Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سورة النساء: الآيتان ٥٦ - ٥٧
وجِلْدَةُ بَيْنَ العيْنِ والأنفِ سالمُ(١)
يلومونني في سالمٍ وألومُهم
فكلَّما احترقت السرابيلُ أُعيدت. قال الشاعر:
فويلٌ لتَيْمِ من سرابيلها الخُضْرِ(٢)
كسا اللؤمُ تَيْماً خضرةً في جلودها
فكنَى عن الجلود بالسرابيل.
وقيل: المعنى: أَعَدْنا الجلدَ الأوَّلَ جديداً، كما تقول للصائغ: صُغ لي من هذا
الخاتَم خاتماً غيرَه؛ فيكسِره ويصوغُ لك منه خاتَماً. فالخاتَمُ المصوغُ هو الأوَّل، إلا
أنَّ الصياغة تغيَّرت والفضةٌ واحدةٌ. وهذا كالنفس إذا صارتْ تُراباً وصارت لا شيء،
ثم أحياها الله تعالى.
وكعهدك بأخٍ لك صحيحٍ، ثم تراه بعد ذلك سقيماً مُدْنِفاً، فتقول له: كيف أنت؟
فيقول: أنا غيرُ الذي عَهْتَ. فهو هو، ولكنَّ حالَه تغيَّرت(٣). فقول القائل: أنا غير
الذي عهدتَ، وقوله تعالى: ﴿غَيْرَهَا﴾ مَجاز. ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وهي تلك الأرضُ بعينها، إلا أنَّها تغيَّر(٤) آكامُها وجبالها
وأنهارها وأشجارها، ويزادُ في سَعَتها، ويُسوَّى ذلك منها(٥)، على ما يأتي بيانُه في
سورة إبراهيم (٦) عليه السلام.
ومن هذا المعنى قولُ الشاعر :
فما الناسُ بالناسِ الذين عَهِدْتُھم
ولا الدَّارُ بالدَّار التي كنتُ أعْرِفُ(٧)
(١) أخرجه ابن سعد ١٩٦/٥ من طريق خالد بن أبي بكر قال: بلغني أن عبد الله بن عمر كان يلام في حب
سالم فيقول: يلومونني ...
(٢) قائله جرير، وهو في ديوانه ص ١٦٢، وذكره سيبويه في الكتاب ٣٣٣/١ برواية: فويلاً لتيم ...
(٣) تفسير البغوي ١/ ٤٤٣ .
(٤) في (ظ): تغيرت.
(٥) تفسير أبي الليث ١/ ٤٦٢ .
(٦) عند تفسير الآية: ٤٨ .
(٧) قائله العباس بن عبد المطلب كما ذكر القزويني في الإيضاح ص ٤١٤، وورد بلا نسبة في مجالس
ثعلب ص٤٩، وجمهرة الأمثال ٩٦/١، وغرر الخصائص الواضحة ص ١٦٥. وقد ذكره القزويني =

٤٢٢
سورة النساء: الآيتان ٥٦ - ٥٧
وقال الشّعبيُّ: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة! ذمَّت
دهرها، وأنشدت بيتَيْ لَبِيد :
وبقِيتُ في خَلْفٍ كچِلْدِ الأجْربِ
ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم
ويعاب قائلُهم وإنْ لم يَشْغَبٍ (١)
يتَلذَّذون مَجَانَةً ومَذَلَّةً
فقالت: رحم الله لَبِيداً، فكيف لو أدركَ زمانَنا هذا؟! فقال ابن عباس: لئن ذمَّت
عائشةُ دهرَها(٢) لقد ذمَّت عادٌ دهرَها؛ لأنه وُجدَ في خِزانة عادٍ بعدَ ما هلكوا بزمن
طويل سهمٌ كأطولِ ما يكونُ من رماح ذلك الزمن، عليه مكتوب:
إذِ الناسُ ناسٌ والبلادُ بِلاد(٣)
بلادٌ بها كُنَّا ونحن بأهلها
البلادُ باقيةٌ كما هي، إلا أنَّ أحوالَها وأحوالَ أهلها تنكّرت وتغيّرت.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِزًا﴾ أي: لا يُعجزُه شيءٌ ولا يفوتُه. ﴿حَكِيمًا﴾ في إيعاده عبادَه.
وقوله في صِفة أهل الجنَّة: ﴿وَتُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ يعني كثيفاً لا شمسَ فيه.
الحسن: وُصف بأنه ظليل؛ لأنَّه لا يدخلُه ما يدخلُ ظلَّ الدنيا من الحرِّ والسَّمُوم
ونحو ذلك. وقال الضحاك: يعني ظلالَ الأشجار وظلالَ قصورها. الكلبي: ﴿ظِلَّا
ظَلِيلًا﴾ يعني دائماً (٤).
= مثالاً على السرقات الشعرية فقال: وكقول العباس بن عبد المطلب : وما الناس ... تعلم، وقول
الفرزدق: وما الناس .. تعرف.
(١) ديوان لبيد ص٣٤، والحديث عن عائشة أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٨٣)، وعبد الرزاق
(٢٠٤٤٨)، والبخاري في التاريخ الصغير ٥٦/١ من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، وذكره ابن
عبد البر في بهجة المجالس ٢/ ٧٩٧ ، وقد اضطربت رواية صدر البيت الثاني في هذه المصادر.
(٢) في (ظ): دهرنا.
(٣) أخرجه الصيداوي في معجم الشيوخ ص١٠٢ - ١٠٤ إلا أنه لم يذكر البيت الأخير هذا، وذكر في آخر
الخبر قول ابن عباس: ما بكينا من دهر إلا بكينا عليه. وذكر الخبر بنحوه ابن عبد البر في بهجة
المجالس ٧٩٨/٢، فذكر في آخره بيتين هذا أحدهما، وينظر الأغاني ٢١ / ٩٣ - ٩٤ .
(٤) قول الضحاك والكلبي في تفسير أبي الليث ١/ ٣٦٢.

