُه في السلام على أهل القبور
جميعِهم إذا دخلها وأشرف عليها، وحديثُ جابر بن سليم خاصٌّ بالسلام على المَزُور
المقصود بالزيارة. والله أعلم.
السادسة: من السُّنَّة تسليمُ الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والقليلِ على
الكثيرِ. هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﴾ ..
((يسلِّم الراكب))(٦). فذكره، فبدأ بالراكب لعلُوِّ مرتبته؛ ولأن ذلك أبعدُ له من الزَّهْو،
(١) نسبه ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٣١٩/١، وابن دريد في الاشتقاق ص٢٨٦ لجَزْء بن ضرار، ونسبه
الجاحظ في البيان والتبيين ٣٦٤/٣ لمزرّد بن ضرار، وهما أخوا الشمّاخ، ونسبه المرزوقي في شرح
ديوان الحماسة ١٠٩٠/٣، والبصري في الحماسة البصرية ١٩٦/١ للشماخ برواية: جُزيت عن
الإسلام خيراً وباركت .. ، وذكره الصفدي في الوافي بالوفيات ٨٣/١١ بهذه الرواية الأخيرة ونسبه
لجزء، وقال: روي هذا لأخيه الشماخ، وروي لأخيه مزرّد، وروي للجن، والصحيح أنه لجزء. والبيت
في رثاء عمر ﴾.
(٢) قوله: نهاه عن ذلك، هو جوابٌ لقوله: إلا أنه لما جرت عادة العرب ..
(٣) المفهم ٤٨٥/٥ - ٤٨٦، والحديث أخرجه أحمد (٨٨٧٨)، ومسلم (٢٤٩).
(٤) أخرجه مسلم (٩٧٤): (١٠٣).
(٥) في تفسير الآية الثانية منها.
(٦) في (ظ): ليسلم الراكب، والحديث في صحيح مسلم (٢١٦٠)، وهو قطعة من حديث أخرجه أيضاً
أحمد (١٠٦٢٤)، والبخاري (٦٢٣١)، وقد تقدمت قطعة منه في المسألة الثانية.

٤٩٦
سورة النساء: الآية ٨٦
وكذلك قيل في الماشي مثلُه. وقيل: لمَّا كان القاعد على حالٍ وقَارٍ وثُبُوتٍ وسكون، فله
مزيَّةٌ بذلك على الماشي؛ لأن حالَه على العكس من ذلك.
وأما تسليمُ القليل على الكثير؛ فمراعاة لشَرَفيَّة جَمْع المسلمين وأكثريَّتِهم.
وقد زاد البُخاريُّ في هذا الحديث: ((ويسلِّم الصغيرُ على الكبير))(١).
وأما تسلیمُ الكبير على الصغير، فروی أشعثُ عن الحسن: أنه کان لا یری
التسليمَ على الصِّبيان؛ قال: لأن الردّ فرضٌ، والصبيُّ لا يلزمه الردُّ فلا ينبغي أن
يسلّم عليهم. ورُوي عن ابنِ سيرين أنه كان يسلّم على الصبيان، ولكنْ لا يُسْمِعُهم(٢).
وقال أكثر العلماء: التسليمُ عليهم أفضلُ من تركه. وقد جاء في الصحيحين (٣)
عن سَيَّارٍ قال: كنت أمشي مع ثابتٍ، فمرَّ بصبيانٍ فسلَّم عليهم، وحدَّث(٤) أنه كان
يمشي مع أنسٍ، فمَرَّ بصبيان فسلَّمَ عليهم، وحدَّث أنه كان يمشي مع رسول الله ﴾،
فمَرَّ بصبيان، فسلّم عليهم. لفظُ مسلم. وهذا من خُلقُه العظيم ﴾، وفيه تدريبُ
للصغير، وحضٍّ على تعليم السُّننِ، ورياضة لهم على آداب الشريعة فيه، فلتقتدٍ(٥).
وأما التسليم على النساء؛ فجائزٌ إلَّا على الشابّات منهنَّ؛ خوفَ الفتنةِ من
مكالمتهنَّ بنزغة شيطانٍ، أو خائنةٍ عَيْن. وأما المتجالَّات(٦) والعُجُز(٧)، فحَسَن،
(١) صحيح البخاري (٦٢٣١)، وهذه الزيادة عند أحمد أيضاً (١٠٦٢٥).