٤٢٣
سورة النساء: الآية ٥٨
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ
٠
٢٥٨)
أَنْ تَّحْكُمُوْ بِالْعَدْلِّ إِنَّ اللَّهَ نِمَا يَعِفُكُمْ بِّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا
فيه مسألتان :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْآَمَنَتِ﴾ هذه الآية من أمَّهات
الأحكام؛ تضمَّنت جميع الدِّين والشرع.
وقد اختُلِف مَن المخاطبُ بها؟ فقال علي بن أبي طالب وزيد بن أسلم وشَهْر بن
حَوْشَب وابن زيد: هذا خطابٌ لولاة المسلمين خاصَّةً، فهي للنبيِّ ﴾ وأُمَرائه، ثم
تتناولُ مَن بعدَهم(١).
وقال ابنُ جُريج وغيره: ذلك خطابٌ للنبيِّ ◌َ* خاصَّةً في أمر مِفتاح الكعبة حين
أخذَه مِن عثمانَ [بن طلحة] بن أبي طلحةَ الحَجَبِي العَبْدِرِي من بني عبد الدَّار، ومن
ابن عمِّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وكانا كافرين وقتَ فتح مكة (٢)، فطلبه العباسُ
ابن عبد المطّلب لتنضاف له السِّدانة إلى السِّقاية، فدخل رسولُ الله ﴿ الكعبةَ، فكسَر
ما كان فيها من الأوثان، وأخرجَ مقامَ إبراهيمَ، ونزل عليه جبريلُ بهذه الآية. قال عمر
ابنُ الخطاب: وخرجَ رسولُ اللـه ◌َ﴾ وهو يقرأ هذه الآية. وما كنتُ سمعتُها قبلُ منه.
فدعا عثمانَ وشيبةَ، فقال: ((خُذاها خالدةً تالدةً، لا ينزِعُها منكم إلا ظالم)). وحكى
مَكِّيٍّ: أنَّ شيبةَ أرادَ ألا يدفعَ المفتاح، ثم دفعَه، وقال للنبيِّ﴾: خذه بأمانة الله(٣).
(١) المحرر الوجيز ٧٠/٢، وقول علي أخرجه سعيد بن منصور (٦٥١ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٢١٣/١٢،
والطبري ١٦٩/٧. وقول زيد أخرجه ابن أبي شيبة ٢٢٢/١٢، والطبري ١٦٩/٧، وأخرج باقي الأقوال
الطبري ٧/ ١٦٩ - ١٧٠ .
(٢) عثمان بن طلحة # تقدمت ترجمته في أول السورة، وذكرنا ثمَّة أنه أسلم في هدنة الحديبية، أما قول
المصنف إنه كان يوم الفتح كافراً، فلعله تبع فيه الثعلبي ، فقد نقل ذلك عنه الحافظ في الإصابة
٣٨٧/٦ وقال: وهذا منكر، والمعروف أنه أسلم وهاجر مع عمرو بن العاص وخالد بن الوليد.
(٣) المحرر الوجيز ٧٠/٢، والكلام منه عدا قوله: وكانا كافرين وقت فتح مكة، وخبر ابن جريج أخرجه
بنحوه الطبري ٧/ ١٧٠ - ١٧١ ، وما بين حاصرتين منه ومن المحرر الوجيز، وخبر عمر قطعة منه، =

٤٢٤
سورة النساء: الآية ٥٨
وقال ابن عباس: الآية في الولاة خاصةً، في أن يَعِظوا النساءَ في النشوز ونحوِه،
ويردُّوهنَّ إلى الأزواج.
والأظهرُ في الآية أنَّها عامَّةٌ في جميع الناس، فهي تتناولُ الولاة فيما إليهم من
الأمانات في قسمة الأموال، وردّ الظّلامات، والعدل في الحكومات(١). وهذا اختيارُ
الطبري(٢). وتتناولُ من دونّهم (٣) من الناس في حفظ الودائع، والتحرُّز في
الشهادات، وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلةٍ ما ونحوه. والصلاةُ والزكاةُ وسائرُ
العبادات أمانة الله تعالى.
ورُوي هذا المعنى مرفوعاً من حديث ابن مسعود عن النبي # قال: ((القتلُ في
سبيل الله يكفِّرُ الذنوبَ كلَّها - أو قال: كلَّ شيء - إلا الأمانةَ، والأمانةُ في
الصلاة(٤)، والأمانةُ في الصوم، والأمانةُ في الحديث، وأشدُّ ذلك الودائع)). ذكره أبو
نُعيم الحافظُ في الحلية(٥).
= وهو منقطع؛ لأن ابن جريج لم يدرك عمر. وقصة العباس في طلب السدانة أخرجها مطولة ابن
مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما ذكر الحافظ في
العجاب ٨٩٢/٢.
وقوله #: ((خذاها خالدة ... )) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص١٥١ من حديث شيبة بن عثمان بن
أبي طلحة بلفظ: ((خذوها يا بني أبي طلحة خالدة ... )) وأخرجه الطبراني في الكبير (١١٢٣٤)، وابن
عدي ٤/ ١٤٥٥، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده عبد الله بن مؤمل، قال فيه
الحافظ في التقريب ص٢٦٨ : ضعيف. وأخرجه الواحدي ص١٥١ عن مجاهد مرسلاً.
(١) المحرر الوجيز ٢/ ٧٠، وخبر ابن عباس أخرجه الطبري ٧/ ١٧٠ .
(٢) في تفسيره ٧/ ١٧١ .
(٣) في المحرر الوجيز ٧٠/٢: وتتناولهم ومن دونهم.
(٤) في (د) و(ز): كل شيء إلا الأمانة في الصلاة.
(٥) ٢٠١/٤، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٠٢/١٩، والطبراني في الكبير (١٠٥٢٧).
وأخرجه ابن أبي حاتم (٥٥١٢) وأبو نعيم ٢٠١/٤، والبيهقي في الشعب (٥٢٦٦) عن ابن مسعود ﴾
موقوفا. قال الدارقطني في العمل ٧٧/٥: الموقوف هو الصواب. وأخرج مسلم (١٨٨٦) من حديث
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي # قال: ((القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدَّين))
وقد سلف ٤١٣/٥.

٤٢٥
سورة النساء: الآية ٥٨
وممن قال: إنَّ الآيةَ عامة في الجميع البراءُ بن عازبٍ وابنُ مسعود وابن عباسٍ
وأُبيّ بن كعب، قالوا: الأمانة في كلِّ شيء: في الوضوء والصلاة والزكاة، والجنابة،
والصوم، والكيل والوزن، والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخّصِ الله لمعسرٍ ولا
الموسرٍ أنْ يُمسكَ الأمانةَ(١).
قلت: وهذا إجماع. وأجمعوا على أن الأمانات مردودةٌ إلى أربابها، الأبرارِ منهم
والفجَّار، قاله ابن المنذر(٢).
والأمانة مصدرٌ بمعنى المفعول، فلذلك جُمع. ووجه النظم بما تقدَّم: أنه تعالى
أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفةً محمد ﴿، وقولهم: إنَّ المشركين أهْدَى سبيلاً،
فكان ذلك خيانةً منهم، فانجرَّ الكلامُ إلى ذكر جميع الأمانات، فالآيةُ شاملةٌ بنظمها
لكلِّ أمانةٍ، وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا. وأمهاتُها في الأحكام: الوَدِيعةُ واللُّقَطَّةُ،
والرهنُ والعارِيَّةُ.
وروى أُبَيُّ بن كعب قال: سمعت رسول الله ﴾ يقول: ((أَدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمنَكَ،
ولا تَخُنْ مَن خانَك)). أخرجه الدَّارَقُظْنيُّ(٣). ورواه أنس وأبو هريرة عن النبيِّ ◌ٍ﴾، وقد
(١) أخرجه الطبري ١٧٢/٧، وورد قول البراء بإثر حديث ابن مسعود ﴾ المذكور آنفاً حيث قيل له:
ألم تسمع ما قال أخوك عبد الله بن مسعود؟ فقال: صدق، ألم تسمع الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن
تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إلَى أَهْلِهَا﴾. أما قول أُبيِّ ﴾، فذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٩٨/١.
(٢) الإشراف ٢٥١/١ .
(٣) في سننه (٢٩٣٥)، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في العلل ٢/ ٥٩٢ وهو من طريق يوسف بن يعقوب
رجل من قريش، عن أبيٍّ ﴾، عن النبي 98. قال ابن الجوزي: يوسف بن يعقوب مجهول، وفيه محمد
ابن ميمون، قال ابن حبان: منكر الحديث جداً، لا يحل الاحتجاج به. قال ابن الملقن في خلاصة البدر
المنير ١٥٠/٢: قال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي 8 من وجه صحيح. قلت (القائل ابن
الملقن): له طرق ستة كلها ضعاف. ونقل البيهقي ٢٧١/١٠ عن الشافعي قوله: هذا الحديث ليس بثابت
عند أهل العلم منكم، ولو كان ثابتاً لم يكن فيه حجة علينا .. إذ دلت السنة وإجماع كثير من أهل العلم
على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرًّا من الذي هو عليه، فقد دلَّ أن ذلك ليس بخيانة، الخيانة أخذ ما لا
يحل أخذه ..

٤٢٦
سورة النساء: الآية ٥٨
تقدَّم في ((البقرة))(١) معناه.
وروى أبو أمامة قال: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول في خُطبته عامَ حجَّةِ الوداع:
((العارِيَّةُ مؤدَّاةٌ، والمِنْحةُ مردودةٌ، والدَّينُ مَقْضِيٍّ، والزَّعيم غارم)). صحيح، أخرجَه
الترمذيُّ وغيرُه. وزاد الدارَقُظْنيُّ: فقال رجل: فَعَهْدُ الله؟ قال: ((عهدُ الله أحقُّ ما
أُدِّي)»(٢).
وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في ردِّ الوديعة - وأنَّها مضمونةٌ، على كلِّ حال
كانت، مما يغاب عليها أو لا يغاب، تُعدِّي فيها أو لم يُتعدَّ - عطاءٌ والشافعيُّ
وأحمدُ(٣) وأشهب. ورُوي أنَّ ابن عباس وأبا هريرةَ رضي الله عنهما ضمَّنا الوديعةَ (٤).
وروى ابنُ القاسم عن مالك: أنَّ مَن استعارَ حيواناً أو غيرَه مما لا یغاب عليه،
فتلِف عنده، فهو مصدَّق في تَلَفِه، ولا يضمنُه إلا بالتَّعدِّي. وهذا قول الحسن البصريِّ
والنَّخَعيِّ، وهو قول الكوفيين والأوزاعِيّ؛ قالوا: ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام:
((العارِيَّةُ مُؤَدّاة)) هو كمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّ يَأْمُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فإذا
تَلِفَت الأمانةُ، لم يلزم المؤتَمَنَ غُرْمُها لأنَّه مصَدَّقٌ، فكذلك العارِيَّة إذا تَلِفَت من غير
تَعَدِّ؛ لأنه لم يأخذها على الضمان، فإذا تلِفَت بتعدِّيهِ عليها، لزمه قيمتُها لجنايته
عليها. ورُوي عن عليٍّ وعمر وابن مسعود: أنَّه لا ضمانَ في العاريَّةِ(٥).
وروى الدارَقُطْنيُّ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسول اللـه لَ﴾
قال: ((لا ضمانَ على مؤتَمَن))(٦).
(١) ٢٤٨/٣، وانظر التعليق السابق.
(٢) سنن الترمذي (١٢٦٥)، وسنن الدار قطني (٢٩٥٩)، وقد سلف ٤٤٨/١ .
(٣) ينظر معالم السنن ٣/ ١٧٧.
(٤) أخرجه عنهما عبد الرزاق (١٤٩١) و (١٤٩٢).
(٥) ينظر الإشراف ٢٥١/١ - ٢٥٢، والتمهيد ٣٨/١٢ - ٤٤، ومعالم السنن ١٧٧/٣، وأخرج الآثار عن
علي وعمر وابن مسعود عبد الرزاق (١٤٧٨٥) و (١٤٧٨٦) و (١٤٧٨٨) و (١٤٨٠١).
(٦) في سننه (٢٩٦١)، وأخرجه البيهقي ٢٨٩/٦، وقال: إسناده ضعيف.

٤٢٧
سورة النساء: الآية ٥٨
واحتجَّ الشافعيُّ فيما استدلَّ به بقول صَفْوان للنبيِّلَ﴾ لمَّا استعارَ منه الأدراع:
أعارِيَّةٌ مضمونةٌ، أو عاريَّة مؤذَّاة؟ فقال: ((بل عاريَّةٌ مؤذَّا)) (١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَّحْكُمُواْ يَلْعَدْلِ﴾ قال الضَّحَّاكَ: بالبيّنة
على المدّعِي، واليمينٍ على مَن أَنكر(٢). وهذا خطابٌ للولاة والأمراء والحكّام،
ويدخل في ذلك بالمعنى جميعُ الخلق، كما ذكرنا في أداء الأمانات. قال :﴿: ((إن
المُقْسِطين يومَ القيامة على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين
يَعدلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا))(٣). وقال: ((كلُّكم راع، وكلُّكم مسؤول عن
رعيته، فالإمام راعٍ، وهو مسؤول عن رعيَّته، والرجل راعٍ على أهله، وهو مسؤول
عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيت زوجها، وهي مسؤولةٌ عنه، والعبدُ راعٍ على مال سيِّده،
وهو مسؤول عنه، ألَا فكلُّكم راع، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته))(٤).
فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كلَّ هؤلاء رعاةً وحكاماً على مراتبهم،
وكذلك العالم الحاكم؛ لأنَّه إذا أفْتى حكمَ وقضى(٥)، وفَصَلَ بينَ الحلال والحرام،
والفرضِ والندبِ، والصِّحة والفساد، فجميعُ ذلك أمانةٌ تؤدَّى، وحكم يُقْضَى.
وقد تقدَّم في ((البقرة))(٦) القول في ((نِعِمَّا)).
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٦٦)، والنسائي في الكبرى (٥٧٤٤)، وأخرجه بنحوه أحمد (١٧٩٥٠)، وهو من
حدیث یعلى بن أمية ﴾.
(٢) تفسير أبي الليث ١/ ٣٦٢ .
(٣) أخرجه أحمد (٦٤٩٢)، ومسلم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. قوله:
((وكلتا يديه يمين)): تنبيه على أنه ليس المراد باليمين جارحةٌ، تعالى الله عن ذلك؛ فإنها مستحيلة في
حقه سبحانه وتعالى. والمراد بكونهم عن اليمين: الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة. ينظر إكمال المعلم
٢٢٧/٦ - ٢٢٨، وشرح النووي لصحيح مسلم ٢١٢/١٢، والمفهم ٢٣/٤ .
(٤) أخرجه أحمد (٦٤٩٢)، والبخاري (٥٢٠٠)، ومسلم (١٨٢٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٥) في النسخ الخطية: لأنه إذا حكم أفتى وقضى، وفي أحكام القرآن لابن العربي ٤٥١/١ (والكلام
منه): فإنه إذا أفتى يكون قضى، والمثبت من (م).
(٦) ٤/ ٣٦٢.