(٢) أخرج ابن أبي شيبة أثر ابن سيرين ٨/ ٦٣٤، وأخرج أيضاً أثر الحسن، كما في الفتح ٣٢/١١.
(٣) صحيح البخاري (٦٢٤٧)، وصحيح مسلم (٢١٦٨): (١٥).
(٤) في (د) و (ز) و(م): وذكر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في صحيح مسلم.
(٥) إكمال المعلم ٧/ ٥٤ ، وينظر المفهم ٤٨٩/٥ .
(٦) أي: الكبيرات المسنَّات. النهاية (جلل).
(٧) في (ظ): والعجائز.

٤٩٧
سورة النساء: الآية ٨٦
للأمن فيما ذكرناه، هذا قولُ عطاء(١) وقتادة، وإليه ذهب مالكٌ وطائفةٌ من العلماء.
ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهنَّ ذواتُ مَحْرَمٍ، وقالوا: لمَّا سقط عن النساء الأذانُ
والإقامة، والجهرُ بالقراءة في الصلاة، سقط عنهنَّ ردُّ السلام، فلا يسلّم عليهن(٢).
والصحيح الأوَّل؛ لِما خرَّجه البخاري(٣) عن سهل بن سعدٍ قال: كنا نفرح بيوم
الجمعة. قلت: ولِمَ؟ قال: كانت لنا عجوزٌ ترسِل إلى بُضاعةً - قال ابن مَسْلمة: نخلٍ
بالمدينة - فتأخذُ من أصول السِّلْق، فتطرحُه في القِدْر، وتُكَرْكِر حبَّاتٍ من شعيرٍ، فإذا
صلَّينا الجمعةَ، انصرفنا، فنُسلِّم عليها، فتقدِّمه إلينا، فتفرحُ من أجله، وما كنا نَقِيلُ
ولا نتغذّى إلَّا بعد الجمعة. تكركر، أي: تطحن؛ قاله القُتَبي(٤).
الثامنة: والسُّنَّةُ في السلام والجوابِ: الجهرُ، ولا تكفي الإشارةُ بالإصبع
والكفّ عند الشافعي، وعندنا تكفي إذا كان على بُعد. روى ابن وهب عن ابن مسعودٍ
قال: السلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجلَّ، وضعه الله في الأرض، فَأَقْشُوه بينكم؛
فإنَّ الرجل إذا سلَّم على القوم فردُّوا عليه، كان له عليهم فضلُ درجةٍ؛ لأنه ذكَّرهم،
فإن لم يردُّوا عليه، ردَّ عليه مَنْ هو خيرٌ منهم وأطيب(٥).
وروى الأعمش، عن عمرو بنٍ مُرَّةَ، عن عبد الله بن الحارث(٦): قال: إذا سلّم
الرجل على القوم؛ كان له فضلُ درجةٍ، فإن لم يردُّوا عليه؛ ردَّت عليه الملائكةُ
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٣٥.
(٢) الاستذكار ٣٩/٢٧ .
(٣) في صحيحه (٦٢٤٨).
(٤) كذا في النسخ، ولعله القعنبي، كما نقل عنه ذلك الأزهري في تهذيب اللغة ٩/ ٤٤٣، وابن منظور في
اللسان (کر کر).
(٥) أخرجه البزار (كشف الأستار) (١٩٩٩)، والطبراني في الكبير (١٠٣٩١)، وابن عبد البر في التمهيد
٢٩٢/٥، وأخرجه ابن أبي شيبة ٦٢٩/٨ مختصراً.
(٦) الزبيدي النجراني الكوفي، روى عن ابن مسعود وجندب بن عبد الله البَجَلي وغيرهما، وهو من رجال
التهذيب.

٤٩٨
سورة النساء: الآية ٨٦
ولَعَنتهم (١).
فإذا ردَّ المسلَّم [عليه] أَسمع جوابَه؛ لأنه إذا لم يُسْمِعِ المُسَلِّمَ؛ لم يكن جواباً
له؛ ألا ترى أنَّ المُسَلِّمَ إذا سلَّم بسلامٍ لم يَسمعه المسلَّمُ عليه، لم يكن ذلك منه
سلاماً، فكذلك إذا أجاب بجوابٍ لم يُسمَع منه، فليس بجواب.
وروي أن النبيَّ ﴿ قال: ((إذا سلَّمتم فأَسمِعوا، وإذا رَدَدْتُم فأسمعوا، وإذا قعدتُم
فاقعُدوا بالأمانة، ولا يرفعنَّ بعضُكم حدیثَ بعض))(٢).
قال ابن وهب: وأخبرني أسامة بن زيدٍ عن نافع قال: كنتُ أُساير رجلاً من فقهاء
الشام يقال له: عبد الله بنُ [أبي] زكريا(٣)، فحبستني دابَّتي تبول، ثم أدركتُه ولم
أسلّم(٤)؛ فقال: ألا تسلِّم؟ فقلت: إنما كنتُ معك آنفاً! فقال: وإن، لقد(٥) كان
أصحاب رسول الله # يتسايرون، فيفرِّقُ بينهم الشجرُ(٦)، فإذا التَّقَوا سلَّم بعضُهم
(١) لم نقف عليه عن عبد الله بن الحارث، وقوله: فإن لم يردُّوا عليه ردّت عليه الملائكة ولعنتهم، قطعة
من حديث أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤٢٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٦٠) وأبو
نعيم في الحلية ٢١٧/٥ - ٢١٨ من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي هريرة
مرفوعاً. قال أبو نعيم: غريب من حديث خالد، تفرد به ثور، حدث به أحمد بن حنبل وروح عن الكبار.
وقال الحافظ في التقريب ص١٣٠ : خالد بن معدان ثقة عابد يرسل كثيراً. وقال عنه أبو حاتم كما في
المراسيل لابن أبي حاتم ص ٥٠ : قد أدرك أبا هريرة، ولا يُذكر سماع.
(٢) لم نقف عليه، وأخرج عبد الرزاق (٤٨٦)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٥١/١٨ عن ابن عمر رضي الله
عنهما أنه قال: إذا سلمتَ فَأَسْمِع، وإذا ردُّوا عليك فليُسمعوك.
(٣) أبو يحيى الخزاعي الدمشقي، أرسل عن سلمان الفارسي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت وطائفة،
وكان ثقة قليل الحديث صاحب غزو، توفي سنة (١١٧ هـ). السير ٢٨٦/٥ .
(٤) بعدها في (م): عليه، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في التمهيد ٢٩٣/٥ ، والكلام منه.
(٥) في (ظ) و(م): وإن صح لقد ... ، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في التمهيد. وإن لفظة ((صح)) التي
وقعت في (ظ) و(م) مقحمة في النص، وليست منه، وإنما أوردها الناسخ للتنبيه على صحة لفظة:
(وإن)) التي قبلها، وأنه ليس ثمة سقط في الرواية أو خطأ، وعادة ما يكتب النساخ لفظة ((صح)) فوق
الكلمة المراد التنبيه على صحتها.
(٦) في (ظ): فتفرق، وفي (ز) و(ظ): الشجرة.

٤٩٩
سورة النساء: الآية ٨٦
على بعض (١).
التاسعة: وأما الكافر فحكمُ الردِّ عليه أن يقالَ: وعليكم. قال ابن عباس وغيرُه:
المراد بالآية: إذا حُيِّيتُم بتحية، فإن كانت من مؤمن، فحيُّوا بأحسنَ منها، وإن كانت
من كافر؛ فردُّوا، على ما قال رسولُ الله ﴿ أن يقال لهم: ((وعليكم))(٢).
وقال عطاء: الآية في المؤمنين خاصَّة، ومَن سلَّم مِن غيرهم قيل له: عليك؛ كما
جاء في الحديث(٣).
قلت: قد جاء إثباتُ الواو وإسقاطها في صحيح مسلم(٤)، ((عليك)) بغير واوٍ
هي(٥) الروايةُ الواضحة المعنى، وأما مع إثبات الواو ففيها إشكال؛ لأن الواو
العاطفةَ تقتضي التشريكَ، فيلزمُ منه أن نَدْخلَ معهم فيما دَعَوْا به علينا من الموت،
أو من سآمة(٦) ديننا. فاختلف المتأوّلون لذلك على أقوال: أَوْلاها أن يقال: إن الواو
على بابها من العطف، غيرَ أنَّا نُجاب عليهم ولا يُجابون علينا، كما قال ◌َ﴾(٧). وقيل:
(١) التمهيد ٢٩٣/٥، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عجلان عن نافع قال: كنت أسير مع
عبدالله بن أبي زكريا في أرض الروم، فبالت دابتي ...