٤٢٨
سورة النساء: الآيتان ٥٨ - ٥٩
﴿إِنَّ اللَّهَ كَنَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وصفَ الله تعالى نفسَه بأنَّه سميع بصير يَسمعُ ویری؛
كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] فهذا طريقُ السمع، والعقل
يدلُّ على ذلك؛ فإنَّ انتفاءَ السمع والبصر يدلُّ على نقيضَيْهما من العَمَى والصَّمَم، إذ
المحلُّ القابل للضدَّين لا يخلو من أحدهما، وهو تعالى مقدَّس عن النقائص(١)،
ويستحيلُ صدورُ الأفعالِ الكاملةِ من المتَّصف بالنقائص، كخلق السمع والبصر ممن
ليس له سمعٌ ولا بصر. وأجمعَتِ الأمَّة على تنزيهه تعالى عن النقائص. وهو أيضاً
دليل سمعِيٍّ يُكتَفَى به مع نصِّ القرآن في مناظرة مَن تجمعُهم كلمةُ الإسلام. جلَّ الربُّ
تبارك وتعالى عمّا يتوهّمه المتوهِّمون، ويختلقه المفترون الكاذبون ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ
الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠].
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَلِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن
تَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَلَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِّ ذَلِكَ خَّرٌ
﴾.
(٥٩)
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: لمَّا تقدَّمَ إلى الولاة في الآية المتقدِّمة وبدأ بهم، فأمرهم بأداء
الأمانات(٢)، وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدَّم في هذه الآية إلى الرعيَّة، فأمر
بطاعته جلَّ وعزَّ أوّلاً، وهي امتثالُ أوامره واجتنابُ نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانياً فيما
أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثاً، على قول الجمهور(٣): أبي هريرة(٤) وابنٍ
(١) ينظر الإنصاف للباقلاني ص٣٧ .
(٢) لكنه قال ثمة: الأظهر في الآية - يعني قوله تعالى: ﴿أَنْ تُؤَدُواْ الْأَمَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ أنها عامة في جميع
الناس، فهي تتناول الولاة ... وتتناول من دونهم من الناس ...
(٣) وهو القول الأول في المسألة.
(٤) في (خ) و (د) و(م): وأبي هريرة، والمثبت من (ز) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢/ ٧٠
والكلام منه.

٤٢٩
سورة النساء: الآية ٥٩
عباسٍ وغيرهم(١).
قال سهل بن عبد الله التُّسْتَريُّ: أطيعوا السلطان في سبعة: ضربِ الدراهمِ
والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحجِّ، والجمعة، والعيدين، والجهاد.
قال سهل: وإذا نهى السلطانُ العالِمَ أن يُفتيَ فليس له أن يُفتيَ، فإن أفتى فهو عاصٍ،
وإن كان أميراً جائراً.
وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وأما طاعةُ السلطان؛ فتجب فيما كان لله فيه طاعة،
ولا تجب فيما كان لله فيه معصية؛ ولذلك قلنا: إنَّ ولاةَ زماننا لا تجوز طاعتُهم
ولا معاونتُهم ولا تعظيمُهم، ويجب الغزوُ معهم متى غَزَوْا، والحُكْمُ مِن قِبَلهم،
وتوليةُ الإمامة والحِسْبة، وإقامةُ ذلك على وجه الشريعة. وإن صَلَّوا بنا وكانوا فَسَقةً من
جهة المعاصي، جازت الصَّلاةُ معهم، وإن كانوا مُبْتدِعةً لم تَجُز الصلاةُ معهم، إلّا أن
يُخافوا، فيُصلَّى معهم تَقِيَّةً وتعادُ الصلاة.
قلت: رُوي عن علي بن أبي طالب ﴾ أنه قال: حقٌّ على الإمام أن يَحكمَ بالعدل
ويؤدِّيَ الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأن الله تعالى أَمر (٢)
بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعتهم (٣).
وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: أولو الأمر: أهلُ القرآن والعلم (٤)، وهو
(١) أخرجه عن أبي هريرة ﴾ ابنُ أبي شيبة ٢١٢/١٢ - ٢١٣، والطبري ٧/ ١٧٦ . وأخرجه عن ابن عباس
رضي الله عنهما أحمد (٣١٢٤)، والبخاري (٤٥٨٤)، ومسلم (١٨٣٤) وهو في خبر عبد الله بن
حذافة، وسيأتي لفظه قريباً.
(٢) في (م): أمرنا.
(٣) في (د) و(ز) و(م): بطاعته، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في تفسير أبي الليث ٣٦٤/١،
والكلام منه، وأخرج قول عليٍّ ه سعيد بن منصور (٦٥١ - تفسير) وابن أبي شيبة ٢١٣/١٢،
والطبري ١٦٩/٧ .
(٤) أخرجه عن جابر ﴾ ابن أبي شيبة ٢١٣/٢، والطبري ١٧٩/٧، والحاكم ١٢٢/١ - ١٢٣ وصححه.
وعن مجاهد أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١٦٦/١، والطبري ١٨٠/٧.

٤٣٠
سورة النساء: الآية ٥٩
اختيار مالكٍ رحمه الله (١)، ونحوُه قولُ الضحَّاك، قال: يعني الفقهاءَ والعلماء في
الدين(٢).
وحُكي عن مُجاهدٍ أنهم أصحابُ محمد ﴿ خاصَّة(٣).
وحُكي عن عِكرمة أنها إشارةٌ إلى أبي بكر وعمرَ رضي الله عنهما خاصة(٤).
ورَوى سفيان بنُ عُيينة عن الحَكَم بنٍ أَبَانَ أنه سأل عِكرمة عن أمهات الأولاد، فقال:
هنَّ حرائر(٥). فقلت: بأيِّ شيءٍ؟ قال: بالقرآن، قلت: بأيِّ شيء في القرآن؟ قال:
قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهُ وَأَلِيمُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ وكان عمر من أولي الأمر؛
قال: عَتقَتْ ولو بسِقْط(٦). وسيأتي هذا المعنى مُبَيَّناً في سورة الحَشْر، عند قوله
تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الآية: ٧].
وقال ابن كَيْسان: هم أولو العقل والرأي الذين يدبِّرون أمرَ الناس(٧).
قلت: وأصحُّ هذه الأقوالِ الأوَّلُ والثاني، أما الأوَّلُ؛ فلِأنَّ أصلَ الأمرِ منهم
والحكم إليهم. وروى الصحيحان عن ابن عباس(٨) قال: نزل: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَطِيعُواْ اللَّهُ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في عبد الله بن حُذافة بنِ قيس بن عَدِيٌّ
السَّهْمِيِّ؛ إذ بعثه النبيُّ ﴿ فِي سَرِيَّة.
قال أبو عمر(٩): وكان في عبد الله بن حُذافة دُعابةٌ معروفة، ومن دعابته أنَّ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٥٢ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٦٣/١. (وهو القول الثاني).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢١٣/١٢، والطبري ٧/ ١٨٢. (وهو القول الثالث).
(٤) أخرجه الطبري ٧/ ١٨٢ . (وهو القول الرابع).
(٥) في النسخ: أحرار، والمثبت من (م).
(٦) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٥٧ - تفسير)، وعكرمة لم يسمع من عمر ﴾.
(٧) وهو القول الخامس ، ولم نقف عليه.
(٨) صحيح البخاري (٤٥٨٤)، وصحيح مسلم (١٨٣٤). وقد تقدم تخريجه قريباً.
(٩) في الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٦/ ١٥٢ - ١٥٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

٤٣١
سورة النساء: الآية ٥٩
رسول الله ﴿ أَمَّره على سَرِيَّة، فأمرهم أن يجمعوا حطباً ويوقدوا ناراً، فلما أوقدوها
أمرهم بالتقُّم فيها، [فأبَوْا]، فقال لهم: ألم يأمركم رسولُ اللـه # بطاعتي؟! وقال:
((مَن أطاعَ أميري فقد أطاعني)). فقالوا: ما آمنا بالله واتَّبعنا رسولَه إلَّا لنتجوَ من النار!
فصوَّب رسولُ اللـه ﴿ فِعْلَهم، وقال: ((لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق، قال الله
تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩])). وهو حديثٌ صحيح الإسناد مشهور(١).
وروى محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمر بن الحكم بن ثَوْبان، أن أبا سعيدٍ
الخُذْريَّ قال: كان عبد الله بنُ حذافةَ بن قيسِ السَّهْميُّ من أصحاب بَدْرٍ، وكانت فيه
دُعابة(٢).
وذكر الزبيرُ قال: حدَّثني عبد الجبار بن سعيد، عن عبد الله بن وهبٍ، عن اللَّيث
ابن سعدٍ قال: بلغني أنه حلَّ حِزامَ راحلةِ رسول الله ﴿ في بعض أسفاره، حتى كاد
رسول الله * يقع. قال ابن وهب: فقلت للَّيث: ليُضْحِكَه؟ قال: نعم، كانت فيه
دُعابة(٣) .
قال ميمون بن مِهْرَان ومقاتلٌ والكلبيُّ: أولو الأمر: أصحابُ السَّرايا (٤).
وأما القول الثاني: فيدلُّ على صحّته قولُه تعالى: ﴿فَإِن ◌َعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾. فأَمَر تعالى بردِّ المتنازَع فيه إلى كتاب الله وسنَّةِ نبيِّه ◌َ﴾، وليس لغير العلماء
معرفةُ كيفيةِ الردِّ إلى الكتاب والسنة(٥)، ويدلُّ هذا على صحة كونِ سؤالِ العلماءِ
(١) أخرجه أحمد (٦٢٢)، والبخاري (٤٣٤٠) ومسلم (١٨٤٠) من حديث علي ﴾، دون قوله: ((من
أطاع أميري فقد أطاعني)) فإنه من حديث أبي هريرة ، أخرجه أحمد (٧٦٥٦)، والبخاري (٧١٣٧)،
ومسلم (١٨٣٥).
(٢) أخرجه أحمد (١١٦٣٩)، وابن ماجه (٢٨٦٣).
(٣) الاستيعاب ١٥٢/٦، وعبد الجبار بن سعيد هو المساحقي، قال العقيلي: له مناكير، وذكره ابن حبان
في الثقات. لسان الميزان ٣٨٨/٣، وينظر الثقات ٤١٨/٨.
(٤) أخرجه الطبري ١٧٧/٧ عن ميمون بن مهران، وأورده أبو الليث ٣٦٣/١ عن مقاتل والكلبي.
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٧٢ .

٤٣٢
سورة النساء: الآية ٥٩
واجباً، وامتثالٍ فتواهم لازماً.
قال سهل بن عبد الله رحمه الله: لا يزال الناس بخيرٍ ما عّموا السلطان
والعلماء، فإذا عظّموا هذين؛ أصلح اللهُ دنياهم وأُخراهم، وإذا استخَقُّوا بهذين؛
أفسد(١) دنياهم وأخراهم.
وأما القول الثالث؛ فخاصٌّ، وأَخصُّ منه القولُ الرابع.
وأما الخامس فيأباه ظاهرُ اللفظ؛ وإن كان المعنى صحيحاً، فإن العقل لكلِّ
فضيلةٍ أُسٌّ، ولكلٍّ أدبٍ ينبوع، وهو الذي جعله الله للدِّين أصلاً، وللدنيا عماداً،
فأوجب التكليفَ(٢) بكماله، وجعل الدنيا مدَبَّرةً بأحكامه، والعاقلُ أقرب إلى ربِّه
تعالى من جميع المجتهدین بغیر عقل. ورُوي هذا المعنی عن ابن عباس.
وزَعَم قومٌ أن المراد بأولي الأمر: عليٍّ والأئمةُ المعصومون. ولو كان كذلك ما
كان لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ معنىّ، بل كان يقول فردُّوه إلى الإمام وأولي
الأمر، فإنَّ قوله عند هؤلاءِ هو المحكّمُ على الكتاب والسنة(٣). وهذا قولٌ(٤)
مهجورٌ، مخالفٌ لِمَا علیه الجمهور.
وحقيقة الطاعة امتثالُ الأمر، كما أن المعصية ضدُّها، وهي مخالفة الأمر.
والطاعة مأخوذةٌ من: طاع(٥)؛ إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من: عصى؛ إذا
اشتدّ .
و ((أُولُو)) واحدُهم: ((ذو)) على غير قياسٍ، كالنساء(٦) والإِبل والخيل، كلُّ واحدٍ
(١) في النسخ: فسد، والمثبت من (م).
(٢) في (د) و(م): فأوجب الله التكليف، والمثبت من (ز) و(ظ).
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣ .
(٤) لفظة: قول، من (م).
(٥) في النسخ: أطاع، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٤٥١/١، والكلام منه، وينظر الصحاح
(طوع).
(٦) في (ظ): كالشياه.