(٢) المحرر الوجيز ٨٧/٢، والحديث أخرجه أحمد (١١٩٤٨)، والبخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣)
عن أنس أن رسول الله * قال: ((إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم))
(٣) المحرر الوجيز ٨٧/٢، وقول عطاء أخرجه الطبري ٢٧٤/٧، والحديث المشار إليه أخرجه أحمد
(٤٦٩٨)، والبخاري (٦٩٢٨)، ومسلم (٢١٦٤): (٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: ((إن
اليهود إذا سلموا على أحدكم إنما يقولون: سامٌ عليك، فقل: عليك)).
(٤) سلفت الرواية بإسقاط الواو في التعليق السابق، والرواية بإثباتها عند أحمد (٤٥٦٣)، والبخاري
(٦٢٥٧)، ومسلم (٢١٦٤): (٩). وينظر الاستذكار ٢٧ / ١٤٠.
(٥) في (م): وهي.
(٦) في (ز) و(ظ) و(م): سامة، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في المفهم ٤٩١/٥، والكلام منه.
وهذا تأويل قتادة، أن السام المذكور في الحديث هو من السآمة، وهي الملال، وقول الجمهور أن
السام: الموت. ينظر المفهم ٤٩٠/٥ .
(٧) أخرجه أحمد (١٥١٠٦)، ومسلم (٢١٦٦) عن جابر قال: سلَّم ناس من يهودَ على رسول الله ﴾،
فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم! فقال: ((وعليكم)) فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا: قال:
((بلى، قد سمعتُ، فردَدْتُ عليهم، وإنَّا نُجاب عليهم ولا يجابون علينا».

٥٠٠
سورة النساء: الآية ٨٦
هي زائدة. وقيل: للاستئناف. والأوَّل(١) أوْلى. وروايةُ حذفِ الواو أحسنُ معنّى،
وإثباتُها أصحُّ روايةً وأشهر، وعليها من العلماء الأكثر.
العاشرة: واختُلف في ردِّ السلام على أهل الذِّمة؛ هل هو واجبٌ، كالردِّ على
المسلمين؟ وإليه ذهب ابن عباسٍ(٢) والشَّعْبيُّ وقتادة(٣)؛ تمسُّكاً بعموم الآية، وبالأمر
بالردِّ عليهم في صحيح السُّنَّة.
وذهب مالك فيما رَوى عنه أشهب وابنُ وهبٍ إلى أنَّ ذلك ليس بواجب؛ فإنْ
رددتَ فقل: عليك.
:
واختار ابن طاوسٍ أن يقول في الرَّدِّ عليهم: عَلَاكَ السَّلامُ، أي: ارتفع عنك.
واختار بعض علمائنا: السِّلام - بكسر السِّين - يعني به الحجارة. وقولُ مالكٍ
وغيرِه في ذلك كافٍ شافٍ، كما جاء في الحديث (٤)، وسيأتي في سورة مريم القولُ
في ابتدائهم بالسَّلام عند قوله تعالى إخباراً عن إبراهيم في قوله لأبيه: ﴿سَلَمُّ عَلَّكَ﴾
[الآية: ٤٧].
وفي صحيح مسلم (٥) عن أبي هريرة، عن النبيِّ﴾ قال: ((لا تدخلون الجنةً حتى
تؤمنوا، ولا تؤمنوا(٦) حتى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتُم؟ أفْشُوا
(١) في (م): والأولى.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٣١، والبخاري في الأدب المفرد (١١٠٧)، وأبو يعلى (١٥٣٠)، وابن أبي
الدنيا في الصمت (٣٠٩)، والطبري ٧/ ٢٧٥، من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس
رضي الله عنهما. ورواية سماك عن عكرمة مضطربة. ينظر تهذيب التهذيب ١١٥/٢.
(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٧٥ عن قتادة، وأورده الباجي في المنتقى ٧/ ٢٨١ عن الشعبي.
(٤) المفهم ٥/ ٤٩٢، وينظر الاستذكار ١٤١/٢٧ - ١٤٢. والحديث سلف في المسألة التاسعة.
(٥) برقم (٥٤)، وهو عند أحمد (٩٠٨٤).
(٦) في (د): تؤمنون، وهي موافقة لرواية الحديث عند أحمد، وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم
٣٦/٢: ((ولا تؤمنوا)) بحذف النون من آخره وهي لغة معروفة صحيحة اهـ. وصوَّب أبو العباس في
المفهم ٢٤٢/١ الرواية بإثبات النون؛ لأن ((لا)) نفي لا نهي.