٤٣٣
سورة النساء: الآية ٥٩
اسمُ الجمع، ولا واحدَ له من لفظه(١). وقد قيل في واحد الخيل: خائل، وقد
تقدَّم(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ﴾ أي: تجادلتُم واختلفتم؛ فكأنَّ كلَّ
واحد ينتزع حُجَّةَ الآخر ويُذهبها(٣). والنزع: الجَذْب. والمنازعة: مجاذبة الحُجَج(٤)؛
ومنه الحديث: ((وأنا أقولُ: مالي ينازعُني القرآن))(٥). وقال الأعشى:
نازَعْتُهمْ قُضُبَ الرَّيخان مُتَّكِئاً وقهوةً مُزَّة رَاوُوقها خَضِل(٦)
﴿فِي شَىءٍ﴾ أي: من أمر دينكم. ﴿فَرُدُوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: رُدُّوا ذلك الحكمَ
إلى كتاب الله، أو إلى رسوله، بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سُنَّته بعد وفاته ﴿؛
هذا قول مجاهدٍ والأعمش وقَتادة، وهو الصحيح(٧). ومَن لم يَرَ هذا اختَلَّ إيمانه؛
لقوله تعالى: ﴿إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ﴾.
وقيل: المعنى قولوا: اللهُ ورسولُه أعلم؛ فهذا هو الردُّ. وهذا كما قال عمر بنُ
الخطاب : الرجوع إلى الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل(٨).
(١) تفسير الرازي ١٠/ ١٥٢.
(٢) ٤ / ٣٢ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٦٨/٢ .
(٤) تهذيب اللغة ٢/ ١٤١ .
(٥) سلف ١٨٨/١ وهو من حديث أبي هريرة ﴾.
(٦) ديوان الأعشى ص١٠٩، والخزانة ٣٥٣/١١. القهوة: الخمر، المُزَّة: اللذيذة الطعم، أو التي طعمها
بين الحلاوة والحموضة. والراووق: إناء الخمر، والخَضِل: الدائم الندى. وقوله: نازعتهم ... ، یرید:
تناولت منهم قضب الريحان عند التحية، وقال الأصمعي: هذا تمثيل، يريد: نازعتهم حَسَن الأحاديث
وطرائفها. ينظر تهذيب اللغة ١٧٦/١٣، والخزانة ٣٥٥/١١ .
ووقع بعد البيت في (م) ما نصه: الخَضِل: النبات الناعم، والخّضِيلة: الروضة. اهـ. وليس المعنى
هذا مراداً في البيت، بل معناه ما تقدم ذكره.
(٧) المحرر الوجيز ٢/ ٧١، وأخرج أقوالهم الطبري ٧/ ١٨٥ - ١٨٧.
(٨) تفسير أبي الليث ٣٦٣/١، وقد سلف قول عمر ﴾ ٤٥٩/٣ .

٤٣٤
سورة النساء: الآية ٥٩
والقولُ الأوَّل أصحُّ؛ لقول عليٍّ ﴾: ما عندنا إلَّا ما في كتاب الله، وما في هذه
الصحيفة، أو فَهْمٌ أُعطِيَهُ رجلٌ مسلم(١). ولو كان كما قال هذا القائلُ، لبَطَلَ الاجتهادُ
الذي خُصَّ به هذه الأُمةُ، والاستنباط الذي أعطِيَها، ولكنْ تُضرب الأمثالُ ويُطلَبُ
المثال حتى يخرجَ الصواب. قال أبو العالية: وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمّ﴾ [النساء: ٨٣](٢) .
نعم، ما كان مِمَّا استأثر اللهُ بعلمه، ولم يُطْلِع عليه أحداً من خلقه، فذلك الذي
يقال فيه: الله أعلم.
وقد استنبط عليٍّ ه مدَّةَ أقلِّ الحَمْلِ - وأنه(٣) ستةُ أشهر - من قوله تعالى:
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا فَصَلنا الحولين من ثلاثين شهراً بقِيت ستةُ أشهر (٤)؛
ومثلُه کثیر.
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ دليلٌ على أن سُنَّتَه ◌َ﴾ يُعمل بها، ويُمْتَئل ما
فيها. قال ◌َ﴾: ((ما نَهَيْتُكُم عن شيءٍ(٥) فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فافعلوا منه ما
استطعتُم، فإنما أهلكَ مَنْ كان قبلَكم كثرةُ مسائلهم، واختلافُهم على أنبيائهم)).
أخرجه مسلم (٦).
ورَوى أبو داود عن أبي رافع عن النبيِّ ﴾ قال: «لا أُلْفِيَنَّ أحدكم مثَّكئاً على
أريكته، يأتيه الأمرُ من أمري ممَّا أمرتُ به أو نَهَيتُ عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدْنا
(١) أخرجه أحمد (٥٩٩)، والبخاري (١١١).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٥٢ - ٤٥٤، وأثر أبي العالية أخرجه الطبري ٧/ ١٨١ .
(٣) في (م): وهو.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤٥٤/١. والأثر أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٤٣) و(١٣٤٤٤). وأخرجه أيضاً
عبد الرزاق (١٣٤٤٦) والطبري ٢٠٢/٤ عن ابن عباس أنه هو المستنبط.
(٥) في (م): عنه، بدل: عن شيء.
(٦) في صحيحه (١٣٣٧)، وهو عند أحمد (٧٣٦٧) وهو من حديث أبي هريرة عته.

٤٣٥
سورة النساء: الآيات ٥٩ - ٦١
في كتاب الله اتَّبعناه(١)).
وعن العِرْبَاض بنِ ساريةً أنه حضر رسولَ الله ﴾ يخطبُ الناسَ وهو يقول:
((أيحسَبُ أحدُكم مثَّكئاً على أَرِيكته قد (٢) يَظُنُّ أنَّ الله لم يحرِّم شيئاً إلَّا ما في هذا
القرآنِ؟ ألا وإنِّي والله قد أمَرتُ ووعظتُ ونَهيت عن أشياءَ إنها لَمِثلُ القرآن
أو أكثر)»(٣). وأخرجه الترمذيُّ من حديث المِقْدام بن مَعْدِي كَرِب بمعناه وقال: حديثٌ
حسن غريب(٤). والقاطع قولُه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِةٍ أَن تُصِيبَهُمْ
فِتْنَهُ﴾ [النور: ٦٣] الآية. وسيأتي.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيٌّ﴾ أي: ردُّكم ما اختلفتُم فيه إلى الكتاب والسنة
خيرٌ من التنازع. ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: مَرجِعاً، مِنْ: آلَ يَؤُول إلى كذا، أي: صار.
وقيل: من أُلْتُ الشيء: إذا جمعتَه وأصلحتَه. فالتأويل: جمعُ معاني ألفاظٍ أَشكَلت
بلفظِ لا إشكالَ فيه، يقال: أوَّلَ اللهُ عليك أمْرَك، أي: جَمَعه(٥). ويجوز أن يكونَ
المعنى: وأحسنُ من تأويلكم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ
مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا (٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ
وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ صُدُودًا (@)
روى يزيد بنُ زُرَبْعِ عن داود بنِ أبي هند، عن الشَّعبيِّ قال: كان بين رجلٍ من
(١) سنن أبي داود (٤٦٠٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٣٨٧٦)، والترمذي (٢٦٦٣)، وقال: حسن صحيح.
(٢) في (د): وهو، وفي (ز): وقد.
(٣) سنن أبي داود (٣٠٥٠)، قال المنذري في مختصر السنن ٢٥٥/٤ : في إسناده أشعث بن شعبة
المصِّيصي، وفيه مقال.
(٤) سنن الترمذي (٢٦٦٤)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٦٠٤)، وابن ماجه (١٢). وسلف ١/ ٦٥. وينظر
فصل تبيين الكتاب بالسنة في مقدمة الكتاب ٦٤/١ ، وما أورد فيه المصنف من أحاديث في هذا
الباب.
(٥) تهذيب اللغة ٤٥٨/١٥ .

٤٣٦
سورة النساء: الآيتان ٦٠ - ٦١
المنافقين ورجلٍ من اليهود خصومةٌ، فدعا اليهوديُّ المنافقَ إلى النبيِّ ﴾؛ لأنه علم
أنه لا يقبل الرَّشوة. ودعا المنافقُ اليهوديّ إلى حّامهم؛ لأنه علم أنهم يأخذون
الرشوةً في أحكامهم؛ فلما اختلفا؛ اجتمعا على أنْ يُحكِّما كاهِناً في جُهينة؛ فأنزل
الله تعالى في ذلك: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني
المنافق، ﴿وَمَا أَنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني اليهودي، ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّغُوتِ﴾
إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُواْ ◌َسَلِيمًا﴾(١).
وقال الضحاك: دعا اليهوديُّ المنافقَ إلى النبيِّ﴾، ودعاه المنافقُ إلى كعب بن
الأشرف، وهو ((الطَّاغُوت))(٢).
ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال: كان بين رجلٍ من المنافقين - يقال له بشرٌ -
وبين يهوديِّ خصومة، فقال اليهودي: انطلِقْ بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى
كعب بن الأشرف - وهو الذي سمَّاه اللـهُ: ((الطاغوت)) أي: ذو الطغيان ــ فأبَى
اليهوديُّ أن يخاصمَه إلَّا إلى رسول الله : ﴿، فلمَّا رأى ذلك المنافقُ؛ أتى معه إلى
رسول الله ﴾، فقضى لليهودي. فلما خرجا، قال المنافق: لا أرضى، انطلقْ بنا
إلى أبي بكر، فحكم لليهوديِّ، فلم يرضَ ـ ذَكره الزجَّاج(٣) - وقال: انطلِق بنا إلى
عمر، فأقبلا إلى (٤) عمر فقال اليهودي: إنَّا صِرْنا إلى رسول اللـه ﴾، ثم إلى أبي
بكرٍ، فلم يرض؛ فقال عمر للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم. قال: رُوَيْدَكُما حتى
أَخرِجَ إليكما، فدخل وأخذ السيفَ، ثم ضرب به المنافقَ حتى بَردَ(٥)، وقال: هكذا
(١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص١٥٤، وأخرجه الطبري ٧/ ١٩٠ من طريق عبد الأعلى عن داود
به، وزاد بعد قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يقول: إلى الكاهن ﴿وَقَدْ أُمِرُوَا أَن يَكْفُرُواْ
◌ِدِ.﴾ أُمر هذا في كتابه، وأُمر هذا في كتابه، أن يكفر بالكاهن.
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٢٥/٢، وأخرجه الطبري ٧/ ١٩٥ .
(٣) معاني القرآن له ٦٩/٢ .
(٤) في (م): على.
(٥) أي: مات. المجمل ١٢٤/١ .

٤٣٧
سورة النساء: الآيات ٦٠ - ٦٣
أَقضي على مَن لم يرضَ بقضاء الله وقضاءِ رسوله، وهَرَب اليهوديُّ، ونزلت الآية،
وقال رسول اللـه ﴾: ((أنت الفَارُوق). ونزل جبريل وقال: إنَّ عمر فَرَّق بين الحقِّ
والباطل، فسُمِّي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلُّها إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا﴾(١).
وانتصب: ﴿ضَلَلَا﴾ على المعنى، أي: فيَضِلُّون ضلالاً؛ ومثلُه قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَنْبَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ ◌َانًا﴾ [نوح: ١٧](٢). وقد تقدَّم هذا المعنى مستوفى (٣).
و﴿صُدُودًا﴾ اسمٌ للمصدر عند الخليل، والمصدرُ: الصَّدُّ. والكوفيون يقولون: هما
مصدران (٤).
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيَّدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوَكَ
يَحْلِفُونَ بِلَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا
فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىَ أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا
أي: ((فَكَيْفَ)) يكون حالُهم. أو: ((فكيف)) يصنعون(٥) ﴿إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُّصِيبَةٌ﴾ أي:
مِن تَركِ(٦) الاستعانةِ بهم، وما يَلحقهم من الذلِّ في(٧) قوله: ﴿فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا
وَلَنْ نُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣].
(١) خبر ضعيف، وفي متنه نظر، فقد أورده الواحدي في أسباب النزول ص ١٥٥، والبغوي ١ / ٤٤٦ من
طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وذكره الحكيم الترمذي في نوادر
الأصول ص٥٩ عن مكحول. وأما لقب عمر بالفاروق، فهو باتفاق، وفي أخبار أخر، ينظر فتح الباري
٤٤/٧ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٦٧ .
(٣) ١٠٤/٥ - ١٠٥.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٦٧. وفي كتاب العين ٧/ ٨٠: صدَدْتُه عن كذا أصدُّه صدًّا، أي: عَدَلتُه
عنه. وصَدَدْتُ عنه بنفسي صدوداً.
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ٦٩/٢، وتفسير أبي الليث ١/ ٣٦٤.
(٦) في (د) و(ز): أي ترك.
(٧) وقع في إعراب القرآن للنحاس ٤٦٧/١ (والكلام منه): نحو، بدل: في.

٤٣٨
سورة النساء: الآيتان ٦٢ - ٦٣
وقيل: يريد قتلَ صاحبهم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وتمَّ الكلام، ثم ابتدأ يُخْبر عن
فعلهم، وذلك أنَّ عمر لمَّا قَتَل صاحبَهم، جاء قومُه يطلبون دِيتَه ويحلفون: ما نريد
بطلب دِيتهِ إلا الإحسانَ وموافقةَ الحقّ(١).
وقيل: المعنى: ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلَّا التوفيقَ بين الخصوم،
والإحسانَ بالتقريب في الحكم(٢). ابنُ كَيْسان: عدلاً وحقًّا، نظيرُها ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَاً
إِلَّا الْحُسْنِ﴾ [التوبة: ١٠٧](٣) فقال الله تعالى مكذِّباً لهم: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ
مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال الزجاج(٤): معناه: قد عَلِمَ اللهُ أنهم منافقون. والفائدة لنا:
اعلموا أنهم منافقون.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قيل: عن عقابهم(٥). وقيل: عن قبول اعتذارهم، ﴿وَعِظُهُمْ﴾
أي: خوَّفهم؛ قيل: في المَلَأ. ﴿وَقُل لَّهُمْ فِىَ أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيمًا﴾ أي: ازجُرْهم
بِأَبلغِ الزَّجر في السِّرِّ والخلاء. الحسنُ: قل لهم: إن أَظهرتُم ما في قلوبكم قَتَلتُكم(٦).
وقد بلُغ القولُ بلاغة، ورجلٌ بليغٌ: يَبلُغُ بلسانه كُنْهَ ما في قلبه. والعرب تقول:
أَحْمَقُ بَلْغٌ وبِلْغٌ، أي: نهايةٌ في الحَمَّاقة. وقيل: معناه: يبلُغُ ما يريد وإن كان
أَحْمَقَ(٧).
ويقال: إن قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِيهِمْ﴾ نزل
في شأن الذين بَنَوْا مسجدَ الضِّرار، فلما أَظْهَرَ اللهُ نفاقَهم وأمر(٨) بهدم المسجد،
(١) معاني القرآن للنحاس ١٢٦/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٦٩/٢ .
(٢) تفسير الواحدي ٧٤/٢ .
(٣) تفسير البغوي ١/ ٤٤٧ .
(٤) في معاني القرآن له ٢/ ٧٠ .
(٥) في (د) و(ز): متابهم.
(٦) النكت والعيون ٥٠٢/١ - ٥٠٣، وتفسير البغوي ٤٤٨/١ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٧/١، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ٧٠.
(٨) في (ظ) و(م): وأمرهم، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لما في تفسير أبي الليث ٣٦٥/١،
والكلام منه، وقد ذكر هذا الخبر عن الضحاك ومقاتل.

٤٣٩
سورة النساء: الآيات ٦٢ - ٦٥
حلفوا لرسول الله﴾ دفاعاً عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعةً الله،
وموافقةً الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ
ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ
تَوَّابًا رَّحِيمًا
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ﴾ ((مِنْ)) زائدةٌ للتَّوكيد. ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ فيما
أَمر به ونهى عنه. ﴿بِإِذْنِ اٌللَّهِ﴾: بعلم الله. وقيل: بتوفيق الله.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُولَكَ﴾ روى أبو صادقٍ(١) عن عليٍّ قال: قَدِم
علينا أعرابيٌّ بعد ما دفًّا رسولَ الله ﴾ بثلاثة أيام، فرمَى بنفسه على قبر رسول الله ﴾،
وحَثَا على رأسه من ترابه؛ فقال: قلتَ يا رسول الله، فسمعنا قولك، ووَعَيْتَ عن
الله، فَوَعَيْنا عنك، وكان فيما أنزل اللهُ عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َلَمُوْ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية،
وقد ظلمتُ نفسي، وجئتُك تستغفر(٢) لي. فنوديَ من القبر أنه قد غُفر لك(٣).
ومعنى ﴿لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا زَّحِيمًا﴾ أي: قابلاً لتوبتهم، وهما مفعولان لا غير (٤).
قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَ
يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
٦٥
فيه خمسُ مسائل :
(١) في (د): صالح، وأبو صادق هو الأَزْديُّ الكوفي، قيل: اسمه مسلم بن يزيد، وقيل: عبد الله بن
ناجذ، صدوق، وحديثه عن علي مرسل. التقريب ص٥٧١ .
(٢) في (ظ): لتستغفر.
(٣) ذكره ابن عبد البر في بهجة المجالس ٣/ ٢٧٥، دون قوله: فنودي ... وذكر النووي في المجموع
٢١٧/٨، وابن كثير في تفسير هذه الآية قصة شبيهة بها عن العُتْبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي #
فجاء أعرابي ... ، وذكر القصة بنحوها، وفي آخرها: فرأيت النبي # في النوم فقال: يا عتبي، الحق
بالأعرابي فبشِّره أن الله قد غفر له. ا. هـ. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره ص١٤٩ : هذا
المجيء إلى رسول الله ﴾ مختصٌّ بحياته، لأن السياق يدلَّ على ذلك.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٧/١.

٤٤٠
سورة النساء: الآية ٦٥
الأولى: قال مجاهدٌ وغيره: المرادُ بهذه الآية مَنْ تقدَّمَ ذِكرُه ممن أراد التَّحاكمَ
إلى الطاغوت، وفيهم نزلت(١). وقال الطبريُّ(٢): قوله ﴿فَلَا﴾ ردٌّ على ما تقدَّم
ذكره، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك، ثم استأنف القَسَمَ
بقوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقال غيره: إنما قدَّم ((لا)) على القَسَم اهتماماً بالنفي، وإظهاراً لقوَّته، ثم كرَّره
بعد القَسَم تأكيداً للَّهُمُّم بالنفي، وكان يصحُّ إسقاطُ ((لا)) الثانيةِ، ويبقى أكثرُ الاهتمام
بتقديم الأُولى، وكان يصحُّ إسقاطُ الأُولى، ويبقى معنى النفي، ويذهبُ معنى
الاهتمام (٣).
و﴿شَجَرَ﴾ معناه: اختلف واختلط، ومنه: الشَّجَرُ؛ لاختلاف أغصانه. ويقال
لعِصِيِّ الهَوْدَج: شِجَار؛ لتداخُلِ بعضِها في بعض (٤). قال الشاعر (٥):
والقومُ ضُنْكٌ لِلِّقاءِ قيامُ
نفسي فداؤك والرِّماحُ شَوَاجِرٌ
وقال طَرَفة:
وهُمُ الحكّامُ أربابُ الهدى وسُعاةُ الناسِ في الأمر الشَّجِرْ(٦)
وقالت طائفة: نزلت في الزُّبير مع الأنصاريِّ، وكانت الخصومةُ في سَقْي بستان،
فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: ((اسقِ أرضَك، ثم أرسل الماءَ إلى أرض جارك)).
فقال الخصم: أراك تُحابي ابنَ عمَّتِك(٧)؛ فتلوَّن وجهُ رسول الله ﴾ وقال للزبير:
(١) المحرر الوجيز ٧٥/٢، وأخرجه الطبري ٧/ ٢٠٤ .
(٢) في تفسيره ٧/ ٢٠٠، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٧٤.
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ٧٤.
(٤) تفسير الرازي ١٦٣/١٠ - ١٦٤.
(٥) لم نقف عليه.
(٦) لم نقف عليه في ديوانه (دار صادر)، وهو في جمهرة أشعار العرب ١/ ١٢٧ برواية:
وسراة الناس ...
وهم الحكام أرباب الندى
(٧) لم نقف على هذه العبارة لغير المصنف. وفي المصادر: ((أن كان ابن عمتك)) كما سيرد.